الرسالة الثلاثینیة
فی التحذیر
من الغلـو فـی التـکفیر
( ۱ )

أو
” رسالة الجفر
فی أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر”

للشیخ
أبی محمد عاصم المقدسی

(( یا أیها الذین آمنوا من یرتد منکم عن دینه فسوف یأتی الله بقوم یحبهم ویحبونه أذلة على المؤمنین أعزة على الکافرین یجاهدون فی سبیل الله ولا یخافون لومة لائم ذلک فضل الله یؤتیه من یشاء والله واسع علیم ))
المائدة (۵۴)

- تنویه -
أعلم جیدا أن ممن سیطلع على کتابی هذا ، من الطواغیت وأذنابهم.. ومن المرجئة وأفراخهم ، من قد یفرح به للوهلة الأولى ، ظاناً أنه من بضاعتهم المزجاة.. وهذا لا یزعجنی بحال.. لأننی أوقن أنه وبمجرد أن یطالع أی منهم ، بعض ورقات منه ، سیعرف فورا أننی لم اکتبه لسواد عیون أمثالهم..
فما کنت لأقر أعینهم بشیء مما أکتب یوما من الأیام..
وإنما کتبته نصحاً لأخوة أحبة ، وإشفاقا على آخرین..
وحرصا على جناب دعوة غالیة.. ودفعا عن دین عظیم..
فهو لمن طالعه من هؤلاء ، تمرة الأحباب..
ولمن تفحصه من أولئک حنظلة العدا..
فأسأل الله تعالى القبول..
أبو محمد

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحیم
وهو حسبی ونعم الوکیل
الحمد لله رب العالمین والعاقبة للمتقین ولا عدوان إلا على الظالمین..
وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شریک له ، کلمة قامت بها الأرض والسموات ، وجعلها الله عروة وثقى علق بها النجاة ، إذ ضمنها سبحانه حقه على العباد ، ولذا جردت لأجلها سیوف الجهاد وشرع القتال والاستشهاد ، وهی فطرة الله التی فطر الناس علیها ، ومفتاح العصمة التی دعا الأمم على ألسنة رسله إلیها ، وقطب رحى دین الإسلام ، ومفتاح دار السلام.
وأشهد ان محمدا عبده ورسوله ، أرسله سبحانه رحمة للعالمین ، وقدوة للعاملین ، ومحجة للسالکین ، وحجة على المعاندین، فصل اللهم وسلم وبارک علیه وعلى آله وأصحابه أجمعین.
وبعد..
فاعلم حفظنا الله تعالى وإیاک ، من مهاوی الإفراط والتفریط ، ومن مزالق الغلو والتقصیر أنه قد زارنی بعض الأخوة الأفاضل فی معتقل الجفر الصحراوی (۱) وذکروا لی ما یتهمنا به أذناب النظام من تکفیر الناس بالعموم ، وأنه قد اغتر بذلک بعض السماعین لهم ممن لا یملکون فرقانا بین الحق والباطل ، وبین الغث والسمین..

فقلت یومها لأولئک الاخوة على شبک الزیارة ولم یکن یومها علیه غیری ، وعساکر السجن وضباطه یستمعون ، وأنا أرفع صوتی إرادة إسماعهم ما مجمله: ( إن هذه الفریة التی ینشرها هؤلاء ما هی إلا علامة من علامات إفلاس النظام وانهزامه أمام هذه الدعوة المبارکة ، إذ لا یصیر الخصم إلى الکذب والافتراء إلا عند اندحاره وإفلاسه من الحجج والبراهین ، فنحن لا نکفر إلا من کفره الله تبارک وتعالى ورسوله صلى الله علیه وسلم ، ولا نتکلم فی کتاباتنا وخطاباتنا ودروسنا ولا ندندن إلا حول کفر عبید القانون الوضعی وأولیائه وأنصاره ، ممن یشرعونه أو یحرسونه وینصرونه ، نحذر من ذلک وندعو الناس إلى البراءة منه والکفر بطواغیته واجتناب عبادتهم ونصرتهم ، وقد بینا ذلک فی کتاباتنا التی نبذلها لکل أحد ، وقد أوصلناها للنظام ومحاکمه وعساکره ونوابه ، وکشفنا فیها زیف وزور قوانینهم وتشریعاتهم ، وما تحویه من کفر بواح وشرک صراح ، ومن ذلک کتابنا ” کشف النقاب عن شریعة الغاب ” و ” محاکمة محکمة أمن الدولة وقضاتها إلى شرع الله ” وغیره مما کتبناه فی السجن أو خارجه ، عرینا فیه قوانینهم ، وکشفنا النقاب عن وجهها الدمیم ، وأظهرنا قبحها ونتنتها ومناقضتها لشریعة الله المطهرة.. وقد واجهناهم.. بفضل الله تعالى وتوفیقه وحده.. بذلک فی کل محفل ، وفی کل مناسبة وفی کل مقام ، وصرحنا وصدعنا به بین ظهرانیهم ، وفی سجونهم ، وهززنا به أرکان محاکمهم.
فلما صدموا بقوة حجتنا ، وألجموا بظهور دعوتنا المبارکة والتفاف الشباب حولها ، وعجزوا عن ردها وإطفاء نورها ، لأنها دعوة ربانیة ترتکز على نور الوحی ، وتستند إلى مشکاة النبوة ، حادوا إلى الکذب والافتراء ، وسعوا فی محاولة تشویهها فی أعین الناس وأسماعهم.. لعلهم أن یظفروا عن طریق الکذب والافتراء ، والزور والبهتان ، بما عجزوا عنه من طریق الحجة والبرهان.. )
ولما لم یقدروا على ترقیع کفرهم الذی اتسع خرقه على الراقع ، وعجزوا عن إثبات إسلامهم المدعى ، إلا من طریق أوراقهم الثبوتیة المزیفة ، ووثائقهم وأسمائهم المزخرفة ؛ تحولوا إلى اتهامنا بتکفیر الناس أجمعین بالعموم.. وهو ما یعلم القریب والبعید أنا منه برءاؤا ، وبهتونا وسمونا بأسماء یمقتها ویکرهها وینفر منها أهل الإسلام ، کالخوارج والتکفیریین والإرهابیین والمتطرفین ، ونحوه.. وذلک کی ینفروا الناس عن دعوتنا ، ویرهبوهم من الکفر بهم ، ویصدوهم عن البراءة منهم ومن قوانینهم الکفریة ومناهجهم الشرکیة..
وشارکهم فی ذلک ، وطبل وزمر لهم أقوام غصت حلوقهم بهذه الدعوة الطیبة ، وضاقت صدورهم من ظهور زهرتها وإیناع ثمرتها ، والتفاف الشاب حولها فی مدة وجیزة ؛ إذ هی دعوة ربانیة مبارکة ، تطمئن إلیها القلوب السلیمة ، وتسلم لها الفطر المستقیمة..
وأعانهم على ذلک الطغیان والبهتان مشایخ ضلال ، وکتاب جهال ، انتسب بعضهم إلى طریقة السلف زوراً وبهتاناً ، فسودوا وجوههم وصحائفهم وأوراقهم بالتحذیر من التکفیر – هکذا بالعموم دون تفصیل – مع أن من التکفیر ما هو حکم شرعی صحیح ، له أسبابه الشرعیة وآثاره التی تترتب علیه..
وشنوا فیها الغارة على أصحاب دعوة التوحید ، بالکذب والبهتان ، والافتراء والروغان ، أعملوا فیهم أقلامهم، وأفرغوا فی أعراضهم سموم ألسنتهم وأحقادهم ، حسداً وبغیاً ، فی الوقت الذی سخروا فیه تلک الکتابات للدفع عن أهل الکفر والطغیان من کفرة الحکام ، فصدقت فیهم هم ، صفة الخوارج البارزة فی إغارتهم على أهل الإسلام وترکهم لأهل الأوثان..
وسار فی رکابهم أقوام راموا التملق للسلطة ، والتزلف إلیها ؛ لعلهم یظفرون ببعض رضاهم ، أو فتاتهم وعطایاهم.. فانطلقوا یحذرون من خطر هذه الدعوة الداهم ، ویقترحون على النظام الحلول ، یدلونه فیها على کیفیة التصدی لها.. (۲) ظانین من فرط جهلهم أنهم یقدرون بذلک على إطفاء نورها ، أو إخماد وهجها.. وما دروا انهم بذلک واهمین ، لأنهم یرومون محالا بیّـنه الله تبارک وتعالى فی کتابه حیث قال: (( یریدون أن یطفئوا نور الله بأفواههم * ویأبى الله إلا أن یتم نوره ولو کره الکافرون )) بل یسعون بذلک فی إهلاک أنفسهم کما قال سبحانه وتعالى: (( وهم ینهون عنه وینئون عنه وإن یهلکون إلا أنفسهم وما یشعرون)).
وربما استغل هؤلاء وأولئک زلات بعض الشباب ، أو اطلاقات بعض المبتدئین ، أو المتحمسین الذین لا تخلوا منهم دعوة أو جماعة ، تلک الإطلاقات التی تزول غالبا بطلب العلم الشرعی ، والنظر فی کلام العلماء ، وضبط الأصول ومعرفة القواعد والشروط والموانع ومع هذا ، فلم اکن یوما من الأیام – والعدو قبل الصدیق یعرف هذا – لأداهن فی شیء من تلک الأخطاء ، أو أقر شیئا من تلکم الإطلاقات ، لا أنا ولا غیری من الغیورین من اخوة التوحید..
وقد تصدیت لأشیاء من ذلک داخل السجن وخارجه ، وفی بلدان عدة ، وأوقات مختلفة.. فتجمعت لدی من ذلک تجارب أودعت خلاصتها فی هذه الأوراق.. وقد تنوع ذلک بحسب ما کان یحتاجه المقام ، فتارة کنت أتصدى لذلک بالنصح ، والوعظ والتذکیر ، وتارة کان ذلک بالمناظرة والجدال ، وأحیاناً بالکتابة أو الخطابة..
وکنت أبین جهدی فی ذلک کله ؛ أدلة الشرع ، وأقاویل أهل السنة والجماعة ، ومباینة تلک الأخطاء والإطلاقات لها ، نصحاً لله تعالى وکتابه ، ولسنة رسوله صلى الله علیه وسلم ، ولعامة المسلمین وخاصتهم ، وحرصاً على هذه الدعوة الغالیة من أن تشوبها شائبة ، ولذلک فإنی أحتسب عند الله ما لقیته فی سبیل ذلک من تطاول بعض الجهال أو بعض أصحاب الحماس الأجوف ، لعدم متابعتی وإقراری لما تستحسنه عقولهم من ذلک. أو لوقوفی فی وجه تلک الأخطاء والإطلاقات والممارسات.. فذلک خیر لی من إقرار أحد على الخطأ أو الغلو أو الإفراط الذی قد یشوه هذه الدعوة المبارکة ، أو یسوغ لأعدائها الذین لا یفرقون – لأنهم لا یعرفون الإنصاف – بین الراسخین فیها وبین المبتدئین ، ولا بین القائمین بها المتحملین لتکالیفها ، وبین المدعین وصلها من الأدعیاء.. ویکون مبرراً لهم وذریعة عندهم لرمیها ووصفها بالغلو والتکفیر ، أو أنها کما یزعمون ؛ من إفرازات القهر والفقر والأفکار السجونیة ، ونحو ذلک من دعاویهم الفارغة المتهافته. التی یلبسون بها أمر هذه الدعوة على الناس وینفرونهم بذلک عنها.
ولیس همی هنا الدفع عن نفسی ، فیشفینی فی ذلک ویکفینی ، قوله تبارک و تعالى (( إن الله یدافع عن الذین آمنوا إن الله لا یحب کل خوان کفور )) فما ذلک إلا بعض تکالیف هذه الطریق ، وقد وطنا النفس علیها ، وواسیناها بما طال مَن هُم خیرٌ منا، فما من نبی إلا وقد أوذی فی نفسه أو عرضه ، ولا بد لورثتهم – إن کانوا صادقین – من نصیب من تبعات ذلک المیراث..
ولذلک فإنی فی سعة صدر لکل من خالفنی أو نال منی وتعدى علی متأولاً ، فما داموا من أنصار هذه الدعوة ، لا تثریب علیهم ، یغفر الله لی ولهم وهو أرحم الرحمین.. وأصرح بهذا هنا إغاظة لأعداء الله وخصوم هذه الدعوة الذین یسعون دوما لاستغلال بعض ذلک للإیضاع بین الصفوف.. (۳).
أما من کان من خصوم دعوة التوحید ، فلیس فی حلٍّ من ذلک فی شیء ، بل الله حسیبه وإلیه وحده أرفع شکایتی..
وعلى کل حال فلیس للدفع عن شخصی وضعت هذه الأوراق ، بل کتبتها دفعاً عن دعوة غالیة ، وحفاظا على جناب دین عظیم ، وأسأل الله تبارک وتعالى أن یشغلنی ما تبقى من العمر بذلک ویتقبله منی ویستعملنی وذریتی فیه ، وأن لا یشغلنا بالدفع عن أشخاصنا أو نحو ذلک من سفاسف الأمور.. ولکن ما یجب أن یتنبه إلیه أولئک المنتسبین لدعوة التوحید ممن یشغبون على إخوانهم لأمور لم تنسجم مع تعنتهم. أو ضاقت عن استیعابها عقولهم ، أن أعداء الله وأعداء هذه الدعوة لفرط جهلهم قد ربطوا الدعوة بأشخاص حملتها ، حتى إنهم لسفههم یظنون ویحلمون بأنها ستزول وتنتهی بسجننا أو بزوال أشخاصنا ، إذ هم کما سمعناهم وسمعهم غیرنا یزعمون أننا أول من أدخل هذه الدعوة ، أو کما یسمونه ( فکر التکفیر ) ، أی: تکفیرهم هم. إلى هذه البلاد ، کذا زعموا هم ، ولم ندَّعه نحن یوما ، فلهذه الدعوة من الأنصار ، ممن سبقونا بالإیمان ونصرة الدین من هم خیر منا بأضعاف (( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذین سبقونا بالإیمان ولا تجعل فی قلوبنا غلا للذین آمنوا ربنا إنک رؤوف رحیم )) لکن ذلک زعم أعداء الله ، وخصوم هذه الدعوة ، فالذی أرید تذکیر الشباب به ، والحال کذلک – هو ما قلته مرارا لبعضهم – ان شغبهم علینا ، وطعنهم فینا ، إن کان سیحسب على أشخاصنا وینحصر فیها ، ولن یتعداها لیحمل على انه براءة وطعن بما نحمله من دعوة التوحید وعداوة للشرک والتندید ، فلیشغبوا علینا ما بدا لهم ، فالله حسبنا ونعم الوکیل ، أما إن کان ذلک سیحسب عند من لا یفرقون بین الدعوة وأشخاص حملتها ، على أنه طعن فی هذه الدعوة المبارکة وبراءة منها ، فحذار ثم حذار..
أضف إلى ذلک أن عداوتنا وخصومتنا أمست الیوم کما لا یخفى على أحد ، تستجلب رضى أعداء الله وتقرب منهم ، فحذار من خلط الأوراق.. فکم قد رأیت من ضعاف الإیمان ، من یدفع سخطهم ویستجلب رضاهم بالبراءة منا والطعن فینا.. فهذا محذور آخر یجب محاذرته ، وهو استرضاء أعداء الله والتقرب والتودد إلیهم بعداوة الموحدین ، فإن الله تبارک وتعالى یعلم خائنة الأعین وما تخفی الصدور.. وحسب من قصرت همته عن اللحاق بهذه الطائفة القائمة بنصرة هذا الدین ، وجبن عن التحیز إلیهم ونصرتهم ولو بالدعاء ، أن یکف عن التخذیل عن سبیلهم – أو إظهار عداوتهم ولیدع القافلة تسیر..
هذا وأنا اعلم أننی قد استطردت أحیاناً فی إنکار بعض الأخطاء والتشدید والإغلاظ على أصحابها ، وما ذلک إلا لخطورة تلک الأخطاء، وشناعة وقبح آثارها ، الأمر الذی یدعو فی بعض الأحیان إلى شیء من الشدة أو الحزم فی إنکارها ، تلک الشدة التی لا تدعونا بحال إلى تعدی حدود الله فی أحد من المسلمین أو إلى البراءة المطلقة منهم.. وإن کنا لا نداهن أو نتردد فی البراءة من أخطائهم وانحرفاتهم ، ولا نتحرج فی ذلک وإن أنکره من أنکره علینا ، وکیف نتحرج منه وقد أمر الله تبارک وتعالى به قدوتنا و أسوتنا صلوات الله وسلامه علیه فقال: (( واخفض جناحک لمن اتبعک من المؤمنین * فإن عصوک فقل إنی بریء مما تعملون )) فجمع فی هذا الأمر الإلهی بین رحمة المسلمین التی منها الحفاظ على حقوقهم وعدم ظلمهم أو التعدی علیهم ، وبین الحزم فی البراءة من أخطائهم کی لا تحسب على الدین أو تنسب إلیه. ویبقى الحق والحفاظ على وجه هذه الدعوة المشرق ، وجناب هذا التوحید العظیم أهم عند تعارض المصالح ، وأعز عندنا من الخلق أجمعین.. وکم أغضب وأسخط استصحابی لهذه القاعدة فی حلی وترحالی کثیراً من المقربین ، حتى قلت:
وإن یکن الرحمن لیس بساخط فلست بسخط العالمین أبالی
وعلى کل حال فالشدة إن قصد بها ردع الزائغ عن زیغه ، ورد المنحرف عن انحرافه ، وهدایته إلى الجادة والمنهاج ؛ محمودة فی مثل هذه المقام ، وهی کما ذکر شیخ الإسلام من ( مصالح المؤمنین التی یصلح الله بها بعضهم ببعض ، فإن المؤمن للمؤمن کالیدین ، تغسل إحداهما الأخرى ، وقد لا ینقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ، لکن ذلک یوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلک التخشین )(۴) وهی من جنس الدواء المر الذی یصبر المریض على مرارته ویتحملها ویتجرعه لما یرتجی من فائدة.. وقد قیل ( من بصرک فقد نصرک ، ومن وعظک فقد أیقظک ، ومن أوضح وبین – وإن شدد – فقد نصح وزین ، ومن حذر وبصر ، فقد أعذر وما قصر ).. والعامة عندنا یقولون: ( الذی یُبکّیک ویبکی علیک، خیر ممن یضحکک ویضحک علیک ).. فهذا النوع من الشدة والتخشین محمود لأن الغایة منه إصلاح المسلمین ، وبیان الحق لهم وتحذیرهم من مواضع الزلل ، دون ان یکون فی ذلک إهدار لحقوقهم الإسلامیة ، أو بغی أو تعد وظلم أو أخذ بالظنة او تقویل لهم ما لم یقولوه ، کما یفعل من یرقع ذلک بدعوى الإغلاظ على العصاة ، أو زجرهم ، ونحو ذلک من الدعاوى ، التی لا یقفون بها عند حدود الله تبارک وتعالى.. أضف إلى ذلک أننا – کما سیرى القارئ – لم نذکر أسماء فی شیء من أخطاء التکفیر التی شددنا النکیر فیها ، ولا فی غیرها ، ولا تعرضنا لأفراد معینین أو لتجمعات محددة ، إذ هذه الأوراق لیست موجهة إلى أفراد مخصوصین ، بل الغایة منها النصح والنفع العام..
ومع هذا فقد بینت فی طیّات هذه الأوراق. أن الشباب المنتسبین إلى دعوة التوحید – إن وجد عند بعضهم شیء من هذه الزلات والعثرات – فهم مع ذلک خیر قطعا – بتوحیدهم الذی یحملونه ، وبراءتهم من الشرک التی یعلنونها – من خصوم هذه الدعوة وشانئیها ، الذین لا یستحیون فی کثیر من الأحیان من إعلان البراءة من دعوة التوحید وأهلها ، فی الوقت الذی یسخرون أعمارهم وما یکتبون فی الدفع عن طواغیت الحکم ، والصد عن تکفیرهم ، وهذا لا یماحک فیه إلا مکابر ، إذ الشاهد الصارخ على ذلک ، کتبهم المطبوعة والمنشورة التی توزع بالمجان غالبا..
فمن الظلم والحیف والتطفیف مساواة جرائم هؤلاء ، التی مبعثها غالبا الشهوة والدنیا والتقرب إلى السلاطین وضمان سلامة النفس وأمانیها ؛ بعثرات أولئک الشباب التی مبعثها غالباً الغیرة على الدین، ونصرته والغضب لحرماته ومراغمة أعدائه.. فزلات أولئک الشباب المنتسبین لدعوة التوحید – إن وجدت – مهما شددنا فی إنکارها حرصا على هذه الدعوة المبارکة وأهلها ، لا تبلغ بحال مبلغ انحرافات هؤلاء.. (۵)
وهی مغمورة فی جنب التوحید العظیم الذی یحملونه ، ویبذلون مهجهم وأعمارهم فی الدعوة إلیه ، ویتحملون أصناف الأذى فی سبیل رفعته ونصرته ، فهو العروة الوثقى التی میز الله بها الخبیث من الطیب ، وفرق بها بین أولیائه وأولیاء الطاغوت ، وهو أصل الدین الذی علق الله به النجاة ، وحق الله على العباد ، الذی تطیش کفته بعشرات السجلات من الأخطاء والخطایا ، وتحرق أنواره جمیع الزلات والعثرات ما دامت دون الشرک الذی یحبط الأعمال..
ثم أما بعد..
فقد أردت بهذه الورقات أن أبین للسائل وغیره ، براءتی وإخوانی الموحدین أنصار هذه الدعوة المبارکة فی کل مکان ؛ من تهمة الغلو فی التکفیر.
وهی فرصة أن أحذر منه الشباب المتحمسین المبتدئین فی هذا الطریق ، ممن لم تثبت بعد قدمهم فی طلب العلم ، والتبصر فی الدعوة ، وضبط المسائل ومعرفة القواعد.. وذلک نصحا لدین الله وعموم المسلمین.. وإظهارا لهذه الدعوة الغالیة بوجهها الحقیقی المشرق المبارک ، فأسأله تعالى أن یتقبل ذلک منی ، وأن یعم نفعه فی المسلمین..
وقد ضمنتها:
- هذه المقدمة
۱- وفصلا فی التحذیر من الغلو فی التکفیر ؛ وفیه إشارة إلى أن تکفیر الطواغیت وأنصارهم لیس من ذلک..
۲- وآخر فی شروط وموانع وأسباب التکفیر ؛ تعلیما للشباب وضبطا للمسائل.
۳- وثالثا فی التحذیر من أخطاء شائعة أو شنیعة فی التکفیر ؛ وهو تطبیق عملی مهم للفصل الذی قبله.
۴- ورابعا فی بیان مجمل حال الخوارج وبراءة الموحدین من عقیدتهم ، وأن خصوم التوحید هم أشبه الناس بالخوارج.
۵- ثم خاتمة فی الوصیة بالثبات على طریقة الطائفة المنصورة فی إظهار الدین والقیام بأمر الله ، وعدم التفریط بذلک أو الانحراف عنه وإن خالفت طریقتها ، ما یهواه الناس أجمعون..
وسمیتها رسالة الجفر (۶) فی أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر ، أو ( الرسالة الثلاثینیة فی التحذیر من أخطاء التکفیر ) وذلک لاحتوائها على ثلاثة وثلاثین خطأ فی ذلک.
ولا یفوتنی قبل الشروع فی المقصود أن أذکر بما لا یخفى على الفطن ، من حال السجون. وعدم استقرار ظروف المعتقل ، وعدم أمانه على أوراقه ودفاتره فیها خصوصا فی بلادنا الیوم ، فکم قد صودرت منا مصنفات او ملخصات أو فوائد قد عوض الله بفضله عنها.. وکذا شح المراجع والکتب المهمة بین جدرانها ، فهذا – وقبله بداهة عدم عصمتی من الزلل – عذری إن ندَّ خلل منی أو تقصیر..
وأنا مع ذلک من أسعد الناس بالرجوع عن خطأ إن بان لی ، أو باتباع حق ظهر لی ، فحبذا بالناصحین المخلصین..
والحـمـد لله أولا وآخـرا
.. وهــو حسـبی ونعـم الـوکیـل..
وکتب / أبو محمد عاصم المقدسی
معتقل الجفر – رمضان ۱۴۱۹
من هجرة المصطفى علیه الصلاة والسلام
اللهم یا ولی الإسلام وأهله مسکنا بالإسلام حتى نلقاک

الفصل الأول

فی التحذیر من الغلو فی التکفیر

[۱]
فصل فی
التحذیر من الغلو فی التکفیر
اعلم وفقنا الله وإیاک إلى العلم النافع والعمل به ، أن موضوع التکفیر کحکم شرعی من أحکام الدین ، مع أهمیته وضرورته وتعلق کثیر من المسائل والأحکام به ؛ هو موضوع خطیر بالغ الخطورة ، تترتب علیه آثره الکثیرة فی الدنیا والآخرة.. وقد قصر فی معرفته أقوام.. فزلت فیه أقدام وضلت فیه أفهام.. فهو (أول مسألة تنازعت فیها الأمة من مسائل الأصول الکبار وهی مسألة الوعید )(۱) – کما نص شیخ الإسلام ابن تیمیة – وقال: ( اعلم أن مسائل التکفیر والتفسیق هی من مسائل الأسماء والأحکام التی یتعلق بها الوعد والوعید فی الدار الآخرة ، وتتعلق بها المولاة والمعاداة والقتل والعصمة ، وغیر ذلک فی الدار الدنیا، فإن الله سبحانه وتعالى أوجب الجنة للمؤمنین وحرم الجنة على الکافرین ، وهذا من الأحکام الکلیة فی کل وقت ومکان ) مجموع الفتاوى (۱۲/۲۵۱)
ویقول أیضاً: فإن الخطأ فی اسم الإیمان لیس کالخطأ فی اسم محدث ، ولا کالخطأ فی غیره من الأسماء إذ کانت أحکام الدنیا والآخرة متعلقة باسم الإیمان والإسلام والکفر والنفاق ) أهـ (۷/۲۴۶)
ویقول: (وکلام الناس فی هذا الاسم ومسماه کثیر ، لأنه قطب الدین الذی یدور علیه ولیس فی القول اسم علق به السعادة والشقاء ، والمدح والذم والثواب والعقاب أعظم من اسم الإیمان والکفر، لذا سمی هذا الأصل مسائل الأسماء والأحکام) أهـ (۱۳/۳۴).
والمتابع لموضوع التکفیر فی کتب الفقه على سبیل المثال ، یرى بوضوح تعلق کثیر من المسائل والأحکام به ویعرف أهمیة هذا الموضوع وخطورته حقاً..
• خذ مثلاً ، فی أحوال الحکام وما یتعلق بهم:
- حیث تجب مولاة الحاکم المسلم ونصرته وطاعته ، ولا یجوز الخروج علیه أو منازعته ما لم یظهر کفراً بواحاً ، والصلاة خلفه والجهاد معه مشروع براً کان أو فاجراً ، ما دام فی دائرة الإسلام محکماً لشرع الله.. والسلطان المسلم ولی من لا ولی له من المسلمین.
- أما الحاکم الکافر فلا تجوز بیعته ولا تحل نصرته ولا موالاته ، أو معاونته ، ولا یحل القتال تحت رایته ، ولا الصلاة خلفه ولا التحاکم إلیه ، ولا تصح ولایته على مسلم.. ولیس له علیه طاعة ، بل تجب منازعته والسعی فی خلعه والعمل على تغییره(۲) ، وإقامة الحاکم المسلم مکانه..
ویتفرع من ذلک کفر من تولاه أو نصر کفره أو قوانینه الکافرة وحرسها أو شارک فی تثبیتها أو تشریعها أو حکم بها من القضاة ونحوهم..
• وفی أحکام الولایة: لا تصح ولایة الکافر على المسلم ، فلا یصح أن یکون الکافر والیاً أو قاضیاً للمسلمین ، ولا إماماً للصلاة بهم.. ولا تصح ولایته على مسلمة فی نکاح ، ولا ولایته أو حضانته لأبناء المسلمین ، ولا وصایته على أموال الأیتام منهم ونحو ذلک.
• وفی أحکام النکاح: لا یجوز نکاح الکافر من المسلمة ولا یکون ولیها فی النکاح(۳).. وإذا نکح مسلم مسلمة ثم ارتد بطل نکاحه وفرق بینهما..
• وفی أحکام المواریث: اختلاف الدین مانع من التوارث عند جماهیر العلماء.
• وفی أحکام الدماء والقصاص: لا یقتل مسلم بکافر.. ولیس فی قتل الکافر المحارب أو المرتد، عمداً أو خطأ کفارة ولا دیة ، والمسلم بخلاف ذلک..
• وفی أحکام الجنائز: لا یصلى على الکافر ولا یغسل ولا یدفن فی مقابر المسلمین ، ولا یجوز الاستغفار له والقیام على قبره بخلاف المسلم.
• وفی أحکام القضاء: لا تصح ولایة القضاء للکافر ، ولا یجوز شهادة الکافر على المسلم.. ولا یحل التحاکم الى القاضی الکافر المحکم لقوانین الکفر. ولا تنفذ أحکامه شرعاً ولا یترتب علیها آثارها..
• وفی أحکام القتال: یفرق بین قتال الکفار والمشرکین والمرتدین ، وبین قتال المسلمین من البغاة والعصاة.. فلا یتبع مدبرهم ولا یجهز على جریحهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى نساءهم ونحو ذلک مما یفعل ویستباح فی قتال الکفار ، والأصل فی دم المسلم وماله وعرضه ، العصمة بالإیمان.. أما الکافر فالأصل فیه الإباحة إلا أن یعصم بالأمان ونحوه..
• وفی أحکام الولاء والبراء: تجب مولاة المسلم ولا تجوز البراءة الکلیة منه ، وإنما یتبرأ من معاصیه.. وتحرم مولاة الکافر أو نصرته على المسلمین أو إطلاعه على عوراتهم.. بل تجب البراءة منه وبغضه ولا تجوز موادته.
إلى غیر ذلک من الأحکام الشرعیة المتعلقة بهذا الأمر الخطیر والمتأثرة به.. فما هذا إلا غیض من فیض ، قصدنا به التمثیل والتنبیه.. والأدلة على ذلک کله معلومة معروفة فی مظانها من کتب الفقه وغیرها..
فمن لم یمیز بین الکافر والمسلم التبس علیه أمره ودینه فی ذلک کله..
ولک أن تتأمل ما یترتب من مفاسد ومحاذیر ومنکرات بسبب خلط أحکام المسلمین بأحکام الکفار فیما تقدم من الأمثلة.. وقد قال تبارک وتعالى فی شیئ من ذلک: (( إلا تفعلوه تکن فتنة فی الأرض وفساد کبیر)).. ولیس بخاف على أحد ما نراه الیوم من اختلاط الحابل بالنابل ، واختلال الموازین عند کثیر من المنتسبین للإسلام فی هذه المسائل والأحکام الشرعیة وغیرها.. وذلک بسبب تقصیرهم بل إهمال أکثرهم.. النظر فی هذا الحکم الخطیر وعدم تمییزهم أو فرقانهم بین المسلمین والکفار.. ویظهر ذلک جلیاً فی تخبط عوامهم وخواصهم فی کثیر من الأحکام والمعاملات والعبادات والموالاة والمعاداة ، وغیر ذلک من أمور.
مع ان الله تبارک وتعالى قد میز وفرق فی أحکام الدنیا والآخرة بین أهل الکفر وأهل الإیمان ، وأکد هذا الفرقان فی غیر موضع فی کتابه: فقال تبارک و تعالى (( لا یستوی أصحاب النار وأصحاب الجنة )) وقال تبارک وتعالى منکراً على من سوى بین الطائفتین وخلط بین أحکامهم: (( أفنجعل المسلمین کالمجرمین مالکم کیف تحکمون ؟)) وقال سبحانه وتعالى: (( أفمن کان مؤمنا کمن کان فاسقاً لا یستوون )) وقال عز وجل: (( قل لا یستوی الخبیث ولا الطیب ولو أعجبک کثرة الخبیث )) وقال عز من قائل: (( لیمیز الله الخبیث من الطیب)) فالله تبارک وتعالى یرید أن یمیز الخبیث من الطیب ، ویرید سبحانه فرقاناً شرعیاً بین أولیائه وأعدائه فی أحکام الدنیا والآخرة..
ویرید الذین یتبعون الشهوات من عبید القوانین أن یسووا بینهم، ولذلک ألغوا من دساتیرهم أی أثر للدین فی التفریق والتمیز بین الناس ، ولم یبقوا فی شیء من قوانینهم أی عقوبة دینیة فعطلوا کافة حدود الله وعلى رأسها حد الردة وساووا فی أحکام الدماء والأعراض والفروج والأموال وغیرها بین المسلمین والکفار ، وألغوا الآثار الشرعیة المترتبة على الکفر والردة فی ذلک کله..
وتتبع هذا یطول وقد حل بسببه من الفساد فی البلاد والعباد ما لا یعلم تشعبه وخبثه وآثاره المدمرة إلا الله عز وجل ، وقد أشرنا إلى شیء من ذلک فی کتابنا ( کشف النقاب عن شریعة الغاب ) ، وهو أمر غیر مستغرب ولا مستهجن من قوم قد انسلخوا من الدین وارتموا فی أحضان الکفار ، وأسلموا قیادهم لأولیاء نعمتهم الذین قسموا لهم دیار المسلمین وأوصلوهم إلى کراسی الحکم واصطنعوهم فی أحضانهم وأرضعوهم من کفریاتهم..
من یمت یسهل الهوان علیه ما لجرح بمیت إیلام
وإنما المستغرب الذی یثیر العجب أن یقع فی شیء من ذلک کثیر من المنتسبین إلى الدعوة والدین.. ! فیموت عندهم التمییز بین المسلمین والکفار ، ویعدم بینهم الفرقان بین أولیاء الرحمن وأولیاء الشیطان.. وذلک بإهمالهم لأحکام التکفیر ، وإعراضهم عن تعلمها وعن النظر فی أحکام الواقع الذی یعیشون فیه، وحکم الحکام المتسلطین فیه وحکم أنصارهم وأولیائهم..
فما فتئ کثیر منهم بسبب ذلک ، أن صاروا للطواغیت جندا محضرین، وأذناباً مخلصین، وما المانع ؟؟ فهؤلاء الحکام عندهم مسلمون.. !! وفی المقابل شنوا الغارة على کل موحد وداعیة ومجاهد وقف فی وجه أولئک الطواغیت، أو شمر عن ذراعه ویراعه یکشف زیوفهم ، ویحذر المسلمین من قوانینهم وکفریاتهم وباطلهم ویدعوهم إلى اجتنابهم والبراءة من شرکهم وتشریعهم الذی ما أنزل الله به من سلطان..
فشمر هؤلاء الذین طمس الله على بصائرهم، وحرمهم بإعراضهم عن تعلم أهم مسائل الکفر والإیمان ، من الفرقان والبصیرة فی أحکام المسلمین والکفار ، شمروا عن ساق العداوة لأولئک الموحدین ، ودفعوا فی نحورهم وصدورهم بکل ما یملکونه من کذب وبهتان ، طعنوا فی أعراضهم ، وصدوا عن دعوتهم، وخذلوا دونهم ، وأوضعوا خلالهم یبغونهم الفتنة..
ولم یجدوا فی ذلک أدنى حرج ، فهم – زعموا- یتقربون بذلک إلى الله تبارک وتعالى ، فأولئک الموحدون عندهم ، خوارج مارقون ، قد قال رسول الله صلى الله علیه و سلم فی أمثالهم !! ( لئن أدرکتهم لأقتلنهم قتل عاد) (۳) وهم جزما!! ( شر قتلى تحت أدیم السماء )(۴) و( شر الخلق والخلیقة ) (۵) ، بل هم عندهم قطعا !! ( کلاب النار ) ولذلک فلا حرج عندهم حتى لو تعاونوا مع الطواغیت أو ناصحوهم فی قمعهم !! أو ظاهروا أنصارهم علیهم.. !!
فالطواغیت وأنصارهم مسلمون عصاة.. !! یتورع أولئک القوم لا عن تکفیرهم وحسب ، بل حتى عن غیبتهم !! وهؤلاء الموحدون مبتدعة مارقون.. !! لا ینبغی التوقف أو التورع فیهم ، فالبدعة على أصول أهل السنة ، شر وأخطر من المعصیة..
هکذا وبهذا التأصیل المنحرف عن جادة السلف.. وبهذا الأخذ المشوه لنصوص الشریعة فی غیاهب ظلمات العمایة فی واقع هذه الحکومات ،وباستخفافهم وإعراضهم عن تعلم أحکام التکفیر.. والوا الطواغیت والمشرکین وعادوا المؤمنین والموحدین.. وترکوا أهل الأوثان وأغاروا على أهل الإسلام..
إذ أن فساد فَهْم الأصول ، إضافةً إلى جهل مدقع فی الواقع ، یوجب فساد تطبیقها فی الفروع ، ویثمر ضلالاً عن الجادة والمنهاج.. لذلک انطلق الخوارج -کما قال ابن عمر – إلى آیات أنزلت فی الکفار فجعلوها فی المؤمنین. وهؤلاء انطلقوا إلى آیات فی حق المؤمنین و الموحدین فجعلوها فی الکفار والملحدین.. !!
ولذلک فإن من أعظم أنواع الخیانة التی یمارسها الیوم بعض الرؤوس الجهال الذین إتخذهم کثیر من الشباب قدوة و أسوة ، فضلوا وأضلوا کثیراً ، وضلوا عن سواء السبیل ؛ خیانتهم للأمانة ، بتحذیرهم المطلق من الکلام فی أحکام التکفیر ، وصدهم الشباب دوماً عن النظر فی هذا الباب ، وصرفهم عن تعلمه ، باعتباره من الفتنة التی یجب التحذیر منها بإطلاق. (۶)
وترى أحسن مشایخهم طریقة ممن یشار إلیه بالبنان ، یوجه سؤاله ببلاهة إلى المکفرین للحکام ، قائلاً: ” ماذا تستفیدون من الناحیة العملیة إذا سلمنا –جدلاً- أن هؤلاء الحکام کفار کفر ردة ؟” (۷)وقول الآخر بعد أن علق على الکلام الأول: (هذا کلام جید ) ؛ (یعنی هؤلاء الذین یحکمون على ولاة المسلمین بأنهم کفار ، ماذا یستفیدون إذا حکموا بکفرهم.. )(۸) إلى آخر هرائه حیث قال فی آخره: ( فما الفائدة من إعلانه وإشاعته إلا إثارة الفتن ؟ کلام الشیخ.. هذا جید جداً ) !!
ویکتب ذلک وینشر بین الشباب فی عشرات بل مئات الکتب والنشرات التی ألفت فی التحذیر المطلق من التکفیر.. وأغلبها مما یوزع بالمجان !! ویسخر ذلک کله للدفع عن طواغیت العصر وأنصارهم.. و الهجوم على خصومهم من الموحدین ، والمجاهدین الذین یفنون أعمارهم ویبذلون مهجهم وأرواحهم فی جهاد أهل الشرک وحرب قوانینهم ، ونصرة شریعة الله المطهرة ، والعمل من أجل تحکیمها..
هذا وقد طالعت عشرات الکتب –من جنس ذلک – کتبها طائفة من أهل التخذیل والتلبیس والتدلیس ، یحذرون الشباب مطلقاً من التکفیر ، مع أن التکفیر حکم من أحکام الشرع ، له أسبابه وضوابطه وشروطه وموانعه وآثاره ، فلا ینبغی الصد عن تعلمه أو التخذیل عن النظر والتفقه فیه ، شأنه فی ذلک شأن سائر أحکام الشرع وأبوابه.. فقد عرفت مما تقدم بعض الآثار المترتبة على إهماله.. وعرفت ما یرتبط بهذا الحکم من مسائل وأحکام فی شتى أبواب الدین..
وأنه سبب رئیس للتمیز بین سبیل المؤمنین وسبیل المجرمین ومن أهمله خلط فیه ، واختلطت علیه سبیل المؤمنین بسبیل الکافرین والتبس عنده الحق بالباطل ، وحرم الفرقان والبصیرة فی أهم أبواب الدین.
یقول العلامة ابن القیم رحمه الله تعالى تحت عنوان (قاعدة جلیة ): ” قال تعالى (( وکذلک نفصل الآیات ولتستبین سبیل المجرمین )) وقال تعالى (( ومن یشاقق الرسول من بعد ما تبین له الهدى ویتبع غیر سبیل المؤمنین نوله ما تولى )) الآیة ، والله تعالى قد بین فی کتابه سبیل المؤمنین مفصلة ، وسبیل المجرمین مفصلة ، وعاقبة هؤلاء مفصلة ، وعاقبة هؤلاء مفصلة ، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء ، وأولیاء هؤلاء وأولیاء هؤلاء ، وخذلانه لهؤلاء وتوفیقه لهؤلاء ، والأسباب التی وفق بها هؤلاء والأسباب التی خذل بها هؤلاء ، وجلّى سبحانه الأمرین فی کتابه ، وکشفهما وأوضحهما وبینهما غایة البیان ، حتى شاهدتهما البصائر کمشاهدة الأبصار للضیاء والظلام.
فالعالمون بالله وکتابه ودینه عرفوا سبیل المؤمنین معرفة تفصیلیة ، وسبیل المجرمین معرفة تفصیلیة ، فاستبانت لهم السبیلان ، کما یستبین للسالک الطریق الموصل إلى مقصوده ، والطریق الموصلة إلى الهلکة.
فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس ، وأنصحهم لهم ، وهم الأدلاء الهداة ، وبذلک برز الصحابة على جمیع من أتى بعدهم إلى یوم القیامة ، فإنهم نشأوا فی سبیل الضلال والکفر والشرک والسبیل الموصلة إلى الهلاک وعرفوها مفصلة ثم جاءهم الرسول صلى الله علیه وسلم فأخرجهم من تلک الظلامات إلى سبیل الهدى وصراط الله المستقیم ، فخرجوا من الظلمة الشدیدة إلى النور التام ، ومن الشرک إلى التوحید ، ومن الجهل إلى العلم ومن الغی إلى الرشاد ، ومن الظلم إلى العدل ، ومن الحیرة والعمى إلى الهدى والبصائر ، فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به ، ومقدار ما کانوا فیه ، فإن الضد یظهر حسن الضد ، وإنما تتبین الأشیاء بأضدادها ، فازدادوا رغبة ومحبة فیما انتقلوا إلیه ، ونفرة وبغضاً لما انتقلوا عنه ، وکانوا أحب الناس فی التوحید والإیمان والإسلام ، وابغض الناس فی ضده ، عالمین بالسبیل على التفصیل، وأما من جاء بعد الصحابة ، فمنهم من نشأ فی الإسلام غیر عالم تفصیل ضده فالتبس علیه بعض تفاصیل سبیل المؤمنین بسبیل المجرمین ، فإن اللبس إنما یقع إذا ضعف العلم بالسبیلین أو أحدهما ، کما قال عمر ابن الخطاب ، إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فی الإسلام من لم یعرف الجاهلیة ، وهذا کمال علم عمر رضی الله عنه.. فمن لم یعرف سبیل المجرمین ولم تستبین له ، أوشک أن یظن بعض سبیلهم أنها من سبیل المؤمنین ، کما وقع فی هذه الأمة من أمور کثیرة فی باب الاعتقاد والعلم والعمل هی من سبیل المجرمین والکفار وأعداء الرسل ، أدخلها من لم یعرف أنها من سبیلهم فی سبل المؤمنین ودعا إلیها وکفّر من خالفها واستحل ما حرمه الله ورسوله کما وقع لأکثر أهل البدع من الجهمیة والقدریة والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إلیها وکفّر من خالفها) أهـ.
ثم بین أن الناس فی هذا الموضع أربع فرق ، فرقة ( عمت عن السبیلین من أشباه الأنعام وهؤلاء بسبیل المجرمین أحضر ولها أسلک ) وفرقة (صرفت عنایتها إلى معرفة سبیل المؤمنین دون ضدها ) وفرقة (عرفت سبیل الشر والبدع والکفر مفصلة وسبیل المؤمنین مجملة ).. وقال ؛ وفرقة هی الأولى: ( من استبان له سبیل المؤمنین وسبیل المجرمین على تفصیل علماً وعملاً ، وهؤلاء أعلم الخلق ) أهـ من الفوائد مختصراً ص (۱۰۸) فصاعد.
وبعد.. فإنما قدمنا لک هذه التوطئة فی هذا الفصل ، کمقدمة بین یدی الغایة من عقده ؛ حتى لا نکیل بمکیال أولئک الخوالف الذین خلطوا الحق بالباطل بصدهم عن التکفیر مطلقاً، فلیس غایتنا هنا التحذیر من مطلق أحکام التکفیر ، وإنما کما هو عنوان الفصل.. التحذیر من الغلو فی التکفیر.
فإنه وکما قد فرط فی الحکم الشرعی أقوام ، وأعرضوا عن تعلمه ومیعوه وحذروا منه بإطلاق ، ورهبوا الشباب من الاقتراب منه أبداً ، فکان لذلک ما عرفت من آثاره المتقدمة..
فقد قابلهم أقوام أفرطوا وغلوا فی اقتحام أبوابه ، دون علم أو بصیرة.. فأعملوا سیوف التکفیر وأسنته فی أمة محمد صلى الله علیه وسلم ، دون ضابط من الشرع أو وازع من ورع أو خشیة ومخافة من الله..
ودین الله الحق بین الغالی فیه ، والجافی عنه.. فلا هو مع هؤلاء فی إفراطهم وغلوهم ، ولا هو مع أولئک فی تفریطهم وتمییعهم. والفرقة الناجیة والطائفة المنصورة القائمة بدین الله ، لا یضرهم من خالفهم ، ولا من خذلهم ، حتى یأتی أمر الله ، هم الذین حذر الله تبارک وتعالى من اتباع غیر سبیلهم فقال: (( ومن یشاقق الرسول من بعد ما تبین له الهدى ویتبع غیر سبیل المؤمنین نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصیرا )) ، ” فمن دونهم مقصر ومن فوقهم مفرط ، وقد قصر دونهم أناس فجفوا.. وطمح فوقهم آخرون فغلوا.. وإنهم فیما بین ذلک لعلى هدى مستقیم ” (۹).
هذا وقد جاءت النصوص الشرعیة تحذر وتنهى عن الغلو فی الدین عموماً
- فروى الإمام أحمد (۱/۲۱۵،۳۴۷) والنسائی وابن ماجة وغیرهم أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( إیاکم والغلو فی الدین فإنما هلک من قبلکم بالغلو فی الدین) (۱۰)
- وروى الطبرانی فی الکبیر وغیره أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( صنفان من أمتی لن تنالهم شفاعتی ، إمام ظلوم غشوم ، وکل غال مارق ) وهو حدیث حسن.
کما جاءت النصوص الشرعیة أیضاً متضافرة تحذر من الغلو فی التکفیر ، على وجه الخصوص ، وترهب من تعدی حدود الله التی حدّها سبحانه فیه..
- فمن ذلک ما رواه البخاری فی صحیحه فی کتاب الأدب ( باب من کفر أخاه بغیر تأویل فهو کما قال ) عن أبی هریرة رضی الله عنه أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: ( إذا قال الرجل لأخیه یا کافر فقد باء به أحدهما )
- وعن ثابت بن الضحاک عن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( من حلف بملة غیر الإسلام کاذباً فهو کما قال ، ومن قتل نفسه بشیء عذب به فی نار جهنم ، ولعن المؤمن کقتله ، ومن رمى مؤمناً بالکفر فهو کقتله ).
وروى أیضاً فی الکتاب نفسه من صحیحه فی ( باب ما ینهى عن السباب واللعن)
- عن أبی ذر أنه سمع النبی صلى الله علیه وسلم یقول: ( لا یرمی رجل رجلاً بالفسوق ولا یرمیه بالکفر ، إلا ارتدت علیه ، أن لم یکن صاحبه کذلک )
- ورواه مسلم فی صحیحه فی کتاب الإیمان عن أبی ذر أیضاً أنه سمع رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: ( لیس من رجل أدعى لغیر أبیه وهو یعلمه إلا کفر ، ومن ادعى ما لیس له فلیس منا ولیتبوأ مقعده من النار ، ومن دعا رجلاً بالکفر أو قال: عدو الله ، ولیس کذلک إلا حار علیه)
- وروى الحافظ أبو یعلى عن حذیفة بن الیمان قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( إن مما أتخوف علیکم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤیت بهجته علیه ، وکان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله ، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره ، وسعى على جاره بالسیف ورماه بالشرک ، قال: قلت: یا نبی الله ، أیهما أولى بالشرک المرمی أم الرامی ؟ قال: بل الرامی )
وذکره الحافظ ابن کثیر عند تفسیر قوله تعالى: (( واتل علیهم نبأ الذی آتیناه آیاتنا فانسلخ منها فأتبعه الشیطان فکان من الغاوین. )) ، وقال: إسناده جید.
ورواه الطبرانی فی الکبیر والصغیر کما فی مجمع الزوائد (۵/۲۲۸) عن معاذ بن جبل مرفوعا بلفظ أطول ، من طریق شهر بن حوشب وهو مختلف فیه من العلماء من صحح حدیثه ومنهم من ضعفه.
ففی هذه الأحادیث الصحیحة من الوعید والتهدید ، ما یجعل أولی الألباب یحتاطون لدینهم أشد الاحتیاط فی هذا الباب الخطیر، إذ أن ظاهرها قاض بأن من کفر مسلماً بما لم یکفره الله تعالى أو رسوله صلى الله علیه وسلم فقد کفر هو بذلک وهذا وعید شدید استشکله العلماء ، ولذلک ذکروا فیه عدة تأویلات ، ومما رجحه بعضهم من ذلک ؛ أن من اعتاد الهجوم على مثل هذه المعصیة الکبیرة ، وتجرأ على تعطیلها ، فإن ذلک یؤدی به إلى الکفر ، أو یختم له به ، لأن المعاصی برید الکفر وکبارها أسرع إلیه من صغارها ، والمستهتر بالکبائر یخشى علیه أن یجره استهتاره إلى اقتحام أسباب الکفر وتعاطیها ، وإلى هذا المعنى أشرنا بمسمى أوراقنا هذه حین قلنا ( … أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر ).. وقد ذکر النووی فی شرحه لمسلم استشکال بعض العلماء لظاهر الوعید فی هذه الأحادیث.. وذلک لأن مذهب أهل الحق ، أهل السنة والجماعة ، أن لا یکفر المسلم بالمعاصی ، ومن ذلک قوله لأخیه ( کافر ) ، من غیر اعتقاد بطلان دین الإسلام. لذلک ذکر فی تأویله خمسة أوجه:
- أحدها: أنه محمول على المستحل لذلک وهذا یکفر.
- الوجه الثانی: معناه رجعت علیه نقیصته لأخیه ومعصیة تکفیره.
- الثالث: أنه محمول على الخوارج المکفرین للمؤمنین ، نقله القاضی عیاض عن الإمام مالک بن أنس.
- الرابع: معناه أن ذلک یؤول به إلى الکفر ، وذلک أن المعاصی کما قالوا برید الکفر ، ویخاف على المکثر منها أن یکون عاقبة شؤمها المصیر إلى الکفر.
- الوجه الخامس: معناه قد رجع علیه تکفیره ، فلیس الراجع حقیقة الکفر بل التکفیر لکونه جعل أخاه المؤمن کافراً ، فکأنه کفر نفسه ، إما لأنه کفر من هو مثله ، وإما لأنه کفر من لا یکفره إلا کافر یعتقد بطلان دین الإسلام ، والله أعلم ) أ هـ مختصراً من شرح مسلم.
- هذا وقد ضعف النووی الوجه الثالث المروی عن مالک ، بدعوى أن الخوارج عند الأکثرین لا یکفرون ببدعتهم ، وتعقبه الحافظ فی الفتح فقال: ( ولما قاله مالک وجه ، وهو أن منهم من یکفر کثیراً من الصحابة ، ممن شهد له الرسول صلى الله علیه وسلم بالجنة والإیمان ، فیکون تکفیرهم من حیث تکذیبهم للشهادة المذکورة(۱۱) ، لا من مجرد صدور التکفیر منهم بالتأویل ).. ثم قال: ( والتحقیق أن الحدیث سیق لزجر المسلم عن أن یقول ذلک لأخیه المسلم ، وذلک قبل وجود فرقة الخوارج وغیرهم ) أهـ
• یقول ابن دقیق العید فی معنى هذه الأحادیث: ( وهذا وعید عظیم لمن کفر أحداً من المسلمین ولیس کذلک ، وهی ورطة عظیمة وقع فیها خلق کثیر من المتکلمین ، ومن المنسوبین إلى السنة وأهل الحدیث لما اختلفوا فی العقائد ، فغلظوا على مخالفیهم ، وحکموا بکفرهم ) أ هـ. إحکام الأحکام شرح عمدة الأحکام (۴/۷۶)
• ویقول الشوکانی فی السیل الجرار: ( اعلم أن الحکم على الرجل المسلم بخروجه من دین الإسلام ودخوله فی الکفر لا ینبغی لمسلم یؤمن بالله والیوم الآخر أن یقدم علیه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار ، فإنه قد ثبت فی الأحادیث المرویة من طریق جماعة من الصحابة أن من قال لأخیه: یا کافر فقد باء بها أحدهما …) وساق الأحادیث ثم قال: ( ففی هذه الأحادیث وما ورد موردها أعظم زاجر ، وأکبر واعظ عن التسرع فی التکفیر. ) (۴/۵۷۸)
وقال: ( فإن الإقدام على ما فیه بعض البأس لا یفعله من یشح بدینه ، ولا یسمح به فیما لا فائدة فیه ولا عائدة ، فکیف إذا کان یخشى على نفسه إذا أخطأ ، أن یکون فی عداد من سماه رسول الله صلى الله علیه وسلم کافراً ، فهذا {لا} یقود إلیه العقل فضلاً عن الشرع ) أهـ (۴/۵۷۹) وما بین المعکوفین زیادة منی یقتضیها السیاق لعلها سقطت من المطبوع.
• ویقول ابن حجر الهیثمی فی الزواجر عن اقتراف الکبائر: ( الکبیرة الثانیة والثالثة والخمسون بعد الثلاثمائة ، قول إنسان لمسلم: یا کافر أو یا عدو الله ، حیث لم یکفره به ، بأن لم یرد به تسمیة الإسلام کفراً ، وإنما أراد مجرد السب ) وذکر الحدیث المتقدم ثم قال: ( وهذا وعید شدید وهو رجوع الکفر علیه أو عداوة الله له ، وکونه کإثم القتل ، فلذلک کانت إحدى هاتین اللفظتین إما: -
- کفراً بأن یسمی المسلم کافراً أو عدوا لله من جهة وصفه بالإسلام ، فیکون قد سمى الإسلام کفراً ومقتضیاً لعداوة الله ، وهذا کفر.
- وإما کبیرة بأن لا یقصد ذلک ، فرجوع ذلک إلیه حینئذ کنایة عن شدة العذاب والإثم علیه وهذا من إمارات الکبیرة ) أهـ
وقد نص ابن القیم فی اعلام الموقعین ( ۴/۴۰۵) على أن: ( من الکبائر تکفیر من لم یکفره الله ورسوله ) أهـ
قلت: لاشک أن وصف الشرع للذنب بالکفر یمیزه عن سائر المعاصی ، ولذلک فإن کون الذنب الذی نحذر منه ؛ کبیرة من کبائر الذنوب ، أمر لا یتبادر إلیه الشک ، وقد رأیت أن فی تأویلات العلماء للحدیث ؛ من وجهه إلى الکفر الأکبر ، ومما یؤکد کونه کبیرة عظیمة من کبائر الذنوب ، وصف النبی صلى الله علیه وسلم له ، فی حدیث ثابت بن الضحاک المتقدم بقوله: (.. لعن المؤمن کقتله ، ومن رمى مؤمناً بکفر فهو کقتله )
ومعلوم ما ورد من الوعید الشدید فی قتل المؤمن ، ومن ذلک قوله تعالى: ((ومن یقتل مؤمن متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فیها وغضب الله علیه ولعنه وأعد له عذاباً عظیماً)) (۹۳) النساء
ومما یناسب تشبیه وعید تکفیر المسلم بغیر دلیل ، بوعید قاتله بغیر حق.. أن حکم المرتد القتل ، کما فی حدیث (من بدل دینه فاقتلوه )(۱۲) فمن کفر مسلماً وحکم علیه بالردة بغیر دلیل ، فهو کمن رأى قتله بغیر حق.. فتأمل بعد هذا.. وعید قاتل المؤمن ما أعظمه وما أشده.. (( فجزاؤه جهنم خالداً فیها، وغضب الله علیه ، ولعنه وأعد له عذاباً عظیماً )) وانظر ما ورد فی ذلک من وعید فی الأحادیث الواردة فی سفک الدم الحرام ، وراجع تشدید ابن عباس فیه.. ثم اختر لدینک بعد ذلک ما شئت ؛ التثبت والوقوف عند حدود الله ، والورع والاحتیاط.. أو التهور والمغامرة فیه ، باقتحام هذه المهلکات دون بصیرة أو برهان ؟
وفی الحدیث الصحیح: (لزوال الدنیا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) رواه الترمذی والنسائی وابن ماجه.
هذا ومما یعرفک أن من العلماء من أخذ وعید هذه الأحادیث على ظاهره ، أن طائفة ممن جنحوا منهم إلى تکفیر الخوارج(۱۳) ؛ قد استدلوا لذلک بالأحادیث المتقدمة:
• منهم أبو منصور عبد القاهر البغدادی ( ۴۲۹هـ) ، حیث قال فی سیاق ذکره للأصول التی اجتمع علیها أهل السنة:
(وقالوا بمروق أهل النهروان على الدین ،لأن النبی صلی الله علیه وسلم سماهم مارقین ، لأنهم کفروا علیا وعثمان وعائشة وابن عباس وطلحة والزبیر ، وسائر من اتبع علیِا بعد التحکیم ، وأکفروا کل ذی ذنب من المسلمین. ومن أکفر المسلمین وأکفر أخیار الصحابة ، فهو الکافر دونهم ) أهـ ۳۵۱ من الفرق بین الفرق.
• وکذا القاضی أبو بکر ابن العربی (۵۴۳هـ) حیث قال وهو یعدد أوجه الحکم بتکفیرهم: ( ولحکمهم على کل من خالف معتقدهم بالکفر والتخلید بالنار فکانوا هم أحق بالاسم منهم ) (۱۴)
• وکذا تقی الدین السبکی فی فتاواه احتج بذلک حیث ساق حدیث (من رمى مسلماً بالکفر أو قال عدو الله إلا حار علیه ) ثم قال: ( وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم یرمون جماعة بالکفر ممن حصل عندنا القطع بإیمانهم فیجب أن یحکم بکفرهم بمقتضى خبر الشارع.. ) إلى قوله: ( ولا ینجیهم اعتقاد الإسلام إجمالاً والعمل بالواجبات عن الحکم بکفرهم کما لا ینجی الساجد للصنم ذلک ) (۱۵)
وخلاصة القول بعدما تقدم من کلام حول الأحادیث.. إن تعدى حدود الله فی هذا الحکم الخطیر ، مهلکة لا یغامر فی اقتحامها إلا رقیق الورع المستخف بدینه.. وإلا فإن فی الأحادیث المتقدمة من الوعید ما فیه رادع لأصحاب القلوب السلیمة عن التکلم فی هذا الباب إلا عن علم وبصیرة ، مع الاحتیاط اللازم للدین.. فإن ذنباً سماه الله على لسان الرسول صلى الله علیه وسلم کفراً ، لیس کغیرة من الذنوب.. بل إما أن یکون کفراً على الحقیقة أی مخرج من الملة ، على وجه من الوجوه المتقدمة أو یکون بریداً للکفر یؤدی ویوصل إلیه.. أو یکون على أقل تقدیر کبیرة من کبائر الذنوب ، إذ هذا الوعید کما تقدم ، هو من إمارات الکبیرة ، وعلاماتها ، وهو من جنس وعید قاتل المؤمن.. فإذا کان هذا الوعید بهذه الصورة التی عرفت، قد ورد فی تکفیر المرء لرجل مسلم واحد.. فکیف یکون فیما یتقحمه بعض المتهورین من رمی عموم جماهیر المسلمین بالتکفیر ، لبعض شبهات عندهم ، لا ترقى إلى قوة الأدلة الشرعیة.. ؟؟ لا شک أن هذا مع ضلالته وفساده وبطلانه ، ینطوی على مرض فی القلب ، أو غل على المسلمین ، أو تیه وعجب بالنفس کی یستثنیها ویستخلصها من بین ألوف بل ملایین مَنْ حکم علیهم بالهلاک ، وهو فی الحقیقة أهلکهم، کما روى مسلم فی صحیحه عن أبی هریرة رضی الله عنه أن الرسول صلى الله علیه وسلم قال: ( إذا قال الرجل هلک الناس فهو أهلکُهم ) ورواه مالک وأبو داود، کما ذکر المنذری فی الترغیب والترهیب وقال: ( وفسره مالک ؛ إذا قال ذلک معجباً بنفسه مزدریاً بغیره ، فهو أشد هلاکاً منهم ، لأنه لا یدری سرائر الله فی خلقه ) أهـ.
وقال النووی: ( روی أهلکهم على وجهین مشهورین ، رفع الکاف وفتحها والرفع أشهر.. قال الحمیدی فی الجمع بین الصحیحین: ( الرفع أشهر ومعناها أشدهم هلاکاً.. واتفق العلماء ، على ان هذا الذم فیمن قاله على سبیل الإزراء على الناس واحتقارهم ، وتفضیل نفسه علیهم وتقبیح أحوالهم لأنه لا یعلم سر الله فی خلقه.
قالوا: فأما من قال ذلک تحزناً لما یرى فی نفسه ، وفی الناس من النقص بأمر الدین فلا بأس علیه.. ) أهـ.
ومن جنس ذلک أیضاً ما رواه مسلم عن جندب بن عبد الله رضی الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( قال رجل والله لا یغفر الله لفلان ، فقال الله عز وجل: من ذا الذی یتألى علیّ أن لا أغفر له ؟ إنی قد غفرت له وأحبطت عملک ).
- ویناسب هذا الباب أیضاً ما رواه الحاکم فی مستدرکه ( ۲/۲۷) وقال صحیح الإسناد ووافقه الذهبی عن عبد الله بن عمر أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( … من قال فی مؤمن ما لیس فیه حبس فی ردغة الخبال حتى یأتی بالمخرج مما قال).

- وأختم هذا الموضع بجملة متفرقة من أقاویل أهل العلم فی التحذیر من التسرع والمخاطرة فی إکفار المسلمین ، جمعتها لک إضافة إلى ما تقدم کی تزداد بصیرة واحتیاطاً فی هذا الباب..
- قال الذهبی فی سیر أعلام النبلاء (۱۵/۸۸): ( رأیت للأشعری (۱۳۳هـ) کلمة أعجبتنی وهی ثابتة رواها البیهقی ، سمعت أبا حازم العبدری ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسی یقول: لما قرب حضور أجل أبی الحسن الأشعری فی داری ببغداد دعانی فأتیته ، فقال: اشهد علی أنی لا أکفر أحداً من أهل القبلة لأن الکل یشیرون إلى معبود واحد ، وإنما هذا کله اختلاف العبارات. قال الذهبی بعده قلت وبنحو هذا أدین ، وکذا کان شیخنا ابن تیمیة یقول: أنا لا أکفر أحداً من الأمة ، ویقول: قال النبی صلى الله علیه وسلم: ” لا یحافظ على الوضوء إلا مؤمن” فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم ) أهـ.
قلت: وقوله ( لأن الکل یشیرون إلى معبود واحد)؛ بین فی أن تحرجه فی التکفیر ، إنما هو فی أهل التوحید لا فی أهل الشرک والتندید ، فتنبه لذلک فإن هذا هو الذی نحذر من التهور فیه ، وحذار من تلاعب الملبسین والمدلسین الذین یوظفون هذا الکلام ویستعملونه فی الدفع عن أعداء الملة والدین من الطواغیت المحاربین..
- یقول ابو محمد بن حزم (۴۵۶هـ) رحمه الله تعالى: ( لا نسمی فی الشریعة اسماً إلا بأن یأمرنا الله تعالى بأن نسمیه أو یبیح لنا الله بالنص بأن نسمیه ، لأننا لا ندری مراد الله عز وجل منا إلا بوحی وارد من عنده علینا. ومع هذا فإن الله عز وجل یقول منکراً لمن سمى فی الشریعة شیئا بغیر اذنه عز وجل: (( إن هی إلا أسماء سمیتموها أنتم وآباؤکم ما أنزل الله بها من سلطان إن یتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى )) وقال تعالى: (( وعلم آدم الأسماء کلها ثم عرضهم على الملائکة فقال أنبئونی بأسماء هؤلاء إن کنتم صادقین قالوا سبحانک لا علم لنا إلا ما علمتنا )) فصح أنه لا تسمیة مباحة لملک ولا لإنس دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله عز وجل الکذب وخالف القرآن ، فنحن لا نسمی مؤمنا إلا من سماه الله عز وجل مؤمنا ، ولا نسقط الإیمان بعد وجوبه إلا عمن أسقطه الله عز وجل عنه…) أهـ الفصل فی الملل والأهواء والنحل (۳/۱۹۱).
- ویقول الإمام ابن عبد البر (۴۶۳هـ) فی التمهید (۱۷/۲۲): ( إن کل من ثبت له عقد الإسلام فی وقت بإجماع المسلمین ثم أذنب ذنباً أو تأول تأویلاً فاختلفوا بعد فی خروجه من الإسلام ، لم یکن لاختلافهم بعد اجتماعهم معنى یوجب حجةً ، ولا یخرج من الإسلام المتفق علیه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا یخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب فی النظر أن لا یکفر إلا من اتفق الجمیع على تکفیره أو قام على تکفیره دلیل لا مدفع له من کتاب أو سنة ) أهـ.
- ونقل القاضی عیاض عن أبی المعالی ( ۴۷۸هـ) قوله: ( إن إدخال کافر فی الملة أو إخراج مسلم عظیم فی الدین ) أهـ.
وفیه أن إدخال کافر فی الملة والشهادة له باطلا بالإسلام ، لا یقل خطورةً عن إخراج المسلم منه ، فلیحذر طالب الحق من کلا العقبتین فکلهما کؤود.
- ونقل القاضی عیاض ( ۵۴۴هـ ) أیضاً فی الشفا فی ( فصل تحقیق القول فی إکفار المتأولین ) عن العلماء المحققین قولهم: ( أنه یجب الاحتراز من التکفیر فی أهل التأویل فإن استباحة دماء المصلین الموحدین خطر ، والخطأ فی ترک ألف کافر أهون من الخطأ فی سفک محجمة من دم مسلم واحد ) أهـ (۲/۲۷۷)
وهذه العبارة قریبة من عبارة الغزالی (۵۰۵هـ) فی کتابه (التفرقة بین الإیمان والزندقة) فلعل القاضی ، قصده فی إشارته ، ولم یسمه لأن له على کتابه المذکور مؤاخذات (۱۶)
- وقول الغزالی فی ( التفرقة.. ): ( والذی ینبغی، الاحتراز عن التکفیر ما وجد له سبیلاً فإن استباحة دماء المصلین المقرین بالتوحید خطأ ، والخطأ فی ترک ألف کافر فی الحیاة ، أهون من الخطأ فی سفک دم لمسلم واحد ) أهـ.
- قال القرطبی (۶۷۱هـ) فی المفهم: ( وباب التکفیر باب خطر ولا نعدل بالسلامة شیئاً ) أهـ من الفتح کتاب استتابة المرتدین.. ( باب من ترک قتال الخوارج )
- وقد قرر ابن الوزیر تواتر الأحادیث فی النهی عن تکفیر المسلم فی کتابه ( إیثار الحق عن الخلق ) وقال رحمه الله: ( وفی مجموع ذلک ما یشهد بصحة التغلیظ فی تکفیر المؤمن ، وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحید والنبوات وخاصة مع قیامه بأرکان الإسلام ، وتجنبه للکبائر ، وظهور أمارات صدقه فی تصدیقه ، لأجل غلطه فی بدعة ، لعل المکفر له لا یسلم من مثلها أو من قریب منها ، فإن العصمة مرتفعة ، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا یستلزم السلامة من ذلک عقلا ولا شرعاً ،بل الغالب على أهل البدعة شدة العجب بنفوسهم ، والاستحسان لبدعتهم … وقد کثرت الآثار فی أن إعجاب المرء بنفسه من المهلکات ، کما فی حدیث أبی ثعلبة الخشنی عند أبی داود والترمذی ، وعن ابن عمرو مرفوعا: ( ثلاث مهلکات: شح مطاع ، وهوىً متبع ، وإعجاب المرء بنفسه)… ودلیل العقوبة فی ذلک أنک ترى أهل الضلال أشد عجباً وتیهاً وتهلیکا للناس واستحقارا لهم ، نسأل الله العفو والمعافاة من ذلک کله )) أهـ. ص ( ۴۲۵ ) وما بعدها.
ویقول: ( وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبة ، وذمت أقبح الذم على تکفیرهم لعصاة المسلمین مع تعظیمهم فی ذلک لمعاصی الله تعالى ، وتعظیمهم الله تعالى بتکفیر عاصیه ، فلا یأمن المکفر أن یقع فی مثل ذنبهم ، وهذا خطر فی الدین جلیل ، فینبغی شدة الإحتراز فیه من کل حلیم نبیل ) أهـ ( ۴۴۷ )
-ویقول الشیخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: ( وبالجملة فیجب على من نصح نفسه ألا یتکلم فی هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله ، ولیحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه ، واستحسان عقله ، فإن إخراج رجل من الإسلام ، أو إدخاله فیه من أعظم أمور الدین …
وقد استزل الشیطان أکثر الناس فی هذه المسألة ، فقصر بطائفة فحکموا بإسلام من دلت نصوص الکتاب والسنة والإجماع على کفره ، وتعدى بآخرین فکفروا من حکم الکتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم ) أهـ. الدرر السنیة (۸/۲۱۷)
تنبیه
إلى من لا یشملهم الوعید على التکفیر
عرفت مما تقدم أن الوعید المذکور.. إنما هو فی حق من کفر أخاه المسلم من غیر دلیل صحیح صریح من الشرع ، فیدخل فی هذا کل من کفره لدافع الهوى ، أو الخصومة أو العصبیة ، أو الحزبیة ، أو الغل والعداوة والحسد ، أو أن یصدر تکفیره له کمسبة..
ومن ذلک تکفیر جماهیر المسلمین بالعموم أو نحوه مما یندرج تحت الغلو فی التکفیر.
• وبدیهی أن لا یدخل فی ذلک تکفیر من نص الله تعالى على تکفیرهم من الیهود والنصارى ونحوهم من ملل الکفر..
• وکذلک الشأن فی تکفیر الکفار المجمع على تکفیرهم کالطواغیت الذین یعبدون من دون الله ونحوهم من المشرعین ، وکذلک المرتدین الممتنعین عن شریعة الله وأنصارهم ، فقد أجمع الصحابة بعد المناظرة التی جرت بین أبی بکر وعمر على تکفیر الممتنعین عن بعض شرائع الإسلام کالزکاة ونحوها.. فیدخل فی ذلک من باب أولى الممتنعین عن شرائع الإسلام کلها ، المتولین لأعداء الله من کفار الشرق والغرب ممن کرهوا ما نزل الله ، المحاربین لأولیاء الله وأنصار شرعه ، المظاهرین للکفار والمرتدین على الموحدین ، المشرعین لقوانین الکفر ، المحلین والمبیحین لما حرم الله تعالى من الردة والخمر والربا والخنا وغیر ذلک من المحرمات ، المحکمین لغیر ما أنزل الله.. المتحاکمین لطواغیت الشرق والغرب ، المرخصین والحارسین والحامین لکل أنواع الکفر والطعن والاستهزاء بالدین..
إلى غیر ذلک من کفریاتهم العدیدة التی تعرضنا إلى تفصیل أشیاء منها فی غیر هذا الموضع ، فکفر هؤلاء الطواغیت وأنصارهم کفر مزید مغلظ ثابت علیهم ، ومتحقق بأسباب عدیدة ، وأکثرها من الأسباب الظاهرة الواضحة بل والمجمع على التکفیر بها عند العلماء.
وکل سبب من ذلک له أدلته المعلومة وتفاصیله المعروفة فی مواضعها.. یطول الوقوف عنده وإنما أردنا هنا الإشارة والتنبیه إلى ذلک ، وللتفصیل فی ذلک محله اللائق به ، وقد قال شیخ الإسلام فی سیاق فتواه فی التتار: ( وإذا کان السلف قد سموا مانعی الزکاة مرتدین – مع کونهم یصومون ویصلون ، ولم یکونوا یقاتلون جماعة المسلمین – فکیف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسلمین ؟!) أهـ مجموع الفتاوى (۲۸/۲۸۹)
ولذلک فلا وعید فی حق من کفر أمثال هؤلاء ، ولیس ذلک من الغلو فی التکفیر بحال ، بل هو واجب على کل مسلم ومسلمة ، کی یکونوا على بصیرة من دینهم.. وفاعله مأجور لأنه التزم حکماً شرعیاً وواجباً دینیا ، وهو تکفیر من کفره الله تعالى ورسوله صلى الله علیه وسلم ، وذلک کی یتمکن من معرفة آثار هذا الحکم الشرعی فی أمور دینه ودنیاه.. وما یجب علیه من التکالیف الشرعیة المرتبطة بذلک من براءة ومعاداة وجهاد وإعداد لدفع الکفر الجاثم على بلاد المسلمین.. وغیر ذلک من الأحکام الشرعیة التی تقدمت الإشارة إلى بعضها.
• وکذلک لا یدخل أیضاً تحت الوعید المتقدم ، من کفر من قارف سبباً من أسباب الکفر التی نص الله تعالى أو رسوله صلى الله علیه وسلم على تکفیر فاعله بنص صریح.. ثم ظهر له – رغم استفراغه الجهد فی النظر فی الشروط والموانع – أن مقترف ذلک السبب قد قام دون تکفیره مانع أو تخلف شرط من شروط التکفیر ، لم یظهر له حین کفره.
فإن هذا لا یشمله الوعید المتقدم والحال کذلک ، ولیس هذا من الغلو فی التکفیر ، خصوصاً إذا کان الدافع لتکفیره الغیرة على حرمات الشرع ، لا الهوى والعصبیة ونحوها..
- ولذلک کان تبویب البخاری رحمه الله للأحادیث المتقدمة بقوله (باب من کفر أخاه بغیر تأویل فهو کما قال ) ثم قال فی الباب الذی یلیه (باب من لم یرى إکفار من قال ذلک متأولاً أو جاهلاً ) وذکر فیه قول عمر رضی الله عنه لحاطب بن أبی بلتعة ، إنه منافق ، وحدیث إطالة معاذ بن جبل صلاته فی قومهم وقوله عن الرجل الذی تجوز وحده فی الصلاة ،أنه منافق.
- وقال شیخ الإسلام ابن تیمیة بعد أن ذکر حدیث ( لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض ) وحدیث ( إذا قال المسلم لأخیه: یا کافر ، فقد باء بها أحدهما ) قال: ( وهذه الأحادیث کلها فی الصحاح ، وإذا کان المسلم متأولاً فی القتال أو التکفیر لم یکفر بذلک، کما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبی بلتعة: یا رسول الله ، دعنی أضرب عنق هذا المنافق ، ولم یکفر النبی صلى الله علیه وسلم لا هذا ولا هذا ، بل شهد للجمیع بالجنة …) أهـ مجموع الفتاوى (۳/۲۸۴)
- وقال ابن القیم رحمه الله ، فی زاد المعاد ( فصل فی الإشارة إلى ما فی فتح مکة من الفقه): ( وفیها أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والکفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودینه لا لهواه وحظه ، فإنه لا یکفر بذلک ، بل لا یأثم به ، بل یثاب على نیته وقصده ، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع ، فإنهم یُکفرون ویبدعون لمخالفة أهوائهم وبدعهم ونحلهم ، وهم أولى بذلک ممن کفروه وبدعوه ) أهـ (۳/۴۲۳)
- وقال الحافظ فی الفتح فی کتاب الصلاة ( ۱/۵۲۳) فی فوائد الحدیث الذی فیه قول القائل عن مالک بن الدخشن إنه منافق یجادل عن المنافقین: ( وان من نسب من یظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرینة تقوم عنده ، لا یکفر بذلک ولا یفسق بل یعذر بالتأویل ) أهـ.
- وقال الشیخ عبد الرحمن بن حسن بن الشیخ محمد بن عبد الوهاب فی (الدرر السنیة ): ( لو قدر أن رجلاً من المسلمین قال فی أناس قد تلطخوا بأمور قد نص العلماء على أنها کفر ، مستندین فی ذلک إلى الکتاب والسنة ، غیرة لله ، وکراهة لما یکره الله من تلک الأعمال ، فغیر جائز لأحد أن یقول فی حقه: (ومن کفر مسلماً فهو کافر ) أهـ ص۱۳۲ من جزء الجهاد.
- وجاء فی الجزء نفسه ص۱۷۴ أن المتوکل لما قال لابن الزیات: یا ابن الفاعلة وقذف أمه.. قال الإمام أحمد رحمه الله: أرجو الله أن یغفر له ، نظراً لحسن قصده فی نصر السنة وقمع البدعة.

الفصل الثانی

شروط وموانع وأسباب التکفیر

[۲]
فصل فی
شروط وموانع وأسباب التکفیر
هذا واعلم رحمنا الله تعالى وإیاک أن لهذا الحکم الشرعی الخطیر … شروطاً وموانع وأسباباً یجب علیک مراعاتها والإنتباه إلیها ومعرفتها فقد قصر فی فهمها وتعلمها واعتباراها أقوام ، فأعملوا سیوف التکفیر وأسنته فی أمة محمد صلى الله علیه وسلم … ولم یمیزوا بین برها وفاجرها وکافرها..
مع أنه من المعلوم المقرر عند العلماء المحققین ، ( أن نصوص الوعید التی فی الکتاب والسنة ، ونصوص الأئمة بالتکفیر والتفسیق ونحو ذلک ، لا یستلزم ثبوت موجبها فی حق المعین ، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، لا فرق فی ذلک بین الأصول والفروع.. )(۱)
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیة ( أن المقالة التی هی کفر بالکتاب والسنة والإجماع یقال هی کفر قولاً یطلق ، کما دل على ذلک الدلائل الشرعیة ، فإن الإیمان من الأحکام المتلقاة عن الله ورسوله ، لیس ذلک مما یحکم فیه الناس بظنونهم وأهوائهم ، ولا یجب أن یحکم فی کل شخص قال ذلک بأنه کافر حتى یثبت فی حقه شروط التکفیر ، وتنتفی موانعه.. ) أهـ. من مجموع الفتاوی (۳۵/۱۰۱)
وقد ذکر رحمه الله تعالى (۱۲/۲۶۶) أصلین عظیمین فی باب التکفیر:
- أحدهما: أن العلم والإیمان والهدى فیما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم ، وأن خلاف ذلک کفر على الإطلاق ، فنفی الصفات کفر ، والتکذیب بأن الله یُرى فی الآخرة ، أو أنه على العرش أو أن القرآن کلامه أو أنه کلم موسى أو أنه اتخذ ابراهیم خلیلا؛ کفر…
- والأصل الثانی: أن تکفیر العام – کالوعید العام – یجب القول بإطلاقه وعمومه ، وأما الحکم على المعین بأنه کافر ، أو مشهود له بالنار ، فهذا یقف على الدلیل المعین ، فإن الحکم یقف على ثبوت شروطه ، وانتفاء موانعه …) أهـ
کما ذکر رحمه الله تعالى نزاع المتأخرین فی کفر الجهمیة ونحوهم ، هل هو کفر ناقل عن الملة أم لا ، ونزاعهم فی خلودهم فی النار.. ثم قال: ( وحقیقة الأمر أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمة ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشرع، کلما رأوهم قالوا: ( من قال کذا فهو کافر ) اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم بهذا الکلام بعینه …)
ثم ذکر مباشرة الإمام أحمد للجهمیة الذین فتنوا الناس على القول بخلق القرآن ، و ذکر تعذیبهم له ولغیره.. ثم بین دعاء الإمام أحمد للخلیفة واستغفاره لمن ضربه وحبسه.. قال: ( ولو کانوا مرتدین عن الإسلام لم یجز الإستغفار لهم ، فإن الإستغفار للکفار لا یجوز …) إلى قوله:
(… وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غیره من الأئمة صریحة فی أنهم لم یکفروا المعینین من الجهمیة ، الذین یقولون القرآن مخلوق ، وإن الله لا یرى فی الآخرة ، وقد نقل عن أحمد ما یدل على أنه کفر به قوماً معینین ، فإما أن یذکر عنه فی المسألة روایتان ففیه نظر.
أو یحمل الأمر على التفصیل ، فیقال من کفره بعینه فلقیام الدلیل على أنه وجدت فیه شروط التکفیر ، وانتفت موانعه ، ومن لم یکفره بعینه فلانتفاء ذلک فی حقه ،(۲) هذا مع إطلاق قوله بالتکفیر على سبیل العموم ) أهـ مجموع الفتاوى (۱۲/۲۶۱-۲۶۲).
ثم شرع فی سرد الأدلة على بعض موانع التکفیر..
أضف إلى هذا أن الشارع قد ربط الأحکام الشرعیة – ومن ذلک التکفیر- بأسبابها الظاهرة المنضبطة وجوداً وعدماً .. فالحکم فی الشریعة یدور مع علته أو سببه حیث دار ، ولا یوجد إلا بوجوده..
ولکی تکون على البینة من دینک فی هذا الأمر الخطیر ، فها أنا أسرد لک هنا شروط وموانع وأسباب التکفیر على وجه الإجمال ، وسیأتی المزید من التفصیل والتمثیل لذلک فی فصل أخطاء التکفیر ، إذا هو تطبیق وتفصیل لذلک.

شروط وموانع التکفیر
• أولاً: الشـروط:
- الشرط شرعاً: (هو ما لا یلزم من وجوده وجود ولا عدم ، لکن یلزم من عدمه عدم المشروط ).
أو قل ، هو فی موضوعنا ، ما یتوقف وجود الحکم بالتکفیر على وجوده ، فلا یلزم من وجوده وجود الحکم ، ولکن یلزم من عدمه عدم الحکم بالتکفیر أو بطلانه.
فالإختیار مثلاً ، شرط من شروط التکفیر ، (وهو یقابل مانع الإکراه ) ، فإذا عدم الإختیار عدم الحکم بالتکفیر ، ولا یلزم من وجود الإختیار أن یقع المرء بالکفر ویختاره.
وتنقسم شروط التکفیر ، ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: شروط فی الفاعل ؛ وهی أن یکون:
۱- مکلفاً (بالغاً ،عاقلاً )
۲- متعمداً قاصداً لفعله.
۳- مختاراً له بإرادته.
وهذا القسم سیأتی الکلام علیه فیما یقابله من الموانع ، إذا الموانع تقابل الشروط کما سیأتی.
القسم الثانی: شروط فی الفعل (الذی هو سبب الحکم وعلته)
ویجمعها ؛ أن یکون الفعل مکفراً بلا شبهة:
۱- أن یکون فعل المکلف أو قوله صریح الدلالة على الکفر.
۲- وأن یکون الدلیل الشرعی المکفر لذلک الفعل أو القول صریح الدلالة على التکفیر أیضاً..
وهذا القسم بشرطیه سیأتی بیانه وذکر أمثلة علیه فی ( أخطاء التکفیر ) فی التکفیر بالمحتملات.
- القسم الثالث: شروط فی إثبات فعل المکلف ، وذلک بأن یثبت بطریق شرعی صحیح ، لا بظن ، ولا بتخرص ولا بالاحتمالات أو بالشکوک..
- ویکون ذلک:
- أما بالإقرار ، أی الإعتراف.
- أو بالبینة: شهادة عدلین.
وسیأتی الکلام علیه فی أخطاء التکفیر أیضاً
• ثانیاً: الموانع:
- فالمانع وصف ظاهر منضبط یلزم من وجوده عدم الحکم ، ولا یلزم من عدمه وجود الحکم أو عدمه )
- فالإکراه مانع من موانع التکفیر ، فیلزم من وجوده –أی إن أکره المرء على الکفر – عدم الحکم بالکفر أو بطلانه ، ولا یلزم من عدم وجود الإکراه أن یوجد ، أو لا یوجد الکفر.. أی: لا یلزم فی حال اختیار المکلف وعدم وقوعه تحت الإکراه ، أن یفعل أو لا یفعل الکفر ، بل قد یفعل أو قد لا یفعل.
وبتعبیر آخر ، المانع ( هو الوصف الوجودی الظاهر المنضبط الذی یمنع ثبوت الحکم )(۳)
- والموانع ضد الشروط ، أو مقابلة لها ، فیجوز أن یکتفى فی الذکر بالموانع وحدها ، أو بالشروط وحدها، فما کان عدمه شرطاً فوجوده مانع.
- فعدم الشرط مانع من موانع الحکم ، وعدم المانع شرط من شروطه ، هذا عند جمهور الأصولیین. (۴)
- ولذلک فالموانع أیضاً تنقسم کالشروط إلى ثلاثة أقسام ، تقابل تماماً أقسام الشروط:

• القسم الأول: موانع فی الفاعل:
وهی ما یعرض له فیجعله لا یؤاخذ بأقواله وأفعاله، وهی التی تعرف (بعوارض الأهلیة ) وهی قسمان:
- أ – عوارض یسمونها سماویة لأنها لا دخل للعبد فی کسبها ، کالصغر والجنون والعته والنسیان، فهذه العوارض ترفع الإثم والعقوبات عن صاحبها لارتفاع خطاب التکلیف عنه بها.
وإنما یؤاخذ بحقوق العباد ، کقیم المتلفات والدیات ونحوها ، لأنه من خطاب الوضع.
ویقابل هذه العوارض أو الموانع من الشروط:
شرط البلوغ ویقابل عارض الصغر
وشرط العقل ویقابل الجنون والعته
وشرط العمد ویقابل النسیان.
-ب- عوارض مکتسبة: وهی التی للعبد نوع اختیار فی اکتسابها:
(۱) الخطأ: بما یؤدی إلى سبق اللسان ( أی: انتفاء القصد) فینطق بالکفر وهو لا یقصد ولا یرید القول أو العمل المکفر نفسه ، بل یقصد شیئاً غیره.
وهذا العارض أو المانع یبطل ما یقابله من شرط العمد.
ودلیله قوله تعالى (( ولیس علیکم جناح فیما أخطأتم به ، ولکن ما تعمدت قلوبکم)) (۵۰) الأحزاب ، ویدل علیه أیضاً حدیث الرجل الذی أضل راحلته فی أرض قفر ، فلما وجدها قال: ( اللهم أنت عبدی وأنا ربک) ( أخطأ من شدة الفرح) کما قال صلى الله علیه وسلم. (۵)
وقال شیخ الإسلام ابن تیمیة: ( ولیس لأحد أن یکفر أحداً من المسلمین – وإن أخطأ وغلط- حتى تقام علیه الحجة ، وتبین له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بیقین لم یزل ذلک عنه بالشک ، بل لا یزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ) أهـ مجموع الفتاوی (۱۲/۲۵۰)
وقد تکلم ابن القیم رحمه الله تعالى فی اعلام الموقعین (۳/۶۵-۶۶) عن هذا المانع وقرر أن انتفاء القصد مانع من موانع التکفیر المعتبرة ، واستدل بقول حمزة رضی الله عنه للنبی صلى الله علیه وسلم: ( هل أنتم إلا أعبد لأبی )(۶) قال: ( وکان نشواناً فی الخمر ، فلم یکفره صلى الله علیه وسلم بذلک ، وکذلک الصحابی الذی قرأ قل یا أیها الکافرون أعبد ما تعبدون ، ونحن نعبد ما تعبدون ) وکان ذلک قبل تحریم الخمر (۷). ولم یعد بذلک کافراً لعدم القصد ، وجریان اللفظ على اللسان من غیر إرادة لمعناه.
فإیاک أن تهمل قصد المتکلم ونیته وعرفه ، فتجنی علیه وعلى الشریعة وتنسب إلیها ما هی بریئة منه. ) أهـ ص۶۶
وقال أیضاً فیه (۳/۱۱۷): ( ولم یرتب { أی الشارع } تلک الأحکام على مجرد ما فی النفوس من غیر دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتکلم بها لم یرد معانیها ولم یحط بها علماً ، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ، ما لم تعمل به أو تکلم به ، وتجاوز لها عما تکلمت به مخطئة أو ناسیة أو مکرهة أو غیر عالمة به ، إذا لم تکن مریدة لمعنى ما تکلمت به أو قاصدة إلیه ، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولیة أو الفعلیة ترتب الحکم ، هذه قاعدة شرعیة وهی من مقتضیات عدل الله وحکمته ورحمته ) أهـ
• فائدة: یمکن أن یستدل لمانع (انتفاء القصد ) أیضاً بما هو ثابت من اغتفار ما صدر عن بعض نساء النبی صلى الله علیه و سلم بحقه بدافع الغیرة ؛ من أقوال لا یجوز لأحد إطلاقها بحقه صلى الله علیه وسلم.
- فمن ذلک ما رواه البخاری فی باب ( هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد ) من کتاب النکاح ، وفیه أنه لما نزل قوله تعالى (( ترجی من تشاء منهن )): قالت عائشة: ( یا رسول الله ما أرى ربک إلا یسارع فی هواک ).
قال الحافظ ابن حجر فی الفتح: ( أی فی رضاک ، قال القرطبی هذا القول أبرزه الدلال والغیرة وهو من نوع قولها: (ما أحمدکما ولا أحمد إلا الله ) وإلا فإضافة الهوى إلى النبی صلى الله علیه وسلم لا تحمل على ظاهره لأنه لا ینطق عن الهوى ولا یفعل بالهوى. ولو قالت إلى مرضاتک لکان ألیق ، ولکن الغیرة یغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلک ) أهـ.
- ومثله ما رواه أیضاً فی کتاب الهبة وفضلها ، باب (من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض ) وفیه قول زینب بنت جحش للنبی صلى الله علیه وسلم: ( إن نساءک ینشدنک الله ، العدل فی بنت أبی قحافة …) فلیس هذا من جنس الطعن والأذى الذی کان دافعاً لذی الخویصرة لما قال للنبی صلى الله علیه وسلم: ( إعدل ).
بل الدافع هنا فرط محبة النبی صلى الله علیه وسلم والغیرة التی جبلت علیها النساء.. والشح بحظهن منه.
قال الحافظ: ( طلبت العدل مع علمها بأنه أعدل الناس ولکن غلبت علیها الغیرة ولم یؤاخذها النبی صلى الله علیه وسلم بإطلاق ذلک ) أهـ.
وقد حکى القاضی عیاض فی الإکمال عن مالک وغیره ، إن المرأة إذا رمت زوجها بالفاحشة ، على جهة الغیرة لا یجب علیها الحد ، قال واحتج بذلک بقوله صلى الله علیه وسلم: ( وما تدری الغیراء أعلى الوادی من أسفله ) أهـ من الإجابة لإیراد ما استدرکته عائشة على الصحابة ص۶۱.
ویتبع هذا المانع ( إنتفاء القصد ) قول الکفر على سبیل الحکایة عن الغیر.
- کمن یقرأ کلام الکفار الذی قصه الله تعالى فی کتابه ، وقد أمر الله بتلاوة کتابه ، فلا یکفر قارئ ذلک قطعا بل یؤجر.
- وکنقل الشاهد ما سمعه من کفر للقاضی أو غیره.
- وکنقل مقالات الکفار لبیان ما فیها من الفساد أو للرد علیها ، فکل ذلک جائز أو واجب لا یکفر قائله ، ولهذا یقال: (ناقل الکفر لیس بکافر ) بخلاف من حکاه ونقله على سبیل النشر أو الإشاعة على سبیل الإستحسان والتأیید فهذا کفر لا ریب .
قال القاضی عیاض تعلیقاً على حدیث مسلم فی الذی انفلتت منه ناقته وعلیها طعامه وشرابه فی مهلکة ، ثم لما ردها الله علیه ( أخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدی وأنا ربک ، أخطأ من شدة الفرح ) قال: ( فیه أن ما ناله الإنسان من مثل هذا فی حال دهشته وذهوله لا یؤاخذ به ، وکذا حکایته عنه على طریق علمی ، وفائدة شرعیة ، لا على الهزل والمحاکاة والعبث ، ویدل على ذلک حکایة النبی صلى الله علیه وسلم ذلک ، ولو کان منکراً ما حکاه والله اعلم)أهـ (۹)
وقرائن الحال لها دخل فی التفریق والتمیز بین هذه الأحوال.
قال القاضی عیاض ( أن یقول القائل ذلک حاکیاً عن غیره وأثراً له عن سواه ، فهذا ینظر فی صورة حکایته مقالته ویختلف الحکم باختلاف ذلک على أربعة وجوه: الوجوب ، والندب ، والکراهة ، والتحریم ) أهـ الشفا(۲/۹۹۷-۱۰۰۳)
وقال ابن حزم: ( الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حکم له عند الله عز وجل ، لأن أحدنا یلفظ بالکفر حاکیاً وقارئاً له فی القرآن ، فلا یکون بذلک کافراً حتى یقر أنه عقده. قال: فإن احتج بهذا أهل المقالة الأُول – یعنی المرجئة والجهمیة – وقالوا هذا یشهد بأن الإعلان بالکفر لیس کفرا ، قلنا له وبالله تعالى التوفیق: قد قلنا إن التسمیة لیست لنا ، وإنما هی لله تعالى ، فلما امرنا تعالى بتلاوة القرآن ، وقد حکا لنا فیه قول أهل الکفر ، وأخبرنا تعالى انه لا یرضى لعباده الکفر ؛ خرج القارئ للقرآن بذلک عن الکفر إلى رضى الله عز وجل والإیمان ، بحکایته ما نص الله تعالى.
{ و لما أمر الله تعالى } (۱۰) بأداء الشهادة بالحق فقال تعالى: (( إلا من شهد بالحق وهم یعلمون )) خرج الشاهد المخبر عن الکافر بکفره عن أن یکون بذلک کافرا ؛ إلى رضى الله عز وجل والإیمان … ) أهـ. من الفصل ( ۳/۲۴۹-۲۵۰)
- ومن ذلک أیضاً أن یتکلم الإنسان بکلام أو ینطق لفظاً لا یعرف معناه فإنه لا یؤاخذ بذلک حتى یعرف فیتکلم به قاصداً بمعناه بعد قیام الحجة..
ففی (قواعد الأحکام فی مصالح الأنام ) للعز بن عبد السلام ( فصل فیمن أطلق لفظاً لا یعرف معناه لم یؤاخذ بمقتضاه ) قال رحمه الله: ( فإذا نطق الأعجمی بکلمة کفر أو إیمان أو طلاق أو إعتاق أو بیع أو شراء أو صلح أو إبراء لم یؤاخذ بشیء من ذلک ، لأنه لم یلتزم مقتضاه ولم یقصد إلیه ، وکذلک إذا نطق العربی بما یدل على هذه المعانی بلفظ أعجمی لا یعرف معناه ، فإنه لا یؤاخذ بشیء من ذلک ، لأنه لم یریده فإن الإرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون ، وإن قصد العربی بنطق شیء من هذه الکلم مع معرفته بمعانیها نفذ ذلک منه ، فإن کان لا یعرف معانیها ، مثل أن قال العربی لزوجته أنت طالق للسنة أو للبدعة وهی حامل(۱۱) بمعنى اللفظین ، أو نطق بلفظ الخلع أو غیره أو الرجعة أو النکاح أو الإعتاق وهو لا یعرف معناها مع کونه عربیاً فإنه لا یؤاخذ بشیء من ذلک ، إذ لا شعور له بمدلوله حتى یقصد إلى اللفظ الدال علیه ) أهـ. (۲/۱۰۲).
وانظر أیضاً لابن القیم فی إعلام الموقعین (۳/۷۵): ( لو نطق بکلمة الکفر من لا یعلم معناها لم یکفر).
حیث قال وهو یتکلم فی إطلاق ألفاظ الطلاق وأهمیة وجود القصد فیها لنفاذ الطلاق: ( وأنها لا تلزم بها أحکامها حتى یکون المتکلم بها قاصدا لها مریدا لموجباتها ،کما أنه لا بد أن یکون قاصداً للتکلم باللفظ مریداً له ، فلا بد من إرادتین:
- إرادة التکلم باللفظ اختیاراً (۱۲)
- وإرادة موجبه ومقتضاه. (۱۳)
بل إرادة المعنى آکد من إرادة اللفظ ، فإنه المقصود ، واللفظ وسیلة ، وهو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام ) ، إلى قوله: ( وقال أصحاب أحمد لو قال الأعجمی لامرأته أنت طالق وهو لا یفهم معنى هذا اللفظ ، لم تطلق ، لأنه لیس مختاراً للطلاق ، فلم یقع طلاق کالمکره ، قالوا: فلو نوى موجبه عند أهل العربیة(۱۴) لم یقع أیضاً لأنه لا یصح منه اختیار ما لا یعلمه ، وکذلک لو نطق بکلمة الکفر من لا یعلم معناها لا یکفر. وفی مصنف وکیع أن عمر بن الخطاب قضى فی امرأة قالت لزوجها: سمنی ، فسماها الطیبة ، فقالت: لا ، فقال لها ماذا تریدین أن أسمیک ؟ قالت: سمنی (خلیة طالق). فقال لها: أنت خلیة طالق ، فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجی طلقنی ، فجاء زوجها فقص علیه القصة ، فأوجع عمر رأسها ، وقال لزوجها: خذ بیدها وأوجع رأسها.
وهذا هو الفقه الذی یدخل على القلوب بغیر استئذان ، وإن تلفظ بصریح الطلاق وقد تقدم أن الذی قال لما وجد راحلته ( اللهم أنت عبدی وأنا ربک ) أخطأ من شدة الفرح ، لم یکفر بذلک وإن أتى بصریح الکفر ، لکونه لم یرده ) أهـ (۳/۷۶) وانظر أیضاً (۴/۲۲۹)
• تنبیه:
ومن هذا تعرف أننا لا نعنی بانتفاء القصد کمانع ما یشترطه کثیر من مرجئة العصر کشرط تعجیزی للتکفیر ، یعتذرون به لکل طاغوت وزندیق ومرتد ، وهی دعوى ان الإنسان لا یکفر حتى وإن اتى فعلاً أو قولاً مکفراً –عامداً – حتى ینوی ویقصد بذلک الخروج من الدین والکفر به.
وإنما نعنی بمانع انتفاء القصد ؛ ( الخطأ ) الذی یقابل العمد فی شروط التکفیر ، أو عدم إرادة الفعل أو القول المکفر نفسه ، وإرادة شیء آخر غیره … کحکایته والتحذیر منه، أو یقوله وهو لا یعرف مدلوله ونحو ذلک مما تقدم..
أما إرادة الخروج من الدین ، والکفر بذلک الفعل أو القول ، فقّل من یریده أو یصرح به أو یقصده ، حتى الیهود والنصارى ، لو سئلوا ؛ هل یریدون الکفر ویقصدونه بقولهم إن المسیح أو العزیز ابن الله ، أو نحو ذلک من کفریاتهم ؟ لأنکروا ذلک ولنفوا إرادتهم للکفر..
وکذلک حال کثیر من الکفار الذین یحسبون أنهم یحسنون صنعا.. فأکثر الطواغیت وأنصارهم الیوم ، إذا ما عددنا علیهم کفریاتهم ، أنکروا ذلک ، وأبوا أن یقروا بالکفر أو بإرادته أو بقصد الخروج من الدین ، بل یبادرون بتأکید انهم مسلمون ، ویحتجون بأنهم یصلون ویشهدون أن لا إله إلا الله …
وکذلک شأن کفار قریش ، لم یقروا قط بکفرهم ، أو بإرادتهم للکفر بعبادتهم للأوثان بل قالوا (( ما نعبدهم إلا لیقربونا إلى الله زلفى )).. وعلى العکس ، فقد کانوا یرمون رسول الله صلى الله علیه وسلم ومن على دینه بالکفر ، فسموه (الصابئ ) وهکذا حال أکثر الکفار إلا ما شاء الله..
-کما قال شیخ الإسلام ابن تیمیة فی الصارم المسلول ص۱۷۷-۱۷۸: ( وبالجملة فمن قال وفعل ما هو کفر ، کفر بذلک ، وإن لم یقصد أن یکون کافراً ، إذا لا یقصد الکفر أحداً إلا ما شاء الله ) أهـ.
وقال أیضاً فیه ص(۳۷۰): ( والغرض هنا أنه کما أن الردة تتجرد عن السب ، فکذلک تتجرد عن قصد تبدیل الدین وإرادة التکذیب بالرسالة ، کما تجرد کفر إبلیس عن قصد التکذیب بالربوبیة ؛ وإن کان عدم هذا القصد لا ینفعه ، کما لا ینفع من قال الکفر أن لا یقصد الکفر ) أهـ.
وقد اخبر الله تعالى عن اکثر الکفار أنهم یحسبون أنهم یحسنون صنعا ، بل یرون أنهم أهدى من الذین آمنوا سبیلا.
فمن ذلک قوله تعالى: ((قل هل ننبئکم بالأخسرین أعمالا الذین ضل سعیهم فی الحیاة الدنیا وهم یحسبون انهم یحسنون صنعا ، أولئک الذین کفروا بآیات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقیم لهم یوم القیامة وزنا)) (۱۰۳-۱۰۵) الکهف.
- یقول ابن جریر الطبری فی تفسیره: ( وهذا من أدل الدلائل على خطأ من زعم أنه لا یکفر بالله أحد إلا من حیث یقصد إلى الکفر بعد العلم بوحدانیته.. )
إلى قوله: ( ولو کان القول کما قال الذین زعموا أنه لا یکفر بالله أحد إلا من حیث یعلم لوجب أن یکون هؤلاء القوم فی عملهم الذی أخبر الله عنهم أنهم کانوا یحسبون فیه أنهم یحسنون صنعة مثابین مأجورین علیه ، ولکن القول بخلاف ما قالوا ؛ فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله کفرة وأن أعمالهم حابطة ) أهـ ص ۴۴-۴۵ . (ط. دار الفکر )
- وقال رحمه الله تعالى فی تهذیب الآثار بعد أن سرد بعض الأحادیث التی تذکر الخوارج: ( فیه الرد على قول من قال لا یخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حکمه إلا بقصد الخروج منه عالماً ) أهـ نقلاً عن فتح الباری ( کتاب استتابة المرتدین.. ) (باب من ترک قتال الخوارج.. )
- وقال ابن حجر فی الباب نفسه: ( وفیه أن من المسلمین من یخرج من الدین من غیر أن یقصد الخروج منه ، ومن غیر أن یختار دیناً على الإسلام ) أهـ
وسیأتی مزید کلام على هذا فی فصل أخطاء التکفیر.
- والخلاصة هنا ؛ أن العبرة فی اشتراط العمد والقصد وانتفاءه کمانع من موانع التکفیر أن یقصد إتیان الفعل المکفر ، لا أن یقصد الکفر به.
(۲) التأویل:
والمراد به هنا وضع الدلیل الشرعی فی غیر موضعه باجتهاد ، أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النص ، أو فهمه فهما خاطئا ظنه حقا ، أو ظن غیر الدلیل دلیلا ، کالاستدلال بحدیث ضعیف ظنه صحیحا ، فیقدم المکلف على فعل الکفر وهو لا یراه کفرا ، فینتفی بذلک ؛ (شرط العمد ) ، ویکون الخطأ فی التأویل مانعاً من التکفیر ، فإذا أقیمت الحجة علیه وبین خطؤه فأصر على فعله کفر حینئذ.
ودلیل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأویل من باب الخطأ الذی غفره الله تعالى بالأدلة المتقدمة – وذلک فی حادثة قدامة بن مظعون حیث شرب الخمر مع جماعه مستدلاً بقوله تعالى: (( لیس على الذین أمنوا وعملوا الصالحات جناح فیما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله یحب المحسنین )) ۹۳ المائدة ، کما روى ذلک عبد الرزاق فی مصنفه … وکان قدامة قد استعمله عمر على البحرین ، فلما شهد علیه أبو هریرة وغیره وشهدت معهم امرأة قدامة أیضاً أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله ، ولما أراد أن یحده استدل بالآیة المذکورة فقال عمر: أخطأت التأویل ( أخطأت استک الحفرة )… قال ابن تیمیة فی الصارم: ( حتى أجمع رأی عمر وأهل الشورى أن یستتاب هو وأصحابه ، فإن أقروا بالتحریم جلدوا وإن لم یقروا به کفروا ) أهـ ص۵۳۰ … ثم إن عمر بین له غلطه وقال له: ( أما إنک لو اتقیت لاجتنبت ما حرم علیک ، ولم تشرب الخمر.. )
فرجع ، ولم یکفره بذلک ، بل اکتفى بإقامة حد الخمر علیه ، ولم یخالفه أحد من الصحابة بذلک.
وفی هذا یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة: ( وأما من لم تقم علیه الحجة مثل أن یکون حدیث عهد بالإسلام أو نشأ ببادیة بعیدة لم تبلغه فیها شرائع الإسلام ونحو ذلک ، أو غلط فظن أن الذین آمنوا وعملوا الصالحات یستثنون من تحریم الخمر، کما غلط فی ذلک الذین استتابهم عمر وأمثال ذلک ، فإنهم یستتابون وتقام الحجة علیهم فإن أصروا کفروا حینئذ ، ولا یحکم بکفرهم قبل ذلک کما لم یحکم الصحابة بکفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فیما غلطوا فیه من التأویل ) أ هـ. مجموع الفتاوی (۷/۶۰۹-۶۱۰)
ویقول أیضاً: ( فالمتأول والجاهل المعذور لیس حکمه حکم المعاند والفاجر ، بل قد جعل الله لکل شیء قدراً ) أهـ مجموع الفتاوی (۳/۱۸۰)
فمذهب السلف عدم تکفیر المتأولین من أهل القبلة..
أهل القبلة یدخل فیهم اضافة إلى المسلم السنی ؛ الفاسق الملی أهل الأهواء أهل التأویل..
اما الخوارج والمعتزلة ومن سار على دربهم کالزیدیة وبعض المتکلمین کالشهرستانی فی الملل والنحل فلا یدخلون المتأولین فی أهل القبلة.
وقد تقدم ما نقله القاضی عیاض فی (فصل تحقیق القول فی إکفار المتأولین ) من کتابه الشفا (۲/۲۷۷) عن العلماء المحققین قولهم: ( إنه یجب الاحتراز من التکفیر فی أهل التأویل ، فإن استباحة دماء المصلین الموحدین خطر.. . ) وستأتی الإشارة إلى ما ذکره أیضا فی الشفا عمن لا یکفر من أضاف إلى الله ما لا یلیق به لا على جهة السب والردة ، ولکن على طریق التأویل أونفی الصفة بدعوى التنزیه ونحوه..
ویقول ابن الوزیر: ( قوله تعالى فی هذه الایة الکریمة (( ولکن من شرح بالکفر صدراً )) یؤید أن المتأولین غیر الکفار ، لأن صدورهم لم تنشرح بالکفر قطعا أو ظناً ، أو تجویزاً أو احتمالاً )اهـ. إیثار الحق على الخلق ص (۴۳۷)
وأما ما یدفع به بعض الزنادقة والملاحدة ، کفرهم الصریح من سفسطة وتمویه وتلاعب بالدین ، فهو وإن سماه بعض الجهلة تأویلاً.. إلا انه مردود وغیر مستساغ ولا مقبول ، وذلک لصراحة کفرهم ووضوحه.. والعبرة للمعانی والحقائق ، لا للأسماء والألفاظ التی یتلاعب بها کثیر من أهل الأهواء.. فکم من باطل زخرفه أصحابه لیعارض به الشرع.
ولذلک نقل القاضی عیاض فی الشفا قول العلماء: ( إدعاء التأویل فی لفظ صراح لا یقبل ) أهـ (۲/۲۱۷)
ونص علیه شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ص (۵۲۷)
فمن عرفت واشتهرت زندقته وتلاعبه بأدلة الشرع ، أو کان یتعاطى من أسباب الکفر ما هو صریح وواضح ولا یحتمل التأویل ، لم تقبل منه دعوى التأویل فلیس ثم إجتهاد وتأویل یسوغ تعاطی الکفر الصریح.. فإنه لا تخلو حجة کافر من الکافرین من تأویلات فاسدة یرقع بها کفره..
ولذا قال ابن حزم: ( ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله علیه وسلم ، من طریق ثابتة ، وهو مسلم فتأول فی خلافه إیاه ، أو ربما بلغه بنص آخر ، فلم تقم علیه الحجة فی خطئه فی ترک ما ترک ، وفی الأخذ بما أخذ فهو مأجور معذور ، لقصده إلى الحق ، وجهله به ، وإن قامت علیه الحجة فی ذلک فعاند ، فلا تأویل بعد قیام الحجة ) أهـ الدرة (۴۱۴)
ویقول: ( وأما من کان من غیر أهل الإسلام من نصرانی أو یهودی أو مجوسی ، أو سائر الملل ، أو الباطنیة القائلین بإلاهیة إنسان من الناس ، أو بنبوة أحد من الناس ، بعد الرسول صلى الله علیه وسلم ، فلا یعذرون بتأویل أصلاً ، بل هم کفار مشرکون على کل حال ) أهـ الدرة فیما یجب اعتقاده ص (۴۴۱).
فیجب التنبه إلى أن قدامة الذی عذر بالتأویل ، کان الأصل فیه الإسلام والصلاح ، فقد کان صحابیاً بدریاً ، وهو خال عبد الله بن عمر وحفصة أم المؤمنین ، وکانت تحته صفیة بنت الخطاب أخت عمر ، روى ابن عبد البر فی الاستیعاب (۳/۳۴۱) بإسناده عن أیوب بن أبی تمیمة قال: ( لم یحد فی الخمر من أهل بدر إلا قدامة بن مظعون ) أهـ
ولذلک قال شیخ الإسلام بعد ما ذکر حدیث الرجل الذی أوصى بنیه عند موته بحرق جثمانه قال: ( والمتأول من أهل الاجتهاد الحریص على متابعة الرسول صلى الله علیه وسلم أولى من المغفرة من مثل هذا ) أهـ (۳/۱۴۸)
وقد ذکر القاضی عیاض فی الشفا (۲/۲۷۲وما بعدها ) خلاف السلف فی تکفیر من أضاف إلى الله تعالى ما لا یلیق به لا على طریق السب والردة ،بل على طریق التأویل والاجتهاد والخطأ المفضی إلى الهوى والبدعة.
والصواب ما فصله العلماء فی ذلک بین التأویل الذی له مسوغ فی لغة العرب ، کأن یؤول صفة الید لله تعالى بالنعمة أو القوة ، فهذا لا یوجب الکفر ، رغم مخالفته للحق الذی کان علیه السلف ، لأن فی لغة العرب إطلاق القوة والنعمة على الید ؛ لذلک عذر المتأول فیه رغم خطئه وانحرافه عن ظاهر نصوص الشرع ، وبین التأویل الذی لا مسوغ له ، کمن أوّل قوله تعالى (( بل یداه مبسوطتان)) مثلاً ، بالحسن والحسین أو بالسماوات والأرض ، فهذا یوجب الکفر لأنه لا یصح فی لغة العرب إطلاق الید على مثل ذلک.
ولیس ثم نص شرعی یوجب نقل الحقیقة اللغویة إلى حقیقة شرعیة خاصة.. فهو على ذلک من التلاعب فی دین الله والإلحاد فی أسمائه سبحانه ، ولیس من التأویل الذی یعذر صاحبه فی شیء.
فتأمل التفریق فإنه مهم..
وعلى هذا فما کان من التأویل ناشئاً عن محض الرأی والهوى ، دون استناد إلى دلیل شرعی ، ولا هو بمستساغ فی لغة العرب ، فإنه لیس من الاجتهاد فی شیء ، بل هو من التأویل الباطل المردود الذی لا یعذر صاحبه ، إذ هو تلاعب بالنصوص ، وتحریف للدین ، عبر عنه بمسمى التأویل، ولذا قال ابن الوزیر: ( لا خلاف فی کفر من جحد ذلک المعلوم ؛ بالضرورة للجمیع ، وتستر باسم التأویل فیما لا یمکن تأویله ، کالملاحدة فی تأویل جمیع الأسماء الحسنى ، بل جمیع القرآن والشرائع والمعاد الأخروی من البعث والقیامة والجنة والنار ) أهـ إیثار الحق على الخلق ص(۴۱۵).
ومن ذلک قطعاً أصل التوحید ، الذی یتضمن تجرید العبادة لله وحده بکافة أنواع العبادة ، فنقض هذا الأصل بدعوى التأویل الذی یسوغ الإشراک بالله تعالى واتخاذ الأنداد معه من أوضح الباطل ؛ الذی بعثت الرسل کافة بإبطاله وإنکاره..
وقد نص العلماء على أن صرف اللفظ عن ظاهره بغیر دلیل شرعی ، لیس من التأویل المستساغ بحال ، إذ بذلک تسلط المتأخرون على النصوص ، وقالوا نحن نتأول ، فسموا التحریف تأویلاً ، تزییناً وزخرفة لیقبل منهم (۱۵)… وقد ذم الله تعالى من یزخرف الباطل ویزینه لیلبس أمره على الناس فقال تعالى:
((وکذلک جعلنا لکل نبی عدواً شیاطین الإنس والجن یوحی بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا)) الأنعام (۱۱۲).
• وعلى کل الأحوال فإن الخطأ فی التأویل یسقط کمانع من موانع التکفیر ، بإقامة الحجة على المتأول.
(۳) مانع الجهل:
وإنما یکون مانعا وعذرا إن کان من الجهل الذی لا یتمکن المکلف من دفعه أو إزالته …
أما ما کان متمکناً من إزالته ، فقصر وأعرض ولم یفعل فهو جهل من کسبه غیر معذور به ، ویعتبر کالعالم به حُکماً ، وإن لم یکن عالماً فی الحقیقة.. فإن هذا هو حال المعرض عن دین الله ، وهو من بلغه کتاب الله الذی علقت به النذارة ، فأعرض عن تعلمه أو النظر فیه ، لمعرفة أهم المهمات التی خلقه الله من أجلها … قال تعالى (( فما لهم عن التذکرة معرضین کأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة )) وقال تعالى: ((وأوحی إلی هذا القرآن لأنذرکم به ومن بلغ ))
فمن بلغه القرآن ، ووصلته التذکرة فأعرض عن التوحید ، وارتکس فی حمأة الشرک والتندید ، فهذا لا یعذر بجهله لأنه هو الذی کسبه بإعراضه.. والعلماء متفقون على عدم عذر المعرض إن تمکن من العلم ، وإنما الخلاف بینهم فی عذر من لم یتمکن من ذلک ، وهو خلاف عدیم الجدوى فیما نحن فیه ، لأن دین الله قد بلغ الآفاق ، وکتاب الله بل وسنة رسوله صلى الله علیه وسلم المبینه له ، محفوظان ، ومظنة تعلم ذلک کله موجودة میسرة لکل أحد ، فلم یبق والحال کذلک إلا جهل الإعراض ، خصوصاً فیما اشتهر من دین الإسلام وعرف وذاع وشاع لیس بین المسلمین فقط ، بل وحتى بین الیهود والنصارى وغیرهم ؛ کالتوحید الذی هو أصل دین الإسلام وقطب رحاه.
ولذلک نص العلماء فی قواعدهم الشرعیة کما قال القرافی (۶۸۴هـ): ( ان کل جهل یمکن المکلف دفعه ، لا یکون حجة للجاهل ) أنظر الفروق (۴/۲۶۴) وأیضاً (۲/۱۴۹-۱۵۱).
ویقول ابن اللحام: ( جاهل الحکم إنما یعذر إذا لم یقصر أو یفرط فی تعلم الحکم،أما إذا قصر أو فرط فلا یعذر جزماً ) أهـ القواعد والفوائد الأصولیة ص (۵۸).
هذا واعلم أن مانع الجهل فیه تفصیل یطول ، وقد صنف فیه أهل عصرنا المصنفات ، ما بین إفراط وتفریط ، وقد نفاه أقوام بالکلیة ، فأخطأوا ، وکفّروا من لم یکفره الله ورسوله صلى الله علیه وسلم..
ووسعه آخرون فتعدوا حدود الله فیه ، حتى عذروا المرتدین المعاندین ، والکفرة المعرضین عن دین الله ، أولئک الذین جهلوا دین الله بکسبهم وإعراضهم عنه ، واستحبابهم الحیاة الدنیا وزخرفها.. فتراهم أعلم الناس فی کل ما دق وجل من أمورها وقشورها ، بینما لا یرفعون رأساً بتعلم أهم وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه ، هذا مع توفر مظنة العلم ، والکتاب والسنة بین أیدیهم –کما قلنا- فهم ممن قال الله تعالى عنهم (( یعلمون ظاهراً من الحیاة الدنیا وهم عن الآخرة هم غافلون )).
• وإنما الذی یعذر ویعتبر فی حقه هذا المانع کمانع من موانع التکفیر ، من کان عنده أصل التوحید لکن خفیت علیه بعض المسائل التی قد تشکل أو تخفى أو تحتاج إلى تعریف وبیان ، ومن جنس ذلک باب أسماء الله وصفاته ، فقد دلت أدلة الشرع على عذر المخطئ فیها من أهل التوحید ، وعدم جواز تکفیره إلا بعد إقامة الحجة بالتعریف والبیان..
• کما فی حدیث الرجل الذی أسرف على نفسه فلم یعمل خیراً قط إلا التوحید(۱۶) ، فأوصى بنیه ، عند موته أن یحرقوه ویذروا رماده ، وقال لإنْ قدر الله علی لیعذبنی عذباً لا یعذبه أحد من العالمین.
وفیه جهله بسعة قدرة الله وأنه سبحانه قادر على بعثه حتى وإن احترق وتفرقت أجزاؤه ، ومع هذا فقد غفر الله له لتوحیده وخشیته لله ، فدل ذلک على أن الخطأ والجهل فی مثل هذا الباب یعذر فیه الجاهل إن کان من أهل التوحید..
ولذلک نص شیخ الإسلام ابن تیمیة فی مناظرته على (العقیدة الواسطیة ) التی جلها فی باب الأسماء والصفات ، وذلک لما اعترض بعض المناظرین على قوله فیها (هذا اعتقاد الفرقة الناجیة ) قال رحمه الله: ( ولیس کل من خالف فی شیء من هذا الاعتقاد یجب أن یکون هالکاً ، فإن المنازع قد یکون مجتهداً مخطئاً یغفر الله خطأه وقد لا یکون بلغه فی ذلک من العلم ما تقوم به علیه الحجة ) أهـ الفتاوى (۳/۱۱۶)
• ومن هذا الباب أیضاً اعتبار مانع الجهل فی حدیث العهد بالإسلام أو من نشأ فی بادیة بعیدة یتعذر وصول تفاصیل الشرع إلیها ونحو ذلک.. فإنه یعذر فیما خفی علیه ما دام من أهل التوحید مجتنباً للشرک الأکبر والتندید.
• وقد قدمنا لک فی أول هذا الفصل تفریق شیخ الإسلام فی الفتاوى (۳۵/۱۰۱) بین تکفیر المطلق وتکفیر المعین ، وأن تکفیر المعین لا بد فیه من تبین الشروط والموانع … ثم ضرب على ذلک أمثلة فقال: ( مثل من قال: إن الخمر والربا حلال ، لقرب عهده بالإسلام ، أو لنشوئه فی بادیة بعیدة ، أو سمع کلاماً أنکره ولم یعتقد انه من القرآن ولا انه من أحادیث رسول الله صلى الله علیه وسلم ، کما کان بعض السلف ینکر أشیاء حتى یثبت عنده أن النبی صلى الله علیه وسلم قالها ، وکما کان الصحابة یشکون فی أشیاء مثل رؤیة الله وغیر ذلک حتى یسألوا عن ذلک رسول الله صلى الله علیه وسلم ، ومثل الذی قال: إذا أنا مت فاسحقونی ، وذرونی فی الیم ، لعلی أضل عن الله ، ونحو ذلک فإن هؤلاء لا یکفرون حتى تقوم علیهم الحجة بالرسالة ، کما قال الله تعالى (( لئلا یکون للناس على الله حجة بعد الرسل )) وقد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسیان ) أهـ.
یقول ابن حزم: ( ولا خلاف فی ان امرءاً لو أسلم – ولم یعلم شرائع الإسلام- فاعتقد أن الخمر حلال ، وأن لیس على الإنسان صلاة ، وهو لم یبلغه حکم الله تعالى لم یکن کافراً بلا خلاف یعتد به ، حتى إذا قامت علیه الحجة فتمادى حینئذ بإجماع الأمة فهو کافر ) أهـ المحلى (۱۳/۱۵۱)
وقال أیضاً فی الفصل (۴/۱۰۵): ( ومن لم یبلغه الباب من واجبات الدین فإنه معذور لا ملامة علیه ، وقد کان جعفر بن أبی طالب وأصحابه رضی الله عنهم ، بأرض الحبشة ورسول الله صلى الله علیه وسلم بالمدینة والقرآن ینزل والشرائع تشرع ، فلا یبلغ إلى جعفر وأصحابه أصلاً ، لانقطاع الطریق جملة من المدینة إلى أرض الحبشة ، وبقوا کذلک ست سنین فما ضرهم ذلک فی دینهم شیئاً ، إذا عملوا بالحرام وترکوا المفروض ) أهـ
وقال ابن قدامة فی المغنى (کتاب المرتد ) (مسألة: ومن ترک الصلاة ): ( لا خلاف بین أهل العلم فی کفر من ترکها جاحداً لوجوبها إذا کان ممن لا یجهل مثله ذلک ، فإن کان ممن لا یعرف الوجوب کحدیث العهد بالإسلام والناشئ بغیر دار الإسلام أو بادیة بعیدة عن الأمصار وأهل العلم ، لم یحکم بکفره ، وعرّف ذلک ، وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلک کفر ، وأما إذا کان الجاحد لها ناشئاً فی الأمصار بین أهل العلم فإنه یکفر بمجرد جحدها ، وکذلک الحکم فی مبانی الإسلام کلها …) أهـ.
وقد استدل العلماء لذلک أیضاً بما روی فی سنن الترمذی عن أبی واقد اللیثی قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى حنین ونحن حدثاء عهد بکفر ، وللمشرکین سدرة یعکفون عندها ، وینوطون بها أسلحتهم یقال لها ذات أنواط ، فقلنا یا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط کما لهم ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( الله أکبر إنها السنن ، قلتم والذی نفسی بیده کما قالت بنو اسرائیل لموسى ، اجعل لنا إلهاً کما لهم آلهة ، قال إنکم قوم تجهلون ، لترکبن سنن من قبلکم )
فاستدل من صحح هذا من العلماء على ( أن من أراد أن یفعل الشرک جهلاً فنهی فانتهى لا یکفر )(۱۷) ولیس فیه عذر المشرکین بالشرک الأکبر کما یستدل به مرجئة العصر للطواغیت وأنصارهم فإن النبی صلى الله علیه وسلم غضب لطلب الصحابة وأنکره علیهم لکنه عذرهم ولم یکفرهم …
بینما لم یعذر المشرکین فی اقترافهم للشرک..
فالصحابة طلبوا من الرسول صلى الله علیه وسلم جهلاً منهم ، لأنهم کانوا حدثاء عهد بکفر ، ظناً منهم أن الرسول صلى الله علیه وسلم له أن یجعل لهم شجرة یعکفون عندها یعبدون الله.. ولم یقترفوا شرکاً ، ولا ذریعة من ذرائعه ، فیجب الوقوف بالدلیل عند حدوده ودلالاته التی یحتملها ، بأن یعذر به الجاهل ما لم یقترف الشرک الأکبر أو الکفر الواضح المستبین.
وذلک لأن الأدلة الشرعیة قد دلت على أن نقض أصل التوحید بالکفر البواح أو بالشرک الصراح الواضح المستبین المعلوم بالضرورة إنکاره فی دین المسلمین ، والذی لا یخفى على صبیان المسلمین ، وحتى الیهود والنصارى یعرفون أن محمدا صلى الله علیه وسلم بعث بإبطاله وهدمه ، فهذا لا یعذر الجاهل فی مثله ، خصوصاً مع إتمام الله نعمته على الأمة بحفظ کتابه الذی علق سبحانه النذارة فیه وببلوغه ،فمن بلغته النذارة ونقض أصل التوحید بالکفر أوالشرک الصراح الواضح المستبین فهو کافر بل ومعذب فی الآخرة ولا یصلح الاعتذار له بالجهل لأن جهله والحال کذلک جهل إعراض لا جهل من لم یتمکن من العلم ، ویدل على ذلک دلالة واضحة قول النبی صلى الله علیه وسلم لرجل سأله عن أبیه: ( إن أبی وأباک فی النار)(۱۸) مع أن هؤلاء الآباء من القوم الذین قال الله تعالى فیهم: (( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون )) وقال: (( لتنذر قوما ما أتاهم من نذیر من قبلک لعلهم یهتدون )) ، فهؤلاء لم یعذروا بالشرک الأکبر مع انهم ما أتاهم نذیر خاص بهم.. وما ذلک إلا لأن الشرک الأکبر الصراح، قد أقام الله على الإنذار والتحذیر منه حججه البالغة الواضحة ، وأرسل کافة رسله منذرین ومحذرین منه ، وأنزل جمیع کتبه من أجل هدمه والتحذیر منه.. ثم جعل خاتمها کتاب لا یغسله الماء تکفل بحفظه وعلق النذارة به ، فمن باب أولى أن لا یعذر بمثل ذلک من جاؤوا بعد ذلک.
قال القاضی عیاض فی الشفا (۲/۲۳۱) فی معرض کلامه على ساب النبی صلى الله علیه وسلم وهو من الکفر الصریح الذی لا یعذر الجاهل به.
قال: ( أو یأتی بسفه من القول أو قبیح من الکلام ونوع من السب فی جهته وإن ظهر بدلیل حاله أنه لم یتعمد ذمه ولم یقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو ضجر أو سکر اضطره إلیه ، أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور فی کلامه ؛ فحکم هذا الوجه حکم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا یعذر أحد بالکفر بالجهالة ) أهـ.
أی الکفر الصریح الذی هو من قبیل سب النبی صلى الله علیه وسلم ، وإلا فقد تقدم قول القاضی نفسه فی وجوب الإحتراز فی إکفار المتأولین من المصلین الموحدین.
(۴) مانع الإکراه:
ویقابله فی الشروط أن یکون المکلف مختاراً لفعله.
ویدل علیه قوله تعالى: (( من کفر بالله من بعد إیمانه إلا من أکره وقلبه مطمئن بالإیمان )) وقد ذکر العلماء شروطاً لصحة تحقق مانع الإکراه منها (۱۹):
- أن یکون المکرِه (بکسر الراء ) قادراً على إیقاع ما یهدد به ، والمکرَه عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار.
- أن یغلب على ظن المکرَه ، انه إذا امتنع أوقع به ما یهدد به.
- أن لا یظهر على المکرَه ما یدل على تمادیه ، بأن یعمل أو یتکلم زیادة على ما یمکن أن یزول به عنه البلاء.
- واشترطوا فیما یهدد به فی الإکراه على کلمة الکفر ، أن یکون مما لا طاقة للمرء به ، ومثلوا بالإیلامات الشدیدة وتقطیع الأعضاء ، والتحریق بالنار والقتل وأمثال ذلک.. وذلک لأن الذی نزلت بسببه آیات إعذار المکره وهو عمار ، لم یقل ما قال إلا بعد أن قتل والدیه وکسرت ضلوعه ، وعذب فی الله عذاباً شدیداً.
- واشترطوا أن یظهر إسلامه متى زال عنه الإکراه ، فإن أظهره فهو باق على إسلامه وإن أظهر الکفر ، حکم أنه کفر من حین نطق به(۲۰).
• ومع هذا فیجدر التنبیه إلى أن العلماء قد نصوا على أن من قامت علیه بینة أنه نطق بکلمة الکفر وکان محبوساً عند الکفار مقیداً عندهم فی حالة خوف ، لم یحکم بردته(۲۱) لأنه فی مظنة الإکراه ما دام فی سلطانهم مقیداً أو محبوساً ویقدرون على إنفاذ ما یریدون به. (۲۲)
وإن شهد علیه انه کان آمناً حال نطقه بها حکم بردته (۲۳)
• ومن المهم هنا التنبیه إلى أن الإکراه الذی یتحدث عنه العلماء هو النطق بکلمة الکفر أو فعله ، ثم العودة إلى إظهار الإسلام کما تقدم.. أما الإکراه على الإقامة على الکفر والبقاء علیه.. فهذا لم یعتبروه ولم یجیزوه وفرقوا بینه وبین ما یعذرون به فی أبواب الإکراه..
• ( فروى الأثرم عن أبی عبد الله – وهو الإمام احمد – أنه سئل عن الرجل یؤسر ، فیعرض على الکفر ویُکره علیه،أله أن یرتد ؟ فکرهه کراهة شدیدة ، وقال: ما یشبه هذا عندی الذین أنزلت فیهم الآیة من أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم ، أولئک کانوا یرادون على الکلمة ثم یترکون یعملون ما شاءوا ، وهؤلاء یریدونهم على الإقامة على الکفر وترک دینهم(۲۴). وذلک لأن الذی یکره على کلمة یقولها ثم یخلى ، لا ضرر فیها ، وهذا المقیم بینهم یلتزم بإجابتهم إلى الکفر المقام علیه واستحلال المحرمات وترک الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنکرات ، وإن کان امرأة تزوجوها واستولدوها أولاداً کفاراً وکذلک الرجل ، وظاهر حالهم المصیر إلى الکفر الحقیقی والانسلاخ من الدین الحنیفیی. ) أهـ من المغنى (کتاب المرتد )(فصل: ومن اکره على کلمة الکفر فالأفضل له أن یصبر ولا یقولها …)
• القسم الثانی من الموانع: -
موانع فی الفعل (أی سبب التکفیر ):
۱- ککون القول أو الفعل غیر صریح فی الدلالة على الکفر.
۲- أو أن الدلیل الشرعی المستدل به غیر قطعی الدلالة على کون ذلک القول أو الفعل مکفراً.
وسیأتی -إن شاء الله- الکلام على هذا فی أخطاء التکفیر … فی الخطأ السادس والسابع.
• القسم الثالث: موانع فی الثبوت:
( وهی الجانب القضائی فی الموانع) وتتأکد ویشدد فیها عند ترتیب لوازم التکفیر علیه کاستباحة الدماء والأموال ونحوها.
- وذلک بأن لا یکون ثبت الکفر على قائله أو فاعله الثبوت الشرعی الذی هو الاعتراف ( والإقرار ) أو شهادة شاهدین عدلین، سواء بنقصان نصاب الشهادة فیها والذی نص الجمهور على انه شاهدان عدلان –کما سیأتی – بأن یشهد رجل واحد فلا یؤخذ بها، کما لم یؤاخذ النبی صلى الله علیه وسلم عبد الله بن أبی بشهادة زید بن الأرقم وحده لما شهد علیه بأنه قال ( لئن رجعنا إلى المدینة لیخرجن الأعز منها الأذل(۲۵) ).
- أو بأن یکون أحد الشهود غیر مقبول الشهادة فی هذا الباب لکونه کافراً ، أو مجنوناً أو صبیاً أو غیر ذلک ، أو أنه خصم للمشهود علیه أو مقدوح فی عدالته ، مع إنکار المتهم لما نسب إلیه ، ودفعه له ورده بالأیمان ، وسیأتی الکلام على هذا فی أخطاء التکفیر.
وقد اشترط العلماء فی قبول شهادة الشاهد أربعة شروط: ( الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة )(۲۶) واستدلوا بأدلة؛ منها قوله تعالى: (( وأشهدوا ذوی عدل منکم )) (۲۸۲) البقرة. وبما رواه أحمد وأبو داود والبیهقی وغیرهم عن عمرو بن شعیب عن أبیه عن جده أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ، ولا ذی غِمرٍ على أخیه ) قال الحافظ فی (التلخیص) (۴/۱۹۸): وسنده قوی. وذو غمر: أی حقد وعداوة.
ولذلک فمذهب الشافعی ومالک وأحمد والجمهور عدم قبول شهادة العدو على عدوه، وخالفهم أبو حنیفة ، ذکر ذلک الشوکانی فی نیل الأوطار ثم قال: ( والحق عدم قبول شهادة العدو على عدوه لقیام الدلیل على ذلک ، والأدلة لا تعارض بمحض الأراء ، ولیس للقائل بالقبول دلیل مقبول ) أهـ کتاب الأقضیة والأحکام (باب من لا یجوز الحکم بشهادتهم ).
• وقد ذکر العلماء فی البینات إضافة إلى الإقرار والشاهدین ؛ الإستفاضة ، وهو اشتهار الأمر وظهوره ومعرفته بین الناس بحیث یکون ذلک فی بعض الأحیان أقوى من شهادة الشاهدین.
لکن هذا فیه تفصیل یجب مراعاته ، حیث اعتبره العلماء فی أبواب ولم یعتبروه فی أخرى. أنظر المغنى کناب الشهادات (مسألة: وما تظاهرت به الأخبار.. ) وانظر فتاوى شیخ الإسلام (۳۵/۲۴۱-۲۴۲) وسیأتی ذلک ، وانظر أیضاً فیها: (۱۵/۱۷۹).

تنبیهات حول موانع التکفیر
(۱) تبین الموانع إنما یجب فی المقدور علیه ، ولا یجب فی الممتنع أو المحارب:
واعلم بعد هذا أن تبین هذه الموانع إنما یجب فی حق المقدور علیه دون الممتنع..
* والامتناع یرد على معنیین:
– الأول امتناع عن العمل بالشریعة جزئیاً أو کلیاً.
- الثانی امتناع عن القدرة ، أی قدرة المسلمین أن یوقفوه ویحاسبوه ویحاکموه لشرع الله.
ولا تلازم بین النوعین فقد یکون الممتنع عن العمل بالشریعة ؛ مقدوراً علیه فی دار الإسلام کمن امتنع عن الزکاة وهو فرد مقدور علیه فی دار الإسلام.
وقد یجتمعان ، فیمتنع الممتنع عن الشریعة بدار کفر أو بشوکة وطائفة وقانون وسلطان دولة ، بحیث لا یتمکن المسلمون من إنزاله على حکم الله تعالى وإقامة حد الله علیه..
- والممتنع عن القدرة ، قد یکون محارباً بالید ، وقد یکون محارباً باللسان فقط ، وانظر الصارم المسلول ص ۳۸۸
- وقد نص العلماء على أن الممتنع عن القدرة لا تجب استتابته ، فمن باب أولى المحارب الذی داهم دیار المسلمین واحتلها وتسلط على مقالید الحکم فیها.
• ویراد بالاستتابة معنیان أیضاً:
الأول: طلب التوبة ممن حکم علیه بالردة.
الثانی: تبین الشروط والموانع قبل الحکم علیه بالردة ، وهذا هو الذی نرید التنبیه علیه هنا.
فالممتنع عن شرائع الإسلام والممتنع عن النزول على حکم الله ، والمحارب للمسلمین الخارج عن قدرتهم وحکمهم ، سواء امتنع بدولة الکفر أو بقوانینها أو بجیوشها ومحاکمها ، هذا قد جمع بین نوعی الامتناع، فلا یجب تبین الشروط والموانع فی حقه قبل التکفیر والقتال.. إذ هو لم یسلم نفسه للمسلمین ، ولا سلم بشرعهم وحکمهم حتى ینظر له فی ذلک.. فلا یقال قی حق من کانوا کذلک ، أنهم لم تقم علیهم الحجة ، کما یهذر به بعض من یهرف بما لا یعرف ، خصوصاً إذا کانوا محاربین مقاتلین لنا فی الدین ، وقد تسلطوا على دیار الإسلام وامتنعوا بشوکتهم عن شرائعه ، وأقاموا وفرضوا شرائع الکفر والطاغوت..
یقول محمد بن الحسن الشیبانی: ( ولو أن قوماً من أهل الحرب الذین لم یبلغهم الإسلام ولا الدعوة أتوا المسلمین فی دارهم ، یقاتلهم {المسلمون} بغیر دعوة لیدفعوا عن أنفسهم ، فقتلوا منهم وسبوا وأخذوا أموالهم فهذا جائز … ) أهـ. من السیر الکبیر ، وما بین المعکوفین زیادة أثبتها السرخسی فی شرحه ، ثم قال: ( لأن المسلم لو شهر سیفه على مسلم حل للمشهور علیه سیفه قتله للدفع عن نفسه ، فها هنا اولى ، والمعنى فی ذلک أنهم لو اشتغلوا بالدعوة إلى الإسلام فربما یأتی السبی والقتل على حرم المسلمین وأموالهم وأنفسهم فلا یجب الدعاء ) أهـ.
ویقول ابن القیم: ( ومنها أن المسلمین یدعون الکفار –قبل قتالهم- إلى الإسلام هذا واجب إن کانت الدعوة لم تبلغهم ، ومستحب إن بلغتهم الدعوة ، هذا إذا کان المسلمون هم القاصدین للکفار، فأما إذا قصدهم الکفار فی دیارهم فلهم أن یقاتلوهم بغیر دعوة لأنهم یدفعونهم عن أنفسهم وحریمهم ) أحکام أهل الذمة ( ۱/۵).
فهذا من تفریق العلماء بین جهاد الطلب وجهاد الدفع..
وقد فرق شیخ الإسلام أیضاً فی مواضع عدیدة من کتبه بین (المرتد ردة مغلظة -وهو الذی یضیف إلى ردته الامتناع أو المحاربة والقتل أو القتال- فیقتل بلا استتابة وبین المرتد ردة مجردة فیقتل إلا أن یتوب(۱).
وقال فی الصارم المسلول ص ۳۲۲: ( المرتد لو امتنع بأن یلحق بدار الحرب ، أو بأن یکون المرتدون ذوی شوکة یمتنعون بها عن حکم الإسلام ، فإنه یقتل قبل الاستتابة بلا تردد ) أهـ.
وقال أیضا فیه ص۳۲۵ –۳۲۶: ( على أن الممتنع لا یستتاب وإنما یستتاب المقدور علیه ) أهـ.
(۲) أعذار یتعذر بها المرتدون وغیرهم ، ولیست من موانع التکفیر(۲):
بعد أن عرفت شروط وموانع التکفیر ، بقی أن تتنبه إلى قاعدة شرعیة مهمة فی هذا الباب وهی: أن ( المانعیة والشرطیة ، وکذلک السببیة لابد لإثباتها واعتبارها دلیل شرعی )(۳) فالموانع والشروط والأسباب ، کل ذلک من الأحکام الشرعیة الوضعیة التی وضعتها الشریعة بتوقیف..
وما لم یکن کذلک فلا یعتبر ، فمن ادعى سببیة أو شرطیة أو مانعیة شیء لشیء ، فلا بد له من إثبات ذلک بدلیل ، وإلا کان تقولاً على الله بلا علم ، فلا یجوز ابتداع أسباب أو شروط أو موانع للتکفیر ما أنزل الله بها من سلطان ، ومن فعل ذلک فهو داخل تحت عموم قوله تعالى: (( أم لهم شرکاء شرعوا لهم من الدین ما لم یأذن به الله )) وقوله سبحانه: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )).. فحذار من ذلک..
حتى إن( أکثر الأصولین منعوا القیاس فی الشروط والأسباب والموانع )(۴) – هذا وقد خاض کثیر من الخوالف فی هذا العصر ، فی أعذار وموانع التکفیر ، فصار کثیر منهم یعتذر للکفار والمرتدین ، بموانع وأعذار مبتدعة – لا تخطر حتى على بال أولئک المرتدین – بعضها ما انزل الله به من سلطان ، وبعضها قد نص الله سبحانه على إبطاله فی کتابه أو على لسان نبیه صلى الله علیه وسلم.
فمن ذلک:
۱- الخوف مما یهدد به بعضهم من قطع راتب أو الطرد من الوظیفة أو مصادرة بعض حظوظ دنیاهم أو منعهم من بعض قشورها ، فهذا لیس بمانع من موانع التکفیر ولا یعذر به من دفعه ذلک إلى الکفر برب العالمین ، وتول المشرکین ومظاهرتهم على المسلمین ، ونصرة قوانین المشرکین ، بل هو من تزیین الشیاطین وإمدادهم لأولیائهم بالغی ، وأزِّهم إلى الکفر أزَّا ، إذ التخویف بمثل هذه الأمور لیس من الإکراه فی شیء.
وقد قال تعالى: (( ومن الناس من یقول آمنا بالله فإذا أوذی فی الله جعل فتنة الناس کعذاب الله )).
وقال تعالى (( یا أیها الذین آمنوا لا تتخذوا الیهود والنصارى أولیاء بعضهم أولیاء بعض ومن یتولهم منکم فإنه منهم إن الله لا یهدی القوم الظالمین * فترى الذین فی قلوبهم مرض یسارعون فیهم یقولون نخشى أن تصیبنا دائرة فعسى الله أن یأتی بالفتح أو أمر من عنده فیصبحوا على ما أسروا فی أنفسهم نادمین * ویقول الذین أمنوا أهؤلاء الذین أقسموا بالله جهد أیمانهم إنهم لمعکم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرین * یا أیها الذین أمنوا من یرتد منکم عن دینه …الآیات) المائدة.
ففی هذه الآیات بیان ردة من دفعتهم الخشیة المجردة إلى تولی الکفار ، والتصریح بأنهم قد حبطت أعمالهم ، وهذا لا یکون إلا بالکفر..
فلم یعذر الله فی اقتراف الکفر (کتولی المشرکین أو قوانینهم) ، بالخشیة المجردة ، ولم یجعل ذلک مانعاً من موانع التکفیر ،ولم یجعله من الإکراه کما یظن کثیر من الجهَّال..
یقول الشیخ حمد بن عتیق فی (سبیل النجاة والفکاک من مولاة المرتدین وأهل الإشراک ) ص۶۲ حین ذکر أحوال الناس المظهرین لموافقة الکفار فذکر فیهم(۵) من یوافقهم فی الظاهر مع دعوى مخالفته لهم فی الباطن وهو لیس فی سلطانهم ، قال: ( وإنما حمله على ذلک إما طمع فی رئاسة أو مال أو مشحّة بوطن أو عیال أو خوف مما یحدث فی المال ، فإنه فی هذه الحالة یکون مرتداً ولا ینفعه کراهته لهم فی الباطن(۶).
وهو ممن قال الله فیهم: (( ذلک بأنهم استحبوا الحیاة الدنیا على الآخرة ، وإن الله لا یهدی القوم الکافرین )).
وأخبر انه لم یحملهم على الکفر الجهل ، ولا بغض ( الحق ) ، أو محبة الباطل ، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنیا آثروه على الدین …
قال: وهذا معنى کلام شیخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وأما ما یعتقده کثیر من الناس عذراً فإنه من تزیین الشیطان وتسویله ، فذلک أن بعضهم إذا خوفهم أولیاء الشیطان خوفاً لا حقیقة له ، ظن انه یجوز له إظهار الموافقة للمشرکین والانقیاد لهم ) أهـ.
ثم ذکر کلاماً لشیخ الإسلام ابن تیمیة فی صفة الإکراه على کلمة الکفر ، وأنه لا یکون إلا بالضرب والتعذیب والقتل ، لا بمجرد الکلام ولا بالتخویف بالحیلولة دونه ودون زوجته أو ماله أو أهله …
وقد نقل السیوطی فی مقدمة تاریخ الخلفاء عن القاضی عیاض قال: سئل أبو محمد القیروانی الکیزانی من علماء المالکیة عمن أکرهه بنو عبید یعنی ( حکام) مصر على الدخول فی دعوتهم ، أو یقتل ؟
قال: یختار القتل ، ولا یعذر أحد فی هذا الأمر، کان أول دخولهم قبل أن یعرف أمرهم ، وأما بعد فقد وجب الفرار فلا یعذر أحد بالخوف بعد إقامته ، لأن المقام فی موضع یطلب من أهله تعطیل الشرائع لا یجوز ، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباینة لهم ، لئلا تخلو للمسلمین حدودهم ، فیفتنوهم عن دینهم ) أهـ (ص۱۳).
ویصدق هذا ویدل علیه قوله تعالى: (( إن الذین توفّاهم الملائکة ظالمی أنفسهم ، قالوا فیم کنتم قالوا: کنا مستضعفین فی الأرض ، قالوا: ألم تکن أرض الله واسعة فتهاجروا فیها فأولئک مأواهم جهنم وساءت مصیرا)) [ النساء: ۹۷ ]
فإنها نزلت فی أناس کانوا قد أسلموا ولکنهم قصروا فی الهجرة ، فبقوا فی مکة بین المرتدین مشحّة أن یترکوا المساکن والأزواج والأموال والأوطان ، فلما کان یوم بدر ، أخرجهم المشرکون فی صفوفهم ، فکان المسلمون إذا رموا بسهم وقع فی بعضهم ، فقالوا: قتلنا إخواننا ، فأنزل الله تعالى هذه الآیات من سورة النساء ، فلم یعذرهم تعالى بدعواهم الإستضعاف وإخراج المشرکین لهم فی الصف کرهاً ، لأنهم قصروا أول مرة فی الهجرة والخروج من بینهم حین کانوا فی سعة حال القدرة علیه ، وإنما عذر- کما فی الآیة التی بعدها – المستضعفین حقاً الذین لا یتمکنون من الهجرة ولا یستطیعونها إما لحبسهم وقیدهم وإستضعافهم الحقیقی ، أو لأنهم لا یستطیعون حیلة ولا یهتدون سبیل الهجرة ، کالنساء والولدان ونحوهم..
فدل هذا کله على أن المکثر لسواد الکفار والمشرکین المظهر موافقتهم ونصرتهم على المسلمین لا یعذر بمجرد دعواه الخوف على الأموال والمشحة (بالتقاعد) والمساکن ونحوها من متاع الدنیا وقشورها..
فکیف بمن أظهر نصرة الشرک نفسه وحمى وحرس قوانین الکفر وخرج مختاراً لنصرتها ونصرة أهلها على الموحدین.. ؟؟ ثم تعذر بأمثال تلک الأعذار..
لا شک أن هؤلاء أولى بذلک وأولى..
۲- ولذلک فلیس من موانع التکفیر أیضاً کون المرتدین وأنصارهم یتعذرون بالاستضعاف وأنهم لا حیلة لهم مع حکامهم ، فالاستضعاف لو کان موجوداً معتبراً فی حقهم فإنه لا یسوغ لهم نصرة الشرک والکفر أو نصرة أهله على المسلمین ، إذ لا أحد یجبرهم على ذلک ، ولا على تولی الوظائف التی فیها جنس ذلک.. بل هم یستمیتون فی الحصول علیها.. ویلتمسون الشفاعات والوساطات لنیلها والوصول إلیها..
وأعجب من ذلک ما سمعته من بعض من طمس الله على بصائرهم وأعماهم عن نور الوحی ، یعتذرون للحکام المعطلین لشرع الله المشرعین لقوانین الکفر المحکمین لها والممتنعین بها ، بأنهم مستضعفون عند أمریکا ولا یستطیعون تحکیم الشرع بسبب ذلک.. !! وکنت أسألهم: فمن ذا الذی یجبرهم على البقاء فی الحکم والتشبث بکرسیه بالنواجذ وأصابع الأیدی والأرجل ، کیف وقد وصل أکثرهم إلى هذه الکراسی على ظهور الدبابات ، وبکل ما یقدرون علیه من وسائل القتل والغدر والخسة ، فمنهم من قتل والده ، ومنه من نفاه ، ومنهم من أباد قرى ومدن کاملة من أجل ذلک.. ثم یقول أولئک العمیان ؛ أنهم مستضعفون لأمریکا.. بل فلیسموا الأشیاء بأسمائها الحقیقیة ولیقولوا: هم أذنابها وإخوانها وأحبابها..
وعلى کل حال ، فالمستضعف عموماً لا یحل له اقتراف قول أو فعل مکفر.. وإنما یرخص له فقط فی مداراة الکفار والتقیة ، وهی ترک الإنکار علیهم بالید واللسان ، مع بقاء کراهیتهم وإنکار باطلهم فی القلب ، وترک إظهار عداوتهم مع بقاء أصلها بالقلب ، دون أن یتابعهم على کفر أو یرضى به ، کما فی الحدیث ( إلا من رضی وتابع )
فالله لم یعذر المتابعین للکفار على کفرهم وشرکهم بحجة الاستضعاف ، کما هو بین واضح فی آیات کثیرة …
منها قوله تعالى: (( وإذ یتحاجون فی النار فیقول الضعفاء للذین استکبروا إن کنا لکم تبعاً فهل انتم مغنون عنا نصیباً من النار * قال الذین استکبروا إنا کل فیها إن الله قد حکم بین العباد * )) غافر.
وقال تعالى: (( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم یرجع بعضهم إلى بعض القول یقول الذین استضعفوا للذین استکبروا لولا أنتم لکنا مؤمنین * قال الذین استکبروا للذین استضعفوا أنحن صددناکم عن الهدى بعد إذ جاءکم بل کنتم مجرمین * وقال الذین استضعفوا للذین استکبروا بل مکر اللیل والنهار إذ تأمروننا أن نکفر بالله ونجعل له أندادا ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال فی أعناق الذین کفروا هل یجزون إلا ما کانوا یعملون *) سبأ.
ونحوها من الآیات..
فتأمل تخاصمهم بعد فوات الأوان وإسرارهم الندامة لما رأوا العذاب..
وقولهم لساداتهم الذین قادوهم إلى الهلاک: (( بل مکر اللیل والنهار إذا تأمروننا أن نکفر بالله ونجعل له أنداداً.. )).
فالاستضعاف لیس عذراً فی مثل هذا ، وإنما یعذر المستضعف باستضعافه ، فی ارتکاب بعض المحرمات ؛ أو التقصیر فی بعض الواجبات ، کترک الهجرة إلى المسلمین والتقصیر فی نصرتهم ونحو ذلک مما یعجز عنه فی استضعافه ، ما لم یرتکب مکفراً صریحا باختیاره إذ الاستضعاف شیء غیر الإکراه الذی تقدمت صورته والذی یمنع من تکفیر من ارتکب شیئا من أسباب الکفر الظاهرة ، وقلبه مطمئن بالإیمان..
ولذلک وصف الله المستضعفین من المؤمنین بأنهم یسعون جاهدین ویدعون الله مخلصین أن یخرجهم من بین الکفار ، ولا یطمئنون لواقع الاستضعاف، أو یتخذونه ذریعة وعذراً لبیع الدین بالدنیا.
کما هو حال من یتعذر به الیوم من المفتونین.. فقال تعالى ((.. والمستضعفین من الرجال والنساء والولدان الذین یقولون ربنا أخرجنا من هذه القریة الظالم أهلها واجعل لنا من لدنک ولیاً واجعل لنا من لدنک نصیرا )) ۷۵ النساء.
۳- ولیس من موانع التکفیر کون المرتدین وأنصارهم أو غیرهم من الکفار یعتقدون انهم مؤمنون أو أنهم على حق فیما یرتکبونه من المکفرات..
فقد وصف الله تعالى کثیراً من الکفار بذلک ، ولم یجعل ذلک مانعاً من تکفیرهم..
فقال سبحانه.. (( قل هل ننبئکم بالأخسرین أعمالا الذین ضل سعیهم فی الحیاة الدنیا وهم یحسبون أنهم یحسنون صنعا)) [ الکهف: ۱۰۴ ]
وقال تعالى (( إنهم اتخذوا الشیاطین أولیاء لهم من دون الله ویحسبون أنهم مهتدون )) [الأعراف: ۳۰ ]
وهکذا شأن أکثر الکفار فی کل زمان ، ففرعون طاغوت مصر کان یقول لقومه: (( ما أریکم إلا ما أرى وما أهدیکم إلا سبیل الرشاد )).
وقال تعالى عن غیره: (( وإذا قیل لهم لا تفسدوا فی الأرض قالوا إنما نحن مصلحون )).
وهکذا الکفار فی کل زمان ، وحتى الیهود والنصارى یعتقدون أنهم مهتدون وأنهم هم المؤمنون وأصحاب الجنة الفائزون.
کما قال تعالى (( وقالت الیهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه.. ))
وقال سبحانه (( وقالوا لن یدخل الجنة إلا من کان هوداً أو نصارى ))
وهکذا سائر الکفار..
ومعلوم أن ذلک لیس بنافعهم عند الله ولا وهو بمانع من تکفیرهم فی الدنیا..
وعلى کل حال ، فتقیید التکفیر بالاعتقاد هو مذهب غلاة المرجئة الذین یرون الإیمان اعتقاد القلب وحده فقط ومن ثم فلا یکون الکفر فی مذهبهم إلا بالاعتقاد.. وانظر تفصیل هذا فی کتابنا (إمتاع النظر فی کشف شبهات مرجئة العصر)
أضف إلى هذا أن الاعتقاد أمر مغیب فی القلب غیر ظاهر ولا یمکن ضبطه ما دام کذلک.. ولذلک لم یعتبره الشارع کمانع من موانع التکفیر فی أحکام الدنیا فقد تقدم فی تعریف المانع: ( انه وصف وجودی ظاهر منضبط یمنع ثبوت الحکم ) فما لم یکن کذلک ، فلیس بمانع من موانع التکفیر ولا دخل لنا به فی أحکام الدنیا..
۴- ولیس من موانع التکفیر، کون من کفر بسبب من أسباب الکفر أو ناقض من نواقض الإسلام یلتزم بعض شرائع الإسلام کالصلاة أو الإقرار بالشهادتین أو نحوهما(۷)..
فهذا لا یمنع من تکفیره لأنه لم یکفر من جهة الامتناع عن شیء من الشرائع المذکورة.. وإنما کفر بسبب أخر غیر ذلک..
وقد ذکر الله تعالى فی کتابه أن للمشرکین أعمالاً ، وأن بعضهم عنده من شعب الإیمان أشیاء لم تنفی عنه الشرک کما قال: (( وما یؤمن أکثرهم بالله إلا وهم مشرکون ))
وبین فی موضع آخر أن الشرک محبط لجمیع تلک الأعمال فقال تعالى: (( ولو أشرکوا لحبط عنهم ما کانوا یعملون )).
ومعلوم ان الإنسان یدخل الإسلام بالإقرار بالشهادتین ثم لا یستمر إسلامه ولا تدوم عصمته إلا بالمحافظة على مجموع شعب هی أصل الإیمان.. بینما یحبط ذلک کله بسبب واحد من أسباب الکفر.
ومن الأدلة الواضحة على أن هذا الأمر لیس من الأعذار المقبولة عند الله تعالى ولا هو من موانع التکفیر..
قوله تعالى (( ولئن سألتهم لیقولن إنما کنا نخوض ونلعب قل أبالله وآیاته ورسوله کنتم تستهزئون لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم )) [ التوبة ۶۵-۶۶].
فإنها نزلت فی شأن أناس کانوا من المصلین المقرین بالشهادتین قد خرجوا مع النبی صلى الله علیه وسلم مجاهدین فی غزوة هی من أشهر وأعسر غزوات المسلمین.. ثم لما قالوا ما قالوا من أسباب الکفر وهو الاستهزاء بالنبی وأصحابه من حملة القرآن ؛ کفرهم الله بهذا السبب ، ولم یمنع من تکفیرهم إقراراهم بالشهادتین ولا الصلاة ولا الجهاد ولا غیره من شعب الإیمان التی کانت عندهم..
وعلى هذا فلو نطق المرتد الذی کفر بسبب نصرته للشرک والمشرکین للشهادتین حال قتاله، لم یعصم ذلک دمه ولم یمنع من قتله لأنه لم یکفر بالامتناع عن الإقرار بها کی یقاتل علیها، وحتى یکون حکمه حکم من قتله أسامة بن زید لما قالها.. بل هو یقولها ویقر بها لیل نهار ،وربما کان من المصلین ، فلیس هذا سبب کفره الذی قوتل علیه ، و إنما سبب کفره الذی قوتل علیه هو تولی ونصرة القوانین وأهلها على الموحدین ، فلا یصیر مسلماً حتى ینخلع ویبرأ من هذا السبب ویتوب منه ، فبذلک یرجع إلى الإسلام ، إذ هذا هو الباب الذی خرج منه ، فمنه یرجع ما دام مقراً بسائر الأبواب..
وهذا أمر واضح معلوم من سیرة الصحابة مع المرتدین بعد وفاة النبی صلى الله علیه وسلم فإنهم کانوا أصنافاً،( قوم ارتدوا عن الدین بالکلیة ، وقوم ارتدوا عن بعضه ، فقالوا: نصلی ولا نزکی ، وقوم ارتدوا عن إخلاص الدین الذی جاء به محمد صلى الله علیه وسلم ، فآمنوا مع محمد بقوم من النبیین الکذابین کمسیلمة الکذاب وطلیحة الأسدی وغیرهما) فجاهدهم الصدیق رضی الله عنه وسار فیهم سیرته فی المرتدین ، فمن کان منهم یصلی ویقر بالشهادتین وارتد بمنع الزکاة قاتله حتى أداها.. ومن کانت ردته بالإیمان بمسیلمة ،قاتله على البراءة من مسیلمة والکفر بنبوته.. وهکذا..
ولما أشکل ذلک بادی الرأی على الفاروق وسأله: کیف تقاتل الناس وقد قال النبی صلى الله علیه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى یشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله … الحدیث ) قال له أبو بکر: والله لأقاتلن من فرق بین الصلاة والزکاة … ) فهذا یوضح أن ممن قاتلهم أبو بکر فی حروب الردة من کان یصلی ویشهد الشهادتین.. وإنما ارتد من أبواب أخرى فقوتل علیها..
۵- ولیس من موانع التکفیر کون من ارتکب سبباً من أسباب الکفر الواضح المستبین مضللاً بتلبیس الأحبار والرهبان أو السادة والحکام.. أو غیرهم..
فقد قدمنا لک أن مانع الجهل یعتبر فی الأمور الخفیة والمشکلة التی تحتاج إلى تعریف وبیان ، فلا بد قبل التکفیر فیها من إقامة الحجة.. وسیأتی المزید منه فی أخطاء التکفیر..
لکن هذا لا یجب فی أمور هی أظهر من الشمس فی رابعة النهار ، کهدم أصل التوحید أو مقارفة ما یناقضه من الکفر البواح والشرک الصراح الذی لا یخفى على صبیان المسلمین ، بل إن الیهود والنصارى یعرفون أنه مناقض لما جاء به محمد صلى الله علیه وسلم..
وسیأتی حدیث عدی بن حاتم فی عدم إعذار الیهود والنصارى بإضلال أحبارهم ورهبانهم لهم ، فی صرف التشریع- الذی هو عبادة – إلى غیر الله تعالى.. مع أنهم لم یکونوا یعرفون أن الطاعة فی ذلک عبادة کما صرح بذلک عدی ، وکفر الیهود والنصارى أکثره کفر تقلید ولذلک قال تعالى فیهم (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله …. الآیات ))
وکذلک کفر أکثر الکفار.. قال تعالى (( وإذا قیل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول. قالوا حسبنا ما وجدنا علیه آباءنا أولو کان آباؤهم لا یعلمون شیئا ولا یهتدون * )) المائدة
وفی الحدیث الذی یرویه البخاری فی صحیحه یقول النبی صلى الله علیه وسلم فی عذاب القبر: ( وأما الکافر أو المنافق فیقول: لا أدری ، کنت أقول ما یقول الناس ، فیقال: لا دریت ولا تلیت ، ثم یضرب بمطرقة من حدید ضربة بین أذنیه …. الحدیث ).
هذا وقد بین الله فی کتابه أن الضعفاء والمقلدین یتبرؤون یوم القیامة من ساداتهم الذین کانوا سببا فی إضلالهم ، وأن ذلک لیس بعذر لهم ینجیهم ، ولا هو بمانع من موانع التکفیر..
فمن ذلک قوله تعالى: (( وبرزوا لله جمیعا ، فقال الضعفاء للذین استکبروا إنا کنا لکم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شیء ، قالوا لو هدانا الله لهدیناکم سواء علینا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محیص )) * إبراهیم
وقال تعالى: (( إن الله لعن الکافرین وأعد لهم سعیرا * خالدین فیها أبدا لا یجدون ولیا ولا نصیرا * یوم تقلب وجوههم فی النار یقولون یا لیتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وکبراءنا فأضلونا السبیلا * ربنا آتهم ضعفین من العذاب والعنهم لعنا کبیرا * )) الأحزاب.
والآیات فی هذا المعنى کثیرة …
هذا وقد ذکر العلامة ابن القیم فی کتابه ( طریق الهجرتین ) فی سیاق ذکره لمراتب المکلفین ( الطبقة السابعة عشر ) وهم: ( طبقة المقلدین وجهال الکفرة وأتباعهم وحمیرهم الذین معهم تبعا لهم یقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على أسوة بهم ……. )
قال: ( وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة کفار وإن کانوا جهالا مقلدین لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما یحکى عن بعض أهل البدع أنه لم یحکم لهؤلاء بالنار ، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة ، وهذا مذهب لم یقل به أحد من أئمة المسلمین لا الصحابة ولا التابعین ولا من بعدهم ، وإنما یعرف عن بعض أهل الکلام المحدث فی الإسلام ، وقد صح عن النبی صلى الله علیه وسلم أنه قال: ( إن الجنة لا یدخلها إلا نفس مسلمة )(۸) ، وهذا المقلد لیس بمسلم ، وهو عاقل مکلف ، والعاقل المکلف ، لا یخرج عن الإسلام أو الکفر ….. ) إلى قوله:
( والإسلام هو توحید الله وعبادته وحده لا شریک له ، والإیمان بالله وبرسوله واتباعه فیما جاء به ، فما لم یأت العبد بهذا فلیس بمسلم ، وإن لم یکن کافرا معاندا فهو کافر جاهل.
فغایة هذه الطبقة أنهم کفار جهال غیر معاندین وعدم عنادهم لا یخرجهم عن کونهم کفارا …)
ثم ساق الآیات التی تذکر عذاب المقلدین المتابعین غیرهم على الکفر.. وأن التابع والمتبوع فی النار جمیعا.. نحو قوله تعالى: (( وإذ یتحاجون فی النار فیقول الضعفاء للذین استکبروا إنا کنا لکم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصیبا من النار ، قال الذین استکبروا إنا کل فیها إن الله قد حکم بین العباد )) [ غافر: ۴۸ ]
ثم قال: ( فهذا إخبار من الله وتحذیر بأن المتبوعین والتابعین ، اشترکوا فی العذاب ولم یغن عنهم تقلیدهم شیئا ، وأصرح من هذا قوله تعالى: (( إذ تبرأ الذین اتبعوا من الذین اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذین اتبعوا لو أن لنا کرة فنتبرأ منهم کما تبرؤوا منا )) [ البقرة: ۱۶۶-۱۶۷ ] …) أهـ.
۶-ولیس من موانع التکفیر کون المرتد من أهل العلم ، أو من أهل اللحى أو من الجماعة الإسلامیة الفلانیة ، أو کونه یحمل دکتوراه !! فی الشریعة أو نحو ذلک مما یتوهمه البعض..
فقد قال تعالى فی بعض من کان أعلم أهل زمانه ( من کبار العلماء ): (( واتل علیهم نبأ الذی آتیناه آیتنا فانسلخ منها فأتبعه الشیطان فکان من الغاوین )) وقال تعالى فی حق خیرة خلقه وهم الأنبیاء صلوات الله وسلامه علیهم: (( ولو أشرکوا لحبط عنهم ما کانوا یعملون * أولئک الذین آتیناهم الکتاب والحکم والنبوة … الآیات )) الأنعام.
ویدل على هذا أیضا قصة عبد الله بن سعد بن أبی سرح الذی کان من کتبة الوحی ، وکان یکتب للنبی صلى الله علیه وسلم ثم ارتد على عقبیه، فأمر رسول الله صلى الله علیه وسلم بقتله ولو وجدوه متعلقا بأستار الکعبة.. ثم انه تاب ورجع إلى الإسلام عام الفتح ، أحضره عثمان بن عفان – وکان أخاه من الرضاعة – إلى النبی صلى الله علیه وسلم فبایعه.. وقصته بروایاتها المختلفة بسطها وتکلم على فوائدها شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ، والشاهد منها أن کونه من کتبة الوحی عند النبی صلى الله علیه وسلم لم یمنع من کفره وردته.. لما أتى بسببها..
• لکن یفرق فی هذا الباب بین ما کان کفراً صراحاً مخرجاً من الملة فهو على ما ذکرنا..
وبین ما لیس بکفر من الاجتهاد الخاطئ الذی یؤجر صاحبه على اجتهاده، أو العثرات التی قد یقع بها بعض أهل العلم أو طلبته ، فلا ینبغی أن یساء الأدب معهم لأجلها ، أو یتطاول علیهم بسببها ، أو یزهد بعلمهم أو ینفر الشباب عن کتبهم بها .. خصوصاً إن کانوا من أنصار الدین القائمین به المتبرئین من الطواغیت والمرتدین..
- ففی صحیح البخاری (کتاب مناقب الأنصار) باب قول النبی صلى الله علیه وسلم ( اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسیئهم ) وذکر فیه أحادیث منها حدیث أنس فی وصیة رسول الله صلى الله علیه وسلم بالأنصار وفیه قوله: (أوصیکم بالأنصار …) إلى قوله: ( فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسیئهم )..
- فأنصار الدین الذین هم من أهل الطائفة القائمة بدین الله ، الذین یفنون أعمارهم ویبذلون مهجهم فی نصرة دین الله وتوحیده ، لهم نصیب من هذه الوصیة النبویة فی کل زمان..
فلتحفظ وصیته صلى الله علیه وسلم فیهم ، وحذار من تسلیط السفهاء وتطاول الرعاع علیهم ، فإن فی ذلک إقرار أعین أعداء الله ، وأعداء هذه الدعوة المبارکة.. ولا یقدم على مثل هذا عاقل أو فقیه..
۷- ولیس من موانع التکفیر فی سبب معین من أسباب الکفر کون من سیکفرون به کثر .. فدین الله لا یحابی أحداً، وقد قال تعالى: (( وقال موسى إن تکفروا أنتم ومن فی الأرض جمیعاً فإن الله لغنی حمید )).
وقال تعالى: (( وما أکثر الناس ولو حرصت بمؤمنین )) وقال سبحانه: (( وإن کثیرا من الناس بلقاء ربهم لکافرون )).
وفی الحدیث الذی یرویه أبو داود وابن ماجه عن ثوبان مرفوعاً: ( … ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتی بالمشرکین ، وحتى تعبد قبائل من أمتی الأوثان) وأخرج الحاکم وصححه عن أبی هریرة قال: تلا رسول الله صلى الله علیه وسلم: (( ورأیت الناس یدخلون فی دین الله أفواجاً )).
قال: ( لیخرجن منه أفواجاً کما دخلوا فیه أفواجاً ) ، ویروى موقوفا على أبی هریرة.
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیة فی منهاج السنة (۷/۲۱۷) ؛ أن أتباع مسیلمة الکذاب نحو مائة ألف أو أکثر.
۸- ولیس من موانع التکفیر باتفاق أهل العلم ؛ قول الکفر على سبیل الهزل واللعب واللهو والمزاح ، ودلیله قوله تعالى: (( ولئن سألتهم لیقولن إنما کنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآیاته ورسوله کنتم تستهزءون لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم)).. فلم یعذرهم الله تعالى بهذا العذر ، مع أنهم کانوا خارجین فی غزوة العسرة للقتال مع النبی صلى الله علیه وسلم ، وقالوا تلک الکلمات على سبیل الهزل وشغل الوقت فی السفر ، ( حدیث الرکب نقطع به الطریق) کما جاء فی أسباب النزول..
- یقول أبو بکر ابن العربی (۵۴۳هـ): ( الهزل بالکفر کفر ، لا خلاف فیه بین الأمة ، فإن التحقیق أخو العلم والحق ، والهزل أخو الجهل والباطل ) أهـ أحکام القرآن (۲/۹۶۴) وانظر القرطبی (۸/۱۹۷)
- ویقول ابن الجوزی (۵۹۷هـ): ( الجد واللعب فی إظهار کلمة الکفر سواء ) أهـ زاد المسیر (۳/۴۶۵).
- ویقول النووی (۶۷۶هـ): ( والأفعال الموجبة للکفر ، هی التی تصدر عن عمد واستهزاء بالدین صریح ) أهـ روضة الطالبین (۱۰/۶۴).
- ویقول شیخ الإسلام ابن تیمیة فی الصارم المسلول عند قوله تعالى: (( لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم )): ( لم یقل {الله تعالى} قد کذبتم فی قولکم ((إنما کنا نخوض ونلعب)) فلم یکذبهم فی هذا العذر کما کذبهم فی سائر ما أظهروه من العذر الذی یوجب براءتهم من الکفر لو کانوا صادقین ، بل بین أنهم کفروا بعد إیمانهم بهذا الخوض واللعب ) أهـ (۵۱۷)
أی أنه کفرهم سبحانه وتعالى رغم عذرهم المذکور الذی أدلوا به ، ولم یکذبهم بوجوده سبحانه ، بل أنکر اعتباره ، فدل على عدم اعتبار هذا العذر من موانع التکفیر.
- وقال ابن القیم فی إعلام الموقعین بعد کلام له تقدم فی اشتراط القصد لصحة الأحکام ، قال بعد أن ذکر خبر الذی قال لما وجد راحلته ، بعد أن أضلها: (أللهم أنت عبدی وأنا ربک ) أخطأ من شدة الفرح ؛ ( ولم یکفر بذلک وإن أتى بصریح الکفر ، لکونه لم یرده ، والمکره على کلمة الکفر أتى بصریح کلمته ولم یکفر لعدم ارادته ، بخلاف المستهزئ والهازل ، فإنه یلزمه الطلاق والکفر ، وإن کان هازلاً لأنه قاصد للتکلم باللفظ ، وهزله لا یکون عذراً له بخلاف المکره والمخطئ والناسی فإنه معذور مأمور بما یقوله أو مأذون له فیه ، والهازل غیر مأذون له فی الهزل بکلمة الکفر والعقود ، فهو متکلم باللفظ مرید له ، ولم یصرفه عن معناه إکراه ولا خطأ ولا نسیان ولا جهل ، والهزل لم یجعله الله ورسوله عذراً صارفاً ، بل صاحبه أحق بالعقوبة ، ألا ترى أن الله تعالى عذر المکره فی تکلمه بکلمة الکفر إذا کان قلبه مطمئناً بالإیمان ، ولم یعذر الهازل بل قال تعالى: (( ولئن سألتهم لیقولن إنما کنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآیاته ورسوله کنتم تستهزءون لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم)) أهـ (۳/۷۶).
- ویقول ابن نجیم الحنفی (۱۰۰۵هـ): ( ان من تکلم بکلمة الکفر هازلاً ، أو لاعباً کفر عند الکل ، ولا اعتبار باعتقاده ) أهـ. ( البحر الرایق شرح کنز الدقائق ). (۵/۱۳۴)
۹- ولیس من موانع التکفیر المعتبرة کون المکفِرین لا یقدرون على ترتیب آثار الکفر على من کفروه.. کإقامة حد الردة أو تغیر الحاکم الکافر ونحوه.. فهذه شبه یطنطن بها مرجئة العصر.. وقد تقدمت الإشارة إلى أقاویل بعض شیوخهم فی ذلک ، فی الفصل الأول.. وقد تعلق بذلک وقلدهم به سفهاؤهم وجهالهم ، وهی من سفسطتهم وجدالهم بالباطل ، إذ لو التزموا ذلک لأبطلوا به جمیع الأحکام الشرعیة..
- إذ یلزمهم ما دمنا عاجزین عن إقامة حد الزنا ، على من ثبت علیه الزنا بالبینة أو الاعتراف أو نحوه أنه لیس بزانٍ ، ولیبحث له عن أخرى !!
- وما دمنا عاجزین عن إقامة حد القتل على القاتل فإنه لیس بقاتل ، ومن ثم فلا دیة علیه ولا کفارة ولا توبة.. !!
- وما دمنا عاجزین عن إقامة حد القطع على السارق فلا یحل لنا أن نسمیه سارقاً ، إذ ما الفائدة من ذلک –کما یقولون-؟! فلنسمه إذن أمیناً ولنسلطه على أموال الناس !!
- وما دمنا غیر قادرین على تغییر المنکرات الظاهرة ، فلا یحل لنا أن نعرّف بها أو نحذر منها أو نسمیها منکراً ، وما لم تکن منکراً فهی حتماً معروف.. وهکذا …
وفی هذا من الباطل ما یلزم منه فتح أبواب الفساد والإلحاد ، وتسویغه وتهوینه على العباد..
والحق والصواب فی هذا هو ما أمرنا الله تعالى به فی محکم کتابه بقوله: (( فاتقوا الله ما استطعتم )) وقال تعالى عن شعیب: (( إن أرید إلا الإصلاح ما استطعت.. ))
ومنه وضع الفقهاء قاعدتهم الفقهیة المعروفة فی أن ( المیسور لا یسقط بالمعسور)
فإذا عجز المسلمون فی وقت من الأوقات عن الخروج على الحاکم الکافر وتغییره ، فلا یعنی هذا أن یترکوا تکفیره ، بل هذا حکم شرعی یستطیعونه فیجب علیهم أن یتقوا الله فیه.. وفی غیره مما هو من آثار تکفیر الحکام ویستطیعونه ، فیجتنبوا نصرته وتولیه والتحاکم إلى أحکامه الکفریة ، ولا یولونه أمر دینهم ، ولا یجعلون له علیهم سبیلا ، ما استطاعوا إلى ذلک سبیلا ، ولا یدخلوا فی بیعته أو یقاتلوا تحت رایته ، أو یعینوه على باطله أو یظاهروه على مسلم.. إلى غیر ذلک مما یملکون فعله ویقدرون علیه ، وأیضاً فإن معرفة کفر الحاکم ، مدعاة إلى العمل الجاد والإعداد الذی یمکن فی یوم من الأیام من تغییره..
بخلاف من کان الحاکم عنده مسلماً ، فإنه لن یرفع بذلک رأساً، ولن یفکر یوماً ما بالإعداد الجاد لتغییره کما هو واقع مرجئة العصر فی هذا الزمان..
فاختلاف الحکم على الحاکم عند کل فریق ؛ هو الفرقان والمیزان الذی یزن سلوک کل فریق ویمیز توجهه وصبغته ، ما بین موحد کافر بالطاغوت معادٍ له ، أو مجتنب على أقل الأحوال..
وما بین مبایع له مناصر ، أو مجادل عن باطله مهون من کفریاته.. وواقعنا وواقع خصوم هذه الدعوة أکبر شاهد على هذا.. فلیتدبر المنصف أحوال الموحدین وسلوکهم ودعوتهم ومنهاجهم فی واقع الیوم..
ثم لینظر فی واقع الخوالف الذین ناموا فی أحضان الطواغیت ورضعوا من ألبانهم ، وسلطوا ألسنتهم وأقلامهم على کل من خرج علیهم أو نازعهم ، بلسانه أو سنانه..
۱۰ – ولیس من موانع التکفیر المعتبرة ؛ سوء تربیة ‍‍المقترف للکفر ، کما زعمه بعض من یقتدى بهم ویشار إلیه بالبنان فی موانع تکفیر ساب الرب أو الدین أو الرسول ، فإن أکثر الکفار والمشرکین قد کفروا ونشأوا فی الشرک لسوء التربیة والتنشئة کما اخبر بذلک الصادق المصدوق فقال صلى الله علیه وسلم: ( یولد المولود على الفطرة فأبواه یهودانه أو یمجسانه أو یشرکانه ) رواه مسلم وغیره.
فلم یمنع ذلک من تکفیرهم.
۱۱- ولیس من موانع التکفیر أیضاً ، اقتراف شیء من أسباب الکفر الظاهرة الصریحة ، بحجة الاستحسان أو الاستصلاح أو ما یسمونه بمصلحة الدعوة.. !! فلیس ثم مصلحة معتبرة فی الشرک أو الکفر ، لأنه أعظم ذنب عصى الله به فی الوجود ، ولذلک قال تعالى: (( إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء )) وقد سئل النبی صلى الله علیه وسلم فیما رواه البخاری ومسلم ؛ أی الذنب أعظم ؟ فقال: ( أن تجعل لله ندا وهو خلقک )..
فهو أعظم المفاسد فی الوجود على الإطلاق ، ولذلک کان محبطا لسائر الأعمال قال تعالى: (( ولقد أوحی إلیک وإلى الذین من قبلک لئن أشرکت لیحبطن عملک ولتکونن من الخاسرین )). وکل مصلحة مزعومة أومدعاة فی الشرک أو الکفر فهی مصلحة باطلة ملغاة شرعا ، لم یجعل الشارع لها اعتبارا..
نعم قد یکون فی الشرک مصالح دنیویة وشهوانیة لبعض الناس ، یغطونها بمصلحة الدین ، والدین منها براء..
فالله قد بعث کافة رسله وأنزل جمیع کتبه کما هو معلوم لإبطال الشرک وهدم الکفر.. ومن ثم إخلاص العبادة لله وحده.. وهو سبحانه طیب لا یقبل إلا طیبا.. والمقاصد الشرعیة المطهرة ، لا یجوز شرعا أن یتوصل إلى تحقیقها إلا بوسائل شرعیة مطهرة صحیحة ، تماما کما لا تزال النجاسة ویتطهر منها بنجاسة أخرى ، وکما لا یستنجى من البول بالبول.. فلسنا میکافیلیین(۹) تبرر الغایة عندنا الوسیلة.. حتى نختار ما نشتهی من وسائل ، بل قد سد الله جمیع الطرق ، ولم یبق لنا إلا طریقا واحدا موصلا إلیه وإلى جنته ومرضاته ونصرة دینه وتحقیق سعادة الدارین ؛ ألا وهو الطریق الشرعی التی بعث بها رسوله صلى الله علیه وسلم ، وهذا من أهم معانی شهادة أن محمدا رسول الله. وقد بین الله ضلال سعی من یستصلحون الکفر ، وخسارة من یستحسنون صنعته ، فقال: (( قل هل ننبئکم بالأخسرین أعمالا * الذین ضل سعیهم فی الحیاة الدنیا وهم یحسبون أنهم یحسنون صنعا * أولئک الذین کفروا بآیات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقیم لهم یوم القیامة وزنا * )) الکهف.
ورحم الله السلف الذین کانوا یسمون مثل هذه الإستصلاحات التی یلصقها أهلها بالدین: ( خدیعة إبلیس ) ، یطلقون ذلک على من داهن الأمراء وتقرب إلیهم فی أزمنة الخلافة والفتوحات..
کما قال سفیان الثوری رحمه الله لبعض من یناصحه: ( إیاک والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم فی شیء من الأشیاء ، وإیاک ویقال لک لتشفع عن مظلوم أوترد مظلمه ، فإن ذلک خدیعة إبلیس ، وإنما اتخذها فجار القراء سلما … ) أهـ. (۱۰)
فتأمل إبطاله استصلاح واستحسان بعض الفقهاء الدخول على الأمراء والدنو منهم بحجة تخفیف الظلم ودرء الفساد.. !! ویسمی ذلک ( خدیعة إبلیس ) ، وفی أی وقت یقول ذلک.. فی أوائل خلافة بنی العباس قبل المعتصم وقبل المأمون ونحوهم ممن أظهروا بدعهم وامتحنوا الناس.. وکانت عزة الخلافة وهیبتها قائمة ، وفتوحات المسلمین وجحافلهم تدک حصون الکفر شرقا وغربا..
فکیف به رحمه الله لو رأى خوالف زماننا الذین لم یتقربوا إلى الطواغیت والمرتدین وحسب.. بل دخلوا فی دینهم وأقسموا على احترام دساتیرهم الشرکیة وشارکوا فی تشریع قوانینهم الکفریة وصاروا لهم جندا محضرین وأنصارا مخلصین.. ؟؟
ثم لا یستحیون من أن یلصقوا ذلک الکفر البواح والشرک الصراح کله بالدین.. فیقولون: هی مصلحة الدعوة ونصر الدین !! بل هی مصلحة القروش والکروش.. ورحم الله سفیان إذ یقول: ( إنی لألقى الرجل أبغضه ، فیقول لی: کیف أصبحت ؟ فیلین له قلبی ، فکیف بمن أکل ثریدهم ، ووطیء بساطهم ؟؟ ) أهـ من تذکرة الموضوعات ص ۲۵.
فلا غرابة بعد هذا أن لا یکتفی أصحاب هذه الإستصلاحات الفاسدة الکفریة بالدفع بها عن شرکیاتهم التی خلطوها بالدین.. فقد تعدوا ذلک ، إلى الدفع والإعتذار بها عن طواغیت الحکم وأنصارهم.. فمن الأعذار المضحکة فی هذا الباب ما زعمه نائب ( مشرع ) إخوانی ، زارنا فی السجن برفقة وزیر الداخلیة ومساعدیه ، وانزعج هو ومن معه لما أبینا السلام علیهم وواجهناهم بکفرهم ، وأظهرنا براءتنا منهم ومن قوانینهم وحکمهم ، ورفضنا – بفضل الله تعالى وتثبیته – أن نتقدم إلیهم بأیة مطالب ، لما عرضوا ذلک.. وأنکرنا على ذلک النائب ما افتراه علینا فی الصحافة من دعوى تکفیر الناس ، وبینا له ولمن معه أن ذلک محض افتراء ، فنحن لا نکفر الناس بالعموم ، فلیست معرکتنا مع عوام الناس ، وإنما مع النظام المحارب لدین الله ، وأننا إنما نکفره ونکفر من نصر قوانینه الکفریة وحرسها أو شارک فی تشریعها.. وأننا ندعوهم دوما لیترکوا حراسة القوانین ویصیروا حراسا للشریعة وأنصارا للدین.. إنبرى ذلک النائب یدفع عن تکفیر المذکورین بدعوى أنهم ینصرون الدین بمناصبهم هذه ؛ فهم بزعمه یهیئون ویمهدون بمراکزهم ومناصبهم ، لقیام الخلافة التی ستواجه أمریکا – کذا قال – ولم یستحی طرفة عین أن یقول ذلک على مسامعهم – وکان حاضرا یومها أعلى رتب فی الأمن العام وأخبثهم وأشدهم حربا للدین – ممن لم یخطر ببال واحد منهم فی یوم من الأیام ما زعمه هذا الزاعم وادعاه لهم من الأعذار التی لا یذکرونها هم أبدا ، بل لو تلفظوا بها أو ادعوها فلربما یحاکمون علیها أو یطردون.. ولکن هذا مصداق ما أخبر به النبی صلى الله علیه وسلم من کلام النبوة الأولى: ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت )(۱۱) أما هو فقد دفع عن نیابته التشریعیة الشرکیة ، مرة بمدح الرسول صلى الله علیه وسلم لحلف الفضول ، ولما قلنا له: إن حلف الفضول الذی مدحه النبی صلى الله علیه وسلم إنما قام على نصرة المظلوم بالقوة المادیة ، فالتزم هذا ودع عنک التشریع ، فر وهو یصیح: لا ، العمل المادی لا ، نحن مستضعفون ولا عمل مادی فی العهد المکی !! قلت: إذن قد سقط استدلالک فلا تعود إلى هذا الدلیل.. !
ولذلک استدل هذه المرة علینا لحظة مغادرته للمکان ؛ بفعل نعیم بن مسعود فی غزوة الأحزاب.. فلما سألناه: وهل أقسم نعیم بن مسعود على احترام الدساتیر الوضعیة ؟ أم هل شرع ، لما خذل الأحزاب عن النبی صلى الله علیه وسلم ؟ ، أم هل ارتکب کفرا بواحا أو شرکا صراحا کما تفعلون.. ؟ لم یحر جوابا ، وولى مدبرا..
فصدق سفیان: ( فکیف بمن أکل ثریدهم.. ووطىء بساطهم ) ؟؟
• ثالثاً: أسباب التکفیر:
السبب الشرعی عند الأصولیین: ( هو وصف ظاهر منضبط یثبت الحکم به من حیث أن الشارع علقه به )(۱۲) أو( هو ما یلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدمه )
أو ( هو جعل وصف ظاهر منضبط مناطا لوجود حکم ، أی یستلزم وجوده ) (۱۳)
وبتعبیر آخر هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه ، ولهذا قال العلماء ( الحکم یدور مع علته وجودا وعدما )
والعلة والسبب مترادفان عند أکثر أهل الأصول ، قال فی( مراقی السعود):
ومع علة ترادف السبب والفرق بعضهم إلیه ذهب (۱۴)
ولما کان الإیمان عند أهل السنة والجماعة ذو أرکان ثلاثة ؛ هی الاعتقاد والقول والعمل..
فإن أسباب الکفر تقابل ذلک فهی: إما قول مکفر ، أو فعل مکفر ویدخل فیه (الترک المکفر ) ، أو شک أو اعتقاد مکفر.
- یقول ابن حزم (۴۵۶هـ) فی تعریف الکفر: ( وهو فی الدین: صفة من جحد شیئاً مما افترض الله تعالى الإیمان به بعد قیام الحجة علیه ببلوغ الحق إلیه ، بقلبه دون لسانه ، أو بلسانه دون قلبه ، أو بهما معاً أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له بذلک عن اسم الإیمان ) أهـ الإحکام فی أصول الأحکام (۱/۴۵)
- ویقول تاج الدین السبکی (۷۷۱هـ): ( التکفیر حکم شرعی سببه جحد الربوبیة أو الوحدانیة أو الرسالة ، أو قول أو فعل حکم الشارع بأنه کفر وإن لم یکن جاحداً ) أهـ فتاوى السبکی (۲/۵۸۶) .
- ویقول الشربینی الشافعی (۹۷۷هـ) فی (مغنی المحتاج): ( الردة هی قطع الإسلام بنیة ، أو قول ، أو فعل ، سواء قاله استهزاءا ، أو عناداً ، او اعتقادا ) أهـ (۴/۱۳۳).
- ویقول منصور البهوتی الحنبلی ( ۱۰۵۱هـ): ( المرتد لغة: هو الراجع ، قال تعالى: (( ولا ترتدوا على أدبارکم فتنقلبوا خاسرین )) [المائدة: ۲۱ ]. وشرعاً: الذی یکفر بعد إسلامه ، نطقاً أو اعتقاداً ، أو شکاً ،أو فعلاً. ) أهـ. (کشاف القناع عن متن الاقناع ) (۶/۱۳۶)
وأقاویل العلماء فی بیان ذلک کثیرة..
وفیها أن أسباب الکفر أو الردة کما قدمنا هی: إما قول مکفر ، أو فعل مکفر ، أو اعتقاد أو شک مکفر..
وهذه أسباب الکفر عموماً..
أما أسباب التکفیر ، التی تعمل فی أحکام الدنیا فتنحصر فی: الفعل أو القول المکفر فقط ، وقد ذکرنا الأدلة على أن من الأعمال والأقوال ما هو کفر مجرد مخرج من الملة ، دون شرط ارتباط ذلک باعتقاد فاسد أو جحد أو استحلال فی کتابنا (إمتاع النظر فی کشف شبهات مرجئة العصر ) وأطلنا فیه النفس هناک ، فراجعه فإن ذلک محله.
وقد حصرت الشریعة أسباب التکفیر فی الدنیا بذلک وحده..
لأن الاعتقاد والشک أسباب غیر ظاهرة ولا منضبطة فی أحکام الدنیا ، لذلک لم یعلق به الشارع أحکام الدنیا أو یجعلها أسباباً للتکفیر فیها ، وإنما جعل ذلک للذی یعلم السر وأخفى ، فهی لأجل ذلک أسباب للکفر أخرویة ، لا علاقة لأحکام الدنیا بها.. ولذلک کان من أبطن الکفر ولم یظهره ، بل أظهر شرائع الإسلام منافقاً یعامل فی أحکام الدنیا معاملة المسلمین ، أما فی أحکام الآخرة ، فیحاسبه الله على ما أبطن من أسباب الکفر فیکون مصیره الدرک الأسفل من النار..
وقد تقدم قول شیخ الإسلام ابن تیمیة فی الصارم المسلول ص۱۷۷-۱۷۸: ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو کفر ، کفر بذلک وإن لم یقصد أن یکون کافراً ، إذ لا یقصد الکفر أحد إلا ما شاء الله ) أهـ.
فحصر أسباب الکفر بالقول والفعل المکفر – لأن ذلک هو المعتبر فی الدنیا ، ولم یتعرض للأسباب الباطنة الخفیة لأنها لا دخل لها فی أحکام الدنیا.. وانظر قریبا منه فی الصارم ص (۳۷۰)
وتقدم الکلام على قوله ( وإن لم یقصد أن یکون کافراً ) ، وذلک لأن الشارع ربط الأسباب مع مسبباتها (فإذا وجد السبب وتوافرت الشروط وانتفت موانعه ترتب علیه مسببه حتماً )
( لأن المسبب لا یتخلف عن سببه شرعاً ، سواء أقصد من باشر السبب ترتب المسبب علیه أم لم یقصده ، بل یترتب ولو قصد عدم ترتبه ) (۱۵)، ( فلیس للمکلف أن یحل الإرتباط الذی ربط به الشارع المسببات بأسبابها ) ولا یقدر علیه أصلاً ، ولو تمنى على الله الأمانی..
وعلى هذا فإذا ارتکب المکلف سبباً من أسباب الکفر الظاهرة ، قول أو فعل مکفر ، وتوفرت الشروط وانتفت موانعه ،کفر، وإن زعم أنه لم یرد بذلک الکفر والخروج من الدین.. فهذا لا یقصد إلیه أحد إلا ما شاء الله ، وحتى النصارى ، لو قیل لهم ، هل تریدون الکفر بقولکم إن المسیح ابن الله. ؟ لنفوا ذلک وأنکروه.
• تنبیه حول أسباب التکفیر:
اعلم أنه إذا ما ارتکب المکلف سبباً من أسباب الکفر الظاهرة ، وانتفت فی حقه موانع التکفیر ، کفر ، ولا یلزم أن یجمع أکثر من سبب کی یکفر ، بل تعدد أسباب الکفر أو علله یغلظ الکفر ویزیده ، فالکفر درکات کما أن الإیمان درجات.. وانظر فی هذا (فصل مراتب المکلفین فی الدار الآخرة وطبقاتها) من کتاب (طریق الهجرتین ) لابن القیم، ویدل علیه قوله تعالى: (( إنما النسیء زیادة فی الکفر ))، والنسیء سبب زائد من أسباب الکفر أضافه مشرکوا قریش إلى کفریاتهم الأخرى ، وقال تبارک وتعالى أیضاً ((الأعراب أشد کفراً ونفاقاً)) [التوبة: ۹۳ ]
ففیه أن بعض الکفر أشد من بعض ، وهذا ظاهر ، فمن جمع بین عدد من أسباب الکفر فارتد بترک الإقرار بالشهادتین وترک الصلاة ، وضم إلى هذا الطعن فی دین الله وشتم رسوله صلى الله علیه وسلم والتألیب علیه والسعی فی حربه کعبد الله بن سعد بن سرح وعبد الله بن خطل ونحوهم ، ممن عددهم وذکر أخبارهم شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ، لا شک أن ردتهم أشد وأغلظ ممن کفرهم الله تعالى بسبب واحد من أسباب الکفر کالذین استهزءوا بالقراء فی غزوة تبوک ، وکالذین ارتدوا بالامتناع عن الزکاة وحدها دون أن یمتنعوا عن الصلاة أو سائر أرکان الإسلام ومبانیه..
والخلاصة أن تعلیل حکم الکفر بأکثر من علة أو سبب لیس بشرط للتکفیر، وإنما یزید ذلک حکم التکفیر تأکیداً فیکون الکفر فیه أشد وأغلظ..
کما قد یعلل التحریم أحیاناً بعلتین لتأکید تحریمه ، کما فی تحریم نکاح الربیبة(۱۶) ، إذا کانت محرمة بالرضاع إضافة إلى کونها ربیبة ، واستدل العلماء لذلک بحدیث أم حبیبة فی الصحیحین أنها قالت للنبی صلى الله علیه وسلم: إننا نتحدث أنک ناکح درة بنت أم سلمة ، فقال صلى الله علیه وسلم: (إنها لو لم تکن ربیبتی فی حجری لما حلت لی ، لأنها بنت أخی من الرضاعة ، أرضعتنی وأبا سلمة ثویبة مولاة أبی لهب ).
وقد کان الإمام احمد یقول فی بعض ما یغلظ تحریمه: ( هذا کلحم خنزیر میت ) یقول ذلک لتغلیظ التحریم وتقویته ، ومثل تأکید قتل من قتل وارتد وزنى وکان محصناً.. وهکذا (۱۷)
ومن هذا الباب کفر طواغیت الحکام فی هذا الزمان ، فإنه کفر مغلظ زائد ، لأنهم قد جمعوا أسباباً عدیدة للکفر فخرجوا من الدین من أبواب شتى.. کالتشریع مع الله ما لم یأذن به الله ، والحکم بغیر ما أنزل الله ، واتباع وابتغاء غیر دین الله من مناهجهم الکفریة المبتدعة کالدیمقراطیة ونحوها.. وتولی الیهود والنصارى ومظاهرة إخوانهم المرتدین من طواغیت الدول المختلفة على المجاهدین الموحدین ، وفتح أبواب الاستهزاء بالدین والترخیص لوسائله المرئیة والمسموعة والمقروءة.. وغیر ذلک مما یضیق المقام عن حصره وتعداده …

الفصل الثالث

التحذیر من أخطاء شائعة فی التکفیر

[۳]
فصل فی
التحذیر من أخطاء شائعة فی التکفیر
وهذه الأخطاء بعضها شائع ، وبعضها شنیع فی موضوع التکفیر ، یقع فیها کثیر من المتحمسین والمبتدئین والغلاة فیطلقون إطلاقات قد یکون الهوى دافعاً إلیها أحیاناً ، مع ضعف العلم والإخلاص ، فضعف العلم ثغرة للشبهات ، وضعف الإخلاص ثغرة للشهوات والاستسلام للشبهات والشهوات مطیة الهوى ومرکب الضلال.. وقد قال تعالى (( ولا تتبع الهوى فیضلک عن سبیل الله إن الذین یضلون عن سبیل الله لهم عذاب شدید بما نسوا یوم الحساب ))
وتارة قد یدفع إلیها البغی الحامل هلى المبالغات أحیاناً ، والإفتراء أحیاناً أخرى ، وقد قال تعالى (( یا أیها الناس إنما بغیکم على انفسکم )).. ومثل ذلک سوء الإرادة النابعة من إفرازات الخصومات غیر المنظبطة بمیزان العدل الذی قامت به السماوات والأرض .. وقد قال تعالى: (( یا أیها الذین أمنوا کونوا قوامین لله شهداء بالقسط ولا یجرمنکم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله بما تعملون خبیر)).
واحیاناً أخرى یدفع إلى ذلک ضغط الواقع الکفری والإرهاب الفکری والحسی والمعنوی الذی یمارسه أعداء هذا الدین ، على اتباعه ، مما یفرز عند البعض بنات أفکار نابعة من ردود الفعل العکسیة ، وهو الذی یسمیه البعض بالفکر السجونی ، وغیر ذلک مما یخترعونه من أسماء یحاولون بها تشویه دعوة التوحید بدعوى أن عقیدة أصحابها غیر أصیلة ، ولا تمت إلى الدین بصلة ، بل هی من افرازات مراحل القهر والفقر والاضطهاد ، ولذلک یحسبون أنها ستزول بزوال هذه المراحل..
وهذا الذی یزعمون ، إن وجد منه شیء ، فإنما یوجد عند ضعاف العقول ، وفقراء العلم ، الذین لم ینضبطوا بضوابط الشرع ، ولم یرتبطوا بقواعده وأصوله ، فتلاعبت بهم وبأفکارهم الظروف والأحوال ، والضغوط والأهوال.
وما أمثال هؤلاء من دعاة التوحید الحق ، وأصحاب العقیدة الراسخة فی شیء..
وإنما تتسرب بعض إطلاقات الغلاة ، أحیاناً إلى بعض المتحمسین أو المبتدئین الذین لم ترسخ قدمهم بعد فی هذه الدعوة ، کما شاهدت غالباً ، عن حرقة للدین وغیرة لمحارمه.
ثم العاقل منهم من إذا ذکر ، ذکر ورجع إلى أدلة الشرع فیضبط بها غیرته وأقواله وأفعاله ، ، حال الرضا والغضب ، فی السراء والضراء … إذ معلوم أن الغیرة المحمودة ، إنما هی ما کان منضبطاً بضوابط الشرع لا ما یتولد من ردود الفعل العکسیة غیر منضبطة..
ولذلک قال النبی صلى الله علیه وسلم لما استصعب سعد أن یجد مع امرأته رجلاً ، أن یترکه ولا یقتله حتى یأتی بأربعة شهداء ، وذلک قبل نزول حکم اللعان.. وقال: کلا والذی بعثک بالحق نبیاً ، إن کنت لأعاجله بالسیف قبل ذلک ، ، وقال صلى الله علیه وسلم: ( أتعجبون من غیرة سعد ، فو الله لأنا أغیر منه ، والله أغیر منی ، ومن أجل ذلک حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا شخص أغیر من الله.. ) الحدیث أصله فی الصحیحین.
ویروى فی الحدیث المرفوع أیضاً: ( إن من الغیرة ، ما یحب الله ومن الغیرة ما یبغض الله …) رواه الإمام أحمد وأبو داود وغیرهم وهو حدیث حسن بمجموع طرقه.
ولا شک أن أمثال هؤلاء ما داموا أنصاراً للدین فإنهم یعذرون ، إذا قویت الشبهة الدافعة لإطلاقاتهم فی بعض الناس.. کما عذر التبی صلى الله علیه وسلم عمر لما قال عن حاطب ( أنه قد نافق ) واستأذن فی قتله.. ولم یقل له: ( کفرت لأنک کفرت أخاک المسلم ) ، وذلک لأن حاطب قد وقع فی شبهة عمل مکفر.. لکن لا بد من تعلیمهم وتنبیههم وردهم إلى الجادة ، کما فعل النبی صلى الله علیه و سلم مع عمر … فالدین لا یحابی ولا یجامل أحداً..
وهذا عمر ، فکیف بمن سواه ممن هم دونه ، فالخطأ مهما کان الدافع إلیه یبقى خطأ.. ولیس بعد الحق إلا الضلال..
ولا یجمل وجه الضلال القبیح ، أو یزینه شیء من النوایا الطیبة ، أو المقاصد الحسنة ، أو الدوافع النبیلة ، مهما کثرت وتضافرت..
ثم أعداء هذا الدین وخصوم هذه الدعوة ، یقفون بالمرصاد لکل هفوة أو عثرة تصدر من أتباعها لا یقیلون لهم عثرة … أو یذکرون لهم عذراً.. او یعذرونهم فی تاویل.. ولا یکلفون أنفسهم التفریق بین الدعوة واتباعها ، أو بین الراسخین فیها.. وبین المبتدئین..
وأندر وأعز سلعة عندهم الإنصاف ، وأکثرها وأوفرها الکذب والبهتان.. ومجرد الدعوى على وجه الخصومة ، لا یعجز عنها من یستجیز ویستحسن أن یتکلم بغیر علم او عدل..
وأصحاب دعوة التوحید المبارکة ذووا ثیاب ناصعة نقیة ، یظهر فیها أدنى غبش.. ولذلک یجب أن یحذروا الإنحراف عن منهجهم الأصیل ، ولو کان فی الأعین أدق من الشعر … فلیسوا هم کخصوم التوحید الذین سودوا وجوه أنفسهم وثیابهم برغام الباطل وبظلام الشهوات والشبهات ، فما عادوا یتحرجون من المهلکات ، أو یتورعون من الموبقات ، أو یخجلون من الطامات..
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیة فی رسالة من أروع ما کتب فی النقد الذاتی – کما یسمونه فی لغة العصر -: ( أن من أسباب انتقاص المبتدعة للسلف ، ما حصل فی المنتسبین إلیهم من نوع تقصیر وعدوان ، وما کان من بعضهم من أمور اجتهادیة الصواب فی خلافها ، فإن ما حصل صار فتنة للمخالف لهم ، ضل به ضلالاً کبیراً ) أهـ مجموع الفتاوی (۴/۹۱)
ولذلک فما کنا لنقر مثل هذه الأخطاء ، فیمن نخالطهم أو ندرسهم أو نتول أمرهم ، ولا سکتنا عن شیء منها فی یوم من الأیام.. ولم یکن یهمنا فی سبیل تطهیر هذه الدعوة الغالیة من کل شائبة قد تشوبها أو تعکر صفوها ، رضى أو سخط ، القریب أو البعید.. ولا أثنانا عن ذلک بغیهم أو عداوتهم أو أذاهم ، فقد أوذی من هو خیر منا فی أنفسهم وأعراضهم حتى أتاهم نصر الله ، ورحم الله من قال
ادأب على جمع الفضائل جاهداً وأدم لها تعب القریحة والجسد
واقصد بها وجه الإله ونفع من تلقاه ممن جد فیها واجتهد
واترک کلام الحاسدین وبغیهم هملاً فبعد الموت ینقطع الحسد
ثم إن ممن کانت أسخطتهم براءتنا من تلکم الأخطاء والتجاوزات واستنکروها فی وقت من الأوقات ، رجعوا بعد نضجهم وتبصرهم ، أو بعدما أحسوا بخطر تلکم الشذوذات على الدعوة ، وتنبهوا إلى آثارها السلبیة ، فحمدوا براءتنا ، أو فعلوا فعلنا ولو بعد حین ، فکان مثلی ومثلهم کم قال:
بذلت لهم نصحی بمنعرج اللوى
فلم یستبینوا الرشد إلا فی ضحى الغدِ
فالحمد لله على کل حال ، فهؤلاء فی رجوعهم إلى الحق ، ولو بعد مشاکسة ولأواء ، خیر ممن تمادوا فی الخطأ والضلال ، وهدایة القلوب لیست بأیدینا ، ولا کانت یوماً بأیدی أحداً من البشر ، کما قال تعالى لخیرهم: (( إنک لا تهدی من أحببت ولکن الله یهدی من یشاء وهو أعلم بالمهتدین))..
بل ذلک فضل الله وتوفیقه ، یؤتیه سبحانه من یصطفی من عباده المجاهدین لأنفسهم ولأهواءهم ولأعداء الله فیه ، کما قال: (( والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا وإن الله لمع المحسنین ))
والخلاصة أننا بفضل الله تعالى وحده ما تحملنا شیئاً من تلکم الأخطاء والشذوذات فی یوم من الأیام ، ولا أقررناه ، ولا قبلناه أو دعونا إلیه أو کتبناه فی وقت من الأوقات ، وهاهی کتباتنا المطبوعة والمخطوطة شاهدة بذلک ، منذ أن هدانا الله تعالى إلى هذه الطریق .. بل لازلنا نبرأ من تلکم الأخطاء والتخبطات قبل سجننا وأثنائه ، وسنبقى کذلک إن شاء الله تعالى ، ولم نتبن یوماً عقائد سجونیة ، ولا ردود فعل عکسیة غیر منضبطة بضوابط الشرع ، بل حملنا هذه العقیدة التی هی عقیدة أهل السنة والجماعة ، وکتبنا فیها ، ودعونا إلیها فی السراء والضراء ، عن دراسة وبحث ونظر فی أدلة الشرع ومقالات السلف..
وما زلنا بفضل الله وحده ، علیها فی الحبس والقید والضراء ، ما ملنا بسبب ضغط أو إغراء ، إلى إفراط أو تفریط.. فنسأل الله تعالى أن یتم نعمته علینا بالثبات وحسن الختام..
وهانحن نکتب فی ذلک ، نصحاً وتنبیهاً للمبتدئین والمتحمسین.. وتحذیراً وترهیباً للغلاة والمفرطین.. وتأکیداً لبراءئتنا وبراءة أصحاب هذه الدعوة ، من الشذوذات والأخطاء..

(( ۱ ))
عدم التفریق بین الکفر المطلق وتکفیر المعین
أو کفر النوع وکفر العین
وذلک ان کثیرا من المبتدئین فی طلب العلم لا یمیزون ؛ بین إطلاقات کثیر من العلماء فی کتبهم.. نحو: ( حکایة ابن القیم رحمه الله عن خمسمائة إمام من أئمة الإسلام أنهم کفروا من أنکر الاستواء وزعم أنه بمعنى الاستیلاء ) أو نحو قولهم: ( من قال (القرآن مخلوق) فقد کفر ) أو (قال (إن الله فی کل مکان) فقد کفر )..
وعلى هذا المنوال ما کنا نطلقه من إطلاقات عن بعض من وقع بأعمال او أقوال مکفرة: ( ان فلانا قد وقع بمکفرات ) أو ( أنه قال أو فعل الکفر ) فقد کان ینسب بعض المبتدئین إلینا بسبب مثل هذه الإطلاقات تکفیر أولئک المعینین ، وهو ما لم نقله أو نقصده بحال..
وکذلک اطلاقات العلماء فی الطوائف المنحرفة ، عن عقیدة أهل السنة والجماعة کقولهم (الجهمیة کفار) ، أو ( القدریة کفار ) أو نحو ذلک.
فلا یمیزون بین هذا ، وبین تنزیل هذه الأحکام على الأعیان.. فربما کفروا کل من سمعوا منه شیئاً من هذه المقالات أو قرؤوه فی کتبه ومؤلفاته.. حتى سمعت منهم من کفر کثیراً من الأعلام لوقوعهم فی شیء من تأویل الصفات کالحافظ بن حجر والنووی وغیرهم ، ومن المعاصرین سید قطب(۱) وغیره.. وهذا کله من التهور والتسرع الذی لا تحمد عقباه..
والصواب عند العلماء المحققین أنهم وإن أطلقوا تلک الإطلاقات فی المقالات أو الطوائف التی تنتحلها.. إلا أنهم لا ینزلون حکم التکفیر على المعین إلا بعد النظر فی شروط التکفیر وموانعه، فمن ذلک ما ذکره شیخ الإسلام مراراً فی الفتاوى أن (الجهمیة کفرهم السلف والأئمة تکفیراً مطلقاً ، وإن کان الواحد المعین لا یکفر إلا بعد قیام الحجة التی یکفر تارکها ) أهـ (۲)
وخلاصة هذا الموضع:
- أن التکفیر المطلق: هو أن یثبت بالدلیل الشرعی کفر من أتى بقول أو فعل معین ، وذلک أن یقال من قال کذا فقد کفر ، أو من فعل کذا فقد کفر ، هکذا بإطلاق دون تنزیل الحکم بالکفر على شخص بعینه.
- فالتکفیر المطلق: هو تنزیل الحکم بالکفر على السبب ، لا على الشخص فاعل السبب.
أی هو (تجریم الفعل نفسه لا الفاعل) ؛ ولذلک یکفی فیه فقط ، النظر فی الدلیل الشرعی من حیث کونه قطعی الدلالة على الکفر الأکبر ، وأنه لیس من الصیغ محتملة الدلالة ، مع النظر فی قطعیة دلالة الفعل أو القول نفسه على الکفر.
- أما تکفیر المعین: فهو تنزیل حکم التکفیر على الشخص المعین ، الذی قال أو فعل السبب المکفر ، فلا بد فیه إضافة إلى النظر فی تجریم الفعل کما فی التکفیر المطلق ، أن ینظر فی حال الفاعل أو القائل من حیث ثبوت الفعل علیه ، وانتفاء موانع الحکم فی حقه ، أی استفاء شروط التکفیر وانتفاء موانعه..
وقد تقدمت الشروط والموانع فی الفصل السابق وتقدم أن مراعاتها إنما یجب فی حق غیر الممتنع..
یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة: ( وکنت أبین لهم أن مانقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتکفیر من قال کذا وکذا ، فهو أیضا حق ، لکن یجب التفریق بین الإطلاق والتعیین ، وهذه أول مسألة تنازعت فیها الأمة من مسائل الأصول الکبار ، وهی مسألة ( الوعید ) فإن نصوص القرآن فی الوعید مطلقة کقوله ( إن الذین یأکلون أموال الیتامى ظلما … ) الآیة.. وکذلک سائر ما ورد؛ من فعل کذا فله کذا ، فإن هذه مطلقة عامة.. وهی بمنزلة من قال من السلف ، من قال کذا فهو کذا ، ثم الشخص المعین یلتغی حکم الوعید فیه بتوبة أو حسنات ماحیة أو مصائب مکفرة أو شفاعة مقبولة.
والتکفیر هو من الوعید ، فإنه وإن کان القول تکذیبا لما قاله الرسول صلى الله علیه وسلم ، لکن قد یکون الرجل حدیث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادیة بعیدة ، ومثل هذا لا یکفر بجحد ما یجحده حتى تقوم علیه الحجة ، وقد یکون الرجل لم یسمع تلک النصوص أو سمعها ، ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأویلها وإن کان مخطئا ) أهـ مجموع الفتاوى ( ۳/۱۴۷-۱۴۸ )
وقال أیضا ( ۳۵/۱۰۱ ): ( وأصل ذلک: أن المقالة التی هی کفر بالکتاب والسنة والإجماع یقال هی کفر قولا یطلق ، کما دل على ذلک الدلائل الشرعیة ، فإن ” الإیمان ” من الأحکام المتلقاة عن الله ورسوله ، ولیس ذلک مما یحکم فیه الناس بظنونهم وأهوائهم ، ولا یجب أن یحکم فی کل شخص قال ذلک بأنه کافر حتى یثبت فی حقه شروط التکفیر ، وتنتفی موانعه ، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال ، لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه ببادیة بعیدة ، أو سمع کلاما أنکره ، ولم یعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحادیث رسول الله صلى الله علیه وسلم ….. الخ ) وقد تقدم..
وقال ( ۲۳/۱۹۵ ): ( وحقیقة الأمر فی ذلک: أن القول قد یکون کفرا ، فیطلق القول بتکفیر صاحبه ، ویقال: من قال کذا فهو کافر ، لکن الشخص المعین الذی قاله لایحکم بکفره ، حتى تقوم علیه الحجة التی یکفر تارکها ، وهذا کما فی نصوص الوعید فإن الله سبحانه وتعالى یقول: (( إن الذین یأکلون أموال الیتامى ظلما إنما یأکلون فی بطونهم نارا وسیصلون سعیرا )) * النساء.
فهذا أو نحوه من نصوص الوعید حق ، لکن الشخص المعین لا یشهد علیه بالوعید ، فلا یشهد لمعین من أهل القبلة بالنار لجواز ألا یلحقه الوعید لفوات شرط ، أو ثبوت مانع ، فقد لا یکون التحریم بلغه ، وقد یتوب من فعل المحرم ، وقد تکون له حسنات عظیمة تمحو ذلک المحرم ، وقد یبتلى بمصائب تکفر عنه ، وقد یشفع فیه شفیع مطاع.
وهکذا الأقوال التی یکفر قائلها قد یکون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تکون عنده ولم تثبت عنده ، أو لم یتمکن من فهمها ، وقد یکون عرضت له شبهات یعذره الله بها ، فمن کان من المؤمنین مجتهدا فی طلب الحق وأخطأ ، فإن الله یغفر له خطأه – کائنا ما کان – سواء کان فی المسائل النظریة ، أو العملیة ، هذا الذی علیه أصحاب النبی صلى الله علی وسلم وجماهیر أئمة الإسلام ) أهـ.
وقال أیضا ، بعد أن ذکر نزاع بعض المتأخرین فی تکفیر أهل البدع هل هو کفر ینقل عن الملة أم لا ، وهل یخلدون فی النار أم لا … قال: ( وحقیقة الأمر: أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمة ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشارع ، کلما رأوهم قالوا: من قال کذا فهو کافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم هذا الکلام بعینه ، فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمیة الذین دعوه إلى القول بخلق القرآن ونفی الصفات ، وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنین والمؤمنات الذین لم یوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس … وذکر أن أکثر أولی الأمر کانوا یکفرون کل من لم یکن جهمیا موافقا لهم ویعاملونهم معاملة الکفار … الخ ، إلى قوله: ( ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تارکها أعظم من مجرد الدعاء إلیها …..
ثم إن الإمام أحمد دعا للخلیفة وغیره ، ممن ضربه وحبسه ، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه … ولو کانوا مرتدین عن الإسلام لم یجز الاستغفار لهم ، فإن الاستغفار للکفار لا یجوز بالکتاب والسنة والإجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غیره من الأئمة صریحة فی أنهم لم یکفروا المعینین من الجهمیة ….
وقد نقل عن أحمد ما یدل على أنه کفر به قوما معینین ، فأما أن یذکر عنه فی المسألة روایتان ففیه نظر ، أو یحمل الأمر على التفصیل ، فیقال: من کفر بعینه ، فلقیام الدلیل على أنه وجدت فیه شروط التکفیر وانتفت موانعه ، ومن لم یکفره بعینه فلانتفاء ذلک فی حقه ، هذا مع إطلاق قوله بالتکفیر على سبیل العموم )أهـ.
مجموع الفتاوى (۱۲/۲۶۱-۲۶۲)
والخلاصة.. أن عدم مراعاة الفرق بین التکفیر المطلق وتکفیر الأعیان مزله ومهواة.. تردى فیها البعض ، فکفروا خلقاً ممن لا یحل تکفیرهم إلا بعد الإعذار والإنذار ، فضلوا بذلک وأضلوا کثیراً..

(( ۲ ))
التکفیر بناء على قاعدة (الأصل فی الناس الکفر) لأن الدار دار کفر
ومن الأخطاء الشنیعة فی التکفیر؛ التکفیر بناء على قاعدة (الأصل فی الناس الکفر) لان الدار دار کفر ومعاملتهم واستحلال دماءهم وأموالهم وأعراضهم بناء على هذه القاعدة ، التی أصلوها تفریعاً على أن الدار دار کفر ، وهذا أمر منتشر بین کثیر من الغلاة ، وقد تحمله بعض الجهال عنهم دون أن یعرفوا أصله وتبعاته ، ونحن ولله الحمد والمنة لم نقل بهذا التأصیل ولا تبنیناه فی یوم من الأیام ، بل کنا –ولازلنا- من أشد المنکرین له ، حتى کفرنی بعض غلاة المکفرة ، لما خالفتهم فیه ، وناظرتهم فی إبطاله ، ویومها لم أجد عندهم ما یحتجون به لتأصیلهم هذا ، إلا عبارة مبتورة لشیخ الإسلام ابن تیمیة اقتطعوها من فتوى له حول بلدة ماردین ، وهی قوله فیها: ( ولا بمنزلة دار الحرب التی أهلها کفار ) وقد حرفوها فجعلوها ( دار الکفر التی أهلها کفار ) فخرجوا من ذلک أن کل دار کفر – ولو کانت طارئة حادثة لا أصلیة – فأهلها کلهم کفار ، إلا من عرفوا تفاصیل معتقده.. وقد بینت لهم یومها أن هذه اللفظة – خصوصا فی ماردین وأمثالها من دور الکفر الطارئة – ما هی إلا اصطلاح للفقهاء للدار التی غلب علیها الکفار وعلتها أحکامهم.. ولا دخل لقاطنیها بوصف الکفر إلا من ارتکب سببا من أسباب التکفیر.. وذکرت لهم بعض التفصیل الآتی ، ولکنهم لم یرفعوا بذلک رأسا ، وأصروا على التمسک بتلک العبارة.. فعجبت کیف یقلب الهوى الموازین ، ویجعل من یقر بعدم حجیة قول الصحابی ولا یقبل قول غیره من أهل القرون الثلاثة المفضلة فی فرع من الفروع ، یحتج بقول مبتور مقتطع من کلام عالم فی القرن السابع ، وفی مسألة هی من أخطر أبواب الدین ، عندما یظن أن ذلک القول یوافق هواه ، أو یحقق رغبته وحاجته.. !! مع أنهم یقرون بأن جمیع الخلق بعد رسول الله صلى الله علیه وسلم یحتج لکلامهم ولا یحتج به ، ویحتاج إلى الدلیل والبرهان ولیس هو وحده بدلیل ولا برهان..
وقد بین الله عز وجل بعض دوافع النفس وأهوائها ، فی الاندفاع نحو التکفیر والتسرع فیه أحیانا ، فی قوله تعالى: (( ولا تقولوا لمن ألقى إلیکم السلام لست مؤمنا )) ؛ فقال: (( تبتغون عرض الحیاة الدنیا )).. وکذلک کانت رغبات أولئک الأغرار الذین کنت أناظر بعضهم ، فقد کانوا یتحینون أسهل وأقرب فرصة لانتهاب أو سرقة ما یقع تحت أیدیهم من أموال وممتلکات من حکموا علیهم بالکفر ، حتى وإن کانوا من الدعاة والمجاهدین ، أو من المسلمین المستضعفین ، فأموالهم عندهم غنائم ، وقد شاهدت من ذلک أمثلة ، وفی آخر الأمر اقتتلوا هم فیما بینهم واختلفوا على بعض الأموال.. ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!
أسأل الله تعالى أن یهدیهم سواء السبیل ، وأن یجنب شباب المسلمین هذه الفتن المضلة.. ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍إذ الجرأة على تکفیر المسلمین وإباحة دماء الموحدین وأموالهم من غیر موجب شرعی ، لا تقدم علیه إلا النفوس المریضة التی لم تشم رائحة الورع والتقوى..
وقد قال النبی صلى الله علیه وسلم فی حجة الوداع: ( إن دماءکم وأموالکم وأعراضکم حرام علیکم کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا )
وقال أیضا فیما یرویه البخاری ومسلم: ( لا یحل دم امریء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثیب الزانی ، والنفس بالنفس ، والتارک لدینه المفارق للجماعة ).
وقال صلى الله علیه وسلم: ( لن یزال المؤمن فی فسحة من دینه ما لم یصب دما حراما ) رواه البخاری من حدیث ابن عمر
وفیه: وقال ابن عمر: ( إن من ورطات الأمور التی لا مخرج لمن أوقع نفسه فیها سفک الدم الحرام بغیر حله )
وفی البخاری أیضا سأل میمون بن سیاه أنس بن مالک ، قال: یا أبا حمزة ، ما یحرم دم العبد وماله ؟
فقال: ( من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأکل ذبیحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعلیه ما على المسلم )
وتقدم ما ذکره القاضی عیاض فی الشفا (۲/۲۷۷) عن العلماء المحققین قولهم: ( إن استباحة دماء المصلین الموحدین ، خطر ، والخطأ فی ترک ألف کافر أهون من الخطأ فی سفک محجمة من دم مسلم واحد ) أهـ.
ونقل عن القابسی قوله: ( ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح ، وفی الأدب بالسوط والسجن نکال للسفهاء.. ) أهـ. (۲/۲۶۲).
ولو انشغل هؤلاء فی طلب العلم الشرعی وتقلیب کتب العلماء ومطالعة الأصول والفروع ، لعرفوا أن دون إباحة الدم والمال وإن صدر القول أو الفعل المکفر ؛ مراحل وشروط وموانع قد تمنع من التکفیر فضلا عن الإباحة.. خصوصا فی أمثال من تسلطوا علیهم من المستضعفین أو الدعاة والمؤمنین غیر الممتنعین بشوکة الطواغیت أو أنظمتهم وقوانینهم.. وأنه لا یلزم من الحکم على الفعل أو القول بالکفر ، تکفیر المعین – کما تقدم – ومن ثم فلا تترتب على الحکم آثاره التی یهوونها ویشتهونها ویبتغونها..
أضف إلى هذا أن جمهور العلماء ، بل ذکر ابن المنذر إجماعهم ؛ على أن مُلک المرتد لا یزول بمجرد ردته(۱) إذا کانت ردته غیر مغلظة ولا کان ممتنعا ، فإنه یستتاب والحالة کذلک ، وقد یرجع إلى الإسلام.
وکل من تأمل فتوى شیخ الإسلام التی اجتزؤوا منها حجتهم ، وجدها من أولها إلى آخرها حجة علیهم ، فقد سئل رحمه الله عن بلدة ماردین التی احتلها التتار وتغلبوا علیها وفیها أناس مسلمون …. فأجاب رحمه الله: ( الحمد لله دماء المسلمین وأموالهم محرمة حیث کانوا فی ماردین أو غیرها … والمقیم بها إن کان عاجزا عن إقامة دینه وجبت الهجرة علیه ، وإلا استحبت ولم تجب … ) إلى قوله: ( ولا یحل سبهم عموما ورمیهم بالنفاق ، بل السب والرمی بالنفاق یقع على الصفات المذکورة فی الکتاب والسنة فیدخل فیها بعض أهل ماردین وغیرهم(۲) وأما کونها دار حرب أو سلم ، فهی مرکبة: فیها المعنیان ، لیست بمنزلة دار السلم التی تجری علیها أحکام الإسلام لکون جندها مسلمین ، ولا بمنزلة دار الحرب التی أهلها کفار ، بل هی قسم ثالث یعامل المسلم فیه بما یستحقه ، ویقاتل الخارج عن شریعة الإسلام بما یستحقه ) أهـ. مختصرا من مجموع الفتاوى (۲۸/۱۳۵).
فهو یقرر:
- أن دماء المسلمین وأموالهم ، الأصل الأصیل فیها ؛ هو الحرمة والعصمة حیث کانوا ، ولا دخل للدار أو البلدة فی ذلک ، بل مناط تلک العصمة إظهار المرء للإسلام ، لا إظهار الدار للإسلام.
- وأنه لا یحل رمی المسلمین بشیء من صفات النفاق ونحوها ، لمجرد کون الدار قد صارت تحت غلبة الکفار ، دون أن یحدث أولئک المسلمون أمرا.
- وأن الدار التی سئل عنها وأمثالها ، وإن کان ینطبق علیها وصف الفقهاء لدار الکفر لغلبة الکفار علیها ، إلا أنها بالنسبة للحکم على أهلها مرکبة.
فلیست هی کدار الإسلام الأصلیة التی یتمیز فیها أهل الکتاب بالغیار ( أی اللباس الذی یمیزهم ) ولا یقر المرتد فیها بحال.. فالأصل فی کل من عدا أهل الکتاب من ساکنیها ، أنه من المسلمین ولذلک أمر رسول الله صلى الله علیه وسلم أن یسلم المرء فی مثلها على من یعرف ومن لا یعرف(۳).. ولذلک نص الفقهاء واستدلوا کثیرا فی فروع الفقه بمقولة: ( الأصل فی دار الإسلام الإسلام )..
ولا هی أیضا بمنزلة دار الحرب التی أهلها کفار ولم تکن یوما دار إسلام ولا کان جمهور أهلها مسلمین.. فهی إذن لیست دار کفر أصلیة ، بل قد کانت قبل تغلب الکفار علیها دار إسلام وجمهور أهلها من المسلمین.. ولذلک لم ینط الحکم على أهلها ومعاملتهم تبعا لشیء من تلک الاصطلاحات لعدم انضباطها ، بل من أظهر الإسلام عصم ماله ودمه وعومل معاملة المسلمین ، ومن خرج عن شریعة الإسلام عومل بما یستحقه.. فکلامه رحمه الله واضح لا لبس فیه..
ولکن الأمر کما ذکر رحمه الله فی موضع غیر هذا.. أن اجتماع الشهوة مع الشبهة یقوی الدافع إلى الشبهة ویورث فساد العلم والفهم..
والقوم وجدوا فی ذلک الفهم السقیم ، ما یثبت شبهاتهم ویسوغ شهواتهم ( الغنائمیة)
فتمسکوا بقوله ( ولا بمنزلة دار الحرب التی أهلها کفار ) ؛ فجعلوا الکفر هو الأصل فی أهل کل دار تدخل تحت اصطلاح دار الکفر ولو کان وصف الکفر فیها طارئا لغلبة الکفار على أحکامها.. فکفروا أهلها کلهم ولو کان جمهورهم من المنتسبین للإسلام.. وتمسکوا بذلک وأصروا علیه..
هذا وقد کنت تتبعت قدیما مصطلح دار الکفر ودار الإسلام وجمعت أقوال کثیر من العلماء وتعریفهم للدار ، ونظرت فی أثر هذا الاصطلاح عندهم على قاطنیها ، فلم أجد عند أحد من العلماء المحققین شیئا من هذا الذی رامه هؤلاء.. خصوصا فی دار الکفر الطارئة التی کان جمهور أهلها مسلمین..
نعم وجدت شیئا شبیها بمقالاتهم.. عند بعض طوائف الخوارج الضلال..
فالأزارقة أصحاب (نافع بن الأزرق) قالوا: ( إن من أقام فی دار الکفر فهو کافر ، لا یسعه إلا الخروج ) ، ومعلوم أنهم یرون أن دار مخالفیهم من المسلمین دار کفر.
والبیهسیة والعوفیة قالوا: ( إذا کفر الإمام کفرت الرعیة الغائب منهم والشاهد ) وهذا کله من سخفهم وجهلهم ، وسنأتی على ذکره فی الفصل الرابع من هذا الکتاب..
أما العلماء المحققین ، فقد تدبرت أقوال کثیر منهم ، فلم أجد عندهم شیئا من هذه الإطلاقات ؛ ولا یعکر على إطلاقی هذا ما ورد فی أحکام القرآن للجصاص وغیره ، مما قد یظنه المتعجل شبیها بذلک ، فلیس هو من هذا الباب ، وذلک لکونه ورد فی أرض العدو التی یعنون بها دار الحرب أو الکفر الأصلیة ، وفی ظل وجود دار إسلام وجماعة المسلمین الذین یقدر المسلم على التحول إلیهم ثم هو یفرط فی ذلک ویبقى مکثرا لسواد أهل الشرک.
أما إطلاق تلک القاعدة وذلک الاصطلاح وإعماله مطلقا فی قاطنی الدار التی طرأ علیها الکفر مع أن جمهور أهلها من المنتسبین للإسلام ، دون اعتبار لاستضعاف المسلمین وعدم وجود دار إسلام یهاجر ویأوی إلیها المسلم ، ودون أن یتواطأ المسلم أو یعین على کفر ، فهذا ما لم أجده بحال ، وأعجبنی فی خاتمة المطاف قول الشوکانی فی السیل الجرار: ( اعلم أن التعرض لذکر دار الإسلام ودار الکفر قلیل الفائدة جدا ، لما قدمنا لک فی الکلام على دار الحرب ، وأن الکافر الحربی مباح الدم والمال على کل حال ما لم یؤمّن من المسلمین ، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الأسلام فی دار الحرب وغیرها ) أهـ. (۴/۵۷۶).
فهذا الذی یهمنا من ذلک ، وهو موافق لخلاصة کلام شیخ الإسلام فی أهل ماردین وغیرهم..
والعلماء جمیعهم على ذلک.. فأنت تخرج من تتبع تعریفاتهم لدار الکفر ودار الإسلام ، بأن هذه المسمیات اصطلاح فقهی لا أثر له فی الحکم على من أمکن معرفة دینه من قاطنی الدیار ، وأن من أظهر الإسلام ولم یأت بناقض من نواقضه الظاهرة معصوم الدم والمال حیث کان..
وتعریفاتهم وإن تفاوتت بعض التفاوت ، فجمهورهم على أن هذا المصطلح یطلق تبعا للأحکام والغلبة التی تعلو الدار، فإن کانت تعلو الدار أحکام الکفر أو أن الغلبة فیها للکفار فقد اصطلحوا على تسمیتها دار کفر، وإن کان أکثر أهلها من المسلمین.. وإن کانت الغلبة فیها والأحکام للمسلمین فهی دار إسلام وإن کان أکثر قاطنیها من الکفار، کما یکون الحال فی البلاد التی یسکنها أهل الذمة ویحکمها المسلمون..
قال ابن حزم (۴۵۶هـ): (وقول رسول الله صلى الله علیه وسلم ” أنا بریء من کل مسلم أقام بین أظهر المشرکین ” إنما عنى بذلک دار الحرب ، وإلا فقد استعمل علیه السلام عماله على خیبر وهم کلهم یهود ، وإذا کان أهل الذمة فی مدائنهم لا یمازجهم غیرهم فلا یسمى الساکن فیهم لإمارة علیهم أو لتجارة بینهم کافرا ولا مسیئا بل هو مسلم محسن ، ودارهم دار إسلام لا دار شرک ، لأن الدار إنما تنسب للغالب علیها والحاکم فیها والمالک لها ) أهـ المحلى (۱۱/۲۰۰).
وقال القاضی أبو یعلى الحنبلی(۴۵۸هـ): ( کل دار کانت الغلبة فیها لأحکام الکفر دون أحکام الإسلام فهی دار کفر ) أهـ. المعتمد فی أصول الدین ص(۲۷۶).
وقال ابن القیم(۷۵۱هـ): ( ما لم تجر علیه أحکام الإسلام لم یکن دار إسلام وإن لاصقها ، فهذه الطائف قریبة إلى مکة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مکة ) أهـ أحکام أهل الذمة (۱/۳۶۶).
وقال الشوکانی (۱۲۵۰هـ) فی السیل الجرار (۴/۵۷۵): (الاعتبار بظهور الکلمة فإن کانت الأوامر والنواهی فی الدار لأهل الإسلام ؛ فهذه الدار دار إسلام ولا یضر ظهور الخصال الکفریة فیها لأنها لم تظهر بقوة الکفار ولا بصولتهم ، کما هو مشاهد فی أهل الذمة من الیهود والنصارى والمعاهدین الساکنین فی المدائن الإسلامیة ، وإذا کان الأمر بالعکس فالدار بالعکس ) أهـ.
وقال سلیمان بن سحیمان (۱۳۴۹هـ) شعراً: –
إذا ما تغلب کافر متغلب على دار إسلام وحل بها الوجل
وأجرى بها أحکام کفر علانیا وأظهرها فیها جهاراً بلا مهل
‍ وأوهى بها أحکام شرع محمد ولم یظهر الإسلام فیها وینتحل
فذی دار کفر عند کل محقق کما قال أهل الدرایة بالنحل
وما کل من فیها یقال بکفره فرب امرئ فیها على صالح العمل
فأنت ترى من مطالعة هذه التعریفات وغیرها أنهم اصطلحوا على هذا المصطلح کدلالة على نوع الغلبة والأحکام التی تعلوا الدار ، وینبهون کما رأیت غالباً على أن المسلم معصوم الدم والمال حیث کان وأنه لا أثر لقاطنی الدیار ، إسلام أکثرهم أو کفرهم فی الحکم على الدار ، کما وأنه لا أثر للحکم على الدار وحده فی إسلامهم أو کفرهم.. خصوصا إذا کانت دار کفر حادثة طارئة ، لا أصلیة..
وما کل من فیها یقال بکفره فرب امرئ فیها على صالح العمل
کما قال ابن سمحان..
• ولقد فتح النبی صلى الله علیه وسلم خیبر عام ۷هـ ، وکان أهلها کلهم یهود فأقرهم صلى الله علیه وسلم فیها وصالحهم على زراعتها، فصارت بغلبة المسلمین وعلو أحکامهم علیها ، دار إسلام ، وجازت السکنى والإقامة فیها والاستیطان ، فکان له صلى الله علیه وسلم فیها عمال..
• وفی المقابل لما ادعى الأسود العنسی النبوة فی الیمن وارتد قوم من أهلها واتبعوه حتى غلب على صنعاء – وذلک فی آخر أیام النبی صلى الله علیه وسلم فی الدنیا – فقتل الأسود والیها شهر بن باذان الذی کان قد أقره النبی صلى الله علیه وسلم علیها ، وفر بعض عمال النبی صلى الله علیه وسلم إلى المدینة لما استشرى أمر العنسی ، وارتد خلق معه (وعامله المسلمون هناک بالتقیة )(۴) فلم یکفروا ببقائهم فی دار الردة وعدم فرارهم، بل کان منهم فیروز الدیلمی وأصحابه الذین ثبتوا واحتالوا حتى قتلوا الأسود العنسی وعادت الغلبة فی الیمن للمسلمین..
فهاهی صنعاء صارت دار کفر بغلبة المرتدین والکفار علیها بعد أن کانت دار إسلام أی أنها صارت دار ردة ، وبقیت تحت غلبة الأسود الذی ادعى النبوة لمدة أربعة أشهر أو قریباً منها.. ولم یمنع ذلک من وجود مسلمین صالحین فیها ، یأخذون بالتقیة ، ویعملون لإعادة الغلبة للمسلمین ، حتى تمکنوا فی آخر أمرهم من قتل الأسود وإعادة الیمن إلى حکم المسلمین ، ولم ینکر النبی صلى الله علیه وسلم ذلک (۵) ، ولا قال أنهم کفروا ببقائهم فی صنعاء وعدم فرارهم إذ صارت دار کفر بتغلب الکفار علیهم.. وهذا مع وجود دار الإسلام وجماعة المسلمین.
• وأیضا بعد ذلک لما سقطت مصر ، بأیدی العبیدیین الکفرة من بنی عبید القداح واستولوا علیها وتغلبوا على الحکم فیها صارت دار کفر وردة بعد أن کنت دار إسلام وجمهور أهلها من المسلمین ، فبقیت تحت حکم العبیدیین نحو مائتی سنة أظهروا فیها رفضهم وکفرهم وزندقتهم ، حتى ألّف ابن الجوزی کتابه ( النصر على مصر ).. ومع ذلک لم یقل أحد من العلماء المحققین أن حکم الکفر هذا الذی أطلق على الدار وعلى المتغلبین علیها ، قد شمل أهلها المستضعفین..
بل قد کان فیهم علماء وفقهاء وصالحون کثیر ، فمنهم من کان مستخفیا ولا یقدر على إظهار عقیدته فی بنی عبید ، بل ولا حتى التحدیث بحدیث رسول الله صلى الله علیه وسلم مخافة أن یقتل ( کما حکى إبراهیم بن سعید الحبال صاحب عبد الغنی بن سعید أنه امتنع من روایة الحدیث خوفا أن یقتلوه ) (۶)
ومع هذا فعموم المسلمین کانوا یضمرون بغض بنی عبید ، والبراءة منهم ، وربما أظهر ذلک بعضهم بطریقة لا یناله فیها بطشهم ، کما ذکر السیوطی فی مقدمة تاریخ الخلفاء عن ابن خلکان أنه قال فی العبیدیین: ( وقد کانوا یدعون علم المغیبات ، وأخبارهم فی ذلک مشهورة ، حتى إن العزیز صعد یوما المنبر فرأى ورقة مکتوب فیها:
بالظلم والجور قد رضینا ولیس بالکفر والحماقة
إن کنت أعطیت علم الغیب بین لنا کاتب البطاقة.
وکتبت إلیه امرأة قُصة فیها: بالذی أعز الیهود بمیشا ، والنصارى بابن نسطور ، وأذل المسلمین بک ، إلا نظرت فی أمری ) أهـ (۷).
فمَنْ من العلماء المحققین ، لا من الفشارین المتهورین.. قال بتکفیر هؤلاء لمجرد إقامتهم فی دار الکفر ما داموا لم یظهروا سببا من أسباب الکفر ؟؟ هذا مع وجود در إسلام یهاجر إلیها فی ذلک الوقت ، فکیف مع عدمها فی زماننا ؟؟
وقد کان العبیدیون شرا على ملة الإسلام من التتر کما ذکر الذهبی ، فمنهم من کان یظهر سب الأنبیاء.. أما سب الصحابة فحدث ولا حرج – فقد ذکر السیوطی عن أبی الحسن القابسی: ( أن الذین قتلهم عبید الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف رجل لیردوهم عن الترضی عن الصحابة فاختاروا الموت ، قال: فیا حبذا لو کان رافضیا فقط ، ولکنه زندیق ) تاریخ الخلفاء ص ۱۳.
فأنت ترى أنه کان فی مصر آنذاک فقهاء ، کما قدمنا أیضا فی کلام أبی محمد القیروانی الکیزانی قوله: ( إنما أقام من أقام من الفقهاء على المباینة لهم لئلا تخلوا للمسلمین حدودهم فیفتنوهم عن دینهم ) أهـ.
فکان منهم من یستخفی ومنهم من یظهر دینه فیقتل.. کما قال القاضی أبو بکر الباقلانی: ( کان المهدی عبید الله باطنیا خبیثا حریصا على إزالة ملة الإسلام ، أعدم العلماء والفقهاء لیتمکن من إغواء الخلق ) أهـ. تاریخ الخلفاء ص ۱۲.
وممن واجههم بکفرهم من العلماء الشهید – نحسبه کذلک – أبو بکر النابلسی الذی أحضره المعز: ( فقال له: بلغنی عنک أنک قلت: لو أن معی عشرة أسهم لرمیت الروم بتسعة ورمیت المصریین بسهم ، فقال ما قلت هذا ، فظن أنه رجع عن قوله ، فقال کیف قلت ؟ قال: قلت: ینبغی أن نرمیکم بتسعة ثم نرمیهم بالعاشر. قال: ولم ؟ قال: ( لأنکم غیرتم دین الأمة وقتلتم الصالحین وأطفأتم نور الإلهیة ، وادعیتم ما لیس لکم ) فشهره ثم ضربه بالسیاط ثم جاء بیهودی فأمره بسلخه فجعل یسلخه وهو یقرأ القرآن ، قال الیهودی: فأخذتنی رقة علیه ، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسکین فمات.. ) البدایة والنهایة ( ۱۱/۲۸۴) مختصرا وانظر سیر أعلام النبلاء (۱۶/۱۴۸).
والشاهد من هذا کله أن أحوال المسلمین تحت حکم المتغلبین الکفار فی کل زمان تغلبوا فیه على بعض دیار الإسلام ، کانت تتفاوت بین مستضعف مستخف أو آخذ بالتقیة أو مجاهد قائم بدین الله تبارک وتعالى ، ولم یکن العلماء یطلقون الکفر على أحد من هؤلاء ما داموا لم یتلبسوا بشیء من نواقض الإسلام وأسباب الکفر الظاهرة، وإنما کفروا من نصر الکفار أو المرتدین أو أظهر موالاتهم أو صار من أهل دولتهم وحکمهم الکفری کما نقل ابن کثیر فی البدایة والنهایة ( ۱۱/۲۸۴) عن القاضی الباقلانی قوله فی العبیدیین: ( إن مذهبهم الکفر المحض واعتقادهم الرفض وکذلک أهل دولته من أطاعه ونصره ووالاه قبحهم الله وإیاه ) أهـ.
.. و الأمثلة من جنس هذا فی التاریخ کثیرة …
والشاهد منه أن الأصل فی کل منتسب للإسلام أو مظهر لخصائصه ؛ الإسلام ، ما لم یظهر سببا من أسباب الکفر ، والأصل فیه أنه معصوم الدم والمال والعرض حیث کان..
-وقد قال تبارک وتعالى: (( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم )).
فسماهم مؤمنین مع أنهم کانوا فی مکة حین کانت دار کفر ، ورغم أنهم کانوا مستخفین لا یعلمهم المؤمنون.
قال فی روضة الطالبین (۱۰/۲۸۲): ( فرع: المسلم إن کان ضعیفا فی دار الکفر لا یقدر على إظهار الدین ، حرم علیه الإقامة هناک ، وتجب علیه الهجرة إلى دار الإسلام ، فإن لم یقدر على الهجرة ، فهو معذور إلى أن یقدر ، فإن فتح البلد قبل أن یهاجر سقط عنه الهجرة ، وإن کان یقدر على إظهار الدین ، لکونه مطاعا فی قومه ، أو لأن له هناک عشیرة یحمونه ، ولم یخف فتنة فی دینه ، لم تجب الهجرة ، لکن یستحب لئلا یکثر سوادهم ، أو یمیل إلیهم ، أو یکیدوا له ، وقیل ؛ تجب الهجرة ، حکاه الإمام ، والصحیح الأول ) أهـ.
وقال الماوردی: ( فإن صار له بها – أی دار الکفر – أهل وعشیرة وأمکنه إظهار دینه لم یجز له أن یهاجر لأن المکان الذی هو فیه قد صار دار إسلام )
قال رشید رضا تعلیقا على ذلک: ( هذا قول باطل لأن مجرد إظهار الرجل لدینه لا یجعل الدار دار إسلام والأحکام فیها غیر إسلامیة ، فإن جمیع بلاد أوروبة لا یعارض أحد فیها إذا أظهر دینه أو دعا إلیه حتى فی حال محاربتهم للمسلمین ولأن الهجرة من دار إسلام إلى أخرى جائزة بالإجماع ، ولو قال لا تجب علیه الهجرة فی تلک الحالة لکان قریبا ، ولعل هذا هو الأصل ، ووقع الغلط فی النقل. ) أهـ من شرح الأربعین النوویة ، ص۱۳ ضمن ( مجموعة الحدیث النجدیة )
- وقال سبحانه وتعالى فی تفاصیل قتل المؤمن خطأ: (( وإن کان من قوم عدو لکم وهو مؤمن فتحریر رقبة مؤمنة.. ))
فسماه تبارک وتعالى مؤمنا ، وجعل فی قتله خطأ کفارة ؛ مع انه مقیم مع أعدائنا فی دار الحرب ، على قول طائفة من السلف والفقهاء والمفسرین کما فی تفسیر ابن جریر وغیره.. وانظر روضة الطالبین ( ۹/۳۸۱).
وقال الشوکانی فی فتح القدیر (۱/۴۹۸): ( و هذه مسألة المؤمن الذی یقتله المسلمون فی بلاد الکفار الذین کان منهم ثم أسلم ولم یهاجر وهم یظنون أنه لم یسلم وأنه باق على دین قومه ، فلا دیة على قاتله ، بل علیه تحریر رقبة مؤمنة ، واختلفوا فی وجه سقوط الدیة، فقیل وجهه أن أولیاء القتیل کفار لا حق لهم فی الدیة ، وقیل وجهه أن هذا الذی آمن حرمته قلیلة.. لقول الله تبارک وتعالى: (( والذین آمنوا ولم یهاجروا ما لکم من ولایتهم من شیء حتى یهاجروا وإن استنصروکم فی الدین فعلیکم النصر إلا على قوم بینکم وبینهم میثاق والله بما تعملون بصیر )).. ) أهـ.
وتأمل وصف الله لهم بالذین آمنوا مع أنهم لم یهاجروا من دار الکفر فی ظل وجود دار إسلام کانت الهجرة واجبة إلیها
وقد ذکر الشوکانی بعد ذلک أن بعض أهل العلم أوجب دیته ولکن لبیت المال، ویستأنس لهذا القول ، ولما نحن بصدده أیضا بما رواه أبو داود (۲۶۴۲) والترمذی من حدیث جریر بن عبد الله قال: ( بعث رسول الله صلى الله علیه وسلم سریة إلى خثعم ، فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فیهم القتل، قال فبلغ ذلک النبی صلى الله علیه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال أنا بریء من کل مسلم یقیم بین أظهر المشرکین ، قالوا: یا رسول الله لم ؟ قال: لا ترایا { تراءى} ناراهما )
وقد أعلّ الحدیث بالإرسال حیث لم یذکر جریر فی روایة جماعة ، لکن صححه بعض العلماء بمجموع طرقه.
وقد ذکر الخطابی وبعض أهل العلم أنه صلى الله علیه وسلم إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم ، لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بین ظهرانی الکفار ، فکانوا کمن هلک بجنایة نفسه وجنایة غیره ، فسقط بذلک حصة جنایته فلم یکن له إلا نصف العقل ( أنظر عون المعبود ) (۷/۲۱۸)
وهذا کله من الدلائل على أن مثل هذا لا یکفر رغم تقصیره فی الهجرة ، وعصیانه بالمقام بین ظهرانی المشرکین ، ولیس أظهر فی الدلالة على ذلک تسمیة رسول الله صلى الله علیه وسلم له بالمسلم وعدم رفع هذه الصفة عنه ، ولا یعکر على ذلک براءة النبی صلى الله علیه وسلم منه وکون البراءة الکلیة لا تکون إلا من الکافر لان المراد بالبراءة هنا براءة الذمة من عقله کاملا (۸)، کما قد فسر فی الحدیث نفسه ، ومن ذلک أیضا قصور حقه فی النصرة لتقصیره فی الهجرة ، فهذه قرائن صارفة للبراءة المکفرة ، إلى براءة من نوع ثان فسرتها السنة وذکرها الله تعالى فی قوله: (( والذین آمنوا ولم یهاجروا ما لکم من ولایتهم من شیء حتى یهاجروا وإن استنصروکم فی الدین فعلیکم النصر إلا على قوم بینکم وبینهم میثاق والله بما تعملون بصیر )).
اللهم إلا أن یضم إلى إقامته فی دار الکفر وتقصیره بالهجرة الواجبة إلى دار الإسلام ؛ مظاهرته للمشرکین ومحاربته للمسلمین ، فحینئذ تکون البراءة منه براءة کلیة مکفرة..
قال ابن حزم بعد أن ذکر الحدیث أعلاه: ( وهو علیه السلام لا یبرأ إلا من کافر. قال تبارک وتعالى (( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولیاء بعض )) ، ثم قال ؛ ( فصح بهذا أن من لحق بدار الکفر والحرب مختارا محاربا لمن یلیه من المسلمین فهو بهذا الفعل مرتد له أحکام المرتد کلها من وجوب القتل علیه متى قدرعلیه ، ومن اباحة ماله ، وانفساخ نکاحه وغیر ذلک لأن رسول الله صلى الله علیه وسلم لم یبرأ من مسلم ، وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ، ولم یحارب المسلمین ، ولا أعان علیهم ، ولم یجد فی المسلمین من یجیره فهذا لا شیء علیه لأنه مضطر مکره ). أهـ المحلى ( ۱۳/۱۳۸-۱۳۹)
وهو صریح فی أن اللحوق بدار الکفر إنما یکون کفرا ، إذا ما انضاف إلیه محاربة المسلمین وإعانة الکفار ومظاهرتهم علیهم ، فهو یتنزل على أنصار الشرک المحاربین للدین أو من ظاهر المشرکین والکافرین على الموحدین لا على عموم المقیمین فی دار الکفر.
ثم قال ابن حزم: ( وقد ذکرنا أن الزهری محمد بن مسلم بن شهاب کان عازما على أنه إن مات هشام بن عبد الملک لحق بأرض الروم لأن الولید بن یزید کان نذر دمه إن قدر علیه ، وهو کان الوالی بعد هشام فمن کان هکذا فهو معذور.
وکذلک من سکن بأرض الهند والسند والصین والترک والسودان والروم من المسلمین ، فإن کان لا یقدر على الخروج من هنالک لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طریق فهو معذور.
فإن کان هنالک محاربا للمسلمین معینا للکفار بخدمة أو کتابة فهو کافر. ) أهـ
وإیاک أن تفهم من قوله: (معینا للکفار بخدمة أو کتابة فهو کافر ) ، التکفیر بمجرد إعانة الکفار بمطلق الخدمة أو الکتابة ، کما یطلقه بعض الغلاة ، فقد رأیت کیف ربط ابن حزم هذه الإعانة بحرب المسلمین ، فهذا هو الکفر ، أعنی حرب المسلمین ومظاهرة الکفار ونصرتهم علیهم فی حربهم ولو بالکتابة ونحوها ، لا مطلق خدمتهم والکتابة لهم ، فهذا فیه تفصیل سیأتی فی تفصیل العمل عند الکفار.
ثم قال رحمه الله: (وإن کان إنما یقیم هنالک لدنیا یصیبها وهو کالذمی لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمین وأرضهم فما یبعد عن الکفر وما نرى له عذرا ونسأل الله العافیة.
ولیس کذلک من سکن فی طاعة أهل الکفر من الغالیة ومن جرى مجراهم لأن أرض مصر والقیروان ( یشیر إلى العبیدیین ) وغیرهما فالإسلام هو الظاهر وولاتهم على کل ذلک لا یجاهرون بالبراءة من الإسلام بل إلى الإسلام ینتمون وإن کانوا فی حقیقة أمرهم کفارا.
وأما من سکن فی أرض القرامطة مختارا فکافر بلا شک لأنهم معلنون بالکفر وترک الإسلام ونعوذ بالله من ذلک.
وأما من سکن فی بلد تظهر فیه بعض الأهواء المخرجة إلى الکفر ، فهو لیس بکافر لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالک على کل حال من التوحید والإقرار برسالة محمد صلى الله علیه وسلم والبراءة من کل دین غیر الإسلام وإقامة الصلاة وصیام رمضان وسائر الشرائع التی هی الإسلام والإیمان ، والحمد لله رب العالمین. ) أهـ.
ومعلوم أن هذا کله فی ظل وجود دار إسلام..
وتأمل اعتبار ابن حزم لظهور شرائع الإسلام وخصائصه العظام کتوحید الله والإقرار بنبوة رسول الله صلى الله علیه وسلم وإظهار الصلاة وصیام رمضان وانتساب الولاة للإسلام وعدم براءتهم منه – رغم کفرهم ؛ تأمل اعتباره لذلک فی تسویغ إقامة المسلم – أو على الأقل عدم تکفیره – لإقامته فی دار کفر هکذا وصفها وهکذا حال ولاتها.. ولا یماحک فی شبه هذا لحال بلاد المسلمین الیوم إلا مکابر.
وکذا الحدیث المذکور فی براءة النبی صلى الله علیه وسلم ممن أقام بین ظهرانی المشرکین ؛ فقد قیل فی ظل وجود دار إسلام ، بل قد قیل فی وقت کانت الهجرة إلى النبی صلى الله علیه وسلم واجبة قبل فتح مکة، ومع هذا لم یکفر أمثال هؤلاء بمجرد إقامتهم بین المشرکین ، وإن أثموا وعوقبوا بنقصان حرمتهم ، وضعف وقصور ولایتهم..
فإذا ما عدمت دار الإسلام التی یهاجر المسلم إلیها فإنه بإقامته بدار الکفر معذور إذا ما اتقى الله واجتنب الشرک ، وإعانة أهله على المسلمین ، إذ لا سبیل إلى دار إسلام یهاجر إلیها حتى یأثم بتقصیره فی ذلک ، فضلا عن أن یکفر !!.
فکیف إذا کانت إقامته فی دار الکفر والحالة کذلک ، لأجل نصرة دین الله وإظهار التوحید ومقارعة الشرک والتندید ؟ لا شک أن مثل هذا المسلم محسن مأجور قائم بدین الله تبارک وتعالى..
وفی الحدیث المتواتر المروی عن بضع عشر صحابیا بألفاظ متقاربة أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( لا تزال طائفة من أمتی ظاهرین على أمر الله لا یضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى یأتی أمر الله ).
ومثله الحدیث الآخر: ( الخیل معقود بنواصیها الخیر إلى یوم القیامة الأجر والمغنم ) وهو فی صحیح البخاری..
فهذان الحدیثان یدلان على وجود المسلمین الصادقین والمجاهدین إلى یوم القیامة ، واستمرار وجودهم فی کل الظروف ، فی ظل وجود دار الإسلام وفی حال عدمها ..
بل قد قرر العلماء وجوب إقامة المسلم فی دار الکفر ، إذا أمکنه السعی فی تحویلها إلى دار إسلام ؛ کما جاء فی ( مغنی المحتاج ) للشربینی (۴/۲۳۹): ( ولو قدر على الامتناع بدار حرب والاعتزال وجب علیه المقام بها ، لأن موضعه دار إسلام ، فلو هاجر لصار دار حرب ، فیحرم ذلک، نعم إن رجا نصرة المسلمین بهجرته ، فالأفضل أن یهاجر ، قاله الماوردی – وقد تقدم – ثم فی إقامته یقاتلهم على الإسلام ، ویدعوهم إلیه إن قدر.. وإلا فلا ) أهـ.
ونقل فی روضة الطالبین (۱۰/۲۸۲) عن صاحب ( الحاوی ) قوله: ( فإن کان یرجو ظهور الإسلام هناک بمقامه ، فالأفضل أن یقیم ، قال: وإن قدر على الامتناع فی دار الحرب والاعتزال ، وجب علیه المقام به ، لأن موضعه دار إسلام ، فلو هاجر لصار دار حرب ، فیحرم ذلک ، ثم إن قدر على قتال الکفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه ، وإلا فلا ، والله أعلم. ) أهـ
فتأمل إیجابهم المقام بدار الکفر فی مثل هذه الحال ، فأین المتنطع المکفر بذلک ، من هذا ! ؟.
وقال الحافظ ابن حجر فی الفتح: ( وفیه – أی حدیث الخیل – بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى یوم القیامة ، لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدین وهم المسلمون ، وهو مثل الحدیث الآخر ( لا تزال طائفة من أمتی یقاتلون على الحق ) أهـ. من کتاب الجهاد والسیر ( باب الجهاد ماض مع البر والفاجر )
وقریب من هذا المعنى حدیث حذیفة المتفق علیه: ( فإن لم یکن لهم جماعة ولا إمام ) ؟ قال صلى الله علیه وسلم: ( فاعتزل تلک الفرق کلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى یدرکک الموت وأنت على ذلک ) .
ففیه أنه لا أثر لغیاب جماعة المسلمین أو إمامهم- وهذه مقومات دار الإسلام – ولا علاقة لذلک فی إسلام المرء أو کفره ، وإنما المناط الذی یتعلق ذلک به هو إظهاره لسبب من أسباب الکفر..
فهذا کله یدل على أن المسلم إذا کان فی دار الکفر ولم یهاجر منها إلى دار الإسلام لعجز أو مانع منعه أو لتمکنه من إظهار دینه فیها ، أو لقیامه بالجهاد ونصرة الدین .. فهو مسلم معصوم الدم والمال..
فمن باب أولى أن یبقى المسلم کذلک فی حال عدم وجود دار إسلام یهاجر إلیها أصلا..
فإن الله تبارک وتعالى لم ینط أحکام التکفیر بأمور قاهرة لا کسب للعباد فیها.. وإنما أناطها سبحانه وتعالى بأسباب ظاهرة منضبطة – کما تقدم – تنحصر بقول او فعل مکفر من کسب المکلف.. وما لم یظهر المرء شیئا من ذلک ، فلا سبیل إلى تکفیره ، بأمور خارجة عن إرادته ما دام عنده أصل الإسلام..
والخلاصة ان مصطلح دار الکفر لا اثر له فی الحکم على قاطنی الدار ، خصوصا فی وقت قد أمست الأرض کلها فیه دار کفر إما أصلیة ، أو طارئة لغلبة الکفار وأحکامهم على جمیع البلاد..
ویتأکد ذلک إذا کانت الدار الموصوفة بهذا المصطلح دار کفر طارئ ، أی أنها کانت قبل ذلک دار إسلام ولا زال جمهور أهلها ینتسبون للإسلام ، وهذا أمر غفل أو تغافل عنه کثیر من المتحمسین ، فلم یفرقوا بین دار الکفر الأصلیة التی یغلب الفقهاء حکمها فی حکمهم بالتبعیة فی بعض المسائل ، وبین دار الکفر الحادثة ، أی التی کانت للمسلمین فغلب علیها الکفار ، فإن الفقهاء یؤصلون فیها لمجهول الحال الذی لا سبیل إلى معرفة حاله – کالمیت واللقیط والمجنون – بالإسلام والعصمة ، احتیاطا لحرمة المسلمین وعصمة لدمائهم ولو لم یبق فیها إلا مسلم واحد ، لان الإسلام یعلو ولا یعلى ، بل أصّل بعضهم بالإسلام لمثل ذلک ولو لم یظهر فیها مسلم لاحتمال أن یکون فیها مؤمن یکتم إیمانه. (۹)
نقل النووی عن الرافعی فی روضة الطالبین قوله فی سیاق کلامه عن اللقیط یوجد فی الدار والحکم له بالتبعیة ، أن دار الإسلام ثلاثة أضرب:
أحدها: دار یسکنها المسلمون ’ فاللقیط الموجود فیها مسلم ، وإن کان فیها أهل ذمة ، تغلیبا للإسلام.
الثانی: دار فتحها المسلمون وأقروها فی ید الکفار بجزیة ، فقد ملکوها ، أو صالحوهم ولم یملکوها ، فاللقیط فیها مسلم إن کان فیها مسلم واحد فأکثر ، وإلا فکافر على الصحیح ، وقیل مسلم لاحتمال أنه ولد مَنْ یکتم إسلامه منهم.
الثالث: دار کان المسلمون یسکنونها ثم جلوا عنها وغلب علیها الکفار ، فإن لم یکن فیها من یعرف بالإسلام ، فهو کافر على الصحیح ، وقال أبو اسحاق: مسلم ،لاحتمال أن فیها کاتم إسلامه ، ,إن کان فیها معروف بالإسلام فهو مسلم..
هذا فی أحوال دار الإسلام ، أما فی دار الکفر الأصلیة فقال: ( دار الکفر ، فإن لم یکن فیها مسلم ، فاللقیط الموجود فیها محکوم بکفره ، وإن کان فیها تجار مسلمون ساکنون ، فهل یحکم بکفره تبعا للدار ، أو بإسلامه تغلیبا للإسلام ؟ وجهان ، أصحهما: الثانی. )
فتأمل احتیاط العلماء وتغلیبهم للإسلام عند الإشکال حتى فی دار الکفر الأصلیة ، احتراما لحرمة المسلمین ، واحتیاطا فی عصمة دمائهم ؛ فمن باب أولى فی دار الکفر الطارئة التی ینتسب جمهور أهلها للإسلام.
وعلى کل حال فما دام هذا المصطلح إنما أطلقه الفقهاء للدلالة على أن الغلبة والهیمنة فی الدار للکفار وأحکامهم ، فلا یصح والحال کذلک تأصیل قاعدة (الأصل فی الناس الکفر) على هذا المصطلح خصوصا فی دار الکفر الطارئة التی ینتسب جمهور أهلها للإسلام ویظهرون خصائصه..
إذ ما دام المصطلح غیر مناط ولا معلق بقاطنی الدیار ونوع دیانتهم ، فکیف یصح التأصیل لدیانتهم علیه.. فالتأصیل معناه ؛ استصحاب حکم الأصل.. فلو کان هذا الاصطلاح مرتبط بدیانة جمهور أهل الدار لصار للتأصیل مدخل.. ولذلک فإن الفقهاء إذا تکلموا فی دار الإسلام التی یلزم فیها أهل الکتاب بالغیار ولا یقر فیها المرتد بحال – أو إذا تکلموا فی دار الکفر الأصلیة التی لم یدخلها الإسلام ولا کان جمهور أهلها مسلمین.. تراهم یستعملون التبعیة للدار فی بعض المجالات الضیقة حیث یعدم الظاهر والسیما ، ویتعذر تبین حال الإنسان ، کاللقیط أو المجنون أو المیت الذی لایبین عن نفسه – یوجد فی أحد الدارین ولا یعرفه أحد ولا علامة ممیزة تدل على دینه.. فألحقوهم بالدار فی مثل هذه الأحوال.. أی أنهم اعتبروا فی هذا واستصحبوا فیه دیانة أهل الدار ، لا مجرد الاصطلاح التابع للغلبة والحکم فقط کما یفعله أولئک الغلاة وفی دار الکفر الطارئة..
وعلى کل حال فموضوع الحکم بالتبعیة الذی تعرض له الفقهاء لا دخل له بما نحن فی صدد رده ، فلیس هو فیمن أظهر شیئا من علامات الإسلام وخصائصه ومع هذا یکفر ؛ کما یکفره من یکفره من الغلاة طبقا لهذه القاعدة.. بل ینحصر ذلک فی مجهول الحال الذی یتعذر تبین حاله لانعدام السیما ولصغره أو موته أو ذهاب عقله ، ولیس هناک من یدعیه من والد أو أولیاء لیلحق بهم.. ولذلک فقد نص الفقهاء على أنه متى ظهرت علیه علامة تدل على دینه أو ادعاه أحد ما.. قدم هذا الظاهر على ذلک الاستصحاب.. ولذلک قدموا التبعیة للوالدین على التبعیة للدار (۱۰).
وذلک لان الاستصحاب کما قد قرر علماء الأصول أضعف الأدلة ولا یصار إلیه إلا عند التعذر عن إثبات ظاهر..
قال شیخ الإسلام ابن تیمیة: ( الظاهر یقدم على الاستصحاب وعلى هذا عامة أمور الشرع ).
وقال فی الموضع نفسه: ( التمسک بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقا ، وأدنى دلیل یرجح علیه.. ) إلى قوله: ( ولا یجوز الإخبار بانتفاء الأشیاء وعدم وجودها بمجرد هذا الاستصحاب من غیر استدلال بما یقتضی عدمها ، ومن فعل ذلک کان کاذبا ، متکلما بلا علم.. )
(فعدم علمه لیس علما بالعدم ).. ( وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفی ) أهـ مختصرا من مجموع الفتاوى (۲۳/ص۱۳).
وقال أیضا: ( فقد اجمع المسلمون ، وعلم بالاضطرار من دین الإسلام ، أنه لا یجوز لأحد ان یعتقد ویفتی بموجب هذا الاستصحاب والنفی إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة ، إذا کان من أهل ذلک ، فإن جمیع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغیر لهذا الاستصحاب ، فلا یوثق به إلا بعد النظر فی أدلة الشرع لمن أهل لذلک ) أهـ. مجموع الفتاوى (۲۹/۹۰)
وقال ابن القیم: ( شهادة العدل رجلا کان أو امرأة أقوى من استصحاب الحال ، فإن استصحاب الحال من أضعف البینات ، ولهذا یدفع بالنکول تارة وبالیمین المردودة وبالشاهد والیمین ، ودلالة الحال ) أهـ اعلام الموقعین (۱/۹۶)
تأمل هذا.. مع أن الفقهاء إنما استعملوا ذلک الاستصحاب أو التأصیل فی المجال الضیق الذی عرفته حیث یعدم تمییز القرائن ومعرفة الظاهر.. ومع هذا ، فتأصیلهم واستصحابهم ضعیف ، یغیره أدنى دلیل أو سیما أو ظاهر أو شهادة أو نحوها..
فکیف بتلک القاعدة وذلک التأصیل الذی أطلقه أولئک الغلاة المتهورون فی عموم أهل الإسلام ، ولم یعتبروا فیها ما یظهره الصالحون منهم أو المجاهدون أو المستضعفون من شعائر الإسلام وخصائصه.. ؟؟
فقدموا ما أصلوه وقعدوه مستندا إلى حکم اصطلاحی لا دخل له بدیانة الناس ، على الظاهر البین والمعلن من أقوال الناس وأعمالهم وشعائرهم الإسلامیة.. والدار دار کفر طارئة لیست دار کفر أصلیة..
فلا شک أن تأصیلهم هذا ، أضعف وأضعف وأضعف.. فکیف إذا أضافوا إلیه وبنوا علیه استحلال الدماء والأموال والأعراض فهو باطل محض نبرأ إلى الله منه..
• تنبیه: إلى أن قاعدة ( الأصل فی جیوش الطواغیت وأنصارهم الکفر) لا غبار علیها: –
یجدر بنا التنبیه هنا إلى أننا وأن کنا ننکر التأصیل سابق الذکر ، إلا أن کلامنا وإنکارنا هذا لا ینطبق على جیوش الطواغیت وأنصارهم ؛ فإن القاعدة عندنا ( أن الأصل فیهم الکفر ) حتى یظهر لنا خلاف ذلک ، إذ أن هذا التأصیل قائم على النص ودلالة الظاهر لا على مجرد التبعیة للدار ، فإن الظاهر فی جیوش الطواغیت وشرطتهم ومخابراتهم وأمنهم أنهم من أولیاء الشرک وأهله المشرکین.
- فهم العین الساهرة على القانون الوضعی الکفری ، الذین یحفظونه ویثبتونه وینفذونه بشوکتهم وقوتهم.
- وهم أیضا الحماة والأوتاد المثبتین لعروش الطواغیت والذین یمتنع بهم الطواغیت عن التزام شرائع الإسلام وتحکیمها.
- وهم شوکته وأنصاره الذین یعینونه وینصرونه على تحکیم شرائع الکفر وإباحة المحرمات من ردة وربا ، وخمر وخنا ، وغیر ذلک.
- وهم الذین یدفعون فی نحر کل من خرج من عباد الله منکرا کفر الطواغیت وشرکهم ، ساعیا لتحکیم شرع الله ونصرة دینه المعطل الممتهن..
فهذه حقیقة وظیفتهم ومنصبهم وعملهم ؛ یتلخص فی سببین من أسباب الکفر صریحین وهما:
- نصرة الشرک (بتولی القانون والتشریع الکفری الطاغوتی)(۱۱)
- ونصرة أهله وتولیهم ومظاهرتهم على الموحدین.
والنصوص الدالة على أن هذان سببان من أسباب الکفر البواح ظاهرة متضافرة ، وقد فصلناها فی غیر هذا المقام ، ولیس مقصودنا هاهنا تفصیل هذا ، وإنما التنبیه إلى الأصل المذکور.
فقد أصل الله سبحانه وتعالى لنا فی أنصار الکفار وأولیائهم عموما ، أصلا محکما فی قوله تبارک وتعالى: (( الذین کفروا یقاتلون فی سبیل الطاغوت )) ، وقوله سبحانه: (( ومن یتولهم منکم فإنه منهم )) فالأصل فی کل من أظهر تولى الکفار ونصرتهم أو قاتل فی سبیل الطاغوت أو کان فی عدوته وحدّه وأظهر نصرته باللسان أو السنان ؛ أنه من جملة الذین کفروا..
ولذلک کان حال النبی صلى الله علیه وسلم وسیرته مع الکفار المحاربین وفی أنصارهم وأولیائهم وأحلافهم الذین ینصرونهم على المسلمین؛ على هذا الاصل.
أنظر على سبیل المثال معاملته صلى الله علیه وسلم للعباس معاملة الکفار رغم دعواه الإسلام لما أسر فی صفوف المشرکین یوم بدر ، وانظر مثل هذا أیضا ما رواه مسلم فی کتاب النذور (۱۰۰۸) من المختصر من حدیث عمران بن حصین فی قصة الرجل من بنی عقیل حلفاء ثقیف ، لما أسره المسلمون بجریرة حلفائه لما نقضت ثقیف عهدها مع النبی صلى الله علیه وسلم.. ولم یطلقه النبی صلى الله علیه وسلم رغم ادعائه الإسلام بل عامله معاملة الکفار فغنم ناقته وفداه برجلین من المسلمین.
وعلیه کانت سیرة أصحابه صلى الله علیه وسلم من بعده فی کل ذوی منعة وشوکة یخرجون عن شریعة الله تبارک وتعالى.
أنظر سیرتهم فی خلافة أبی بکر فی أنصار مسیلمة الکذاب ونحوهم من المرتدین کأنصار طلیحة الأسدی فقد کفروهم جمیعا وساروا فیهم سیرة واحدة ولم یخالف فی ذلک أحد من الصحابة
ولذلک أطلق العلماء المحققین القول بإباحة دم ومال المحاربین وأنصارهم وجعلوا حکم الردء فیهم حکم المباشر منهم (۱۲).. وفی المغنی (کتاب الجهاد ) ( فصل من أسر فادعى أنه کان مسلما ، لم یقبل قوله إلا ببینة ، لأنه یدعی أمرا الظاهر خلافه.. ) أهـ ( ۸/۲۶۱) وذکر فیه قصة سهل بن بیضاء فی غزوة بدر وستأتی.
فتأمل کیف جعل الأصل فیمن أظهر الانحیاز لجیش الکفار حتى أسر فی صفهم ، الکفر ، بحیث لا تقبل الدعوى بخلافه – کما فی قصة أسر العباس أیضا – حتى تقوم بینة تغیر هذا الأصل الظاهر.
ولأجل ذلک کان الأصل عندنا فی کل من انتسب إلى هذه الأجهزة والوظائف ، التی حقیقتها ، نصرة الشرک وأهله ؛ الکفر. فنحکم على کل واحد منهم بالکفر ونجری علیه أحکام الکفر بما أظهروه من أسباب الکفر ، ما لم یتبین لنا خلاف ذلک من قیام مانع معتبر من موانع التکفیر فی حق المنتسب للإسلام منهم فنستثنیه.. وقد قدمنا أن تبین الموانع فی حق الممتنعین المحاربین ، غیر واجب لامتناعهم ومحاربتهم ، لکن إن ظهر لنا شیء من ذلک فی حق بعضهم لم نکفره ، وما لم یظهر ذلک فالأصل الظاهر عندنا منهم هوالکفر، وحقیقة أمر باطنهم إلى الله تبارک وتعالى ، ولیس إلینا ، وقد أمرنا بالأخذ بالظاهر ، ولم نؤمر أن نشق عن صدور الناس ولا عن بطونهم ، ولأن أصل هذه الوظائف وظاهرها ما قد عرفت فنحن نعاملهم ونؤصل لهم على هذا الظاهر حتى یظهر لنا خلافه ، بخلاف غیر ذلک من الوظائف والأعمال التی لیس أصل طبیعتها وحقیقتها نصرة الشرک أو أهله ؛ ولذلک فلا نقول أن الأصل فی الأطباء مثلا الکفر ، حتى یتبین لنا خلاف ذلک ، ولا أن الأصل فی المدرسین الکفر ، أو أن الأصل فی تولی وظائف الدولة الکافرة کلها الکفر.. کلا فهذه الوظائف کما سیأتی لنا فیها تفصیل ، ولیست حقیقة جمیعها وطبیعتها نصرة الشرک وأهله ، نعم قد یوجد فیمن یتولى هذه الوظائف من هو من أنصار الشرک وأهله ولکن هذا لیس مختصا بحقیقة الوظیفة وماهیتها، کما قد یوجد من هو من أنصار الشرک وأهله من غیر الموظفین..
والخلاصة: أن هذا التأصیل إذا کان فی وظیفة أو عمل حقیقته أنه سبب من أسباب الکفر الظاهرة ، کنصرة الشرک وأهله ، أو التشریع وفقا لنصوص الدستور الکفری ، ونحو ذلک من المکفرات الصریحة الظاهرة ، فلا حرج فیه عندنا ، ومعناه: إجراء حکم الظاهر على أصحاب هذه الوظیفة ، وإرجاء ما بطن من الأحکام إلى الله تبارک وتعالى.