الرساله الثلاثینیه
فی التحذیر
من الغلـو فـی التـکفیر
( ۱ )

أو
” رساله الجفر
فی أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر”

للشیخ
أبی محمد عاصم المقدسی

(( یا أیها الذین آمنوا من یرتد منکم عن دینه فسوف یأتی الله بقوم یحبهم ویحبونه أذله على المؤمنین أعزه على الکافرین یجاهدون فی سبیل الله ولا یخافون لومه لائم ذلک فضل الله یؤتیه من یشاء والله واسع علیم ))
المائده (۵۴)

– تنویه –
أعلم جیدا أن ممن سیطلع على کتابی هذا ، من الطواغیت وأذنابهم.. ومن المرجئه وأفراخهم ، من قد یفرح به للوهله الأولى ، ظاناً أنه من بضاعتهم المزجاه.. وهذا لا یزعجنی بحال.. لأننی أوقن أنه وبمجرد أن یطالع أی منهم ، بعض ورقات منه ، سیعرف فورا أننی لم اکتبه لسواد عیون أمثالهم..
فما کنت لأقر أعینهم بشیء مما أکتب یوما من الأیام..
وإنما کتبته نصحاً لأخوه أحبه ، وإشفاقا على آخرین..
وحرصا على جناب دعوه غالیه.. ودفعا عن دین عظیم..
فهو لمن طالعه من هؤلاء ، تمره الأحباب..
ولمن تفحصه من أولئک حنظله العدا..
فأسأل الله تعالى القبول..
أبو محمد

مقدمه
بسم الله الرحمن الرحیم
وهو حسبی ونعم الوکیل
الحمد لله رب العالمین والعاقبه للمتقین ولا عدوان إلا على الظالمین..
وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شریک له ، کلمه قامت بها الأرض والسموات ، وجعلها الله عروه وثقى علق بها النجاه ، إذ ضمنها سبحانه حقه على العباد ، ولذا جردت لأجلها سیوف الجهاد وشرع القتال والاستشهاد ، وهی فطره الله التی فطر الناس علیها ، ومفتاح العصمه التی دعا الأمم على ألسنه رسله إلیها ، وقطب رحى دین الإسلام ، ومفتاح دار السلام.
وأشهد ان محمدا عبده ورسوله ، أرسله سبحانه رحمه للعالمین ، وقدوه للعاملین ، ومحجه للسالکین ، وحجه على المعاندین، فصل اللهم وسلم وبارک علیه وعلى آله وأصحابه أجمعین.
وبعد..
فاعلم حفظنا الله تعالى وإیاک ، من مهاوی الإفراط والتفریط ، ومن مزالق الغلو والتقصیر أنه قد زارنی بعض الأخوه الأفاضل فی معتقل الجفر الصحراوی (۱) وذکروا لی ما یتهمنا به أذناب النظام من تکفیر الناس بالعموم ، وأنه قد اغتر بذلک بعض السماعین لهم ممن لا یملکون فرقانا بین الحق والباطل ، وبین الغث والسمین..

فقلت یومها لأولئک الاخوه على شبک الزیاره ولم یکن یومها علیه غیری ، وعساکر السجن وضباطه یستمعون ، وأنا أرفع صوتی إراده إسماعهم ما مجمله: ( إن هذه الفریه التی ینشرها هؤلاء ما هی إلا علامه من علامات إفلاس النظام وانهزامه أمام هذه الدعوه المبارکه ، إذ لا یصیر الخصم إلى الکذب والافتراء إلا عند اندحاره وإفلاسه من الحجج والبراهین ، فنحن لا نکفر إلا من کفره الله تبارک وتعالى ورسوله صلى الله علیه وسلم ، ولا نتکلم فی کتاباتنا وخطاباتنا ودروسنا ولا ندندن إلا حول کفر عبید القانون الوضعی وأولیائه وأنصاره ، ممن یشرعونه أو یحرسونه وینصرونه ، نحذر من ذلک وندعو الناس إلى البراءه منه والکفر بطواغیته واجتناب عبادتهم ونصرتهم ، وقد بینا ذلک فی کتاباتنا التی نبذلها لکل أحد ، وقد أوصلناها للنظام ومحاکمه وعساکره ونوابه ، وکشفنا فیها زیف وزور قوانینهم وتشریعاتهم ، وما تحویه من کفر بواح وشرک صراح ، ومن ذلک کتابنا ” کشف النقاب عن شریعه الغاب ” و ” محاکمه محکمه أمن الدوله وقضاتها إلى شرع الله ” وغیره مما کتبناه فی السجن أو خارجه ، عرینا فیه قوانینهم ، وکشفنا النقاب عن وجهها الدمیم ، وأظهرنا قبحها ونتنتها ومناقضتها لشریعه الله المطهره.. وقد واجهناهم.. بفضل الله تعالى وتوفیقه وحده.. بذلک فی کل محفل ، وفی کل مناسبه وفی کل مقام ، وصرحنا وصدعنا به بین ظهرانیهم ، وفی سجونهم ، وهززنا به أرکان محاکمهم.
فلما صدموا بقوه حجتنا ، وألجموا بظهور دعوتنا المبارکه والتفاف الشباب حولها ، وعجزوا عن ردها وإطفاء نورها ، لأنها دعوه ربانیه ترتکز على نور الوحی ، وتستند إلى مشکاه النبوه ، حادوا إلى الکذب والافتراء ، وسعوا فی محاوله تشویهها فی أعین الناس وأسماعهم.. لعلهم أن یظفروا عن طریق الکذب والافتراء ، والزور والبهتان ، بما عجزوا عنه من طریق الحجه والبرهان.. )
ولما لم یقدروا على ترقیع کفرهم الذی اتسع خرقه على الراقع ، وعجزوا عن إثبات إسلامهم المدعى ، إلا من طریق أوراقهم الثبوتیه المزیفه ، ووثائقهم وأسمائهم المزخرفه ؛ تحولوا إلى اتهامنا بتکفیر الناس أجمعین بالعموم.. وهو ما یعلم القریب والبعید أنا منه برءاؤا ، وبهتونا وسمونا بأسماء یمقتها ویکرهها وینفر منها أهل الإسلام ، کالخوارج والتکفیریین والإرهابیین والمتطرفین ، ونحوه.. وذلک کی ینفروا الناس عن دعوتنا ، ویرهبوهم من الکفر بهم ، ویصدوهم عن البراءه منهم ومن قوانینهم الکفریه ومناهجهم الشرکیه..
وشارکهم فی ذلک ، وطبل وزمر لهم أقوام غصت حلوقهم بهذه الدعوه الطیبه ، وضاقت صدورهم من ظهور زهرتها وإیناع ثمرتها ، والتفاف الشاب حولها فی مده وجیزه ؛ إذ هی دعوه ربانیه مبارکه ، تطمئن إلیها القلوب السلیمه ، وتسلم لها الفطر المستقیمه..
وأعانهم على ذلک الطغیان والبهتان مشایخ ضلال ، وکتاب جهال ، انتسب بعضهم إلى طریقه السلف زوراً وبهتاناً ، فسودوا وجوههم وصحائفهم وأوراقهم بالتحذیر من التکفیر – هکذا بالعموم دون تفصیل – مع أن من التکفیر ما هو حکم شرعی صحیح ، له أسبابه الشرعیه وآثاره التی تترتب علیه..
وشنوا فیها الغاره على أصحاب دعوه التوحید ، بالکذب والبهتان ، والافتراء والروغان ، أعملوا فیهم أقلامهم، وأفرغوا فی أعراضهم سموم ألسنتهم وأحقادهم ، حسداً وبغیاً ، فی الوقت الذی سخروا فیه تلک الکتابات للدفع عن أهل الکفر والطغیان من کفره الحکام ، فصدقت فیهم هم ، صفه الخوارج البارزه فی إغارتهم على أهل الإسلام وترکهم لأهل الأوثان..
وسار فی رکابهم أقوام راموا التملق للسلطه ، والتزلف إلیها ؛ لعلهم یظفرون ببعض رضاهم ، أو فتاتهم وعطایاهم.. فانطلقوا یحذرون من خطر هذه الدعوه الداهم ، ویقترحون على النظام الحلول ، یدلونه فیها على کیفیه التصدی لها.. (۲) ظانین من فرط جهلهم أنهم یقدرون بذلک على إطفاء نورها ، أو إخماد وهجها.. وما دروا انهم بذلک واهمین ، لأنهم یرومون محالا بیّـنه الله تبارک وتعالى فی کتابه حیث قال: (( یریدون أن یطفئوا نور الله بأفواههم * ویأبى الله إلا أن یتم نوره ولو کره الکافرون )) بل یسعون بذلک فی إهلاک أنفسهم کما قال سبحانه وتعالى: (( وهم ینهون عنه وینئون عنه وإن یهلکون إلا أنفسهم وما یشعرون)).
وربما استغل هؤلاء وأولئک زلات بعض الشباب ، أو اطلاقات بعض المبتدئین ، أو المتحمسین الذین لا تخلوا منهم دعوه أو جماعه ، تلک الإطلاقات التی تزول غالبا بطلب العلم الشرعی ، والنظر فی کلام العلماء ، وضبط الأصول ومعرفه القواعد والشروط والموانع ومع هذا ، فلم اکن یوما من الأیام – والعدو قبل الصدیق یعرف هذا – لأداهن فی شیء من تلک الأخطاء ، أو أقر شیئا من تلکم الإطلاقات ، لا أنا ولا غیری من الغیورین من اخوه التوحید..
وقد تصدیت لأشیاء من ذلک داخل السجن وخارجه ، وفی بلدان عده ، وأوقات مختلفه.. فتجمعت لدی من ذلک تجارب أودعت خلاصتها فی هذه الأوراق.. وقد تنوع ذلک بحسب ما کان یحتاجه المقام ، فتاره کنت أتصدى لذلک بالنصح ، والوعظ والتذکیر ، وتاره کان ذلک بالمناظره والجدال ، وأحیاناً بالکتابه أو الخطابه..
وکنت أبین جهدی فی ذلک کله ؛ أدله الشرع ، وأقاویل أهل السنه والجماعه ، ومباینه تلک الأخطاء والإطلاقات لها ، نصحاً لله تعالى وکتابه ، ولسنه رسوله صلى الله علیه وسلم ، ولعامه المسلمین وخاصتهم ، وحرصاً على هذه الدعوه الغالیه من أن تشوبها شائبه ، ولذلک فإنی أحتسب عند الله ما لقیته فی سبیل ذلک من تطاول بعض الجهال أو بعض أصحاب الحماس الأجوف ، لعدم متابعتی وإقراری لما تستحسنه عقولهم من ذلک. أو لوقوفی فی وجه تلک الأخطاء والإطلاقات والممارسات.. فذلک خیر لی من إقرار أحد على الخطأ أو الغلو أو الإفراط الذی قد یشوه هذه الدعوه المبارکه ، أو یسوغ لأعدائها الذین لا یفرقون – لأنهم لا یعرفون الإنصاف – بین الراسخین فیها وبین المبتدئین ، ولا بین القائمین بها المتحملین لتکالیفها ، وبین المدعین وصلها من الأدعیاء.. ویکون مبرراً لهم وذریعه عندهم لرمیها ووصفها بالغلو والتکفیر ، أو أنها کما یزعمون ؛ من إفرازات القهر والفقر والأفکار السجونیه ، ونحو ذلک من دعاویهم الفارغه المتهافته. التی یلبسون بها أمر هذه الدعوه على الناس وینفرونهم بذلک عنها.
ولیس همی هنا الدفع عن نفسی ، فیشفینی فی ذلک ویکفینی ، قوله تبارک و تعالى (( إن الله یدافع عن الذین آمنوا إن الله لا یحب کل خوان کفور )) فما ذلک إلا بعض تکالیف هذه الطریق ، وقد وطنا النفس علیها ، وواسیناها بما طال مَن هُم خیرٌ منا، فما من نبی إلا وقد أوذی فی نفسه أو عرضه ، ولا بد لورثتهم – إن کانوا صادقین – من نصیب من تبعات ذلک المیراث..
ولذلک فإنی فی سعه صدر لکل من خالفنی أو نال منی وتعدى علی متأولاً ، فما داموا من أنصار هذه الدعوه ، لا تثریب علیهم ، یغفر الله لی ولهم وهو أرحم الرحمین.. وأصرح بهذا هنا إغاظه لأعداء الله وخصوم هذه الدعوه الذین یسعون دوما لاستغلال بعض ذلک للإیضاع بین الصفوف.. (۳).
أما من کان من خصوم دعوه التوحید ، فلیس فی حلٍّ من ذلک فی شیء ، بل الله حسیبه وإلیه وحده أرفع شکایتی..
وعلى کل حال فلیس للدفع عن شخصی وضعت هذه الأوراق ، بل کتبتها دفعاً عن دعوه غالیه ، وحفاظا على جناب دین عظیم ، وأسأل الله تبارک وتعالى أن یشغلنی ما تبقى من العمر بذلک ویتقبله منی ویستعملنی وذریتی فیه ، وأن لا یشغلنا بالدفع عن أشخاصنا أو نحو ذلک من سفاسف الأمور.. ولکن ما یجب أن یتنبه إلیه أولئک المنتسبین لدعوه التوحید ممن یشغبون على إخوانهم لأمور لم تنسجم مع تعنتهم. أو ضاقت عن استیعابها عقولهم ، أن أعداء الله وأعداء هذه الدعوه لفرط جهلهم قد ربطوا الدعوه بأشخاص حملتها ، حتى إنهم لسفههم یظنون ویحلمون بأنها ستزول وتنتهی بسجننا أو بزوال أشخاصنا ، إذ هم کما سمعناهم وسمعهم غیرنا یزعمون أننا أول من أدخل هذه الدعوه ، أو کما یسمونه ( فکر التکفیر ) ، أی: تکفیرهم هم. إلى هذه البلاد ، کذا زعموا هم ، ولم ندَّعه نحن یوما ، فلهذه الدعوه من الأنصار ، ممن سبقونا بالإیمان ونصره الدین من هم خیر منا بأضعاف (( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذین سبقونا بالإیمان ولا تجعل فی قلوبنا غلا للذین آمنوا ربنا إنک رؤوف رحیم )) لکن ذلک زعم أعداء الله ، وخصوم هذه الدعوه ، فالذی أرید تذکیر الشباب به ، والحال کذلک – هو ما قلته مرارا لبعضهم – ان شغبهم علینا ، وطعنهم فینا ، إن کان سیحسب على أشخاصنا وینحصر فیها ، ولن یتعداها لیحمل على انه براءه وطعن بما نحمله من دعوه التوحید وعداوه للشرک والتندید ، فلیشغبوا علینا ما بدا لهم ، فالله حسبنا ونعم الوکیل ، أما إن کان ذلک سیحسب عند من لا یفرقون بین الدعوه وأشخاص حملتها ، على أنه طعن فی هذه الدعوه المبارکه وبراءه منها ، فحذار ثم حذار..
أضف إلى ذلک أن عداوتنا وخصومتنا أمست الیوم کما لا یخفى على أحد ، تستجلب رضى أعداء الله وتقرب منهم ، فحذار من خلط الأوراق.. فکم قد رأیت من ضعاف الإیمان ، من یدفع سخطهم ویستجلب رضاهم بالبراءه منا والطعن فینا.. فهذا محذور آخر یجب محاذرته ، وهو استرضاء أعداء الله والتقرب والتودد إلیهم بعداوه الموحدین ، فإن الله تبارک وتعالى یعلم خائنه الأعین وما تخفی الصدور.. وحسب من قصرت همته عن اللحاق بهذه الطائفه القائمه بنصره هذا الدین ، وجبن عن التحیز إلیهم ونصرتهم ولو بالدعاء ، أن یکف عن التخذیل عن سبیلهم – أو إظهار عداوتهم ولیدع القافله تسیر..
هذا وأنا اعلم أننی قد استطردت أحیاناً فی إنکار بعض الأخطاء والتشدید والإغلاظ على أصحابها ، وما ذلک إلا لخطوره تلک الأخطاء، وشناعه وقبح آثارها ، الأمر الذی یدعو فی بعض الأحیان إلى شیء من الشده أو الحزم فی إنکارها ، تلک الشده التی لا تدعونا بحال إلى تعدی حدود الله فی أحد من المسلمین أو إلى البراءه المطلقه منهم.. وإن کنا لا نداهن أو نتردد فی البراءه من أخطائهم وانحرفاتهم ، ولا نتحرج فی ذلک وإن أنکره من أنکره علینا ، وکیف نتحرج منه وقد أمر الله تبارک وتعالى به قدوتنا و أسوتنا صلوات الله وسلامه علیه فقال: (( واخفض جناحک لمن اتبعک من المؤمنین * فإن عصوک فقل إنی بریء مما تعملون )) فجمع فی هذا الأمر الإلهی بین رحمه المسلمین التی منها الحفاظ على حقوقهم وعدم ظلمهم أو التعدی علیهم ، وبین الحزم فی البراءه من أخطائهم کی لا تحسب على الدین أو تنسب إلیه. ویبقى الحق والحفاظ على وجه هذه الدعوه المشرق ، وجناب هذا التوحید العظیم أهم عند تعارض المصالح ، وأعز عندنا من الخلق أجمعین.. وکم أغضب وأسخط استصحابی لهذه القاعده فی حلی وترحالی کثیراً من المقربین ، حتى قلت:
وإن یکن الرحمن لیس بساخط فلست بسخط العالمین أبالی
وعلى کل حال فالشده إن قصد بها ردع الزائغ عن زیغه ، ورد المنحرف عن انحرافه ، وهدایته إلى الجاده والمنهاج ؛ محموده فی مثل هذه المقام ، وهی کما ذکر شیخ الإسلام من ( مصالح المؤمنین التی یصلح الله بها بعضهم ببعض ، فإن المؤمن للمؤمن کالیدین ، تغسل إحداهما الأخرى ، وقد لا ینقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونه ، لکن ذلک یوجب من النظافه والنعومه ما نحمد معه ذلک التخشین )(۴) وهی من جنس الدواء المر الذی یصبر المریض على مرارته ویتحملها ویتجرعه لما یرتجی من فائده.. وقد قیل ( من بصرک فقد نصرک ، ومن وعظک فقد أیقظک ، ومن أوضح وبین – وإن شدد – فقد نصح وزین ، ومن حذر وبصر ، فقد أعذر وما قصر ).. والعامه عندنا یقولون: ( الذی یُبکّیک ویبکی علیک، خیر ممن یضحکک ویضحک علیک ).. فهذا النوع من الشده والتخشین محمود لأن الغایه منه إصلاح المسلمین ، وبیان الحق لهم وتحذیرهم من مواضع الزلل ، دون ان یکون فی ذلک إهدار لحقوقهم الإسلامیه ، أو بغی أو تعد وظلم أو أخذ بالظنه او تقویل لهم ما لم یقولوه ، کما یفعل من یرقع ذلک بدعوى الإغلاظ على العصاه ، أو زجرهم ، ونحو ذلک من الدعاوى ، التی لا یقفون بها عند حدود الله تبارک وتعالى.. أضف إلى ذلک أننا – کما سیرى القارئ – لم نذکر أسماء فی شیء من أخطاء التکفیر التی شددنا النکیر فیها ، ولا فی غیرها ، ولا تعرضنا لأفراد معینین أو لتجمعات محدده ، إذ هذه الأوراق لیست موجهه إلى أفراد مخصوصین ، بل الغایه منها النصح والنفع العام..
ومع هذا فقد بینت فی طیّات هذه الأوراق. أن الشباب المنتسبین إلى دعوه التوحید – إن وجد عند بعضهم شیء من هذه الزلات والعثرات – فهم مع ذلک خیر قطعا – بتوحیدهم الذی یحملونه ، وبراءتهم من الشرک التی یعلنونها – من خصوم هذه الدعوه وشانئیها ، الذین لا یستحیون فی کثیر من الأحیان من إعلان البراءه من دعوه التوحید وأهلها ، فی الوقت الذی یسخرون أعمارهم وما یکتبون فی الدفع عن طواغیت الحکم ، والصد عن تکفیرهم ، وهذا لا یماحک فیه إلا مکابر ، إذ الشاهد الصارخ على ذلک ، کتبهم المطبوعه والمنشوره التی توزع بالمجان غالبا..
فمن الظلم والحیف والتطفیف مساواه جرائم هؤلاء ، التی مبعثها غالبا الشهوه والدنیا والتقرب إلى السلاطین وضمان سلامه النفس وأمانیها ؛ بعثرات أولئک الشباب التی مبعثها غالباً الغیره على الدین، ونصرته والغضب لحرماته ومراغمه أعدائه.. فزلات أولئک الشباب المنتسبین لدعوه التوحید – إن وجدت – مهما شددنا فی إنکارها حرصا على هذه الدعوه المبارکه وأهلها ، لا تبلغ بحال مبلغ انحرافات هؤلاء.. (۵)
وهی مغموره فی جنب التوحید العظیم الذی یحملونه ، ویبذلون مهجهم وأعمارهم فی الدعوه إلیه ، ویتحملون أصناف الأذى فی سبیل رفعته ونصرته ، فهو العروه الوثقى التی میز الله بها الخبیث من الطیب ، وفرق بها بین أولیائه وأولیاء الطاغوت ، وهو أصل الدین الذی علق الله به النجاه ، وحق الله على العباد ، الذی تطیش کفته بعشرات السجلات من الأخطاء والخطایا ، وتحرق أنواره جمیع الزلات والعثرات ما دامت دون الشرک الذی یحبط الأعمال..
ثم أما بعد..
فقد أردت بهذه الورقات أن أبین للسائل وغیره ، براءتی وإخوانی الموحدین أنصار هذه الدعوه المبارکه فی کل مکان ؛ من تهمه الغلو فی التکفیر.
وهی فرصه أن أحذر منه الشباب المتحمسین المبتدئین فی هذا الطریق ، ممن لم تثبت بعد قدمهم فی طلب العلم ، والتبصر فی الدعوه ، وضبط المسائل ومعرفه القواعد.. وذلک نصحا لدین الله وعموم المسلمین.. وإظهارا لهذه الدعوه الغالیه بوجهها الحقیقی المشرق المبارک ، فأسأله تعالى أن یتقبل ذلک منی ، وأن یعم نفعه فی المسلمین..
وقد ضمنتها:
– هذه المقدمه
۱- وفصلا فی التحذیر من الغلو فی التکفیر ؛ وفیه إشاره إلى أن تکفیر الطواغیت وأنصارهم لیس من ذلک..
۲- وآخر فی شروط وموانع وأسباب التکفیر ؛ تعلیما للشباب وضبطا للمسائل.
۳- وثالثا فی التحذیر من أخطاء شائعه أو شنیعه فی التکفیر ؛ وهو تطبیق عملی مهم للفصل الذی قبله.
۴- ورابعا فی بیان مجمل حال الخوارج وبراءه الموحدین من عقیدتهم ، وأن خصوم التوحید هم أشبه الناس بالخوارج.
۵- ثم خاتمه فی الوصیه بالثبات على طریقه الطائفه المنصوره فی إظهار الدین والقیام بأمر الله ، وعدم التفریط بذلک أو الانحراف عنه وإن خالفت طریقتها ، ما یهواه الناس أجمعون..
وسمیتها رساله الجفر (۶) فی أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر ، أو ( الرساله الثلاثینیه فی التحذیر من أخطاء التکفیر ) وذلک لاحتوائها على ثلاثه وثلاثین خطأ فی ذلک.
ولا یفوتنی قبل الشروع فی المقصود أن أذکر بما لا یخفى على الفطن ، من حال السجون. وعدم استقرار ظروف المعتقل ، وعدم أمانه على أوراقه ودفاتره فیها خصوصا فی بلادنا الیوم ، فکم قد صودرت منا مصنفات او ملخصات أو فوائد قد عوض الله بفضله عنها.. وکذا شح المراجع والکتب المهمه بین جدرانها ، فهذا – وقبله بداهه عدم عصمتی من الزلل – عذری إن ندَّ خلل منی أو تقصیر..
وأنا مع ذلک من أسعد الناس بالرجوع عن خطأ إن بان لی ، أو باتباع حق ظهر لی ، فحبذا بالناصحین المخلصین..
والحـمـد لله أولا وآخـرا
.. وهــو حسـبی ونعـم الـوکیـل..
وکتب / أبو محمد عاصم المقدسی
معتقل الجفر – رمضان ۱۴۱۹
من هجره المصطفى علیه الصلاه والسلام
اللهم یا ولی الإسلام وأهله مسکنا بالإسلام حتى نلقاک

الفصل الأول

فی التحذیر من الغلو فی التکفیر

[۱]
فصل فی
التحذیر من الغلو فی التکفیر
اعلم وفقنا الله وإیاک إلى العلم النافع والعمل به ، أن موضوع التکفیر کحکم شرعی من أحکام الدین ، مع أهمیته وضرورته وتعلق کثیر من المسائل والأحکام به ؛ هو موضوع خطیر بالغ الخطوره ، تترتب علیه آثره الکثیره فی الدنیا والآخره.. وقد قصر فی معرفته أقوام.. فزلت فیه أقدام وضلت فیه أفهام.. فهو (أول مسأله تنازعت فیها الأمه من مسائل الأصول الکبار وهی مسأله الوعید )(۱) – کما نص شیخ الإسلام ابن تیمیه – وقال: ( اعلم أن مسائل التکفیر والتفسیق هی من مسائل الأسماء والأحکام التی یتعلق بها الوعد والوعید فی الدار الآخره ، وتتعلق بها المولاه والمعاداه والقتل والعصمه ، وغیر ذلک فی الدار الدنیا، فإن الله سبحانه وتعالى أوجب الجنه للمؤمنین وحرم الجنه على الکافرین ، وهذا من الأحکام الکلیه فی کل وقت ومکان ) مجموع الفتاوى (۱۲/۲۵۱)
ویقول أیضاً: فإن الخطأ فی اسم الإیمان لیس کالخطأ فی اسم محدث ، ولا کالخطأ فی غیره من الأسماء إذ کانت أحکام الدنیا والآخره متعلقه باسم الإیمان والإسلام والکفر والنفاق ) أهـ (۷/۲۴۶)
ویقول: (وکلام الناس فی هذا الاسم ومسماه کثیر ، لأنه قطب الدین الذی یدور علیه ولیس فی القول اسم علق به السعاده والشقاء ، والمدح والذم والثواب والعقاب أعظم من اسم الإیمان والکفر، لذا سمی هذا الأصل مسائل الأسماء والأحکام) أهـ (۱۳/۳۴).
والمتابع لموضوع التکفیر فی کتب الفقه على سبیل المثال ، یرى بوضوح تعلق کثیر من المسائل والأحکام به ویعرف أهمیه هذا الموضوع وخطورته حقاً..
• خذ مثلاً ، فی أحوال الحکام وما یتعلق بهم:
– حیث تجب مولاه الحاکم المسلم ونصرته وطاعته ، ولا یجوز الخروج علیه أو منازعته ما لم یظهر کفراً بواحاً ، والصلاه خلفه والجهاد معه مشروع براً کان أو فاجراً ، ما دام فی دائره الإسلام محکماً لشرع الله.. والسلطان المسلم ولی من لا ولی له من المسلمین.
– أما الحاکم الکافر فلا تجوز بیعته ولا تحل نصرته ولا موالاته ، أو معاونته ، ولا یحل القتال تحت رایته ، ولا الصلاه خلفه ولا التحاکم إلیه ، ولا تصح ولایته على مسلم.. ولیس له علیه طاعه ، بل تجب منازعته والسعی فی خلعه والعمل على تغییره(۲) ، وإقامه الحاکم المسلم مکانه..
ویتفرع من ذلک کفر من تولاه أو نصر کفره أو قوانینه الکافره وحرسها أو شارک فی تثبیتها أو تشریعها أو حکم بها من القضاه ونحوهم..
• وفی أحکام الولایه: لا تصح ولایه الکافر على المسلم ، فلا یصح أن یکون الکافر والیاً أو قاضیاً للمسلمین ، ولا إماماً للصلاه بهم.. ولا تصح ولایته على مسلمه فی نکاح ، ولا ولایته أو حضانته لأبناء المسلمین ، ولا وصایته على أموال الأیتام منهم ونحو ذلک.
• وفی أحکام النکاح: لا یجوز نکاح الکافر من المسلمه ولا یکون ولیها فی النکاح(۳).. وإذا نکح مسلم مسلمه ثم ارتد بطل نکاحه وفرق بینهما..
• وفی أحکام المواریث: اختلاف الدین مانع من التوارث عند جماهیر العلماء.
• وفی أحکام الدماء والقصاص: لا یقتل مسلم بکافر.. ولیس فی قتل الکافر المحارب أو المرتد، عمداً أو خطأ کفاره ولا دیه ، والمسلم بخلاف ذلک..
• وفی أحکام الجنائز: لا یصلى على الکافر ولا یغسل ولا یدفن فی مقابر المسلمین ، ولا یجوز الاستغفار له والقیام على قبره بخلاف المسلم.
• وفی أحکام القضاء: لا تصح ولایه القضاء للکافر ، ولا یجوز شهاده الکافر على المسلم.. ولا یحل التحاکم الى القاضی الکافر المحکم لقوانین الکفر. ولا تنفذ أحکامه شرعاً ولا یترتب علیها آثارها..
• وفی أحکام القتال: یفرق بین قتال الکفار والمشرکین والمرتدین ، وبین قتال المسلمین من البغاه والعصاه.. فلا یتبع مدبرهم ولا یجهز على جریحهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى نساءهم ونحو ذلک مما یفعل ویستباح فی قتال الکفار ، والأصل فی دم المسلم وماله وعرضه ، العصمه بالإیمان.. أما الکافر فالأصل فیه الإباحه إلا أن یعصم بالأمان ونحوه..
• وفی أحکام الولاء والبراء: تجب مولاه المسلم ولا تجوز البراءه الکلیه منه ، وإنما یتبرأ من معاصیه.. وتحرم مولاه الکافر أو نصرته على المسلمین أو إطلاعه على عوراتهم.. بل تجب البراءه منه وبغضه ولا تجوز موادته.
إلى غیر ذلک من الأحکام الشرعیه المتعلقه بهذا الأمر الخطیر والمتأثره به.. فما هذا إلا غیض من فیض ، قصدنا به التمثیل والتنبیه.. والأدله على ذلک کله معلومه معروفه فی مظانها من کتب الفقه وغیرها..
فمن لم یمیز بین الکافر والمسلم التبس علیه أمره ودینه فی ذلک کله..
ولک أن تتأمل ما یترتب من مفاسد ومحاذیر ومنکرات بسبب خلط أحکام المسلمین بأحکام الکفار فیما تقدم من الأمثله.. وقد قال تبارک وتعالى فی شیئ من ذلک: (( إلا تفعلوه تکن فتنه فی الأرض وفساد کبیر)).. ولیس بخاف على أحد ما نراه الیوم من اختلاط الحابل بالنابل ، واختلال الموازین عند کثیر من المنتسبین للإسلام فی هذه المسائل والأحکام الشرعیه وغیرها.. وذلک بسبب تقصیرهم بل إهمال أکثرهم.. النظر فی هذا الحکم الخطیر وعدم تمییزهم أو فرقانهم بین المسلمین والکفار.. ویظهر ذلک جلیاً فی تخبط عوامهم وخواصهم فی کثیر من الأحکام والمعاملات والعبادات والموالاه والمعاداه ، وغیر ذلک من أمور.
مع ان الله تبارک وتعالى قد میز وفرق فی أحکام الدنیا والآخره بین أهل الکفر وأهل الإیمان ، وأکد هذا الفرقان فی غیر موضع فی کتابه: فقال تبارک و تعالى (( لا یستوی أصحاب النار وأصحاب الجنه )) وقال تبارک وتعالى منکراً على من سوى بین الطائفتین وخلط بین أحکامهم: (( أفنجعل المسلمین کالمجرمین مالکم کیف تحکمون ؟)) وقال سبحانه وتعالى: (( أفمن کان مؤمنا کمن کان فاسقاً لا یستوون )) وقال عز وجل: (( قل لا یستوی الخبیث ولا الطیب ولو أعجبک کثره الخبیث )) وقال عز من قائل: (( لیمیز الله الخبیث من الطیب)) فالله تبارک وتعالى یرید أن یمیز الخبیث من الطیب ، ویرید سبحانه فرقاناً شرعیاً بین أولیائه وأعدائه فی أحکام الدنیا والآخره..
ویرید الذین یتبعون الشهوات من عبید القوانین أن یسووا بینهم، ولذلک ألغوا من دساتیرهم أی أثر للدین فی التفریق والتمیز بین الناس ، ولم یبقوا فی شیء من قوانینهم أی عقوبه دینیه فعطلوا کافه حدود الله وعلى رأسها حد الرده وساووا فی أحکام الدماء والأعراض والفروج والأموال وغیرها بین المسلمین والکفار ، وألغوا الآثار الشرعیه المترتبه على الکفر والرده فی ذلک کله..
وتتبع هذا یطول وقد حل بسببه من الفساد فی البلاد والعباد ما لا یعلم تشعبه وخبثه وآثاره المدمره إلا الله عز وجل ، وقد أشرنا إلى شیء من ذلک فی کتابنا ( کشف النقاب عن شریعه الغاب ) ، وهو أمر غیر مستغرب ولا مستهجن من قوم قد انسلخوا من الدین وارتموا فی أحضان الکفار ، وأسلموا قیادهم لأولیاء نعمتهم الذین قسموا لهم دیار المسلمین وأوصلوهم إلى کراسی الحکم واصطنعوهم فی أحضانهم وأرضعوهم من کفریاتهم..
من یمت یسهل الهوان علیه ما لجرح بمیت إیلام
وإنما المستغرب الذی یثیر العجب أن یقع فی شیء من ذلک کثیر من المنتسبین إلى الدعوه والدین.. ! فیموت عندهم التمییز بین المسلمین والکفار ، ویعدم بینهم الفرقان بین أولیاء الرحمن وأولیاء الشیطان.. وذلک بإهمالهم لأحکام التکفیر ، وإعراضهم عن تعلمها وعن النظر فی أحکام الواقع الذی یعیشون فیه، وحکم الحکام المتسلطین فیه وحکم أنصارهم وأولیائهم..
فما فتئ کثیر منهم بسبب ذلک ، أن صاروا للطواغیت جندا محضرین، وأذناباً مخلصین، وما المانع ؟؟ فهؤلاء الحکام عندهم مسلمون.. !! وفی المقابل شنوا الغاره على کل موحد وداعیه ومجاهد وقف فی وجه أولئک الطواغیت، أو شمر عن ذراعه ویراعه یکشف زیوفهم ، ویحذر المسلمین من قوانینهم وکفریاتهم وباطلهم ویدعوهم إلى اجتنابهم والبراءه من شرکهم وتشریعهم الذی ما أنزل الله به من سلطان..
فشمر هؤلاء الذین طمس الله على بصائرهم، وحرمهم بإعراضهم عن تعلم أهم مسائل الکفر والإیمان ، من الفرقان والبصیره فی أحکام المسلمین والکفار ، شمروا عن ساق العداوه لأولئک الموحدین ، ودفعوا فی نحورهم وصدورهم بکل ما یملکونه من کذب وبهتان ، طعنوا فی أعراضهم ، وصدوا عن دعوتهم، وخذلوا دونهم ، وأوضعوا خلالهم یبغونهم الفتنه..
ولم یجدوا فی ذلک أدنى حرج ، فهم – زعموا- یتقربون بذلک إلى الله تبارک وتعالى ، فأولئک الموحدون عندهم ، خوارج مارقون ، قد قال رسول الله صلى الله علیه و سلم فی أمثالهم !! ( لئن أدرکتهم لأقتلنهم قتل عاد) (۳) وهم جزما!! ( شر قتلى تحت أدیم السماء )(۴) و( شر الخلق والخلیقه ) (۵) ، بل هم عندهم قطعا !! ( کلاب النار ) ولذلک فلا حرج عندهم حتى لو تعاونوا مع الطواغیت أو ناصحوهم فی قمعهم !! أو ظاهروا أنصارهم علیهم.. !!
فالطواغیت وأنصارهم مسلمون عصاه.. !! یتورع أولئک القوم لا عن تکفیرهم وحسب ، بل حتى عن غیبتهم !! وهؤلاء الموحدون مبتدعه مارقون.. !! لا ینبغی التوقف أو التورع فیهم ، فالبدعه على أصول أهل السنه ، شر وأخطر من المعصیه..
هکذا وبهذا التأصیل المنحرف عن جاده السلف.. وبهذا الأخذ المشوه لنصوص الشریعه فی غیاهب ظلمات العمایه فی واقع هذه الحکومات ،وباستخفافهم وإعراضهم عن تعلم أحکام التکفیر.. والوا الطواغیت والمشرکین وعادوا المؤمنین والموحدین.. وترکوا أهل الأوثان وأغاروا على أهل الإسلام..
إذ أن فساد فَهْم الأصول ، إضافهً إلى جهل مدقع فی الواقع ، یوجب فساد تطبیقها فی الفروع ، ویثمر ضلالاً عن الجاده والمنهاج.. لذلک انطلق الخوارج -کما قال ابن عمر – إلى آیات أنزلت فی الکفار فجعلوها فی المؤمنین. وهؤلاء انطلقوا إلى آیات فی حق المؤمنین و الموحدین فجعلوها فی الکفار والملحدین.. !!
ولذلک فإن من أعظم أنواع الخیانه التی یمارسها الیوم بعض الرؤوس الجهال الذین إتخذهم کثیر من الشباب قدوه و أسوه ، فضلوا وأضلوا کثیراً ، وضلوا عن سواء السبیل ؛ خیانتهم للأمانه ، بتحذیرهم المطلق من الکلام فی أحکام التکفیر ، وصدهم الشباب دوماً عن النظر فی هذا الباب ، وصرفهم عن تعلمه ، باعتباره من الفتنه التی یجب التحذیر منها بإطلاق. (۶)
وترى أحسن مشایخهم طریقه ممن یشار إلیه بالبنان ، یوجه سؤاله ببلاهه إلى المکفرین للحکام ، قائلاً: ” ماذا تستفیدون من الناحیه العملیه إذا سلمنا –جدلاً- أن هؤلاء الحکام کفار کفر رده ؟” (۷)وقول الآخر بعد أن علق على الکلام الأول: (هذا کلام جید ) ؛ (یعنی هؤلاء الذین یحکمون على ولاه المسلمین بأنهم کفار ، ماذا یستفیدون إذا حکموا بکفرهم.. )(۸) إلى آخر هرائه حیث قال فی آخره: ( فما الفائده من إعلانه وإشاعته إلا إثاره الفتن ؟ کلام الشیخ.. هذا جید جداً ) !!
ویکتب ذلک وینشر بین الشباب فی عشرات بل مئات الکتب والنشرات التی ألفت فی التحذیر المطلق من التکفیر.. وأغلبها مما یوزع بالمجان !! ویسخر ذلک کله للدفع عن طواغیت العصر وأنصارهم.. و الهجوم على خصومهم من الموحدین ، والمجاهدین الذین یفنون أعمارهم ویبذلون مهجهم وأرواحهم فی جهاد أهل الشرک وحرب قوانینهم ، ونصره شریعه الله المطهره ، والعمل من أجل تحکیمها..
هذا وقد طالعت عشرات الکتب –من جنس ذلک – کتبها طائفه من أهل التخذیل والتلبیس والتدلیس ، یحذرون الشباب مطلقاً من التکفیر ، مع أن التکفیر حکم من أحکام الشرع ، له أسبابه وضوابطه وشروطه وموانعه وآثاره ، فلا ینبغی الصد عن تعلمه أو التخذیل عن النظر والتفقه فیه ، شأنه فی ذلک شأن سائر أحکام الشرع وأبوابه.. فقد عرفت مما تقدم بعض الآثار المترتبه على إهماله.. وعرفت ما یرتبط بهذا الحکم من مسائل وأحکام فی شتى أبواب الدین..
وأنه سبب رئیس للتمیز بین سبیل المؤمنین وسبیل المجرمین ومن أهمله خلط فیه ، واختلطت علیه سبیل المؤمنین بسبیل الکافرین والتبس عنده الحق بالباطل ، وحرم الفرقان والبصیره فی أهم أبواب الدین.
یقول العلامه ابن القیم رحمه الله تعالى تحت عنوان (قاعده جلیه ): ” قال تعالى (( وکذلک نفصل الآیات ولتستبین سبیل المجرمین )) وقال تعالى (( ومن یشاقق الرسول من بعد ما تبین له الهدى ویتبع غیر سبیل المؤمنین نوله ما تولى )) الآیه ، والله تعالى قد بین فی کتابه سبیل المؤمنین مفصله ، وسبیل المجرمین مفصله ، وعاقبه هؤلاء مفصله ، وعاقبه هؤلاء مفصله ، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء ، وأولیاء هؤلاء وأولیاء هؤلاء ، وخذلانه لهؤلاء وتوفیقه لهؤلاء ، والأسباب التی وفق بها هؤلاء والأسباب التی خذل بها هؤلاء ، وجلّى سبحانه الأمرین فی کتابه ، وکشفهما وأوضحهما وبینهما غایه البیان ، حتى شاهدتهما البصائر کمشاهده الأبصار للضیاء والظلام.
فالعالمون بالله وکتابه ودینه عرفوا سبیل المؤمنین معرفه تفصیلیه ، وسبیل المجرمین معرفه تفصیلیه ، فاستبانت لهم السبیلان ، کما یستبین للسالک الطریق الموصل إلى مقصوده ، والطریق الموصله إلى الهلکه.
فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس ، وأنصحهم لهم ، وهم الأدلاء الهداه ، وبذلک برز الصحابه على جمیع من أتى بعدهم إلى یوم القیامه ، فإنهم نشأوا فی سبیل الضلال والکفر والشرک والسبیل الموصله إلى الهلاک وعرفوها مفصله ثم جاءهم الرسول صلى الله علیه وسلم فأخرجهم من تلک الظلامات إلى سبیل الهدى وصراط الله المستقیم ، فخرجوا من الظلمه الشدیده إلى النور التام ، ومن الشرک إلى التوحید ، ومن الجهل إلى العلم ومن الغی إلى الرشاد ، ومن الظلم إلى العدل ، ومن الحیره والعمى إلى الهدى والبصائر ، فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به ، ومقدار ما کانوا فیه ، فإن الضد یظهر حسن الضد ، وإنما تتبین الأشیاء بأضدادها ، فازدادوا رغبه ومحبه فیما انتقلوا إلیه ، ونفره وبغضاً لما انتقلوا عنه ، وکانوا أحب الناس فی التوحید والإیمان والإسلام ، وابغض الناس فی ضده ، عالمین بالسبیل على التفصیل، وأما من جاء بعد الصحابه ، فمنهم من نشأ فی الإسلام غیر عالم تفصیل ضده فالتبس علیه بعض تفاصیل سبیل المؤمنین بسبیل المجرمین ، فإن اللبس إنما یقع إذا ضعف العلم بالسبیلین أو أحدهما ، کما قال عمر ابن الخطاب ، إنما تنقض عرى الإسلام عروه عروه إذا نشأ فی الإسلام من لم یعرف الجاهلیه ، وهذا کمال علم عمر رضی الله عنه.. فمن لم یعرف سبیل المجرمین ولم تستبین له ، أوشک أن یظن بعض سبیلهم أنها من سبیل المؤمنین ، کما وقع فی هذه الأمه من أمور کثیره فی باب الاعتقاد والعلم والعمل هی من سبیل المجرمین والکفار وأعداء الرسل ، أدخلها من لم یعرف أنها من سبیلهم فی سبل المؤمنین ودعا إلیها وکفّر من خالفها واستحل ما حرمه الله ورسوله کما وقع لأکثر أهل البدع من الجهمیه والقدریه والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعه ودعا إلیها وکفّر من خالفها) أهـ.
ثم بین أن الناس فی هذا الموضع أربع فرق ، فرقه ( عمت عن السبیلین من أشباه الأنعام وهؤلاء بسبیل المجرمین أحضر ولها أسلک ) وفرقه (صرفت عنایتها إلى معرفه سبیل المؤمنین دون ضدها ) وفرقه (عرفت سبیل الشر والبدع والکفر مفصله وسبیل المؤمنین مجمله ).. وقال ؛ وفرقه هی الأولى: ( من استبان له سبیل المؤمنین وسبیل المجرمین على تفصیل علماً وعملاً ، وهؤلاء أعلم الخلق ) أهـ من الفوائد مختصراً ص (۱۰۸) فصاعد.
وبعد.. فإنما قدمنا لک هذه التوطئه فی هذا الفصل ، کمقدمه بین یدی الغایه من عقده ؛ حتى لا نکیل بمکیال أولئک الخوالف الذین خلطوا الحق بالباطل بصدهم عن التکفیر مطلقاً، فلیس غایتنا هنا التحذیر من مطلق أحکام التکفیر ، وإنما کما هو عنوان الفصل.. التحذیر من الغلو فی التکفیر.
فإنه وکما قد فرط فی الحکم الشرعی أقوام ، وأعرضوا عن تعلمه ومیعوه وحذروا منه بإطلاق ، ورهبوا الشباب من الاقتراب منه أبداً ، فکان لذلک ما عرفت من آثاره المتقدمه..
فقد قابلهم أقوام أفرطوا وغلوا فی اقتحام أبوابه ، دون علم أو بصیره.. فأعملوا سیوف التکفیر وأسنته فی أمه محمد صلى الله علیه وسلم ، دون ضابط من الشرع أو وازع من ورع أو خشیه ومخافه من الله..
ودین الله الحق بین الغالی فیه ، والجافی عنه.. فلا هو مع هؤلاء فی إفراطهم وغلوهم ، ولا هو مع أولئک فی تفریطهم وتمییعهم. والفرقه الناجیه والطائفه المنصوره القائمه بدین الله ، لا یضرهم من خالفهم ، ولا من خذلهم ، حتى یأتی أمر الله ، هم الذین حذر الله تبارک وتعالى من اتباع غیر سبیلهم فقال: (( ومن یشاقق الرسول من بعد ما تبین له الهدى ویتبع غیر سبیل المؤمنین نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصیرا )) ، ” فمن دونهم مقصر ومن فوقهم مفرط ، وقد قصر دونهم أناس فجفوا.. وطمح فوقهم آخرون فغلوا.. وإنهم فیما بین ذلک لعلى هدى مستقیم ” (۹).
هذا وقد جاءت النصوص الشرعیه تحذر وتنهى عن الغلو فی الدین عموماً
– فروى الإمام أحمد (۱/۲۱۵،۳۴۷) والنسائی وابن ماجه وغیرهم أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( إیاکم والغلو فی الدین فإنما هلک من قبلکم بالغلو فی الدین) (۱۰)
– وروى الطبرانی فی الکبیر وغیره أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( صنفان من أمتی لن تنالهم شفاعتی ، إمام ظلوم غشوم ، وکل غال مارق ) وهو حدیث حسن.
کما جاءت النصوص الشرعیه أیضاً متضافره تحذر من الغلو فی التکفیر ، على وجه الخصوص ، وترهب من تعدی حدود الله التی حدّها سبحانه فیه..
– فمن ذلک ما رواه البخاری فی صحیحه فی کتاب الأدب ( باب من کفر أخاه بغیر تأویل فهو کما قال ) عن أبی هریره رضی الله عنه أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: ( إذا قال الرجل لأخیه یا کافر فقد باء به أحدهما )
– وعن ثابت بن الضحاک عن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( من حلف بمله غیر الإسلام کاذباً فهو کما قال ، ومن قتل نفسه بشیء عذب به فی نار جهنم ، ولعن المؤمن کقتله ، ومن رمى مؤمناً بالکفر فهو کقتله ).
وروى أیضاً فی الکتاب نفسه من صحیحه فی ( باب ما ینهى عن السباب واللعن)
– عن أبی ذر أنه سمع النبی صلى الله علیه وسلم یقول: ( لا یرمی رجل رجلاً بالفسوق ولا یرمیه بالکفر ، إلا ارتدت علیه ، أن لم یکن صاحبه کذلک )
– ورواه مسلم فی صحیحه فی کتاب الإیمان عن أبی ذر أیضاً أنه سمع رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: ( لیس من رجل أدعى لغیر أبیه وهو یعلمه إلا کفر ، ومن ادعى ما لیس له فلیس منا ولیتبوأ مقعده من النار ، ومن دعا رجلاً بالکفر أو قال: عدو الله ، ولیس کذلک إلا حار علیه)
– وروى الحافظ أبو یعلى عن حذیفه بن الیمان قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( إن مما أتخوف علیکم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤیت بهجته علیه ، وکان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله ، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره ، وسعى على جاره بالسیف ورماه بالشرک ، قال: قلت: یا نبی الله ، أیهما أولى بالشرک المرمی أم الرامی ؟ قال: بل الرامی )
وذکره الحافظ ابن کثیر عند تفسیر قوله تعالى: (( واتل علیهم نبأ الذی آتیناه آیاتنا فانسلخ منها فأتبعه الشیطان فکان من الغاوین. )) ، وقال: إسناده جید.
ورواه الطبرانی فی الکبیر والصغیر کما فی مجمع الزوائد (۵/۲۲۸) عن معاذ بن جبل مرفوعا بلفظ أطول ، من طریق شهر بن حوشب وهو مختلف فیه من العلماء من صحح حدیثه ومنهم من ضعفه.
ففی هذه الأحادیث الصحیحه من الوعید والتهدید ، ما یجعل أولی الألباب یحتاطون لدینهم أشد الاحتیاط فی هذا الباب الخطیر، إذ أن ظاهرها قاض بأن من کفر مسلماً بما لم یکفره الله تعالى أو رسوله صلى الله علیه وسلم فقد کفر هو بذلک وهذا وعید شدید استشکله العلماء ، ولذلک ذکروا فیه عده تأویلات ، ومما رجحه بعضهم من ذلک ؛ أن من اعتاد الهجوم على مثل هذه المعصیه الکبیره ، وتجرأ على تعطیلها ، فإن ذلک یؤدی به إلى الکفر ، أو یختم له به ، لأن المعاصی برید الکفر وکبارها أسرع إلیه من صغارها ، والمستهتر بالکبائر یخشى علیه أن یجره استهتاره إلى اقتحام أسباب الکفر وتعاطیها ، وإلى هذا المعنى أشرنا بمسمى أوراقنا هذه حین قلنا ( … أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر ).. وقد ذکر النووی فی شرحه لمسلم استشکال بعض العلماء لظاهر الوعید فی هذه الأحادیث.. وذلک لأن مذهب أهل الحق ، أهل السنه والجماعه ، أن لا یکفر المسلم بالمعاصی ، ومن ذلک قوله لأخیه ( کافر ) ، من غیر اعتقاد بطلان دین الإسلام. لذلک ذکر فی تأویله خمسه أوجه:
– أحدها: أنه محمول على المستحل لذلک وهذا یکفر.
– الوجه الثانی: معناه رجعت علیه نقیصته لأخیه ومعصیه تکفیره.
– الثالث: أنه محمول على الخوارج المکفرین للمؤمنین ، نقله القاضی عیاض عن الإمام مالک بن أنس.
– الرابع: معناه أن ذلک یؤول به إلى الکفر ، وذلک أن المعاصی کما قالوا برید الکفر ، ویخاف على المکثر منها أن یکون عاقبه شؤمها المصیر إلى الکفر.
– الوجه الخامس: معناه قد رجع علیه تکفیره ، فلیس الراجع حقیقه الکفر بل التکفیر لکونه جعل أخاه المؤمن کافراً ، فکأنه کفر نفسه ، إما لأنه کفر من هو مثله ، وإما لأنه کفر من لا یکفره إلا کافر یعتقد بطلان دین الإسلام ، والله أعلم ) أ هـ مختصراً من شرح مسلم.
– هذا وقد ضعف النووی الوجه الثالث المروی عن مالک ، بدعوى أن الخوارج عند الأکثرین لا یکفرون ببدعتهم ، وتعقبه الحافظ فی الفتح فقال: ( ولما قاله مالک وجه ، وهو أن منهم من یکفر کثیراً من الصحابه ، ممن شهد له الرسول صلى الله علیه وسلم بالجنه والإیمان ، فیکون تکفیرهم من حیث تکذیبهم للشهاده المذکوره(۱۱) ، لا من مجرد صدور التکفیر منهم بالتأویل ).. ثم قال: ( والتحقیق أن الحدیث سیق لزجر المسلم عن أن یقول ذلک لأخیه المسلم ، وذلک قبل وجود فرقه الخوارج وغیرهم ) أهـ
• یقول ابن دقیق العید فی معنى هذه الأحادیث: ( وهذا وعید عظیم لمن کفر أحداً من المسلمین ولیس کذلک ، وهی ورطه عظیمه وقع فیها خلق کثیر من المتکلمین ، ومن المنسوبین إلى السنه وأهل الحدیث لما اختلفوا فی العقائد ، فغلظوا على مخالفیهم ، وحکموا بکفرهم ) أ هـ. إحکام الأحکام شرح عمده الأحکام (۴/۷۶)
• ویقول الشوکانی فی السیل الجرار: ( اعلم أن الحکم على الرجل المسلم بخروجه من دین الإسلام ودخوله فی الکفر لا ینبغی لمسلم یؤمن بالله والیوم الآخر أن یقدم علیه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار ، فإنه قد ثبت فی الأحادیث المرویه من طریق جماعه من الصحابه أن من قال لأخیه: یا کافر فقد باء بها أحدهما …) وساق الأحادیث ثم قال: ( ففی هذه الأحادیث وما ورد موردها أعظم زاجر ، وأکبر واعظ عن التسرع فی التکفیر. ) (۴/۵۷۸)
وقال: ( فإن الإقدام على ما فیه بعض البأس لا یفعله من یشح بدینه ، ولا یسمح به فیما لا فائده فیه ولا عائده ، فکیف إذا کان یخشى على نفسه إذا أخطأ ، أن یکون فی عداد من سماه رسول الله صلى الله علیه وسلم کافراً ، فهذا {لا} یقود إلیه العقل فضلاً عن الشرع ) أهـ (۴/۵۷۹) وما بین المعکوفین زیاده منی یقتضیها السیاق لعلها سقطت من المطبوع.
• ویقول ابن حجر الهیثمی فی الزواجر عن اقتراف الکبائر: ( الکبیره الثانیه والثالثه والخمسون بعد الثلاثمائه ، قول إنسان لمسلم: یا کافر أو یا عدو الله ، حیث لم یکفره به ، بأن لم یرد به تسمیه الإسلام کفراً ، وإنما أراد مجرد السب ) وذکر الحدیث المتقدم ثم قال: ( وهذا وعید شدید وهو رجوع الکفر علیه أو عداوه الله له ، وکونه کإثم القتل ، فلذلک کانت إحدى هاتین اللفظتین إما: –
– کفراً بأن یسمی المسلم کافراً أو عدوا لله من جهه وصفه بالإسلام ، فیکون قد سمى الإسلام کفراً ومقتضیاً لعداوه الله ، وهذا کفر.
– وإما کبیره بأن لا یقصد ذلک ، فرجوع ذلک إلیه حینئذ کنایه عن شده العذاب والإثم علیه وهذا من إمارات الکبیره ) أهـ
وقد نص ابن القیم فی اعلام الموقعین ( ۴/۴۰۵) على أن: ( من الکبائر تکفیر من لم یکفره الله ورسوله ) أهـ
قلت: لاشک أن وصف الشرع للذنب بالکفر یمیزه عن سائر المعاصی ، ولذلک فإن کون الذنب الذی نحذر منه ؛ کبیره من کبائر الذنوب ، أمر لا یتبادر إلیه الشک ، وقد رأیت أن فی تأویلات العلماء للحدیث ؛ من وجهه إلى الکفر الأکبر ، ومما یؤکد کونه کبیره عظیمه من کبائر الذنوب ، وصف النبی صلى الله علیه وسلم له ، فی حدیث ثابت بن الضحاک المتقدم بقوله: (.. لعن المؤمن کقتله ، ومن رمى مؤمناً بکفر فهو کقتله )
ومعلوم ما ورد من الوعید الشدید فی قتل المؤمن ، ومن ذلک قوله تعالى: ((ومن یقتل مؤمن متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فیها وغضب الله علیه ولعنه وأعد له عذاباً عظیماً)) (۹۳) النساء
ومما یناسب تشبیه وعید تکفیر المسلم بغیر دلیل ، بوعید قاتله بغیر حق.. أن حکم المرتد القتل ، کما فی حدیث (من بدل دینه فاقتلوه )(۱۲) فمن کفر مسلماً وحکم علیه بالرده بغیر دلیل ، فهو کمن رأى قتله بغیر حق.. فتأمل بعد هذا.. وعید قاتل المؤمن ما أعظمه وما أشده.. (( فجزاؤه جهنم خالداً فیها، وغضب الله علیه ، ولعنه وأعد له عذاباً عظیماً )) وانظر ما ورد فی ذلک من وعید فی الأحادیث الوارده فی سفک الدم الحرام ، وراجع تشدید ابن عباس فیه.. ثم اختر لدینک بعد ذلک ما شئت ؛ التثبت والوقوف عند حدود الله ، والورع والاحتیاط.. أو التهور والمغامره فیه ، باقتحام هذه المهلکات دون بصیره أو برهان ؟
وفی الحدیث الصحیح: (لزوال الدنیا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) رواه الترمذی والنسائی وابن ماجه.
هذا ومما یعرفک أن من العلماء من أخذ وعید هذه الأحادیث على ظاهره ، أن طائفه ممن جنحوا منهم إلى تکفیر الخوارج(۱۳) ؛ قد استدلوا لذلک بالأحادیث المتقدمه:
• منهم أبو منصور عبد القاهر البغدادی ( ۴۲۹هـ) ، حیث قال فی سیاق ذکره للأصول التی اجتمع علیها أهل السنه:
(وقالوا بمروق أهل النهروان على الدین ،لأن النبی صلی الله علیه وسلم سماهم مارقین ، لأنهم کفروا علیا وعثمان وعائشه وابن عباس وطلحه والزبیر ، وسائر من اتبع علیِا بعد التحکیم ، وأکفروا کل ذی ذنب من المسلمین. ومن أکفر المسلمین وأکفر أخیار الصحابه ، فهو الکافر دونهم ) أهـ ۳۵۱ من الفرق بین الفرق.
• وکذا القاضی أبو بکر ابن العربی (۵۴۳هـ) حیث قال وهو یعدد أوجه الحکم بتکفیرهم: ( ولحکمهم على کل من خالف معتقدهم بالکفر والتخلید بالنار فکانوا هم أحق بالاسم منهم ) (۱۴)
• وکذا تقی الدین السبکی فی فتاواه احتج بذلک حیث ساق حدیث (من رمى مسلماً بالکفر أو قال عدو الله إلا حار علیه ) ثم قال: ( وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم یرمون جماعه بالکفر ممن حصل عندنا القطع بإیمانهم فیجب أن یحکم بکفرهم بمقتضى خبر الشارع.. ) إلى قوله: ( ولا ینجیهم اعتقاد الإسلام إجمالاً والعمل بالواجبات عن الحکم بکفرهم کما لا ینجی الساجد للصنم ذلک ) (۱۵)
وخلاصه القول بعدما تقدم من کلام حول الأحادیث.. إن تعدى حدود الله فی هذا الحکم الخطیر ، مهلکه لا یغامر فی اقتحامها إلا رقیق الورع المستخف بدینه.. وإلا فإن فی الأحادیث المتقدمه من الوعید ما فیه رادع لأصحاب القلوب السلیمه عن التکلم فی هذا الباب إلا عن علم وبصیره ، مع الاحتیاط اللازم للدین.. فإن ذنباً سماه الله على لسان الرسول صلى الله علیه وسلم کفراً ، لیس کغیره من الذنوب.. بل إما أن یکون کفراً على الحقیقه أی مخرج من المله ، على وجه من الوجوه المتقدمه أو یکون بریداً للکفر یؤدی ویوصل إلیه.. أو یکون على أقل تقدیر کبیره من کبائر الذنوب ، إذ هذا الوعید کما تقدم ، هو من إمارات الکبیره ، وعلاماتها ، وهو من جنس وعید قاتل المؤمن.. فإذا کان هذا الوعید بهذه الصوره التی عرفت، قد ورد فی تکفیر المرء لرجل مسلم واحد.. فکیف یکون فیما یتقحمه بعض المتهورین من رمی عموم جماهیر المسلمین بالتکفیر ، لبعض شبهات عندهم ، لا ترقى إلى قوه الأدله الشرعیه.. ؟؟ لا شک أن هذا مع ضلالته وفساده وبطلانه ، ینطوی على مرض فی القلب ، أو غل على المسلمین ، أو تیه وعجب بالنفس کی یستثنیها ویستخلصها من بین ألوف بل ملایین مَنْ حکم علیهم بالهلاک ، وهو فی الحقیقه أهلکهم، کما روى مسلم فی صحیحه عن أبی هریره رضی الله عنه أن الرسول صلى الله علیه وسلم قال: ( إذا قال الرجل هلک الناس فهو أهلکُهم ) ورواه مالک وأبو داود، کما ذکر المنذری فی الترغیب والترهیب وقال: ( وفسره مالک ؛ إذا قال ذلک معجباً بنفسه مزدریاً بغیره ، فهو أشد هلاکاً منهم ، لأنه لا یدری سرائر الله فی خلقه ) أهـ.
وقال النووی: ( روی أهلکهم على وجهین مشهورین ، رفع الکاف وفتحها والرفع أشهر.. قال الحمیدی فی الجمع بین الصحیحین: ( الرفع أشهر ومعناها أشدهم هلاکاً.. واتفق العلماء ، على ان هذا الذم فیمن قاله على سبیل الإزراء على الناس واحتقارهم ، وتفضیل نفسه علیهم وتقبیح أحوالهم لأنه لا یعلم سر الله فی خلقه.
قالوا: فأما من قال ذلک تحزناً لما یرى فی نفسه ، وفی الناس من النقص بأمر الدین فلا بأس علیه.. ) أهـ.
ومن جنس ذلک أیضاً ما رواه مسلم عن جندب بن عبد الله رضی الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( قال رجل والله لا یغفر الله لفلان ، فقال الله عز وجل: من ذا الذی یتألى علیّ أن لا أغفر له ؟ إنی قد غفرت له وأحبطت عملک ).
– ویناسب هذا الباب أیضاً ما رواه الحاکم فی مستدرکه ( ۲/۲۷) وقال صحیح الإسناد ووافقه الذهبی عن عبد الله بن عمر أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( … من قال فی مؤمن ما لیس فیه حبس فی ردغه الخبال حتى یأتی بالمخرج مما قال).

– وأختم هذا الموضع بجمله متفرقه من أقاویل أهل العلم فی التحذیر من التسرع والمخاطره فی إکفار المسلمین ، جمعتها لک إضافه إلى ما تقدم کی تزداد بصیره واحتیاطاً فی هذا الباب..
– قال الذهبی فی سیر أعلام النبلاء (۱۵/۸۸): ( رأیت للأشعری (۱۳۳هـ) کلمه أعجبتنی وهی ثابته رواها البیهقی ، سمعت أبا حازم العبدری ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسی یقول: لما قرب حضور أجل أبی الحسن الأشعری فی داری ببغداد دعانی فأتیته ، فقال: اشهد علی أنی لا أکفر أحداً من أهل القبله لأن الکل یشیرون إلى معبود واحد ، وإنما هذا کله اختلاف العبارات. قال الذهبی بعده قلت وبنحو هذا أدین ، وکذا کان شیخنا ابن تیمیه یقول: أنا لا أکفر أحداً من الأمه ، ویقول: قال النبی صلى الله علیه وسلم: ” لا یحافظ على الوضوء إلا مؤمن” فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم ) أهـ.
قلت: وقوله ( لأن الکل یشیرون إلى معبود واحد)؛ بین فی أن تحرجه فی التکفیر ، إنما هو فی أهل التوحید لا فی أهل الشرک والتندید ، فتنبه لذلک فإن هذا هو الذی نحذر من التهور فیه ، وحذار من تلاعب الملبسین والمدلسین الذین یوظفون هذا الکلام ویستعملونه فی الدفع عن أعداء المله والدین من الطواغیت المحاربین..
– یقول ابو محمد بن حزم (۴۵۶هـ) رحمه الله تعالى: ( لا نسمی فی الشریعه اسماً إلا بأن یأمرنا الله تعالى بأن نسمیه أو یبیح لنا الله بالنص بأن نسمیه ، لأننا لا ندری مراد الله عز وجل منا إلا بوحی وارد من عنده علینا. ومع هذا فإن الله عز وجل یقول منکراً لمن سمى فی الشریعه شیئا بغیر اذنه عز وجل: (( إن هی إلا أسماء سمیتموها أنتم وآباؤکم ما أنزل الله بها من سلطان إن یتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى )) وقال تعالى: (( وعلم آدم الأسماء کلها ثم عرضهم على الملائکه فقال أنبئونی بأسماء هؤلاء إن کنتم صادقین قالوا سبحانک لا علم لنا إلا ما علمتنا )) فصح أنه لا تسمیه مباحه لملک ولا لإنس دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله عز وجل الکذب وخالف القرآن ، فنحن لا نسمی مؤمنا إلا من سماه الله عز وجل مؤمنا ، ولا نسقط الإیمان بعد وجوبه إلا عمن أسقطه الله عز وجل عنه…) أهـ الفصل فی الملل والأهواء والنحل (۳/۱۹۱).
– ویقول الإمام ابن عبد البر (۴۶۳هـ) فی التمهید (۱۷/۲۲): ( إن کل من ثبت له عقد الإسلام فی وقت بإجماع المسلمین ثم أذنب ذنباً أو تأول تأویلاً فاختلفوا بعد فی خروجه من الإسلام ، لم یکن لاختلافهم بعد اجتماعهم معنى یوجب حجهً ، ولا یخرج من الإسلام المتفق علیه إلا باتفاق آخر أو سنه ثابته لا معارض لها.
وقد اتفق أهل السنه والجماعه وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا یخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب فی النظر أن لا یکفر إلا من اتفق الجمیع على تکفیره أو قام على تکفیره دلیل لا مدفع له من کتاب أو سنه ) أهـ.
– ونقل القاضی عیاض عن أبی المعالی ( ۴۷۸هـ) قوله: ( إن إدخال کافر فی المله أو إخراج مسلم عظیم فی الدین ) أهـ.
وفیه أن إدخال کافر فی المله والشهاده له باطلا بالإسلام ، لا یقل خطورهً عن إخراج المسلم منه ، فلیحذر طالب الحق من کلا العقبتین فکلهما کؤود.
– ونقل القاضی عیاض ( ۵۴۴هـ ) أیضاً فی الشفا فی ( فصل تحقیق القول فی إکفار المتأولین ) عن العلماء المحققین قولهم: ( أنه یجب الاحتراز من التکفیر فی أهل التأویل فإن استباحه دماء المصلین الموحدین خطر ، والخطأ فی ترک ألف کافر أهون من الخطأ فی سفک محجمه من دم مسلم واحد ) أهـ (۲/۲۷۷)
وهذه العباره قریبه من عباره الغزالی (۵۰۵هـ) فی کتابه (التفرقه بین الإیمان والزندقه) فلعل القاضی ، قصده فی إشارته ، ولم یسمه لأن له على کتابه المذکور مؤاخذات (۱۶)
– وقول الغزالی فی ( التفرقه.. ): ( والذی ینبغی، الاحتراز عن التکفیر ما وجد له سبیلاً فإن استباحه دماء المصلین المقرین بالتوحید خطأ ، والخطأ فی ترک ألف کافر فی الحیاه ، أهون من الخطأ فی سفک دم لمسلم واحد ) أهـ.
– قال القرطبی (۶۷۱هـ) فی المفهم: ( وباب التکفیر باب خطر ولا نعدل بالسلامه شیئاً ) أهـ من الفتح کتاب استتابه المرتدین.. ( باب من ترک قتال الخوارج )
– وقد قرر ابن الوزیر تواتر الأحادیث فی النهی عن تکفیر المسلم فی کتابه ( إیثار الحق عن الخلق ) وقال رحمه الله: ( وفی مجموع ذلک ما یشهد بصحه التغلیظ فی تکفیر المؤمن ، وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحید والنبوات وخاصه مع قیامه بأرکان الإسلام ، وتجنبه للکبائر ، وظهور أمارات صدقه فی تصدیقه ، لأجل غلطه فی بدعه ، لعل المکفر له لا یسلم من مثلها أو من قریب منها ، فإن العصمه مرتفعه ، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا یستلزم السلامه من ذلک عقلا ولا شرعاً ،بل الغالب على أهل البدعه شده العجب بنفوسهم ، والاستحسان لبدعتهم … وقد کثرت الآثار فی أن إعجاب المرء بنفسه من المهلکات ، کما فی حدیث أبی ثعلبه الخشنی عند أبی داود والترمذی ، وعن ابن عمرو مرفوعا: ( ثلاث مهلکات: شح مطاع ، وهوىً متبع ، وإعجاب المرء بنفسه)… ودلیل العقوبه فی ذلک أنک ترى أهل الضلال أشد عجباً وتیهاً وتهلیکا للناس واستحقارا لهم ، نسأل الله العفو والمعافاه من ذلک کله )) أهـ. ص ( ۴۲۵ ) وما بعدها.
ویقول: ( وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبه ، وذمت أقبح الذم على تکفیرهم لعصاه المسلمین مع تعظیمهم فی ذلک لمعاصی الله تعالى ، وتعظیمهم الله تعالى بتکفیر عاصیه ، فلا یأمن المکفر أن یقع فی مثل ذنبهم ، وهذا خطر فی الدین جلیل ، فینبغی شده الإحتراز فیه من کل حلیم نبیل ) أهـ ( ۴۴۷ )
-ویقول الشیخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: ( وبالجمله فیجب على من نصح نفسه ألا یتکلم فی هذه المسأله إلا بعلم وبرهان من الله ، ولیحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه ، واستحسان عقله ، فإن إخراج رجل من الإسلام ، أو إدخاله فیه من أعظم أمور الدین …
وقد استزل الشیطان أکثر الناس فی هذه المسأله ، فقصر بطائفه فحکموا بإسلام من دلت نصوص الکتاب والسنه والإجماع على کفره ، وتعدى بآخرین فکفروا من حکم الکتاب والسنه مع الإجماع بأنه مسلم ) أهـ. الدرر السنیه (۸/۲۱۷)
تنبیه
إلى من لا یشملهم الوعید على التکفیر
عرفت مما تقدم أن الوعید المذکور.. إنما هو فی حق من کفر أخاه المسلم من غیر دلیل صحیح صریح من الشرع ، فیدخل فی هذا کل من کفره لدافع الهوى ، أو الخصومه أو العصبیه ، أو الحزبیه ، أو الغل والعداوه والحسد ، أو أن یصدر تکفیره له کمسبه..
ومن ذلک تکفیر جماهیر المسلمین بالعموم أو نحوه مما یندرج تحت الغلو فی التکفیر.
• وبدیهی أن لا یدخل فی ذلک تکفیر من نص الله تعالى على تکفیرهم من الیهود والنصارى ونحوهم من ملل الکفر..
• وکذلک الشأن فی تکفیر الکفار المجمع على تکفیرهم کالطواغیت الذین یعبدون من دون الله ونحوهم من المشرعین ، وکذلک المرتدین الممتنعین عن شریعه الله وأنصارهم ، فقد أجمع الصحابه بعد المناظره التی جرت بین أبی بکر وعمر على تکفیر الممتنعین عن بعض شرائع الإسلام کالزکاه ونحوها.. فیدخل فی ذلک من باب أولى الممتنعین عن شرائع الإسلام کلها ، المتولین لأعداء الله من کفار الشرق والغرب ممن کرهوا ما نزل الله ، المحاربین لأولیاء الله وأنصار شرعه ، المظاهرین للکفار والمرتدین على الموحدین ، المشرعین لقوانین الکفر ، المحلین والمبیحین لما حرم الله تعالى من الرده والخمر والربا والخنا وغیر ذلک من المحرمات ، المحکمین لغیر ما أنزل الله.. المتحاکمین لطواغیت الشرق والغرب ، المرخصین والحارسین والحامین لکل أنواع الکفر والطعن والاستهزاء بالدین..
إلى غیر ذلک من کفریاتهم العدیده التی تعرضنا إلى تفصیل أشیاء منها فی غیر هذا الموضع ، فکفر هؤلاء الطواغیت وأنصارهم کفر مزید مغلظ ثابت علیهم ، ومتحقق بأسباب عدیده ، وأکثرها من الأسباب الظاهره الواضحه بل والمجمع على التکفیر بها عند العلماء.
وکل سبب من ذلک له أدلته المعلومه وتفاصیله المعروفه فی مواضعها.. یطول الوقوف عنده وإنما أردنا هنا الإشاره والتنبیه إلى ذلک ، وللتفصیل فی ذلک محله اللائق به ، وقد قال شیخ الإسلام فی سیاق فتواه فی التتار: ( وإذا کان السلف قد سموا مانعی الزکاه مرتدین – مع کونهم یصومون ویصلون ، ولم یکونوا یقاتلون جماعه المسلمین – فکیف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسلمین ؟!) أهـ مجموع الفتاوى (۲۸/۲۸۹)
ولذلک فلا وعید فی حق من کفر أمثال هؤلاء ، ولیس ذلک من الغلو فی التکفیر بحال ، بل هو واجب على کل مسلم ومسلمه ، کی یکونوا على بصیره من دینهم.. وفاعله مأجور لأنه التزم حکماً شرعیاً وواجباً دینیا ، وهو تکفیر من کفره الله تعالى ورسوله صلى الله علیه وسلم ، وذلک کی یتمکن من معرفه آثار هذا الحکم الشرعی فی أمور دینه ودنیاه.. وما یجب علیه من التکالیف الشرعیه المرتبطه بذلک من براءه ومعاداه وجهاد وإعداد لدفع الکفر الجاثم على بلاد المسلمین.. وغیر ذلک من الأحکام الشرعیه التی تقدمت الإشاره إلى بعضها.
• وکذلک لا یدخل أیضاً تحت الوعید المتقدم ، من کفر من قارف سبباً من أسباب الکفر التی نص الله تعالى أو رسوله صلى الله علیه وسلم على تکفیر فاعله بنص صریح.. ثم ظهر له – رغم استفراغه الجهد فی النظر فی الشروط والموانع – أن مقترف ذلک السبب قد قام دون تکفیره مانع أو تخلف شرط من شروط التکفیر ، لم یظهر له حین کفره.
فإن هذا لا یشمله الوعید المتقدم والحال کذلک ، ولیس هذا من الغلو فی التکفیر ، خصوصاً إذا کان الدافع لتکفیره الغیره على حرمات الشرع ، لا الهوى والعصبیه ونحوها..
– ولذلک کان تبویب البخاری رحمه الله للأحادیث المتقدمه بقوله (باب من کفر أخاه بغیر تأویل فهو کما قال ) ثم قال فی الباب الذی یلیه (باب من لم یرى إکفار من قال ذلک متأولاً أو جاهلاً ) وذکر فیه قول عمر رضی الله عنه لحاطب بن أبی بلتعه ، إنه منافق ، وحدیث إطاله معاذ بن جبل صلاته فی قومهم وقوله عن الرجل الذی تجوز وحده فی الصلاه ،أنه منافق.
– وقال شیخ الإسلام ابن تیمیه بعد أن ذکر حدیث ( لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض ) وحدیث ( إذا قال المسلم لأخیه: یا کافر ، فقد باء بها أحدهما ) قال: ( وهذه الأحادیث کلها فی الصحاح ، وإذا کان المسلم متأولاً فی القتال أو التکفیر لم یکفر بذلک، کما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبی بلتعه: یا رسول الله ، دعنی أضرب عنق هذا المنافق ، ولم یکفر النبی صلى الله علیه وسلم لا هذا ولا هذا ، بل شهد للجمیع بالجنه …) أهـ مجموع الفتاوى (۳/۲۸۴)
– وقال ابن القیم رحمه الله ، فی زاد المعاد ( فصل فی الإشاره إلى ما فی فتح مکه من الفقه): ( وفیها أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والکفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودینه لا لهواه وحظه ، فإنه لا یکفر بذلک ، بل لا یأثم به ، بل یثاب على نیته وقصده ، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع ، فإنهم یُکفرون ویبدعون لمخالفه أهوائهم وبدعهم ونحلهم ، وهم أولى بذلک ممن کفروه وبدعوه ) أهـ (۳/۴۲۳)
– وقال الحافظ فی الفتح فی کتاب الصلاه ( ۱/۵۲۳) فی فوائد الحدیث الذی فیه قول القائل عن مالک بن الدخشن إنه منافق یجادل عن المنافقین: ( وان من نسب من یظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرینه تقوم عنده ، لا یکفر بذلک ولا یفسق بل یعذر بالتأویل ) أهـ.
– وقال الشیخ عبد الرحمن بن حسن بن الشیخ محمد بن عبد الوهاب فی (الدرر السنیه ): ( لو قدر أن رجلاً من المسلمین قال فی أناس قد تلطخوا بأمور قد نص العلماء على أنها کفر ، مستندین فی ذلک إلى الکتاب والسنه ، غیره لله ، وکراهه لما یکره الله من تلک الأعمال ، فغیر جائز لأحد أن یقول فی حقه: (ومن کفر مسلماً فهو کافر ) أهـ ص۱۳۲ من جزء الجهاد.
– وجاء فی الجزء نفسه ص۱۷۴ أن المتوکل لما قال لابن الزیات: یا ابن الفاعله وقذف أمه.. قال الإمام أحمد رحمه الله: أرجو الله أن یغفر له ، نظراً لحسن قصده فی نصر السنه وقمع البدعه.

الفصل الثانی

شروط وموانع وأسباب التکفیر

[۲]
فصل فی
شروط وموانع وأسباب التکفیر
هذا واعلم رحمنا الله تعالى وإیاک أن لهذا الحکم الشرعی الخطیر … شروطاً وموانع وأسباباً یجب علیک مراعاتها والإنتباه إلیها ومعرفتها فقد قصر فی فهمها وتعلمها واعتباراها أقوام ، فأعملوا سیوف التکفیر وأسنته فی أمه محمد صلى الله علیه وسلم … ولم یمیزوا بین برها وفاجرها وکافرها..
مع أنه من المعلوم المقرر عند العلماء المحققین ، ( أن نصوص الوعید التی فی الکتاب والسنه ، ونصوص الأئمه بالتکفیر والتفسیق ونحو ذلک ، لا یستلزم ثبوت موجبها فی حق المعین ، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، لا فرق فی ذلک بین الأصول والفروع.. )(۱)
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیه ( أن المقاله التی هی کفر بالکتاب والسنه والإجماع یقال هی کفر قولاً یطلق ، کما دل على ذلک الدلائل الشرعیه ، فإن الإیمان من الأحکام المتلقاه عن الله ورسوله ، لیس ذلک مما یحکم فیه الناس بظنونهم وأهوائهم ، ولا یجب أن یحکم فی کل شخص قال ذلک بأنه کافر حتى یثبت فی حقه شروط التکفیر ، وتنتفی موانعه.. ) أهـ. من مجموع الفتاوی (۳۵/۱۰۱)
وقد ذکر رحمه الله تعالى (۱۲/۲۶۶) أصلین عظیمین فی باب التکفیر:
– أحدهما: أن العلم والإیمان والهدى فیما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم ، وأن خلاف ذلک کفر على الإطلاق ، فنفی الصفات کفر ، والتکذیب بأن الله یُرى فی الآخره ، أو أنه على العرش أو أن القرآن کلامه أو أنه کلم موسى أو أنه اتخذ ابراهیم خلیلا؛ کفر…
– والأصل الثانی: أن تکفیر العام – کالوعید العام – یجب القول بإطلاقه وعمومه ، وأما الحکم على المعین بأنه کافر ، أو مشهود له بالنار ، فهذا یقف على الدلیل المعین ، فإن الحکم یقف على ثبوت شروطه ، وانتفاء موانعه …) أهـ
کما ذکر رحمه الله تعالى نزاع المتأخرین فی کفر الجهمیه ونحوهم ، هل هو کفر ناقل عن المله أم لا ، ونزاعهم فی خلودهم فی النار.. ثم قال: ( وحقیقه الأمر أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمه ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشرع، کلما رأوهم قالوا: ( من قال کذا فهو کافر ) اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامه الأئمه الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم بهذا الکلام بعینه …)
ثم ذکر مباشره الإمام أحمد للجهمیه الذین فتنوا الناس على القول بخلق القرآن ، و ذکر تعذیبهم له ولغیره.. ثم بین دعاء الإمام أحمد للخلیفه واستغفاره لمن ضربه وحبسه.. قال: ( ولو کانوا مرتدین عن الإسلام لم یجز الإستغفار لهم ، فإن الإستغفار للکفار لا یجوز …) إلى قوله:
(… وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غیره من الأئمه صریحه فی أنهم لم یکفروا المعینین من الجهمیه ، الذین یقولون القرآن مخلوق ، وإن الله لا یرى فی الآخره ، وقد نقل عن أحمد ما یدل على أنه کفر به قوماً معینین ، فإما أن یذکر عنه فی المسأله روایتان ففیه نظر.
أو یحمل الأمر على التفصیل ، فیقال من کفره بعینه فلقیام الدلیل على أنه وجدت فیه شروط التکفیر ، وانتفت موانعه ، ومن لم یکفره بعینه فلانتفاء ذلک فی حقه ،(۲) هذا مع إطلاق قوله بالتکفیر على سبیل العموم ) أهـ مجموع الفتاوى (۱۲/۲۶۱-۲۶۲).
ثم شرع فی سرد الأدله على بعض موانع التکفیر..
أضف إلى هذا أن الشارع قد ربط الأحکام الشرعیه – ومن ذلک التکفیر- بأسبابها الظاهره المنضبطه وجوداً وعدماً .. فالحکم فی الشریعه یدور مع علته أو سببه حیث دار ، ولا یوجد إلا بوجوده..
ولکی تکون على البینه من دینک فی هذا الأمر الخطیر ، فها أنا أسرد لک هنا شروط وموانع وأسباب التکفیر على وجه الإجمال ، وسیأتی المزید من التفصیل والتمثیل لذلک فی فصل أخطاء التکفیر ، إذا هو تطبیق وتفصیل لذلک.

شروط وموانع التکفیر
• أولاً: الشـروط:
– الشرط شرعاً: (هو ما لا یلزم من وجوده وجود ولا عدم ، لکن یلزم من عدمه عدم المشروط ).
أو قل ، هو فی موضوعنا ، ما یتوقف وجود الحکم بالتکفیر على وجوده ، فلا یلزم من وجوده وجود الحکم ، ولکن یلزم من عدمه عدم الحکم بالتکفیر أو بطلانه.
فالإختیار مثلاً ، شرط من شروط التکفیر ، (وهو یقابل مانع الإکراه ) ، فإذا عدم الإختیار عدم الحکم بالتکفیر ، ولا یلزم من وجود الإختیار أن یقع المرء بالکفر ویختاره.
وتنقسم شروط التکفیر ، ثلاثه أقسام:
– القسم الأول: شروط فی الفاعل ؛ وهی أن یکون:
۱- مکلفاً (بالغاً ،عاقلاً )
۲- متعمداً قاصداً لفعله.
۳- مختاراً له بإرادته.
وهذا القسم سیأتی الکلام علیه فیما یقابله من الموانع ، إذا الموانع تقابل الشروط کما سیأتی.
القسم الثانی: شروط فی الفعل (الذی هو سبب الحکم وعلته)
ویجمعها ؛ أن یکون الفعل مکفراً بلا شبهه:
۱- أن یکون فعل المکلف أو قوله صریح الدلاله على الکفر.
۲- وأن یکون الدلیل الشرعی المکفر لذلک الفعل أو القول صریح الدلاله على التکفیر أیضاً..
وهذا القسم بشرطیه سیأتی بیانه وذکر أمثله علیه فی ( أخطاء التکفیر ) فی التکفیر بالمحتملات.
– القسم الثالث: شروط فی إثبات فعل المکلف ، وذلک بأن یثبت بطریق شرعی صحیح ، لا بظن ، ولا بتخرص ولا بالاحتمالات أو بالشکوک..
– ویکون ذلک:
– أما بالإقرار ، أی الإعتراف.
– أو بالبینه: شهاده عدلین.
وسیأتی الکلام علیه فی أخطاء التکفیر أیضاً
• ثانیاً: الموانع:
– فالمانع وصف ظاهر منضبط یلزم من وجوده عدم الحکم ، ولا یلزم من عدمه وجود الحکم أو عدمه )
– فالإکراه مانع من موانع التکفیر ، فیلزم من وجوده –أی إن أکره المرء على الکفر – عدم الحکم بالکفر أو بطلانه ، ولا یلزم من عدم وجود الإکراه أن یوجد ، أو لا یوجد الکفر.. أی: لا یلزم فی حال اختیار المکلف وعدم وقوعه تحت الإکراه ، أن یفعل أو لا یفعل الکفر ، بل قد یفعل أو قد لا یفعل.
وبتعبیر آخر ، المانع ( هو الوصف الوجودی الظاهر المنضبط الذی یمنع ثبوت الحکم )(۳)
– والموانع ضد الشروط ، أو مقابله لها ، فیجوز أن یکتفى فی الذکر بالموانع وحدها ، أو بالشروط وحدها، فما کان عدمه شرطاً فوجوده مانع.
– فعدم الشرط مانع من موانع الحکم ، وعدم المانع شرط من شروطه ، هذا عند جمهور الأصولیین. (۴)
– ولذلک فالموانع أیضاً تنقسم کالشروط إلى ثلاثه أقسام ، تقابل تماماً أقسام الشروط:

• القسم الأول: موانع فی الفاعل:
وهی ما یعرض له فیجعله لا یؤاخذ بأقواله وأفعاله، وهی التی تعرف (بعوارض الأهلیه ) وهی قسمان:
– أ – عوارض یسمونها سماویه لأنها لا دخل للعبد فی کسبها ، کالصغر والجنون والعته والنسیان، فهذه العوارض ترفع الإثم والعقوبات عن صاحبها لارتفاع خطاب التکلیف عنه بها.
وإنما یؤاخذ بحقوق العباد ، کقیم المتلفات والدیات ونحوها ، لأنه من خطاب الوضع.
ویقابل هذه العوارض أو الموانع من الشروط:
شرط البلوغ ویقابل عارض الصغر
وشرط العقل ویقابل الجنون والعته
وشرط العمد ویقابل النسیان.
-ب- عوارض مکتسبه: وهی التی للعبد نوع اختیار فی اکتسابها:
(۱) الخطأ: بما یؤدی إلى سبق اللسان ( أی: انتفاء القصد) فینطق بالکفر وهو لا یقصد ولا یرید القول أو العمل المکفر نفسه ، بل یقصد شیئاً غیره.
وهذا العارض أو المانع یبطل ما یقابله من شرط العمد.
ودلیله قوله تعالى (( ولیس علیکم جناح فیما أخطأتم به ، ولکن ما تعمدت قلوبکم)) (۵۰) الأحزاب ، ویدل علیه أیضاً حدیث الرجل الذی أضل راحلته فی أرض قفر ، فلما وجدها قال: ( اللهم أنت عبدی وأنا ربک) ( أخطأ من شده الفرح) کما قال صلى الله علیه وسلم. (۵)
وقال شیخ الإسلام ابن تیمیه: ( ولیس لأحد أن یکفر أحداً من المسلمین – وإن أخطأ وغلط- حتى تقام علیه الحجه ، وتبین له المحجه ، ومن ثبت إسلامه بیقین لم یزل ذلک عنه بالشک ، بل لا یزول إلا بعد إقامه الحجه وإزاله الشبهه ) أهـ مجموع الفتاوی (۱۲/۲۵۰)
وقد تکلم ابن القیم رحمه الله تعالى فی اعلام الموقعین (۳/۶۵-۶۶) عن هذا المانع وقرر أن انتفاء القصد مانع من موانع التکفیر المعتبره ، واستدل بقول حمزه رضی الله عنه للنبی صلى الله علیه وسلم: ( هل أنتم إلا أعبد لأبی )(۶) قال: ( وکان نشواناً فی الخمر ، فلم یکفره صلى الله علیه وسلم بذلک ، وکذلک الصحابی الذی قرأ قل یا أیها الکافرون أعبد ما تعبدون ، ونحن نعبد ما تعبدون ) وکان ذلک قبل تحریم الخمر (۷). ولم یعد بذلک کافراً لعدم القصد ، وجریان اللفظ على اللسان من غیر إراده لمعناه.
فإیاک أن تهمل قصد المتکلم ونیته وعرفه ، فتجنی علیه وعلى الشریعه وتنسب إلیها ما هی بریئه منه. ) أهـ ص۶۶
وقال أیضاً فیه (۳/۱۱۷): ( ولم یرتب { أی الشارع } تلک الأحکام على مجرد ما فی النفوس من غیر دلاله فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتکلم بها لم یرد معانیها ولم یحط بها علماً ، بل تجاوز للأمه عما حدثت به أنفسها ، ما لم تعمل به أو تکلم به ، وتجاوز لها عما تکلمت به مخطئه أو ناسیه أو مکرهه أو غیر عالمه به ، إذا لم تکن مریده لمعنى ما تکلمت به أو قاصده إلیه ، فإذا اجتمع القصد والدلاله القولیه أو الفعلیه ترتب الحکم ، هذه قاعده شرعیه وهی من مقتضیات عدل الله وحکمته ورحمته ) أهـ
• فائده: یمکن أن یستدل لمانع (انتفاء القصد ) أیضاً بما هو ثابت من اغتفار ما صدر عن بعض نساء النبی صلى الله علیه و سلم بحقه بدافع الغیره ؛ من أقوال لا یجوز لأحد إطلاقها بحقه صلى الله علیه وسلم.
– فمن ذلک ما رواه البخاری فی باب ( هل للمرأه أن تهب نفسها لأحد ) من کتاب النکاح ، وفیه أنه لما نزل قوله تعالى (( ترجی من تشاء منهن )): قالت عائشه: ( یا رسول الله ما أرى ربک إلا یسارع فی هواک ).
قال الحافظ ابن حجر فی الفتح: ( أی فی رضاک ، قال القرطبی هذا القول أبرزه الدلال والغیره وهو من نوع قولها: (ما أحمدکما ولا أحمد إلا الله ) وإلا فإضافه الهوى إلى النبی صلى الله علیه وسلم لا تحمل على ظاهره لأنه لا ینطق عن الهوى ولا یفعل بالهوى. ولو قالت إلى مرضاتک لکان ألیق ، ولکن الغیره یغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلک ) أهـ.
– ومثله ما رواه أیضاً فی کتاب الهبه وفضلها ، باب (من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض ) وفیه قول زینب بنت جحش للنبی صلى الله علیه وسلم: ( إن نساءک ینشدنک الله ، العدل فی بنت أبی قحافه …) فلیس هذا من جنس الطعن والأذى الذی کان دافعاً لذی الخویصره لما قال للنبی صلى الله علیه وسلم: ( إعدل ).
بل الدافع هنا فرط محبه النبی صلى الله علیه وسلم والغیره التی جبلت علیها النساء.. والشح بحظهن منه.
قال الحافظ: ( طلبت العدل مع علمها بأنه أعدل الناس ولکن غلبت علیها الغیره ولم یؤاخذها النبی صلى الله علیه وسلم بإطلاق ذلک ) أهـ.
وقد حکى القاضی عیاض فی الإکمال عن مالک وغیره ، إن المرأه إذا رمت زوجها بالفاحشه ، على جهه الغیره لا یجب علیها الحد ، قال واحتج بذلک بقوله صلى الله علیه وسلم: ( وما تدری الغیراء أعلى الوادی من أسفله ) أهـ من الإجابه لإیراد ما استدرکته عائشه على الصحابه ص۶۱٫
ویتبع هذا المانع ( إنتفاء القصد ) قول الکفر على سبیل الحکایه عن الغیر.
– کمن یقرأ کلام الکفار الذی قصه الله تعالى فی کتابه ، وقد أمر الله بتلاوه کتابه ، فلا یکفر قارئ ذلک قطعا بل یؤجر.
– وکنقل الشاهد ما سمعه من کفر للقاضی أو غیره.
– وکنقل مقالات الکفار لبیان ما فیها من الفساد أو للرد علیها ، فکل ذلک جائز أو واجب لا یکفر قائله ، ولهذا یقال: (ناقل الکفر لیس بکافر ) بخلاف من حکاه ونقله على سبیل النشر أو الإشاعه على سبیل الإستحسان والتأیید فهذا کفر لا ریب .
قال القاضی عیاض تعلیقاً على حدیث مسلم فی الذی انفلتت منه ناقته وعلیها طعامه وشرابه فی مهلکه ، ثم لما ردها الله علیه ( أخذ بخطامها ثم قال من شده الفرح: اللهم أنت عبدی وأنا ربک ، أخطأ من شده الفرح ) قال: ( فیه أن ما ناله الإنسان من مثل هذا فی حال دهشته وذهوله لا یؤاخذ به ، وکذا حکایته عنه على طریق علمی ، وفائده شرعیه ، لا على الهزل والمحاکاه والعبث ، ویدل على ذلک حکایه النبی صلى الله علیه وسلم ذلک ، ولو کان منکراً ما حکاه والله اعلم)أهـ (۹)
وقرائن الحال لها دخل فی التفریق والتمیز بین هذه الأحوال.
قال القاضی عیاض ( أن یقول القائل ذلک حاکیاً عن غیره وأثراً له عن سواه ، فهذا ینظر فی صوره حکایته مقالته ویختلف الحکم باختلاف ذلک على أربعه وجوه: الوجوب ، والندب ، والکراهه ، والتحریم ) أهـ الشفا(۲/۹۹۷-۱۰۰۳)
وقال ابن حزم: ( الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حکم له عند الله عز وجل ، لأن أحدنا یلفظ بالکفر حاکیاً وقارئاً له فی القرآن ، فلا یکون بذلک کافراً حتى یقر أنه عقده. قال: فإن احتج بهذا أهل المقاله الأُول – یعنی المرجئه والجهمیه – وقالوا هذا یشهد بأن الإعلان بالکفر لیس کفرا ، قلنا له وبالله تعالى التوفیق: قد قلنا إن التسمیه لیست لنا ، وإنما هی لله تعالى ، فلما امرنا تعالى بتلاوه القرآن ، وقد حکا لنا فیه قول أهل الکفر ، وأخبرنا تعالى انه لا یرضى لعباده الکفر ؛ خرج القارئ للقرآن بذلک عن الکفر إلى رضى الله عز وجل والإیمان ، بحکایته ما نص الله تعالى.
{ و لما أمر الله تعالى } (۱۰) بأداء الشهاده بالحق فقال تعالى: (( إلا من شهد بالحق وهم یعلمون )) خرج الشاهد المخبر عن الکافر بکفره عن أن یکون بذلک کافرا ؛ إلى رضى الله عز وجل والإیمان … ) أهـ. من الفصل ( ۳/۲۴۹-۲۵۰)
– ومن ذلک أیضاً أن یتکلم الإنسان بکلام أو ینطق لفظاً لا یعرف معناه فإنه لا یؤاخذ بذلک حتى یعرف فیتکلم به قاصداً بمعناه بعد قیام الحجه..
ففی (قواعد الأحکام فی مصالح الأنام ) للعز بن عبد السلام ( فصل فیمن أطلق لفظاً لا یعرف معناه لم یؤاخذ بمقتضاه ) قال رحمه الله: ( فإذا نطق الأعجمی بکلمه کفر أو إیمان أو طلاق أو إعتاق أو بیع أو شراء أو صلح أو إبراء لم یؤاخذ بشیء من ذلک ، لأنه لم یلتزم مقتضاه ولم یقصد إلیه ، وکذلک إذا نطق العربی بما یدل على هذه المعانی بلفظ أعجمی لا یعرف معناه ، فإنه لا یؤاخذ بشیء من ذلک ، لأنه لم یریده فإن الإراده لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون ، وإن قصد العربی بنطق شیء من هذه الکلم مع معرفته بمعانیها نفذ ذلک منه ، فإن کان لا یعرف معانیها ، مثل أن قال العربی لزوجته أنت طالق للسنه أو للبدعه وهی حامل(۱۱) بمعنى اللفظین ، أو نطق بلفظ الخلع أو غیره أو الرجعه أو النکاح أو الإعتاق وهو لا یعرف معناها مع کونه عربیاً فإنه لا یؤاخذ بشیء من ذلک ، إذ لا شعور له بمدلوله حتى یقصد إلى اللفظ الدال علیه ) أهـ. (۲/۱۰۲).
وانظر أیضاً لابن القیم فی إعلام الموقعین (۳/۷۵): ( لو نطق بکلمه الکفر من لا یعلم معناها لم یکفر).
حیث قال وهو یتکلم فی إطلاق ألفاظ الطلاق وأهمیه وجود القصد فیها لنفاذ الطلاق: ( وأنها لا تلزم بها أحکامها حتى یکون المتکلم بها قاصدا لها مریدا لموجباتها ،کما أنه لا بد أن یکون قاصداً للتکلم باللفظ مریداً له ، فلا بد من إرادتین:
– إراده التکلم باللفظ اختیاراً (۱۲)
– وإراده موجبه ومقتضاه. (۱۳)
بل إراده المعنى آکد من إراده اللفظ ، فإنه المقصود ، واللفظ وسیله ، وهو قول أئمه الفتوى من علماء الإسلام ) ، إلى قوله: ( وقال أصحاب أحمد لو قال الأعجمی لامرأته أنت طالق وهو لا یفهم معنى هذا اللفظ ، لم تطلق ، لأنه لیس مختاراً للطلاق ، فلم یقع طلاق کالمکره ، قالوا: فلو نوى موجبه عند أهل العربیه(۱۴) لم یقع أیضاً لأنه لا یصح منه اختیار ما لا یعلمه ، وکذلک لو نطق بکلمه الکفر من لا یعلم معناها لا یکفر. وفی مصنف وکیع أن عمر بن الخطاب قضى فی امرأه قالت لزوجها: سمنی ، فسماها الطیبه ، فقالت: لا ، فقال لها ماذا تریدین أن أسمیک ؟ قالت: سمنی (خلیه طالق). فقال لها: أنت خلیه طالق ، فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجی طلقنی ، فجاء زوجها فقص علیه القصه ، فأوجع عمر رأسها ، وقال لزوجها: خذ بیدها وأوجع رأسها.
وهذا هو الفقه الذی یدخل على القلوب بغیر استئذان ، وإن تلفظ بصریح الطلاق وقد تقدم أن الذی قال لما وجد راحلته ( اللهم أنت عبدی وأنا ربک ) أخطأ من شده الفرح ، لم یکفر بذلک وإن أتى بصریح الکفر ، لکونه لم یرده ) أهـ (۳/۷۶) وانظر أیضاً (۴/۲۲۹)
• تنبیه:
ومن هذا تعرف أننا لا نعنی بانتفاء القصد کمانع ما یشترطه کثیر من مرجئه العصر کشرط تعجیزی للتکفیر ، یعتذرون به لکل طاغوت وزندیق ومرتد ، وهی دعوى ان الإنسان لا یکفر حتى وإن اتى فعلاً أو قولاً مکفراً –عامداً – حتى ینوی ویقصد بذلک الخروج من الدین والکفر به.
وإنما نعنی بمانع انتفاء القصد ؛ ( الخطأ ) الذی یقابل العمد فی شروط التکفیر ، أو عدم إراده الفعل أو القول المکفر نفسه ، وإراده شیء آخر غیره … کحکایته والتحذیر منه، أو یقوله وهو لا یعرف مدلوله ونحو ذلک مما تقدم..
أما إراده الخروج من الدین ، والکفر بذلک الفعل أو القول ، فقّل من یریده أو یصرح به أو یقصده ، حتى الیهود والنصارى ، لو سئلوا ؛ هل یریدون الکفر ویقصدونه بقولهم إن المسیح أو العزیز ابن الله ، أو نحو ذلک من کفریاتهم ؟ لأنکروا ذلک ولنفوا إرادتهم للکفر..
وکذلک حال کثیر من الکفار الذین یحسبون أنهم یحسنون صنعا.. فأکثر الطواغیت وأنصارهم الیوم ، إذا ما عددنا علیهم کفریاتهم ، أنکروا ذلک ، وأبوا أن یقروا بالکفر أو بإرادته أو بقصد الخروج من الدین ، بل یبادرون بتأکید انهم مسلمون ، ویحتجون بأنهم یصلون ویشهدون أن لا إله إلا الله …
وکذلک شأن کفار قریش ، لم یقروا قط بکفرهم ، أو بإرادتهم للکفر بعبادتهم للأوثان بل قالوا (( ما نعبدهم إلا لیقربونا إلى الله زلفى )).. وعلى العکس ، فقد کانوا یرمون رسول الله صلى الله علیه وسلم ومن على دینه بالکفر ، فسموه (الصابئ ) وهکذا حال أکثر الکفار إلا ما شاء الله..
-کما قال شیخ الإسلام ابن تیمیه فی الصارم المسلول ص۱۷۷-۱۷۸: ( وبالجمله فمن قال وفعل ما هو کفر ، کفر بذلک ، وإن لم یقصد أن یکون کافراً ، إذا لا یقصد الکفر أحداً إلا ما شاء الله ) أهـ.
وقال أیضاً فیه ص(۳۷۰): ( والغرض هنا أنه کما أن الرده تتجرد عن السب ، فکذلک تتجرد عن قصد تبدیل الدین وإراده التکذیب بالرساله ، کما تجرد کفر إبلیس عن قصد التکذیب بالربوبیه ؛ وإن کان عدم هذا القصد لا ینفعه ، کما لا ینفع من قال الکفر أن لا یقصد الکفر ) أهـ.
وقد اخبر الله تعالى عن اکثر الکفار أنهم یحسبون أنهم یحسنون صنعا ، بل یرون أنهم أهدى من الذین آمنوا سبیلا.
فمن ذلک قوله تعالى: ((قل هل ننبئکم بالأخسرین أعمالا الذین ضل سعیهم فی الحیاه الدنیا وهم یحسبون انهم یحسنون صنعا ، أولئک الذین کفروا بآیات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقیم لهم یوم القیامه وزنا)) (۱۰۳-۱۰۵) الکهف.
– یقول ابن جریر الطبری فی تفسیره: ( وهذا من أدل الدلائل على خطأ من زعم أنه لا یکفر بالله أحد إلا من حیث یقصد إلى الکفر بعد العلم بوحدانیته.. )
إلى قوله: ( ولو کان القول کما قال الذین زعموا أنه لا یکفر بالله أحد إلا من حیث یعلم لوجب أن یکون هؤلاء القوم فی عملهم الذی أخبر الله عنهم أنهم کانوا یحسبون فیه أنهم یحسنون صنعه مثابین مأجورین علیه ، ولکن القول بخلاف ما قالوا ؛ فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله کفره وأن أعمالهم حابطه ) أهـ ص ۴۴-۴۵ . (ط. دار الفکر )
– وقال رحمه الله تعالى فی تهذیب الآثار بعد أن سرد بعض الأحادیث التی تذکر الخوارج: ( فیه الرد على قول من قال لا یخرج أحد من الإسلام من أهل القبله بعد استحقاقه حکمه إلا بقصد الخروج منه عالماً ) أهـ نقلاً عن فتح الباری ( کتاب استتابه المرتدین.. ) (باب من ترک قتال الخوارج.. )
– وقال ابن حجر فی الباب نفسه: ( وفیه أن من المسلمین من یخرج من الدین من غیر أن یقصد الخروج منه ، ومن غیر أن یختار دیناً على الإسلام ) أهـ
وسیأتی مزید کلام على هذا فی فصل أخطاء التکفیر.
– والخلاصه هنا ؛ أن العبره فی اشتراط العمد والقصد وانتفاءه کمانع من موانع التکفیر أن یقصد إتیان الفعل المکفر ، لا أن یقصد الکفر به.
(۲) التأویل:
والمراد به هنا وضع الدلیل الشرعی فی غیر موضعه باجتهاد ، أو شبهه تنشأ عن عدم فهم دلاله النص ، أو فهمه فهما خاطئا ظنه حقا ، أو ظن غیر الدلیل دلیلا ، کالاستدلال بحدیث ضعیف ظنه صحیحا ، فیقدم المکلف على فعل الکفر وهو لا یراه کفرا ، فینتفی بذلک ؛ (شرط العمد ) ، ویکون الخطأ فی التأویل مانعاً من التکفیر ، فإذا أقیمت الحجه علیه وبین خطؤه فأصر على فعله کفر حینئذ.
ودلیل هذا إجماع الصحابه على اعتبار هذا النوع من التأویل من باب الخطأ الذی غفره الله تعالى بالأدله المتقدمه – وذلک فی حادثه قدامه بن مظعون حیث شرب الخمر مع جماعه مستدلاً بقوله تعالى: (( لیس على الذین أمنوا وعملوا الصالحات جناح فیما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله یحب المحسنین )) ۹۳ المائده ، کما روى ذلک عبد الرزاق فی مصنفه … وکان قدامه قد استعمله عمر على البحرین ، فلما شهد علیه أبو هریره وغیره وشهدت معهم امرأه قدامه أیضاً أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله ، ولما أراد أن یحده استدل بالآیه المذکوره فقال عمر: أخطأت التأویل ( أخطأت استک الحفره )… قال ابن تیمیه فی الصارم: ( حتى أجمع رأی عمر وأهل الشورى أن یستتاب هو وأصحابه ، فإن أقروا بالتحریم جلدوا وإن لم یقروا به کفروا ) أهـ ص۵۳۰ … ثم إن عمر بین له غلطه وقال له: ( أما إنک لو اتقیت لاجتنبت ما حرم علیک ، ولم تشرب الخمر.. )
فرجع ، ولم یکفره بذلک ، بل اکتفى بإقامه حد الخمر علیه ، ولم یخالفه أحد من الصحابه بذلک.
وفی هذا یقول شیخ الإسلام ابن تیمیه: ( وأما من لم تقم علیه الحجه مثل أن یکون حدیث عهد بالإسلام أو نشأ ببادیه بعیده لم تبلغه فیها شرائع الإسلام ونحو ذلک ، أو غلط فظن أن الذین آمنوا وعملوا الصالحات یستثنون من تحریم الخمر، کما غلط فی ذلک الذین استتابهم عمر وأمثال ذلک ، فإنهم یستتابون وتقام الحجه علیهم فإن أصروا کفروا حینئذ ، ولا یحکم بکفرهم قبل ذلک کما لم یحکم الصحابه بکفر قدامه بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فیما غلطوا فیه من التأویل ) أ هـ. مجموع الفتاوی (۷/۶۰۹-۶۱۰)
ویقول أیضاً: ( فالمتأول والجاهل المعذور لیس حکمه حکم المعاند والفاجر ، بل قد جعل الله لکل شیء قدراً ) أهـ مجموع الفتاوی (۳/۱۸۰)
فمذهب السلف عدم تکفیر المتأولین من أهل القبله..
أهل القبله یدخل فیهم اضافه إلى المسلم السنی ؛ الفاسق الملی أهل الأهواء أهل التأویل..
اما الخوارج والمعتزله ومن سار على دربهم کالزیدیه وبعض المتکلمین کالشهرستانی فی الملل والنحل فلا یدخلون المتأولین فی أهل القبله.
وقد تقدم ما نقله القاضی عیاض فی (فصل تحقیق القول فی إکفار المتأولین ) من کتابه الشفا (۲/۲۷۷) عن العلماء المحققین قولهم: ( إنه یجب الاحتراز من التکفیر فی أهل التأویل ، فإن استباحه دماء المصلین الموحدین خطر.. . ) وستأتی الإشاره إلى ما ذکره أیضا فی الشفا عمن لا یکفر من أضاف إلى الله ما لا یلیق به لا على جهه السب والرده ، ولکن على طریق التأویل أونفی الصفه بدعوى التنزیه ونحوه..
ویقول ابن الوزیر: ( قوله تعالى فی هذه الایه الکریمه (( ولکن من شرح بالکفر صدراً )) یؤید أن المتأولین غیر الکفار ، لأن صدورهم لم تنشرح بالکفر قطعا أو ظناً ، أو تجویزاً أو احتمالاً )اهـ. إیثار الحق على الخلق ص (۴۳۷)
وأما ما یدفع به بعض الزنادقه والملاحده ، کفرهم الصریح من سفسطه وتمویه وتلاعب بالدین ، فهو وإن سماه بعض الجهله تأویلاً.. إلا انه مردود وغیر مستساغ ولا مقبول ، وذلک لصراحه کفرهم ووضوحه.. والعبره للمعانی والحقائق ، لا للأسماء والألفاظ التی یتلاعب بها کثیر من أهل الأهواء.. فکم من باطل زخرفه أصحابه لیعارض به الشرع.
ولذلک نقل القاضی عیاض فی الشفا قول العلماء: ( إدعاء التأویل فی لفظ صراح لا یقبل ) أهـ (۲/۲۱۷)
ونص علیه شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ص (۵۲۷)
فمن عرفت واشتهرت زندقته وتلاعبه بأدله الشرع ، أو کان یتعاطى من أسباب الکفر ما هو صریح وواضح ولا یحتمل التأویل ، لم تقبل منه دعوى التأویل فلیس ثم إجتهاد وتأویل یسوغ تعاطی الکفر الصریح.. فإنه لا تخلو حجه کافر من الکافرین من تأویلات فاسده یرقع بها کفره..
ولذا قال ابن حزم: ( ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله علیه وسلم ، من طریق ثابته ، وهو مسلم فتأول فی خلافه إیاه ، أو ربما بلغه بنص آخر ، فلم تقم علیه الحجه فی خطئه فی ترک ما ترک ، وفی الأخذ بما أخذ فهو مأجور معذور ، لقصده إلى الحق ، وجهله به ، وإن قامت علیه الحجه فی ذلک فعاند ، فلا تأویل بعد قیام الحجه ) أهـ الدره (۴۱۴)
ویقول: ( وأما من کان من غیر أهل الإسلام من نصرانی أو یهودی أو مجوسی ، أو سائر الملل ، أو الباطنیه القائلین بإلاهیه إنسان من الناس ، أو بنبوه أحد من الناس ، بعد الرسول صلى الله علیه وسلم ، فلا یعذرون بتأویل أصلاً ، بل هم کفار مشرکون على کل حال ) أهـ الدره فیما یجب اعتقاده ص (۴۴۱).
فیجب التنبه إلى أن قدامه الذی عذر بالتأویل ، کان الأصل فیه الإسلام والصلاح ، فقد کان صحابیاً بدریاً ، وهو خال عبد الله بن عمر وحفصه أم المؤمنین ، وکانت تحته صفیه بنت الخطاب أخت عمر ، روى ابن عبد البر فی الاستیعاب (۳/۳۴۱) بإسناده عن أیوب بن أبی تمیمه قال: ( لم یحد فی الخمر من أهل بدر إلا قدامه بن مظعون ) أهـ
ولذلک قال شیخ الإسلام بعد ما ذکر حدیث الرجل الذی أوصى بنیه عند موته بحرق جثمانه قال: ( والمتأول من أهل الاجتهاد الحریص على متابعه الرسول صلى الله علیه وسلم أولى من المغفره من مثل هذا ) أهـ (۳/۱۴۸)
وقد ذکر القاضی عیاض فی الشفا (۲/۲۷۲وما بعدها ) خلاف السلف فی تکفیر من أضاف إلى الله تعالى ما لا یلیق به لا على طریق السب والرده ،بل على طریق التأویل والاجتهاد والخطأ المفضی إلى الهوى والبدعه.
والصواب ما فصله العلماء فی ذلک بین التأویل الذی له مسوغ فی لغه العرب ، کأن یؤول صفه الید لله تعالى بالنعمه أو القوه ، فهذا لا یوجب الکفر ، رغم مخالفته للحق الذی کان علیه السلف ، لأن فی لغه العرب إطلاق القوه والنعمه على الید ؛ لذلک عذر المتأول فیه رغم خطئه وانحرافه عن ظاهر نصوص الشرع ، وبین التأویل الذی لا مسوغ له ، کمن أوّل قوله تعالى (( بل یداه مبسوطتان)) مثلاً ، بالحسن والحسین أو بالسماوات والأرض ، فهذا یوجب الکفر لأنه لا یصح فی لغه العرب إطلاق الید على مثل ذلک.
ولیس ثم نص شرعی یوجب نقل الحقیقه اللغویه إلى حقیقه شرعیه خاصه.. فهو على ذلک من التلاعب فی دین الله والإلحاد فی أسمائه سبحانه ، ولیس من التأویل الذی یعذر صاحبه فی شیء.
فتأمل التفریق فإنه مهم..
وعلى هذا فما کان من التأویل ناشئاً عن محض الرأی والهوى ، دون استناد إلى دلیل شرعی ، ولا هو بمستساغ فی لغه العرب ، فإنه لیس من الاجتهاد فی شیء ، بل هو من التأویل الباطل المردود الذی لا یعذر صاحبه ، إذ هو تلاعب بالنصوص ، وتحریف للدین ، عبر عنه بمسمى التأویل، ولذا قال ابن الوزیر: ( لا خلاف فی کفر من جحد ذلک المعلوم ؛ بالضروره للجمیع ، وتستر باسم التأویل فیما لا یمکن تأویله ، کالملاحده فی تأویل جمیع الأسماء الحسنى ، بل جمیع القرآن والشرائع والمعاد الأخروی من البعث والقیامه والجنه والنار ) أهـ إیثار الحق على الخلق ص(۴۱۵).
ومن ذلک قطعاً أصل التوحید ، الذی یتضمن تجرید العباده لله وحده بکافه أنواع العباده ، فنقض هذا الأصل بدعوى التأویل الذی یسوغ الإشراک بالله تعالى واتخاذ الأنداد معه من أوضح الباطل ؛ الذی بعثت الرسل کافه بإبطاله وإنکاره..
وقد نص العلماء على أن صرف اللفظ عن ظاهره بغیر دلیل شرعی ، لیس من التأویل المستساغ بحال ، إذ بذلک تسلط المتأخرون على النصوص ، وقالوا نحن نتأول ، فسموا التحریف تأویلاً ، تزییناً وزخرفه لیقبل منهم (۱۵)… وقد ذم الله تعالى من یزخرف الباطل ویزینه لیلبس أمره على الناس فقال تعالى:
((وکذلک جعلنا لکل نبی عدواً شیاطین الإنس والجن یوحی بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا)) الأنعام (۱۱۲).
• وعلى کل الأحوال فإن الخطأ فی التأویل یسقط کمانع من موانع التکفیر ، بإقامه الحجه على المتأول.
(۳) مانع الجهل:
وإنما یکون مانعا وعذرا إن کان من الجهل الذی لا یتمکن المکلف من دفعه أو إزالته …
أما ما کان متمکناً من إزالته ، فقصر وأعرض ولم یفعل فهو جهل من کسبه غیر معذور به ، ویعتبر کالعالم به حُکماً ، وإن لم یکن عالماً فی الحقیقه.. فإن هذا هو حال المعرض عن دین الله ، وهو من بلغه کتاب الله الذی علقت به النذاره ، فأعرض عن تعلمه أو النظر فیه ، لمعرفه أهم المهمات التی خلقه الله من أجلها … قال تعالى (( فما لهم عن التذکره معرضین کأنهم حمر مستنفره فرت من قسوره )) وقال تعالى: ((وأوحی إلی هذا القرآن لأنذرکم به ومن بلغ ))
فمن بلغه القرآن ، ووصلته التذکره فأعرض عن التوحید ، وارتکس فی حمأه الشرک والتندید ، فهذا لا یعذر بجهله لأنه هو الذی کسبه بإعراضه.. والعلماء متفقون على عدم عذر المعرض إن تمکن من العلم ، وإنما الخلاف بینهم فی عذر من لم یتمکن من ذلک ، وهو خلاف عدیم الجدوى فیما نحن فیه ، لأن دین الله قد بلغ الآفاق ، وکتاب الله بل وسنه رسوله صلى الله علیه وسلم المبینه له ، محفوظان ، ومظنه تعلم ذلک کله موجوده میسره لکل أحد ، فلم یبق والحال کذلک إلا جهل الإعراض ، خصوصاً فیما اشتهر من دین الإسلام وعرف وذاع وشاع لیس بین المسلمین فقط ، بل وحتى بین الیهود والنصارى وغیرهم ؛ کالتوحید الذی هو أصل دین الإسلام وقطب رحاه.
ولذلک نص العلماء فی قواعدهم الشرعیه کما قال القرافی (۶۸۴هـ): ( ان کل جهل یمکن المکلف دفعه ، لا یکون حجه للجاهل ) أنظر الفروق (۴/۲۶۴) وأیضاً (۲/۱۴۹-۱۵۱).
ویقول ابن اللحام: ( جاهل الحکم إنما یعذر إذا لم یقصر أو یفرط فی تعلم الحکم،أما إذا قصر أو فرط فلا یعذر جزماً ) أهـ القواعد والفوائد الأصولیه ص (۵۸).
هذا واعلم أن مانع الجهل فیه تفصیل یطول ، وقد صنف فیه أهل عصرنا المصنفات ، ما بین إفراط وتفریط ، وقد نفاه أقوام بالکلیه ، فأخطأوا ، وکفّروا من لم یکفره الله ورسوله صلى الله علیه وسلم..
ووسعه آخرون فتعدوا حدود الله فیه ، حتى عذروا المرتدین المعاندین ، والکفره المعرضین عن دین الله ، أولئک الذین جهلوا دین الله بکسبهم وإعراضهم عنه ، واستحبابهم الحیاه الدنیا وزخرفها.. فتراهم أعلم الناس فی کل ما دق وجل من أمورها وقشورها ، بینما لا یرفعون رأساً بتعلم أهم وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه ، هذا مع توفر مظنه العلم ، والکتاب والسنه بین أیدیهم –کما قلنا- فهم ممن قال الله تعالى عنهم (( یعلمون ظاهراً من الحیاه الدنیا وهم عن الآخره هم غافلون )).
• وإنما الذی یعذر ویعتبر فی حقه هذا المانع کمانع من موانع التکفیر ، من کان عنده أصل التوحید لکن خفیت علیه بعض المسائل التی قد تشکل أو تخفى أو تحتاج إلى تعریف وبیان ، ومن جنس ذلک باب أسماء الله وصفاته ، فقد دلت أدله الشرع على عذر المخطئ فیها من أهل التوحید ، وعدم جواز تکفیره إلا بعد إقامه الحجه بالتعریف والبیان..
• کما فی حدیث الرجل الذی أسرف على نفسه فلم یعمل خیراً قط إلا التوحید(۱۶) ، فأوصى بنیه ، عند موته أن یحرقوه ویذروا رماده ، وقال لإنْ قدر الله علی لیعذبنی عذباً لا یعذبه أحد من العالمین.
وفیه جهله بسعه قدره الله وأنه سبحانه قادر على بعثه حتى وإن احترق وتفرقت أجزاؤه ، ومع هذا فقد غفر الله له لتوحیده وخشیته لله ، فدل ذلک على أن الخطأ والجهل فی مثل هذا الباب یعذر فیه الجاهل إن کان من أهل التوحید..
ولذلک نص شیخ الإسلام ابن تیمیه فی مناظرته على (العقیده الواسطیه ) التی جلها فی باب الأسماء والصفات ، وذلک لما اعترض بعض المناظرین على قوله فیها (هذا اعتقاد الفرقه الناجیه ) قال رحمه الله: ( ولیس کل من خالف فی شیء من هذا الاعتقاد یجب أن یکون هالکاً ، فإن المنازع قد یکون مجتهداً مخطئاً یغفر الله خطأه وقد لا یکون بلغه فی ذلک من العلم ما تقوم به علیه الحجه ) أهـ الفتاوى (۳/۱۱۶)
• ومن هذا الباب أیضاً اعتبار مانع الجهل فی حدیث العهد بالإسلام أو من نشأ فی بادیه بعیده یتعذر وصول تفاصیل الشرع إلیها ونحو ذلک.. فإنه یعذر فیما خفی علیه ما دام من أهل التوحید مجتنباً للشرک الأکبر والتندید.
• وقد قدمنا لک فی أول هذا الفصل تفریق شیخ الإسلام فی الفتاوى (۳۵/۱۰۱) بین تکفیر المطلق وتکفیر المعین ، وأن تکفیر المعین لا بد فیه من تبین الشروط والموانع … ثم ضرب على ذلک أمثله فقال: ( مثل من قال: إن الخمر والربا حلال ، لقرب عهده بالإسلام ، أو لنشوئه فی بادیه بعیده ، أو سمع کلاماً أنکره ولم یعتقد انه من القرآن ولا انه من أحادیث رسول الله صلى الله علیه وسلم ، کما کان بعض السلف ینکر أشیاء حتى یثبت عنده أن النبی صلى الله علیه وسلم قالها ، وکما کان الصحابه یشکون فی أشیاء مثل رؤیه الله وغیر ذلک حتى یسألوا عن ذلک رسول الله صلى الله علیه وسلم ، ومثل الذی قال: إذا أنا مت فاسحقونی ، وذرونی فی الیم ، لعلی أضل عن الله ، ونحو ذلک فإن هؤلاء لا یکفرون حتى تقوم علیهم الحجه بالرساله ، کما قال الله تعالى (( لئلا یکون للناس على الله حجه بعد الرسل )) وقد عفى الله لهذه الأمه عن الخطأ والنسیان ) أهـ.
یقول ابن حزم: ( ولا خلاف فی ان امرءاً لو أسلم – ولم یعلم شرائع الإسلام- فاعتقد أن الخمر حلال ، وأن لیس على الإنسان صلاه ، وهو لم یبلغه حکم الله تعالى لم یکن کافراً بلا خلاف یعتد به ، حتى إذا قامت علیه الحجه فتمادى حینئذ بإجماع الأمه فهو کافر ) أهـ المحلى (۱۳/۱۵۱)
وقال أیضاً فی الفصل (۴/۱۰۵): ( ومن لم یبلغه الباب من واجبات الدین فإنه معذور لا ملامه علیه ، وقد کان جعفر بن أبی طالب وأصحابه رضی الله عنهم ، بأرض الحبشه ورسول الله صلى الله علیه وسلم بالمدینه والقرآن ینزل والشرائع تشرع ، فلا یبلغ إلى جعفر وأصحابه أصلاً ، لانقطاع الطریق جمله من المدینه إلى أرض الحبشه ، وبقوا کذلک ست سنین فما ضرهم ذلک فی دینهم شیئاً ، إذا عملوا بالحرام وترکوا المفروض ) أهـ
وقال ابن قدامه فی المغنى (کتاب المرتد ) (مسأله: ومن ترک الصلاه ): ( لا خلاف بین أهل العلم فی کفر من ترکها جاحداً لوجوبها إذا کان ممن لا یجهل مثله ذلک ، فإن کان ممن لا یعرف الوجوب کحدیث العهد بالإسلام والناشئ بغیر دار الإسلام أو بادیه بعیده عن الأمصار وأهل العلم ، لم یحکم بکفره ، وعرّف ذلک ، وتثبت له أدله وجوبها فإن جحدها بعد ذلک کفر ، وأما إذا کان الجاحد لها ناشئاً فی الأمصار بین أهل العلم فإنه یکفر بمجرد جحدها ، وکذلک الحکم فی مبانی الإسلام کلها …) أهـ.
وقد استدل العلماء لذلک أیضاً بما روی فی سنن الترمذی عن أبی واقد اللیثی قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى حنین ونحن حدثاء عهد بکفر ، وللمشرکین سدره یعکفون عندها ، وینوطون بها أسلحتهم یقال لها ذات أنواط ، فقلنا یا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط کما لهم ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( الله أکبر إنها السنن ، قلتم والذی نفسی بیده کما قالت بنو اسرائیل لموسى ، اجعل لنا إلهاً کما لهم آلهه ، قال إنکم قوم تجهلون ، لترکبن سنن من قبلکم )
فاستدل من صحح هذا من العلماء على ( أن من أراد أن یفعل الشرک جهلاً فنهی فانتهى لا یکفر )(۱۷) ولیس فیه عذر المشرکین بالشرک الأکبر کما یستدل به مرجئه العصر للطواغیت وأنصارهم فإن النبی صلى الله علیه وسلم غضب لطلب الصحابه وأنکره علیهم لکنه عذرهم ولم یکفرهم …
بینما لم یعذر المشرکین فی اقترافهم للشرک..
فالصحابه طلبوا من الرسول صلى الله علیه وسلم جهلاً منهم ، لأنهم کانوا حدثاء عهد بکفر ، ظناً منهم أن الرسول صلى الله علیه وسلم له أن یجعل لهم شجره یعکفون عندها یعبدون الله.. ولم یقترفوا شرکاً ، ولا ذریعه من ذرائعه ، فیجب الوقوف بالدلیل عند حدوده ودلالاته التی یحتملها ، بأن یعذر به الجاهل ما لم یقترف الشرک الأکبر أو الکفر الواضح المستبین.
وذلک لأن الأدله الشرعیه قد دلت على أن نقض أصل التوحید بالکفر البواح أو بالشرک الصراح الواضح المستبین المعلوم بالضروره إنکاره فی دین المسلمین ، والذی لا یخفى على صبیان المسلمین ، وحتى الیهود والنصارى یعرفون أن محمدا صلى الله علیه وسلم بعث بإبطاله وهدمه ، فهذا لا یعذر الجاهل فی مثله ، خصوصاً مع إتمام الله نعمته على الأمه بحفظ کتابه الذی علق سبحانه النذاره فیه وببلوغه ،فمن بلغته النذاره ونقض أصل التوحید بالکفر أوالشرک الصراح الواضح المستبین فهو کافر بل ومعذب فی الآخره ولا یصلح الاعتذار له بالجهل لأن جهله والحال کذلک جهل إعراض لا جهل من لم یتمکن من العلم ، ویدل على ذلک دلاله واضحه قول النبی صلى الله علیه وسلم لرجل سأله عن أبیه: ( إن أبی وأباک فی النار)(۱۸) مع أن هؤلاء الآباء من القوم الذین قال الله تعالى فیهم: (( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون )) وقال: (( لتنذر قوما ما أتاهم من نذیر من قبلک لعلهم یهتدون )) ، فهؤلاء لم یعذروا بالشرک الأکبر مع انهم ما أتاهم نذیر خاص بهم.. وما ذلک إلا لأن الشرک الأکبر الصراح، قد أقام الله على الإنذار والتحذیر منه حججه البالغه الواضحه ، وأرسل کافه رسله منذرین ومحذرین منه ، وأنزل جمیع کتبه من أجل هدمه والتحذیر منه.. ثم جعل خاتمها کتاب لا یغسله الماء تکفل بحفظه وعلق النذاره به ، فمن باب أولى أن لا یعذر بمثل ذلک من جاؤوا بعد ذلک.
قال القاضی عیاض فی الشفا (۲/۲۳۱) فی معرض کلامه على ساب النبی صلى الله علیه وسلم وهو من الکفر الصریح الذی لا یعذر الجاهل به.
قال: ( أو یأتی بسفه من القول أو قبیح من الکلام ونوع من السب فی جهته وإن ظهر بدلیل حاله أنه لم یتعمد ذمه ولم یقصد سبه إما لجهاله حملته على ما قاله أو ضجر أو سکر اضطره إلیه ، أو قله مراقبه وضبط للسانه وعجرفه وتهور فی کلامه ؛ فحکم هذا الوجه حکم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا یعذر أحد بالکفر بالجهاله ) أهـ.
أی الکفر الصریح الذی هو من قبیل سب النبی صلى الله علیه وسلم ، وإلا فقد تقدم قول القاضی نفسه فی وجوب الإحتراز فی إکفار المتأولین من المصلین الموحدین.
(۴) مانع الإکراه:
ویقابله فی الشروط أن یکون المکلف مختاراً لفعله.
ویدل علیه قوله تعالى: (( من کفر بالله من بعد إیمانه إلا من أکره وقلبه مطمئن بالإیمان )) وقد ذکر العلماء شروطاً لصحه تحقق مانع الإکراه منها (۱۹):
– أن یکون المکرِه (بکسر الراء ) قادراً على إیقاع ما یهدد به ، والمکرَه عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار.
– أن یغلب على ظن المکرَه ، انه إذا امتنع أوقع به ما یهدد به.
– أن لا یظهر على المکرَه ما یدل على تمادیه ، بأن یعمل أو یتکلم زیاده على ما یمکن أن یزول به عنه البلاء.
– واشترطوا فیما یهدد به فی الإکراه على کلمه الکفر ، أن یکون مما لا طاقه للمرء به ، ومثلوا بالإیلامات الشدیده وتقطیع الأعضاء ، والتحریق بالنار والقتل وأمثال ذلک.. وذلک لأن الذی نزلت بسببه آیات إعذار المکره وهو عمار ، لم یقل ما قال إلا بعد أن قتل والدیه وکسرت ضلوعه ، وعذب فی الله عذاباً شدیداً.
– واشترطوا أن یظهر إسلامه متى زال عنه الإکراه ، فإن أظهره فهو باق على إسلامه وإن أظهر الکفر ، حکم أنه کفر من حین نطق به(۲۰).
• ومع هذا فیجدر التنبیه إلى أن العلماء قد نصوا على أن من قامت علیه بینه أنه نطق بکلمه الکفر وکان محبوساً عند الکفار مقیداً عندهم فی حاله خوف ، لم یحکم بردته(۲۱) لأنه فی مظنه الإکراه ما دام فی سلطانهم مقیداً أو محبوساً ویقدرون على إنفاذ ما یریدون به. (۲۲)
وإن شهد علیه انه کان آمناً حال نطقه بها حکم بردته (۲۳)
• ومن المهم هنا التنبیه إلى أن الإکراه الذی یتحدث عنه العلماء هو النطق بکلمه الکفر أو فعله ، ثم العوده إلى إظهار الإسلام کما تقدم.. أما الإکراه على الإقامه على الکفر والبقاء علیه.. فهذا لم یعتبروه ولم یجیزوه وفرقوا بینه وبین ما یعذرون به فی أبواب الإکراه..
• ( فروى الأثرم عن أبی عبد الله – وهو الإمام احمد – أنه سئل عن الرجل یؤسر ، فیعرض على الکفر ویُکره علیه،أله أن یرتد ؟ فکرهه کراهه شدیده ، وقال: ما یشبه هذا عندی الذین أنزلت فیهم الآیه من أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم ، أولئک کانوا یرادون على الکلمه ثم یترکون یعملون ما شاءوا ، وهؤلاء یریدونهم على الإقامه على الکفر وترک دینهم(۲۴). وذلک لأن الذی یکره على کلمه یقولها ثم یخلى ، لا ضرر فیها ، وهذا المقیم بینهم یلتزم بإجابتهم إلى الکفر المقام علیه واستحلال المحرمات وترک الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنکرات ، وإن کان امرأه تزوجوها واستولدوها أولاداً کفاراً وکذلک الرجل ، وظاهر حالهم المصیر إلى الکفر الحقیقی والانسلاخ من الدین الحنیفیی. ) أهـ من المغنى (کتاب المرتد )(فصل: ومن اکره على کلمه الکفر فالأفضل له أن یصبر ولا یقولها …)
• القسم الثانی من الموانع: –
موانع فی الفعل (أی سبب التکفیر ):
۱- ککون القول أو الفعل غیر صریح فی الدلاله على الکفر.
۲- أو أن الدلیل الشرعی المستدل به غیر قطعی الدلاله على کون ذلک القول أو الفعل مکفراً.
وسیأتی -إن شاء الله- الکلام على هذا فی أخطاء التکفیر … فی الخطأ السادس والسابع.
• القسم الثالث: موانع فی الثبوت:
( وهی الجانب القضائی فی الموانع) وتتأکد ویشدد فیها عند ترتیب لوازم التکفیر علیه کاستباحه الدماء والأموال ونحوها.
– وذلک بأن لا یکون ثبت الکفر على قائله أو فاعله الثبوت الشرعی الذی هو الاعتراف ( والإقرار ) أو شهاده شاهدین عدلین، سواء بنقصان نصاب الشهاده فیها والذی نص الجمهور على انه شاهدان عدلان –کما سیأتی – بأن یشهد رجل واحد فلا یؤخذ بها، کما لم یؤاخذ النبی صلى الله علیه وسلم عبد الله بن أبی بشهاده زید بن الأرقم وحده لما شهد علیه بأنه قال ( لئن رجعنا إلى المدینه لیخرجن الأعز منها الأذل(۲۵) ).
– أو بأن یکون أحد الشهود غیر مقبول الشهاده فی هذا الباب لکونه کافراً ، أو مجنوناً أو صبیاً أو غیر ذلک ، أو أنه خصم للمشهود علیه أو مقدوح فی عدالته ، مع إنکار المتهم لما نسب إلیه ، ودفعه له ورده بالأیمان ، وسیأتی الکلام على هذا فی أخطاء التکفیر.
وقد اشترط العلماء فی قبول شهاده الشاهد أربعه شروط: ( الإسلام والبلوغ والعقل والعداله )(۲۶) واستدلوا بأدله؛ منها قوله تعالى: (( وأشهدوا ذوی عدل منکم )) (۲۸۲) البقره. وبما رواه أحمد وأبو داود والبیهقی وغیرهم عن عمرو بن شعیب عن أبیه عن جده أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( لا تجوز شهاده خائن ولا خائنه ، ولا ذی غِمرٍ على أخیه ) قال الحافظ فی (التلخیص) (۴/۱۹۸): وسنده قوی. وذو غمر: أی حقد وعداوه.
ولذلک فمذهب الشافعی ومالک وأحمد والجمهور عدم قبول شهاده العدو على عدوه، وخالفهم أبو حنیفه ، ذکر ذلک الشوکانی فی نیل الأوطار ثم قال: ( والحق عدم قبول شهاده العدو على عدوه لقیام الدلیل على ذلک ، والأدله لا تعارض بمحض الأراء ، ولیس للقائل بالقبول دلیل مقبول ) أهـ کتاب الأقضیه والأحکام (باب من لا یجوز الحکم بشهادتهم ).
• وقد ذکر العلماء فی البینات إضافه إلى الإقرار والشاهدین ؛ الإستفاضه ، وهو اشتهار الأمر وظهوره ومعرفته بین الناس بحیث یکون ذلک فی بعض الأحیان أقوى من شهاده الشاهدین.
لکن هذا فیه تفصیل یجب مراعاته ، حیث اعتبره العلماء فی أبواب ولم یعتبروه فی أخرى. أنظر المغنى کناب الشهادات (مسأله: وما تظاهرت به الأخبار.. ) وانظر فتاوى شیخ الإسلام (۳۵/۲۴۱-۲۴۲) وسیأتی ذلک ، وانظر أیضاً فیها: (۱۵/۱۷۹).

تنبیهات حول موانع التکفیر
(۱) تبین الموانع إنما یجب فی المقدور علیه ، ولا یجب فی الممتنع أو المحارب:
واعلم بعد هذا أن تبین هذه الموانع إنما یجب فی حق المقدور علیه دون الممتنع..
* والامتناع یرد على معنیین:
– الأول امتناع عن العمل بالشریعه جزئیاً أو کلیاً.
– الثانی امتناع عن القدره ، أی قدره المسلمین أن یوقفوه ویحاسبوه ویحاکموه لشرع الله.
ولا تلازم بین النوعین فقد یکون الممتنع عن العمل بالشریعه ؛ مقدوراً علیه فی دار الإسلام کمن امتنع عن الزکاه وهو فرد مقدور علیه فی دار الإسلام.
وقد یجتمعان ، فیمتنع الممتنع عن الشریعه بدار کفر أو بشوکه وطائفه وقانون وسلطان دوله ، بحیث لا یتمکن المسلمون من إنزاله على حکم الله تعالى وإقامه حد الله علیه..
– والممتنع عن القدره ، قد یکون محارباً بالید ، وقد یکون محارباً باللسان فقط ، وانظر الصارم المسلول ص ۳۸۸
– وقد نص العلماء على أن الممتنع عن القدره لا تجب استتابته ، فمن باب أولى المحارب الذی داهم دیار المسلمین واحتلها وتسلط على مقالید الحکم فیها.
• ویراد بالاستتابه معنیان أیضاً:
الأول: طلب التوبه ممن حکم علیه بالرده.
الثانی: تبین الشروط والموانع قبل الحکم علیه بالرده ، وهذا هو الذی نرید التنبیه علیه هنا.
فالممتنع عن شرائع الإسلام والممتنع عن النزول على حکم الله ، والمحارب للمسلمین الخارج عن قدرتهم وحکمهم ، سواء امتنع بدوله الکفر أو بقوانینها أو بجیوشها ومحاکمها ، هذا قد جمع بین نوعی الامتناع، فلا یجب تبین الشروط والموانع فی حقه قبل التکفیر والقتال.. إذ هو لم یسلم نفسه للمسلمین ، ولا سلم بشرعهم وحکمهم حتى ینظر له فی ذلک.. فلا یقال قی حق من کانوا کذلک ، أنهم لم تقم علیهم الحجه ، کما یهذر به بعض من یهرف بما لا یعرف ، خصوصاً إذا کانوا محاربین مقاتلین لنا فی الدین ، وقد تسلطوا على دیار الإسلام وامتنعوا بشوکتهم عن شرائعه ، وأقاموا وفرضوا شرائع الکفر والطاغوت..
یقول محمد بن الحسن الشیبانی: ( ولو أن قوماً من أهل الحرب الذین لم یبلغهم الإسلام ولا الدعوه أتوا المسلمین فی دارهم ، یقاتلهم {المسلمون} بغیر دعوه لیدفعوا عن أنفسهم ، فقتلوا منهم وسبوا وأخذوا أموالهم فهذا جائز … ) أهـ. من السیر الکبیر ، وما بین المعکوفین زیاده أثبتها السرخسی فی شرحه ، ثم قال: ( لأن المسلم لو شهر سیفه على مسلم حل للمشهور علیه سیفه قتله للدفع عن نفسه ، فها هنا اولى ، والمعنى فی ذلک أنهم لو اشتغلوا بالدعوه إلى الإسلام فربما یأتی السبی والقتل على حرم المسلمین وأموالهم وأنفسهم فلا یجب الدعاء ) أهـ.
ویقول ابن القیم: ( ومنها أن المسلمین یدعون الکفار –قبل قتالهم- إلى الإسلام هذا واجب إن کانت الدعوه لم تبلغهم ، ومستحب إن بلغتهم الدعوه ، هذا إذا کان المسلمون هم القاصدین للکفار، فأما إذا قصدهم الکفار فی دیارهم فلهم أن یقاتلوهم بغیر دعوه لأنهم یدفعونهم عن أنفسهم وحریمهم ) أحکام أهل الذمه ( ۱/۵).
فهذا من تفریق العلماء بین جهاد الطلب وجهاد الدفع..
وقد فرق شیخ الإسلام أیضاً فی مواضع عدیده من کتبه بین (المرتد رده مغلظه -وهو الذی یضیف إلى ردته الامتناع أو المحاربه والقتل أو القتال- فیقتل بلا استتابه وبین المرتد رده مجرده فیقتل إلا أن یتوب(۱).
وقال فی الصارم المسلول ص ۳۲۲: ( المرتد لو امتنع بأن یلحق بدار الحرب ، أو بأن یکون المرتدون ذوی شوکه یمتنعون بها عن حکم الإسلام ، فإنه یقتل قبل الاستتابه بلا تردد ) أهـ.
وقال أیضا فیه ص۳۲۵ –۳۲۶: ( على أن الممتنع لا یستتاب وإنما یستتاب المقدور علیه ) أهـ.
(۲) أعذار یتعذر بها المرتدون وغیرهم ، ولیست من موانع التکفیر(۲):
بعد أن عرفت شروط وموانع التکفیر ، بقی أن تتنبه إلى قاعده شرعیه مهمه فی هذا الباب وهی: أن ( المانعیه والشرطیه ، وکذلک السببیه لابد لإثباتها واعتبارها دلیل شرعی )(۳) فالموانع والشروط والأسباب ، کل ذلک من الأحکام الشرعیه الوضعیه التی وضعتها الشریعه بتوقیف..
وما لم یکن کذلک فلا یعتبر ، فمن ادعى سببیه أو شرطیه أو مانعیه شیء لشیء ، فلا بد له من إثبات ذلک بدلیل ، وإلا کان تقولاً على الله بلا علم ، فلا یجوز ابتداع أسباب أو شروط أو موانع للتکفیر ما أنزل الله بها من سلطان ، ومن فعل ذلک فهو داخل تحت عموم قوله تعالى: (( أم لهم شرکاء شرعوا لهم من الدین ما لم یأذن به الله )) وقوله سبحانه: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )).. فحذار من ذلک..
حتى إن( أکثر الأصولین منعوا القیاس فی الشروط والأسباب والموانع )(۴) – هذا وقد خاض کثیر من الخوالف فی هذا العصر ، فی أعذار وموانع التکفیر ، فصار کثیر منهم یعتذر للکفار والمرتدین ، بموانع وأعذار مبتدعه – لا تخطر حتى على بال أولئک المرتدین – بعضها ما انزل الله به من سلطان ، وبعضها قد نص الله سبحانه على إبطاله فی کتابه أو على لسان نبیه صلى الله علیه وسلم.
فمن ذلک:
۱- الخوف مما یهدد به بعضهم من قطع راتب أو الطرد من الوظیفه أو مصادره بعض حظوظ دنیاهم أو منعهم من بعض قشورها ، فهذا لیس بمانع من موانع التکفیر ولا یعذر به من دفعه ذلک إلى الکفر برب العالمین ، وتول المشرکین ومظاهرتهم على المسلمین ، ونصره قوانین المشرکین ، بل هو من تزیین الشیاطین وإمدادهم لأولیائهم بالغی ، وأزِّهم إلى الکفر أزَّا ، إذ التخویف بمثل هذه الأمور لیس من الإکراه فی شیء.
وقد قال تعالى: (( ومن الناس من یقول آمنا بالله فإذا أوذی فی الله جعل فتنه الناس کعذاب الله )).
وقال تعالى (( یا أیها الذین آمنوا لا تتخذوا الیهود والنصارى أولیاء بعضهم أولیاء بعض ومن یتولهم منکم فإنه منهم إن الله لا یهدی القوم الظالمین * فترى الذین فی قلوبهم مرض یسارعون فیهم یقولون نخشى أن تصیبنا دائره فعسى الله أن یأتی بالفتح أو أمر من عنده فیصبحوا على ما أسروا فی أنفسهم نادمین * ویقول الذین أمنوا أهؤلاء الذین أقسموا بالله جهد أیمانهم إنهم لمعکم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرین * یا أیها الذین أمنوا من یرتد منکم عن دینه …الآیات) المائده.
ففی هذه الآیات بیان رده من دفعتهم الخشیه المجرده إلى تولی الکفار ، والتصریح بأنهم قد حبطت أعمالهم ، وهذا لا یکون إلا بالکفر..
فلم یعذر الله فی اقتراف الکفر (کتولی المشرکین أو قوانینهم) ، بالخشیه المجرده ، ولم یجعل ذلک مانعاً من موانع التکفیر ،ولم یجعله من الإکراه کما یظن کثیر من الجهَّال..
یقول الشیخ حمد بن عتیق فی (سبیل النجاه والفکاک من مولاه المرتدین وأهل الإشراک ) ص۶۲ حین ذکر أحوال الناس المظهرین لموافقه الکفار فذکر فیهم(۵) من یوافقهم فی الظاهر مع دعوى مخالفته لهم فی الباطن وهو لیس فی سلطانهم ، قال: ( وإنما حمله على ذلک إما طمع فی رئاسه أو مال أو مشحّه بوطن أو عیال أو خوف مما یحدث فی المال ، فإنه فی هذه الحاله یکون مرتداً ولا ینفعه کراهته لهم فی الباطن(۶).
وهو ممن قال الله فیهم: (( ذلک بأنهم استحبوا الحیاه الدنیا على الآخره ، وإن الله لا یهدی القوم الکافرین )).
وأخبر انه لم یحملهم على الکفر الجهل ، ولا بغض ( الحق ) ، أو محبه الباطل ، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنیا آثروه على الدین …
قال: وهذا معنى کلام شیخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وأما ما یعتقده کثیر من الناس عذراً فإنه من تزیین الشیطان وتسویله ، فذلک أن بعضهم إذا خوفهم أولیاء الشیطان خوفاً لا حقیقه له ، ظن انه یجوز له إظهار الموافقه للمشرکین والانقیاد لهم ) أهـ.
ثم ذکر کلاماً لشیخ الإسلام ابن تیمیه فی صفه الإکراه على کلمه الکفر ، وأنه لا یکون إلا بالضرب والتعذیب والقتل ، لا بمجرد الکلام ولا بالتخویف بالحیلوله دونه ودون زوجته أو ماله أو أهله …
وقد نقل السیوطی فی مقدمه تاریخ الخلفاء عن القاضی عیاض قال: سئل أبو محمد القیروانی الکیزانی من علماء المالکیه عمن أکرهه بنو عبید یعنی ( حکام) مصر على الدخول فی دعوتهم ، أو یقتل ؟
قال: یختار القتل ، ولا یعذر أحد فی هذا الأمر، کان أول دخولهم قبل أن یعرف أمرهم ، وأما بعد فقد وجب الفرار فلا یعذر أحد بالخوف بعد إقامته ، لأن المقام فی موضع یطلب من أهله تعطیل الشرائع لا یجوز ، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباینه لهم ، لئلا تخلو للمسلمین حدودهم ، فیفتنوهم عن دینهم ) أهـ (ص۱۳).
ویصدق هذا ویدل علیه قوله تعالى: (( إن الذین توفّاهم الملائکه ظالمی أنفسهم ، قالوا فیم کنتم قالوا: کنا مستضعفین فی الأرض ، قالوا: ألم تکن أرض الله واسعه فتهاجروا فیها فأولئک مأواهم جهنم وساءت مصیرا)) [ النساء: ۹۷ ]
فإنها نزلت فی أناس کانوا قد أسلموا ولکنهم قصروا فی الهجره ، فبقوا فی مکه بین المرتدین مشحّه أن یترکوا المساکن والأزواج والأموال والأوطان ، فلما کان یوم بدر ، أخرجهم المشرکون فی صفوفهم ، فکان المسلمون إذا رموا بسهم وقع فی بعضهم ، فقالوا: قتلنا إخواننا ، فأنزل الله تعالى هذه الآیات من سوره النساء ، فلم یعذرهم تعالى بدعواهم الإستضعاف وإخراج المشرکین لهم فی الصف کرهاً ، لأنهم قصروا أول مره فی الهجره والخروج من بینهم حین کانوا فی سعه حال القدره علیه ، وإنما عذر- کما فی الآیه التی بعدها – المستضعفین حقاً الذین لا یتمکنون من الهجره ولا یستطیعونها إما لحبسهم وقیدهم وإستضعافهم الحقیقی ، أو لأنهم لا یستطیعون حیله ولا یهتدون سبیل الهجره ، کالنساء والولدان ونحوهم..
فدل هذا کله على أن المکثر لسواد الکفار والمشرکین المظهر موافقتهم ونصرتهم على المسلمین لا یعذر بمجرد دعواه الخوف على الأموال والمشحه (بالتقاعد) والمساکن ونحوها من متاع الدنیا وقشورها..
فکیف بمن أظهر نصره الشرک نفسه وحمى وحرس قوانین الکفر وخرج مختاراً لنصرتها ونصره أهلها على الموحدین.. ؟؟ ثم تعذر بأمثال تلک الأعذار..
لا شک أن هؤلاء أولى بذلک وأولى..
۲- ولذلک فلیس من موانع التکفیر أیضاً کون المرتدین وأنصارهم یتعذرون بالاستضعاف وأنهم لا حیله لهم مع حکامهم ، فالاستضعاف لو کان موجوداً معتبراً فی حقهم فإنه لا یسوغ لهم نصره الشرک والکفر أو نصره أهله على المسلمین ، إذ لا أحد یجبرهم على ذلک ، ولا على تولی الوظائف التی فیها جنس ذلک.. بل هم یستمیتون فی الحصول علیها.. ویلتمسون الشفاعات والوساطات لنیلها والوصول إلیها..
وأعجب من ذلک ما سمعته من بعض من طمس الله على بصائرهم وأعماهم عن نور الوحی ، یعتذرون للحکام المعطلین لشرع الله المشرعین لقوانین الکفر المحکمین لها والممتنعین بها ، بأنهم مستضعفون عند أمریکا ولا یستطیعون تحکیم الشرع بسبب ذلک.. !! وکنت أسألهم: فمن ذا الذی یجبرهم على البقاء فی الحکم والتشبث بکرسیه بالنواجذ وأصابع الأیدی والأرجل ، کیف وقد وصل أکثرهم إلى هذه الکراسی على ظهور الدبابات ، وبکل ما یقدرون علیه من وسائل القتل والغدر والخسه ، فمنهم من قتل والده ، ومنه من نفاه ، ومنهم من أباد قرى ومدن کامله من أجل ذلک.. ثم یقول أولئک العمیان ؛ أنهم مستضعفون لأمریکا.. بل فلیسموا الأشیاء بأسمائها الحقیقیه ولیقولوا: هم أذنابها وإخوانها وأحبابها..
وعلى کل حال ، فالمستضعف عموماً لا یحل له اقتراف قول أو فعل مکفر.. وإنما یرخص له فقط فی مداراه الکفار والتقیه ، وهی ترک الإنکار علیهم بالید واللسان ، مع بقاء کراهیتهم وإنکار باطلهم فی القلب ، وترک إظهار عداوتهم مع بقاء أصلها بالقلب ، دون أن یتابعهم على کفر أو یرضى به ، کما فی الحدیث ( إلا من رضی وتابع )
فالله لم یعذر المتابعین للکفار على کفرهم وشرکهم بحجه الاستضعاف ، کما هو بین واضح فی آیات کثیره …
منها قوله تعالى: (( وإذ یتحاجون فی النار فیقول الضعفاء للذین استکبروا إن کنا لکم تبعاً فهل انتم مغنون عنا نصیباً من النار * قال الذین استکبروا إنا کل فیها إن الله قد حکم بین العباد * )) غافر.
وقال تعالى: (( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم یرجع بعضهم إلى بعض القول یقول الذین استضعفوا للذین استکبروا لولا أنتم لکنا مؤمنین * قال الذین استکبروا للذین استضعفوا أنحن صددناکم عن الهدى بعد إذ جاءکم بل کنتم مجرمین * وقال الذین استضعفوا للذین استکبروا بل مکر اللیل والنهار إذ تأمروننا أن نکفر بالله ونجعل له أندادا ، وأسروا الندامه لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال فی أعناق الذین کفروا هل یجزون إلا ما کانوا یعملون *) سبأ.
ونحوها من الآیات..
فتأمل تخاصمهم بعد فوات الأوان وإسرارهم الندامه لما رأوا العذاب..
وقولهم لساداتهم الذین قادوهم إلى الهلاک: (( بل مکر اللیل والنهار إذا تأمروننا أن نکفر بالله ونجعل له أنداداً.. )).
فالاستضعاف لیس عذراً فی مثل هذا ، وإنما یعذر المستضعف باستضعافه ، فی ارتکاب بعض المحرمات ؛ أو التقصیر فی بعض الواجبات ، کترک الهجره إلى المسلمین والتقصیر فی نصرتهم ونحو ذلک مما یعجز عنه فی استضعافه ، ما لم یرتکب مکفراً صریحا باختیاره إذ الاستضعاف شیء غیر الإکراه الذی تقدمت صورته والذی یمنع من تکفیر من ارتکب شیئا من أسباب الکفر الظاهره ، وقلبه مطمئن بالإیمان..
ولذلک وصف الله المستضعفین من المؤمنین بأنهم یسعون جاهدین ویدعون الله مخلصین أن یخرجهم من بین الکفار ، ولا یطمئنون لواقع الاستضعاف، أو یتخذونه ذریعه وعذراً لبیع الدین بالدنیا.
کما هو حال من یتعذر به الیوم من المفتونین.. فقال تعالى ((.. والمستضعفین من الرجال والنساء والولدان الذین یقولون ربنا أخرجنا من هذه القریه الظالم أهلها واجعل لنا من لدنک ولیاً واجعل لنا من لدنک نصیرا )) ۷۵ النساء.
۳- ولیس من موانع التکفیر کون المرتدین وأنصارهم أو غیرهم من الکفار یعتقدون انهم مؤمنون أو أنهم على حق فیما یرتکبونه من المکفرات..
فقد وصف الله تعالى کثیراً من الکفار بذلک ، ولم یجعل ذلک مانعاً من تکفیرهم..
فقال سبحانه.. (( قل هل ننبئکم بالأخسرین أعمالا الذین ضل سعیهم فی الحیاه الدنیا وهم یحسبون أنهم یحسنون صنعا)) [ الکهف: ۱۰۴ ]
وقال تعالى (( إنهم اتخذوا الشیاطین أولیاء لهم من دون الله ویحسبون أنهم مهتدون )) [الأعراف: ۳۰ ]
وهکذا شأن أکثر الکفار فی کل زمان ، ففرعون طاغوت مصر کان یقول لقومه: (( ما أریکم إلا ما أرى وما أهدیکم إلا سبیل الرشاد )).
وقال تعالى عن غیره: (( وإذا قیل لهم لا تفسدوا فی الأرض قالوا إنما نحن مصلحون )).
وهکذا الکفار فی کل زمان ، وحتى الیهود والنصارى یعتقدون أنهم مهتدون وأنهم هم المؤمنون وأصحاب الجنه الفائزون.
کما قال تعالى (( وقالت الیهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه.. ))
وقال سبحانه (( وقالوا لن یدخل الجنه إلا من کان هوداً أو نصارى ))
وهکذا سائر الکفار..
ومعلوم أن ذلک لیس بنافعهم عند الله ولا وهو بمانع من تکفیرهم فی الدنیا..
وعلى کل حال ، فتقیید التکفیر بالاعتقاد هو مذهب غلاه المرجئه الذین یرون الإیمان اعتقاد القلب وحده فقط ومن ثم فلا یکون الکفر فی مذهبهم إلا بالاعتقاد.. وانظر تفصیل هذا فی کتابنا (إمتاع النظر فی کشف شبهات مرجئه العصر)
أضف إلى هذا أن الاعتقاد أمر مغیب فی القلب غیر ظاهر ولا یمکن ضبطه ما دام کذلک.. ولذلک لم یعتبره الشارع کمانع من موانع التکفیر فی أحکام الدنیا فقد تقدم فی تعریف المانع: ( انه وصف وجودی ظاهر منضبط یمنع ثبوت الحکم ) فما لم یکن کذلک ، فلیس بمانع من موانع التکفیر ولا دخل لنا به فی أحکام الدنیا..
۴- ولیس من موانع التکفیر، کون من کفر بسبب من أسباب الکفر أو ناقض من نواقض الإسلام یلتزم بعض شرائع الإسلام کالصلاه أو الإقرار بالشهادتین أو نحوهما(۷)..
فهذا لا یمنع من تکفیره لأنه لم یکفر من جهه الامتناع عن شیء من الشرائع المذکوره.. وإنما کفر بسبب أخر غیر ذلک..
وقد ذکر الله تعالى فی کتابه أن للمشرکین أعمالاً ، وأن بعضهم عنده من شعب الإیمان أشیاء لم تنفی عنه الشرک کما قال: (( وما یؤمن أکثرهم بالله إلا وهم مشرکون ))
وبین فی موضع آخر أن الشرک محبط لجمیع تلک الأعمال فقال تعالى: (( ولو أشرکوا لحبط عنهم ما کانوا یعملون )).
ومعلوم ان الإنسان یدخل الإسلام بالإقرار بالشهادتین ثم لا یستمر إسلامه ولا تدوم عصمته إلا بالمحافظه على مجموع شعب هی أصل الإیمان.. بینما یحبط ذلک کله بسبب واحد من أسباب الکفر.
ومن الأدله الواضحه على أن هذا الأمر لیس من الأعذار المقبوله عند الله تعالى ولا هو من موانع التکفیر..
قوله تعالى (( ولئن سألتهم لیقولن إنما کنا نخوض ونلعب قل أبالله وآیاته ورسوله کنتم تستهزئون لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم )) [ التوبه ۶۵-۶۶].
فإنها نزلت فی شأن أناس کانوا من المصلین المقرین بالشهادتین قد خرجوا مع النبی صلى الله علیه وسلم مجاهدین فی غزوه هی من أشهر وأعسر غزوات المسلمین.. ثم لما قالوا ما قالوا من أسباب الکفر وهو الاستهزاء بالنبی وأصحابه من حمله القرآن ؛ کفرهم الله بهذا السبب ، ولم یمنع من تکفیرهم إقراراهم بالشهادتین ولا الصلاه ولا الجهاد ولا غیره من شعب الإیمان التی کانت عندهم..
وعلى هذا فلو نطق المرتد الذی کفر بسبب نصرته للشرک والمشرکین للشهادتین حال قتاله، لم یعصم ذلک دمه ولم یمنع من قتله لأنه لم یکفر بالامتناع عن الإقرار بها کی یقاتل علیها، وحتى یکون حکمه حکم من قتله أسامه بن زید لما قالها.. بل هو یقولها ویقر بها لیل نهار ،وربما کان من المصلین ، فلیس هذا سبب کفره الذی قوتل علیه ، و إنما سبب کفره الذی قوتل علیه هو تولی ونصره القوانین وأهلها على الموحدین ، فلا یصیر مسلماً حتى ینخلع ویبرأ من هذا السبب ویتوب منه ، فبذلک یرجع إلى الإسلام ، إذ هذا هو الباب الذی خرج منه ، فمنه یرجع ما دام مقراً بسائر الأبواب..
وهذا أمر واضح معلوم من سیره الصحابه مع المرتدین بعد وفاه النبی صلى الله علیه وسلم فإنهم کانوا أصنافاً،( قوم ارتدوا عن الدین بالکلیه ، وقوم ارتدوا عن بعضه ، فقالوا: نصلی ولا نزکی ، وقوم ارتدوا عن إخلاص الدین الذی جاء به محمد صلى الله علیه وسلم ، فآمنوا مع محمد بقوم من النبیین الکذابین کمسیلمه الکذاب وطلیحه الأسدی وغیرهما) فجاهدهم الصدیق رضی الله عنه وسار فیهم سیرته فی المرتدین ، فمن کان منهم یصلی ویقر بالشهادتین وارتد بمنع الزکاه قاتله حتى أداها.. ومن کانت ردته بالإیمان بمسیلمه ،قاتله على البراءه من مسیلمه والکفر بنبوته.. وهکذا..
ولما أشکل ذلک بادی الرأی على الفاروق وسأله: کیف تقاتل الناس وقد قال النبی صلى الله علیه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى یشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله … الحدیث ) قال له أبو بکر: والله لأقاتلن من فرق بین الصلاه والزکاه … ) فهذا یوضح أن ممن قاتلهم أبو بکر فی حروب الرده من کان یصلی ویشهد الشهادتین.. وإنما ارتد من أبواب أخرى فقوتل علیها..
۵- ولیس من موانع التکفیر کون من ارتکب سبباً من أسباب الکفر الواضح المستبین مضللاً بتلبیس الأحبار والرهبان أو الساده والحکام.. أو غیرهم..
فقد قدمنا لک أن مانع الجهل یعتبر فی الأمور الخفیه والمشکله التی تحتاج إلى تعریف وبیان ، فلا بد قبل التکفیر فیها من إقامه الحجه.. وسیأتی المزید منه فی أخطاء التکفیر..
لکن هذا لا یجب فی أمور هی أظهر من الشمس فی رابعه النهار ، کهدم أصل التوحید أو مقارفه ما یناقضه من الکفر البواح والشرک الصراح الذی لا یخفى على صبیان المسلمین ، بل إن الیهود والنصارى یعرفون أنه مناقض لما جاء به محمد صلى الله علیه وسلم..
وسیأتی حدیث عدی بن حاتم فی عدم إعذار الیهود والنصارى بإضلال أحبارهم ورهبانهم لهم ، فی صرف التشریع- الذی هو عباده – إلى غیر الله تعالى.. مع أنهم لم یکونوا یعرفون أن الطاعه فی ذلک عباده کما صرح بذلک عدی ، وکفر الیهود والنصارى أکثره کفر تقلید ولذلک قال تعالى فیهم (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله …. الآیات ))
وکذلک کفر أکثر الکفار.. قال تعالى (( وإذا قیل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول. قالوا حسبنا ما وجدنا علیه آباءنا أولو کان آباؤهم لا یعلمون شیئا ولا یهتدون * )) المائده
وفی الحدیث الذی یرویه البخاری فی صحیحه یقول النبی صلى الله علیه وسلم فی عذاب القبر: ( وأما الکافر أو المنافق فیقول: لا أدری ، کنت أقول ما یقول الناس ، فیقال: لا دریت ولا تلیت ، ثم یضرب بمطرقه من حدید ضربه بین أذنیه …. الحدیث ).
هذا وقد بین الله فی کتابه أن الضعفاء والمقلدین یتبرؤون یوم القیامه من ساداتهم الذین کانوا سببا فی إضلالهم ، وأن ذلک لیس بعذر لهم ینجیهم ، ولا هو بمانع من موانع التکفیر..
فمن ذلک قوله تعالى: (( وبرزوا لله جمیعا ، فقال الضعفاء للذین استکبروا إنا کنا لکم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شیء ، قالوا لو هدانا الله لهدیناکم سواء علینا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محیص )) * إبراهیم
وقال تعالى: (( إن الله لعن الکافرین وأعد لهم سعیرا * خالدین فیها أبدا لا یجدون ولیا ولا نصیرا * یوم تقلب وجوههم فی النار یقولون یا لیتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وکبراءنا فأضلونا السبیلا * ربنا آتهم ضعفین من العذاب والعنهم لعنا کبیرا * )) الأحزاب.
والآیات فی هذا المعنى کثیره …
هذا وقد ذکر العلامه ابن القیم فی کتابه ( طریق الهجرتین ) فی سیاق ذکره لمراتب المکلفین ( الطبقه السابعه عشر ) وهم: ( طبقه المقلدین وجهال الکفره وأتباعهم وحمیرهم الذین معهم تبعا لهم یقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمه ، وإنا على أسوه بهم ……. )
قال: ( وقد اتفقت الأمه على أن هذه الطبقه کفار وإن کانوا جهالا مقلدین لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما یحکى عن بعض أهل البدع أنه لم یحکم لهؤلاء بالنار ، وجعلهم بمنزله من لم تبلغه الدعوه ، وهذا مذهب لم یقل به أحد من أئمه المسلمین لا الصحابه ولا التابعین ولا من بعدهم ، وإنما یعرف عن بعض أهل الکلام المحدث فی الإسلام ، وقد صح عن النبی صلى الله علیه وسلم أنه قال: ( إن الجنه لا یدخلها إلا نفس مسلمه )(۸) ، وهذا المقلد لیس بمسلم ، وهو عاقل مکلف ، والعاقل المکلف ، لا یخرج عن الإسلام أو الکفر ….. ) إلى قوله:
( والإسلام هو توحید الله وعبادته وحده لا شریک له ، والإیمان بالله وبرسوله واتباعه فیما جاء به ، فما لم یأت العبد بهذا فلیس بمسلم ، وإن لم یکن کافرا معاندا فهو کافر جاهل.
فغایه هذه الطبقه أنهم کفار جهال غیر معاندین وعدم عنادهم لا یخرجهم عن کونهم کفارا …)
ثم ساق الآیات التی تذکر عذاب المقلدین المتابعین غیرهم على الکفر.. وأن التابع والمتبوع فی النار جمیعا.. نحو قوله تعالى: (( وإذ یتحاجون فی النار فیقول الضعفاء للذین استکبروا إنا کنا لکم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصیبا من النار ، قال الذین استکبروا إنا کل فیها إن الله قد حکم بین العباد )) [ غافر: ۴۸ ]
ثم قال: ( فهذا إخبار من الله وتحذیر بأن المتبوعین والتابعین ، اشترکوا فی العذاب ولم یغن عنهم تقلیدهم شیئا ، وأصرح من هذا قوله تعالى: (( إذ تبرأ الذین اتبعوا من الذین اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذین اتبعوا لو أن لنا کره فنتبرأ منهم کما تبرؤوا منا )) [ البقره: ۱۶۶-۱۶۷ ] …) أهـ.
۶-ولیس من موانع التکفیر کون المرتد من أهل العلم ، أو من أهل اللحى أو من الجماعه الإسلامیه الفلانیه ، أو کونه یحمل دکتوراه !! فی الشریعه أو نحو ذلک مما یتوهمه البعض..
فقد قال تعالى فی بعض من کان أعلم أهل زمانه ( من کبار العلماء ): (( واتل علیهم نبأ الذی آتیناه آیتنا فانسلخ منها فأتبعه الشیطان فکان من الغاوین )) وقال تعالى فی حق خیره خلقه وهم الأنبیاء صلوات الله وسلامه علیهم: (( ولو أشرکوا لحبط عنهم ما کانوا یعملون * أولئک الذین آتیناهم الکتاب والحکم والنبوه … الآیات )) الأنعام.
ویدل على هذا أیضا قصه عبد الله بن سعد بن أبی سرح الذی کان من کتبه الوحی ، وکان یکتب للنبی صلى الله علیه وسلم ثم ارتد على عقبیه، فأمر رسول الله صلى الله علیه وسلم بقتله ولو وجدوه متعلقا بأستار الکعبه.. ثم انه تاب ورجع إلى الإسلام عام الفتح ، أحضره عثمان بن عفان – وکان أخاه من الرضاعه – إلى النبی صلى الله علیه وسلم فبایعه.. وقصته بروایاتها المختلفه بسطها وتکلم على فوائدها شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ، والشاهد منها أن کونه من کتبه الوحی عند النبی صلى الله علیه وسلم لم یمنع من کفره وردته.. لما أتى بسببها..
• لکن یفرق فی هذا الباب بین ما کان کفراً صراحاً مخرجاً من المله فهو على ما ذکرنا..
وبین ما لیس بکفر من الاجتهاد الخاطئ الذی یؤجر صاحبه على اجتهاده، أو العثرات التی قد یقع بها بعض أهل العلم أو طلبته ، فلا ینبغی أن یساء الأدب معهم لأجلها ، أو یتطاول علیهم بسببها ، أو یزهد بعلمهم أو ینفر الشباب عن کتبهم بها .. خصوصاً إن کانوا من أنصار الدین القائمین به المتبرئین من الطواغیت والمرتدین..
– ففی صحیح البخاری (کتاب مناقب الأنصار) باب قول النبی صلى الله علیه وسلم ( اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسیئهم ) وذکر فیه أحادیث منها حدیث أنس فی وصیه رسول الله صلى الله علیه وسلم بالأنصار وفیه قوله: (أوصیکم بالأنصار …) إلى قوله: ( فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسیئهم )..
– فأنصار الدین الذین هم من أهل الطائفه القائمه بدین الله ، الذین یفنون أعمارهم ویبذلون مهجهم فی نصره دین الله وتوحیده ، لهم نصیب من هذه الوصیه النبویه فی کل زمان..
فلتحفظ وصیته صلى الله علیه وسلم فیهم ، وحذار من تسلیط السفهاء وتطاول الرعاع علیهم ، فإن فی ذلک إقرار أعین أعداء الله ، وأعداء هذه الدعوه المبارکه.. ولا یقدم على مثل هذا عاقل أو فقیه..
۷- ولیس من موانع التکفیر فی سبب معین من أسباب الکفر کون من سیکفرون به کثر .. فدین الله لا یحابی أحداً، وقد قال تعالى: (( وقال موسى إن تکفروا أنتم ومن فی الأرض جمیعاً فإن الله لغنی حمید )).
وقال تعالى: (( وما أکثر الناس ولو حرصت بمؤمنین )) وقال سبحانه: (( وإن کثیرا من الناس بلقاء ربهم لکافرون )).
وفی الحدیث الذی یرویه أبو داود وابن ماجه عن ثوبان مرفوعاً: ( … ولا تقوم الساعه حتى تلحق قبائل من أمتی بالمشرکین ، وحتى تعبد قبائل من أمتی الأوثان) وأخرج الحاکم وصححه عن أبی هریره قال: تلا رسول الله صلى الله علیه وسلم: (( ورأیت الناس یدخلون فی دین الله أفواجاً )).
قال: ( لیخرجن منه أفواجاً کما دخلوا فیه أفواجاً ) ، ویروى موقوفا على أبی هریره.
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیه فی منهاج السنه (۷/۲۱۷) ؛ أن أتباع مسیلمه الکذاب نحو مائه ألف أو أکثر.
۸- ولیس من موانع التکفیر باتفاق أهل العلم ؛ قول الکفر على سبیل الهزل واللعب واللهو والمزاح ، ودلیله قوله تعالى: (( ولئن سألتهم لیقولن إنما کنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآیاته ورسوله کنتم تستهزءون لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم)).. فلم یعذرهم الله تعالى بهذا العذر ، مع أنهم کانوا خارجین فی غزوه العسره للقتال مع النبی صلى الله علیه وسلم ، وقالوا تلک الکلمات على سبیل الهزل وشغل الوقت فی السفر ، ( حدیث الرکب نقطع به الطریق) کما جاء فی أسباب النزول..
– یقول أبو بکر ابن العربی (۵۴۳هـ): ( الهزل بالکفر کفر ، لا خلاف فیه بین الأمه ، فإن التحقیق أخو العلم والحق ، والهزل أخو الجهل والباطل ) أهـ أحکام القرآن (۲/۹۶۴) وانظر القرطبی (۸/۱۹۷)
– ویقول ابن الجوزی (۵۹۷هـ): ( الجد واللعب فی إظهار کلمه الکفر سواء ) أهـ زاد المسیر (۳/۴۶۵).
– ویقول النووی (۶۷۶هـ): ( والأفعال الموجبه للکفر ، هی التی تصدر عن عمد واستهزاء بالدین صریح ) أهـ روضه الطالبین (۱۰/۶۴).
– ویقول شیخ الإسلام ابن تیمیه فی الصارم المسلول عند قوله تعالى: (( لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم )): ( لم یقل {الله تعالى} قد کذبتم فی قولکم ((إنما کنا نخوض ونلعب)) فلم یکذبهم فی هذا العذر کما کذبهم فی سائر ما أظهروه من العذر الذی یوجب براءتهم من الکفر لو کانوا صادقین ، بل بین أنهم کفروا بعد إیمانهم بهذا الخوض واللعب ) أهـ (۵۱۷)
أی أنه کفرهم سبحانه وتعالى رغم عذرهم المذکور الذی أدلوا به ، ولم یکذبهم بوجوده سبحانه ، بل أنکر اعتباره ، فدل على عدم اعتبار هذا العذر من موانع التکفیر.
– وقال ابن القیم فی إعلام الموقعین بعد کلام له تقدم فی اشتراط القصد لصحه الأحکام ، قال بعد أن ذکر خبر الذی قال لما وجد راحلته ، بعد أن أضلها: (أللهم أنت عبدی وأنا ربک ) أخطأ من شده الفرح ؛ ( ولم یکفر بذلک وإن أتى بصریح الکفر ، لکونه لم یرده ، والمکره على کلمه الکفر أتى بصریح کلمته ولم یکفر لعدم ارادته ، بخلاف المستهزئ والهازل ، فإنه یلزمه الطلاق والکفر ، وإن کان هازلاً لأنه قاصد للتکلم باللفظ ، وهزله لا یکون عذراً له بخلاف المکره والمخطئ والناسی فإنه معذور مأمور بما یقوله أو مأذون له فیه ، والهازل غیر مأذون له فی الهزل بکلمه الکفر والعقود ، فهو متکلم باللفظ مرید له ، ولم یصرفه عن معناه إکراه ولا خطأ ولا نسیان ولا جهل ، والهزل لم یجعله الله ورسوله عذراً صارفاً ، بل صاحبه أحق بالعقوبه ، ألا ترى أن الله تعالى عذر المکره فی تکلمه بکلمه الکفر إذا کان قلبه مطمئناً بالإیمان ، ولم یعذر الهازل بل قال تعالى: (( ولئن سألتهم لیقولن إنما کنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآیاته ورسوله کنتم تستهزءون لا تعتذروا قد کفرتم بعد إیمانکم)) أهـ (۳/۷۶).
– ویقول ابن نجیم الحنفی (۱۰۰۵هـ): ( ان من تکلم بکلمه الکفر هازلاً ، أو لاعباً کفر عند الکل ، ولا اعتبار باعتقاده ) أهـ. ( البحر الرایق شرح کنز الدقائق ). (۵/۱۳۴)
۹- ولیس من موانع التکفیر المعتبره کون المکفِرین لا یقدرون على ترتیب آثار الکفر على من کفروه.. کإقامه حد الرده أو تغیر الحاکم الکافر ونحوه.. فهذه شبه یطنطن بها مرجئه العصر.. وقد تقدمت الإشاره إلى أقاویل بعض شیوخهم فی ذلک ، فی الفصل الأول.. وقد تعلق بذلک وقلدهم به سفهاؤهم وجهالهم ، وهی من سفسطتهم وجدالهم بالباطل ، إذ لو التزموا ذلک لأبطلوا به جمیع الأحکام الشرعیه..
– إذ یلزمهم ما دمنا عاجزین عن إقامه حد الزنا ، على من ثبت علیه الزنا بالبینه أو الاعتراف أو نحوه أنه لیس بزانٍ ، ولیبحث له عن أخرى !!
– وما دمنا عاجزین عن إقامه حد القتل على القاتل فإنه لیس بقاتل ، ومن ثم فلا دیه علیه ولا کفاره ولا توبه.. !!
– وما دمنا عاجزین عن إقامه حد القطع على السارق فلا یحل لنا أن نسمیه سارقاً ، إذ ما الفائده من ذلک –کما یقولون-؟! فلنسمه إذن أمیناً ولنسلطه على أموال الناس !!
– وما دمنا غیر قادرین على تغییر المنکرات الظاهره ، فلا یحل لنا أن نعرّف بها أو نحذر منها أو نسمیها منکراً ، وما لم تکن منکراً فهی حتماً معروف.. وهکذا …
وفی هذا من الباطل ما یلزم منه فتح أبواب الفساد والإلحاد ، وتسویغه وتهوینه على العباد..
والحق والصواب فی هذا هو ما أمرنا الله تعالى به فی محکم کتابه بقوله: (( فاتقوا الله ما استطعتم )) وقال تعالى عن شعیب: (( إن أرید إلا الإصلاح ما استطعت.. ))
ومنه وضع الفقهاء قاعدتهم الفقهیه المعروفه فی أن ( المیسور لا یسقط بالمعسور)
فإذا عجز المسلمون فی وقت من الأوقات عن الخروج على الحاکم الکافر وتغییره ، فلا یعنی هذا أن یترکوا تکفیره ، بل هذا حکم شرعی یستطیعونه فیجب علیهم أن یتقوا الله فیه.. وفی غیره مما هو من آثار تکفیر الحکام ویستطیعونه ، فیجتنبوا نصرته وتولیه والتحاکم إلى أحکامه الکفریه ، ولا یولونه أمر دینهم ، ولا یجعلون له علیهم سبیلا ، ما استطاعوا إلى ذلک سبیلا ، ولا یدخلوا فی بیعته أو یقاتلوا تحت رایته ، أو یعینوه على باطله أو یظاهروه على مسلم.. إلى غیر ذلک مما یملکون فعله ویقدرون علیه ، وأیضاً فإن معرفه کفر الحاکم ، مدعاه إلى العمل الجاد والإعداد الذی یمکن فی یوم من الأیام من تغییره..
بخلاف من کان الحاکم عنده مسلماً ، فإنه لن یرفع بذلک رأساً، ولن یفکر یوماً ما بالإعداد الجاد لتغییره کما هو واقع مرجئه العصر فی هذا الزمان..
فاختلاف الحکم على الحاکم عند کل فریق ؛ هو الفرقان والمیزان الذی یزن سلوک کل فریق ویمیز توجهه وصبغته ، ما بین موحد کافر بالطاغوت معادٍ له ، أو مجتنب على أقل الأحوال..
وما بین مبایع له مناصر ، أو مجادل عن باطله مهون من کفریاته.. وواقعنا وواقع خصوم هذه الدعوه أکبر شاهد على هذا.. فلیتدبر المنصف أحوال الموحدین وسلوکهم ودعوتهم ومنهاجهم فی واقع الیوم..
ثم لینظر فی واقع الخوالف الذین ناموا فی أحضان الطواغیت ورضعوا من ألبانهم ، وسلطوا ألسنتهم وأقلامهم على کل من خرج علیهم أو نازعهم ، بلسانه أو سنانه..
۱۰ – ولیس من موانع التکفیر المعتبره ؛ سوء تربیه ‍‍المقترف للکفر ، کما زعمه بعض من یقتدى بهم ویشار إلیه بالبنان فی موانع تکفیر ساب الرب أو الدین أو الرسول ، فإن أکثر الکفار والمشرکین قد کفروا ونشأوا فی الشرک لسوء التربیه والتنشئه کما اخبر بذلک الصادق المصدوق فقال صلى الله علیه وسلم: ( یولد المولود على الفطره فأبواه یهودانه أو یمجسانه أو یشرکانه ) رواه مسلم وغیره.
فلم یمنع ذلک من تکفیرهم.
۱۱- ولیس من موانع التکفیر أیضاً ، اقتراف شیء من أسباب الکفر الظاهره الصریحه ، بحجه الاستحسان أو الاستصلاح أو ما یسمونه بمصلحه الدعوه.. !! فلیس ثم مصلحه معتبره فی الشرک أو الکفر ، لأنه أعظم ذنب عصى الله به فی الوجود ، ولذلک قال تعالى: (( إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء )) وقد سئل النبی صلى الله علیه وسلم فیما رواه البخاری ومسلم ؛ أی الذنب أعظم ؟ فقال: ( أن تجعل لله ندا وهو خلقک )..
فهو أعظم المفاسد فی الوجود على الإطلاق ، ولذلک کان محبطا لسائر الأعمال قال تعالى: (( ولقد أوحی إلیک وإلى الذین من قبلک لئن أشرکت لیحبطن عملک ولتکونن من الخاسرین )). وکل مصلحه مزعومه أومدعاه فی الشرک أو الکفر فهی مصلحه باطله ملغاه شرعا ، لم یجعل الشارع لها اعتبارا..
نعم قد یکون فی الشرک مصالح دنیویه وشهوانیه لبعض الناس ، یغطونها بمصلحه الدین ، والدین منها براء..
فالله قد بعث کافه رسله وأنزل جمیع کتبه کما هو معلوم لإبطال الشرک وهدم الکفر.. ومن ثم إخلاص العباده لله وحده.. وهو سبحانه طیب لا یقبل إلا طیبا.. والمقاصد الشرعیه المطهره ، لا یجوز شرعا أن یتوصل إلى تحقیقها إلا بوسائل شرعیه مطهره صحیحه ، تماما کما لا تزال النجاسه ویتطهر منها بنجاسه أخرى ، وکما لا یستنجى من البول بالبول.. فلسنا میکافیلیین(۹) تبرر الغایه عندنا الوسیله.. حتى نختار ما نشتهی من وسائل ، بل قد سد الله جمیع الطرق ، ولم یبق لنا إلا طریقا واحدا موصلا إلیه وإلى جنته ومرضاته ونصره دینه وتحقیق سعاده الدارین ؛ ألا وهو الطریق الشرعی التی بعث بها رسوله صلى الله علیه وسلم ، وهذا من أهم معانی شهاده أن محمدا رسول الله. وقد بین الله ضلال سعی من یستصلحون الکفر ، وخساره من یستحسنون صنعته ، فقال: (( قل هل ننبئکم بالأخسرین أعمالا * الذین ضل سعیهم فی الحیاه الدنیا وهم یحسبون أنهم یحسنون صنعا * أولئک الذین کفروا بآیات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقیم لهم یوم القیامه وزنا * )) الکهف.
ورحم الله السلف الذین کانوا یسمون مثل هذه الإستصلاحات التی یلصقها أهلها بالدین: ( خدیعه إبلیس ) ، یطلقون ذلک على من داهن الأمراء وتقرب إلیهم فی أزمنه الخلافه والفتوحات..
کما قال سفیان الثوری رحمه الله لبعض من یناصحه: ( إیاک والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم فی شیء من الأشیاء ، وإیاک ویقال لک لتشفع عن مظلوم أوترد مظلمه ، فإن ذلک خدیعه إبلیس ، وإنما اتخذها فجار القراء سلما … ) أهـ. (۱۰)
فتأمل إبطاله استصلاح واستحسان بعض الفقهاء الدخول على الأمراء والدنو منهم بحجه تخفیف الظلم ودرء الفساد.. !! ویسمی ذلک ( خدیعه إبلیس ) ، وفی أی وقت یقول ذلک.. فی أوائل خلافه بنی العباس قبل المعتصم وقبل المأمون ونحوهم ممن أظهروا بدعهم وامتحنوا الناس.. وکانت عزه الخلافه وهیبتها قائمه ، وفتوحات المسلمین وجحافلهم تدک حصون الکفر شرقا وغربا..
فکیف به رحمه الله لو رأى خوالف زماننا الذین لم یتقربوا إلى الطواغیت والمرتدین وحسب.. بل دخلوا فی دینهم وأقسموا على احترام دساتیرهم الشرکیه وشارکوا فی تشریع قوانینهم الکفریه وصاروا لهم جندا محضرین وأنصارا مخلصین.. ؟؟
ثم لا یستحیون من أن یلصقوا ذلک الکفر البواح والشرک الصراح کله بالدین.. فیقولون: هی مصلحه الدعوه ونصر الدین !! بل هی مصلحه القروش والکروش.. ورحم الله سفیان إذ یقول: ( إنی لألقى الرجل أبغضه ، فیقول لی: کیف أصبحت ؟ فیلین له قلبی ، فکیف بمن أکل ثریدهم ، ووطیء بساطهم ؟؟ ) أهـ من تذکره الموضوعات ص ۲۵٫
فلا غرابه بعد هذا أن لا یکتفی أصحاب هذه الإستصلاحات الفاسده الکفریه بالدفع بها عن شرکیاتهم التی خلطوها بالدین.. فقد تعدوا ذلک ، إلى الدفع والإعتذار بها عن طواغیت الحکم وأنصارهم.. فمن الأعذار المضحکه فی هذا الباب ما زعمه نائب ( مشرع ) إخوانی ، زارنا فی السجن برفقه وزیر الداخلیه ومساعدیه ، وانزعج هو ومن معه لما أبینا السلام علیهم وواجهناهم بکفرهم ، وأظهرنا براءتنا منهم ومن قوانینهم وحکمهم ، ورفضنا – بفضل الله تعالى وتثبیته – أن نتقدم إلیهم بأیه مطالب ، لما عرضوا ذلک.. وأنکرنا على ذلک النائب ما افتراه علینا فی الصحافه من دعوى تکفیر الناس ، وبینا له ولمن معه أن ذلک محض افتراء ، فنحن لا نکفر الناس بالعموم ، فلیست معرکتنا مع عوام الناس ، وإنما مع النظام المحارب لدین الله ، وأننا إنما نکفره ونکفر من نصر قوانینه الکفریه وحرسها أو شارک فی تشریعها.. وأننا ندعوهم دوما لیترکوا حراسه القوانین ویصیروا حراسا للشریعه وأنصارا للدین.. إنبرى ذلک النائب یدفع عن تکفیر المذکورین بدعوى أنهم ینصرون الدین بمناصبهم هذه ؛ فهم بزعمه یهیئون ویمهدون بمراکزهم ومناصبهم ، لقیام الخلافه التی ستواجه أمریکا – کذا قال – ولم یستحی طرفه عین أن یقول ذلک على مسامعهم – وکان حاضرا یومها أعلى رتب فی الأمن العام وأخبثهم وأشدهم حربا للدین – ممن لم یخطر ببال واحد منهم فی یوم من الأیام ما زعمه هذا الزاعم وادعاه لهم من الأعذار التی لا یذکرونها هم أبدا ، بل لو تلفظوا بها أو ادعوها فلربما یحاکمون علیها أو یطردون.. ولکن هذا مصداق ما أخبر به النبی صلى الله علیه وسلم من کلام النبوه الأولى: ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت )(۱۱) أما هو فقد دفع عن نیابته التشریعیه الشرکیه ، مره بمدح الرسول صلى الله علیه وسلم لحلف الفضول ، ولما قلنا له: إن حلف الفضول الذی مدحه النبی صلى الله علیه وسلم إنما قام على نصره المظلوم بالقوه المادیه ، فالتزم هذا ودع عنک التشریع ، فر وهو یصیح: لا ، العمل المادی لا ، نحن مستضعفون ولا عمل مادی فی العهد المکی !! قلت: إذن قد سقط استدلالک فلا تعود إلى هذا الدلیل.. !
ولذلک استدل هذه المره علینا لحظه مغادرته للمکان ؛ بفعل نعیم بن مسعود فی غزوه الأحزاب.. فلما سألناه: وهل أقسم نعیم بن مسعود على احترام الدساتیر الوضعیه ؟ أم هل شرع ، لما خذل الأحزاب عن النبی صلى الله علیه وسلم ؟ ، أم هل ارتکب کفرا بواحا أو شرکا صراحا کما تفعلون.. ؟ لم یحر جوابا ، وولى مدبرا..
فصدق سفیان: ( فکیف بمن أکل ثریدهم.. ووطىء بساطهم ) ؟؟
• ثالثاً: أسباب التکفیر:
السبب الشرعی عند الأصولیین: ( هو وصف ظاهر منضبط یثبت الحکم به من حیث أن الشارع علقه به )(۱۲) أو( هو ما یلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدمه )
أو ( هو جعل وصف ظاهر منضبط مناطا لوجود حکم ، أی یستلزم وجوده ) (۱۳)
وبتعبیر آخر هو ما جعله الشارع علامه على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه ، ولهذا قال العلماء ( الحکم یدور مع علته وجودا وعدما )
والعله والسبب مترادفان عند أکثر أهل الأصول ، قال فی( مراقی السعود):
ومع عله ترادف السبب والفرق بعضهم إلیه ذهب (۱۴)
ولما کان الإیمان عند أهل السنه والجماعه ذو أرکان ثلاثه ؛ هی الاعتقاد والقول والعمل..
فإن أسباب الکفر تقابل ذلک فهی: إما قول مکفر ، أو فعل مکفر ویدخل فیه (الترک المکفر ) ، أو شک أو اعتقاد مکفر.
– یقول ابن حزم (۴۵۶هـ) فی تعریف الکفر: ( وهو فی الدین: صفه من جحد شیئاً مما افترض الله تعالى الإیمان به بعد قیام الحجه علیه ببلوغ الحق إلیه ، بقلبه دون لسانه ، أو بلسانه دون قلبه ، أو بهما معاً أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له بذلک عن اسم الإیمان ) أهـ الإحکام فی أصول الأحکام (۱/۴۵)
– ویقول تاج الدین السبکی (۷۷۱هـ): ( التکفیر حکم شرعی سببه جحد الربوبیه أو الوحدانیه أو الرساله ، أو قول أو فعل حکم الشارع بأنه کفر وإن لم یکن جاحداً ) أهـ فتاوى السبکی (۲/۵۸۶) .
– ویقول الشربینی الشافعی (۹۷۷هـ) فی (مغنی المحتاج): ( الرده هی قطع الإسلام بنیه ، أو قول ، أو فعل ، سواء قاله استهزاءا ، أو عناداً ، او اعتقادا ) أهـ (۴/۱۳۳).
– ویقول منصور البهوتی الحنبلی ( ۱۰۵۱هـ): ( المرتد لغه: هو الراجع ، قال تعالى: (( ولا ترتدوا على أدبارکم فتنقلبوا خاسرین )) [المائده: ۲۱ ]. وشرعاً: الذی یکفر بعد إسلامه ، نطقاً أو اعتقاداً ، أو شکاً ،أو فعلاً. ) أهـ. (کشاف القناع عن متن الاقناع ) (۶/۱۳۶)
وأقاویل العلماء فی بیان ذلک کثیره..
وفیها أن أسباب الکفر أو الرده کما قدمنا هی: إما قول مکفر ، أو فعل مکفر ، أو اعتقاد أو شک مکفر..
وهذه أسباب الکفر عموماً..
أما أسباب التکفیر ، التی تعمل فی أحکام الدنیا فتنحصر فی: الفعل أو القول المکفر فقط ، وقد ذکرنا الأدله على أن من الأعمال والأقوال ما هو کفر مجرد مخرج من المله ، دون شرط ارتباط ذلک باعتقاد فاسد أو جحد أو استحلال فی کتابنا (إمتاع النظر فی کشف شبهات مرجئه العصر ) وأطلنا فیه النفس هناک ، فراجعه فإن ذلک محله.
وقد حصرت الشریعه أسباب التکفیر فی الدنیا بذلک وحده..
لأن الاعتقاد والشک أسباب غیر ظاهره ولا منضبطه فی أحکام الدنیا ، لذلک لم یعلق به الشارع أحکام الدنیا أو یجعلها أسباباً للتکفیر فیها ، وإنما جعل ذلک للذی یعلم السر وأخفى ، فهی لأجل ذلک أسباب للکفر أخرویه ، لا علاقه لأحکام الدنیا بها.. ولذلک کان من أبطن الکفر ولم یظهره ، بل أظهر شرائع الإسلام منافقاً یعامل فی أحکام الدنیا معامله المسلمین ، أما فی أحکام الآخره ، فیحاسبه الله على ما أبطن من أسباب الکفر فیکون مصیره الدرک الأسفل من النار..
وقد تقدم قول شیخ الإسلام ابن تیمیه فی الصارم المسلول ص۱۷۷-۱۷۸: ( وبالجمله فمن قال أو فعل ما هو کفر ، کفر بذلک وإن لم یقصد أن یکون کافراً ، إذ لا یقصد الکفر أحد إلا ما شاء الله ) أهـ.
فحصر أسباب الکفر بالقول والفعل المکفر – لأن ذلک هو المعتبر فی الدنیا ، ولم یتعرض للأسباب الباطنه الخفیه لأنها لا دخل لها فی أحکام الدنیا.. وانظر قریبا منه فی الصارم ص (۳۷۰)
وتقدم الکلام على قوله ( وإن لم یقصد أن یکون کافراً ) ، وذلک لأن الشارع ربط الأسباب مع مسبباتها (فإذا وجد السبب وتوافرت الشروط وانتفت موانعه ترتب علیه مسببه حتماً )
( لأن المسبب لا یتخلف عن سببه شرعاً ، سواء أقصد من باشر السبب ترتب المسبب علیه أم لم یقصده ، بل یترتب ولو قصد عدم ترتبه ) (۱۵)، ( فلیس للمکلف أن یحل الإرتباط الذی ربط به الشارع المسببات بأسبابها ) ولا یقدر علیه أصلاً ، ولو تمنى على الله الأمانی..
وعلى هذا فإذا ارتکب المکلف سبباً من أسباب الکفر الظاهره ، قول أو فعل مکفر ، وتوفرت الشروط وانتفت موانعه ،کفر، وإن زعم أنه لم یرد بذلک الکفر والخروج من الدین.. فهذا لا یقصد إلیه أحد إلا ما شاء الله ، وحتى النصارى ، لو قیل لهم ، هل تریدون الکفر بقولکم إن المسیح ابن الله. ؟ لنفوا ذلک وأنکروه.
• تنبیه حول أسباب التکفیر:
اعلم أنه إذا ما ارتکب المکلف سبباً من أسباب الکفر الظاهره ، وانتفت فی حقه موانع التکفیر ، کفر ، ولا یلزم أن یجمع أکثر من سبب کی یکفر ، بل تعدد أسباب الکفر أو علله یغلظ الکفر ویزیده ، فالکفر درکات کما أن الإیمان درجات.. وانظر فی هذا (فصل مراتب المکلفین فی الدار الآخره وطبقاتها) من کتاب (طریق الهجرتین ) لابن القیم، ویدل علیه قوله تعالى: (( إنما النسیء زیاده فی الکفر ))، والنسیء سبب زائد من أسباب الکفر أضافه مشرکوا قریش إلى کفریاتهم الأخرى ، وقال تبارک وتعالى أیضاً ((الأعراب أشد کفراً ونفاقاً)) [التوبه: ۹۳ ]
ففیه أن بعض الکفر أشد من بعض ، وهذا ظاهر ، فمن جمع بین عدد من أسباب الکفر فارتد بترک الإقرار بالشهادتین وترک الصلاه ، وضم إلى هذا الطعن فی دین الله وشتم رسوله صلى الله علیه وسلم والتألیب علیه والسعی فی حربه کعبد الله بن سعد بن سرح وعبد الله بن خطل ونحوهم ، ممن عددهم وذکر أخبارهم شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ، لا شک أن ردتهم أشد وأغلظ ممن کفرهم الله تعالى بسبب واحد من أسباب الکفر کالذین استهزءوا بالقراء فی غزوه تبوک ، وکالذین ارتدوا بالامتناع عن الزکاه وحدها دون أن یمتنعوا عن الصلاه أو سائر أرکان الإسلام ومبانیه..
والخلاصه أن تعلیل حکم الکفر بأکثر من عله أو سبب لیس بشرط للتکفیر، وإنما یزید ذلک حکم التکفیر تأکیداً فیکون الکفر فیه أشد وأغلظ..
کما قد یعلل التحریم أحیاناً بعلتین لتأکید تحریمه ، کما فی تحریم نکاح الربیبه(۱۶) ، إذا کانت محرمه بالرضاع إضافه إلى کونها ربیبه ، واستدل العلماء لذلک بحدیث أم حبیبه فی الصحیحین أنها قالت للنبی صلى الله علیه وسلم: إننا نتحدث أنک ناکح دره بنت أم سلمه ، فقال صلى الله علیه وسلم: (إنها لو لم تکن ربیبتی فی حجری لما حلت لی ، لأنها بنت أخی من الرضاعه ، أرضعتنی وأبا سلمه ثویبه مولاه أبی لهب ).
وقد کان الإمام احمد یقول فی بعض ما یغلظ تحریمه: ( هذا کلحم خنزیر میت ) یقول ذلک لتغلیظ التحریم وتقویته ، ومثل تأکید قتل من قتل وارتد وزنى وکان محصناً.. وهکذا (۱۷)
ومن هذا الباب کفر طواغیت الحکام فی هذا الزمان ، فإنه کفر مغلظ زائد ، لأنهم قد جمعوا أسباباً عدیده للکفر فخرجوا من الدین من أبواب شتى.. کالتشریع مع الله ما لم یأذن به الله ، والحکم بغیر ما أنزل الله ، واتباع وابتغاء غیر دین الله من مناهجهم الکفریه المبتدعه کالدیمقراطیه ونحوها.. وتولی الیهود والنصارى ومظاهره إخوانهم المرتدین من طواغیت الدول المختلفه على المجاهدین الموحدین ، وفتح أبواب الاستهزاء بالدین والترخیص لوسائله المرئیه والمسموعه والمقروءه.. وغیر ذلک مما یضیق المقام عن حصره وتعداده …

الفصل الثالث

التحذیر من أخطاء شائعه فی التکفیر

[۳]
فصل فی
التحذیر من أخطاء شائعه فی التکفیر
وهذه الأخطاء بعضها شائع ، وبعضها شنیع فی موضوع التکفیر ، یقع فیها کثیر من المتحمسین والمبتدئین والغلاه فیطلقون إطلاقات قد یکون الهوى دافعاً إلیها أحیاناً ، مع ضعف العلم والإخلاص ، فضعف العلم ثغره للشبهات ، وضعف الإخلاص ثغره للشهوات والاستسلام للشبهات والشهوات مطیه الهوى ومرکب الضلال.. وقد قال تعالى (( ولا تتبع الهوى فیضلک عن سبیل الله إن الذین یضلون عن سبیل الله لهم عذاب شدید بما نسوا یوم الحساب ))
وتاره قد یدفع إلیها البغی الحامل هلى المبالغات أحیاناً ، والإفتراء أحیاناً أخرى ، وقد قال تعالى (( یا أیها الناس إنما بغیکم على انفسکم )).. ومثل ذلک سوء الإراده النابعه من إفرازات الخصومات غیر المنظبطه بمیزان العدل الذی قامت به السماوات والأرض .. وقد قال تعالى: (( یا أیها الذین أمنوا کونوا قوامین لله شهداء بالقسط ولا یجرمنکم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله بما تعملون خبیر)).
واحیاناً أخرى یدفع إلى ذلک ضغط الواقع الکفری والإرهاب الفکری والحسی والمعنوی الذی یمارسه أعداء هذا الدین ، على اتباعه ، مما یفرز عند البعض بنات أفکار نابعه من ردود الفعل العکسیه ، وهو الذی یسمیه البعض بالفکر السجونی ، وغیر ذلک مما یخترعونه من أسماء یحاولون بها تشویه دعوه التوحید بدعوى أن عقیده أصحابها غیر أصیله ، ولا تمت إلى الدین بصله ، بل هی من افرازات مراحل القهر والفقر والاضطهاد ، ولذلک یحسبون أنها ستزول بزوال هذه المراحل..
وهذا الذی یزعمون ، إن وجد منه شیء ، فإنما یوجد عند ضعاف العقول ، وفقراء العلم ، الذین لم ینضبطوا بضوابط الشرع ، ولم یرتبطوا بقواعده وأصوله ، فتلاعبت بهم وبأفکارهم الظروف والأحوال ، والضغوط والأهوال.
وما أمثال هؤلاء من دعاه التوحید الحق ، وأصحاب العقیده الراسخه فی شیء..
وإنما تتسرب بعض إطلاقات الغلاه ، أحیاناً إلى بعض المتحمسین أو المبتدئین الذین لم ترسخ قدمهم بعد فی هذه الدعوه ، کما شاهدت غالباً ، عن حرقه للدین وغیره لمحارمه.
ثم العاقل منهم من إذا ذکر ، ذکر ورجع إلى أدله الشرع فیضبط بها غیرته وأقواله وأفعاله ، ، حال الرضا والغضب ، فی السراء والضراء … إذ معلوم أن الغیره المحموده ، إنما هی ما کان منضبطاً بضوابط الشرع لا ما یتولد من ردود الفعل العکسیه غیر منضبطه..
ولذلک قال النبی صلى الله علیه وسلم لما استصعب سعد أن یجد مع امرأته رجلاً ، أن یترکه ولا یقتله حتى یأتی بأربعه شهداء ، وذلک قبل نزول حکم اللعان.. وقال: کلا والذی بعثک بالحق نبیاً ، إن کنت لأعاجله بالسیف قبل ذلک ، ، وقال صلى الله علیه وسلم: ( أتعجبون من غیره سعد ، فو الله لأنا أغیر منه ، والله أغیر منی ، ومن أجل ذلک حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا شخص أغیر من الله.. ) الحدیث أصله فی الصحیحین.
ویروى فی الحدیث المرفوع أیضاً: ( إن من الغیره ، ما یحب الله ومن الغیره ما یبغض الله …) رواه الإمام أحمد وأبو داود وغیرهم وهو حدیث حسن بمجموع طرقه.
ولا شک أن أمثال هؤلاء ما داموا أنصاراً للدین فإنهم یعذرون ، إذا قویت الشبهه الدافعه لإطلاقاتهم فی بعض الناس.. کما عذر التبی صلى الله علیه وسلم عمر لما قال عن حاطب ( أنه قد نافق ) واستأذن فی قتله.. ولم یقل له: ( کفرت لأنک کفرت أخاک المسلم ) ، وذلک لأن حاطب قد وقع فی شبهه عمل مکفر.. لکن لا بد من تعلیمهم وتنبیههم وردهم إلى الجاده ، کما فعل النبی صلى الله علیه و سلم مع عمر … فالدین لا یحابی ولا یجامل أحداً..
وهذا عمر ، فکیف بمن سواه ممن هم دونه ، فالخطأ مهما کان الدافع إلیه یبقى خطأ.. ولیس بعد الحق إلا الضلال..
ولا یجمل وجه الضلال القبیح ، أو یزینه شیء من النوایا الطیبه ، أو المقاصد الحسنه ، أو الدوافع النبیله ، مهما کثرت وتضافرت..
ثم أعداء هذا الدین وخصوم هذه الدعوه ، یقفون بالمرصاد لکل هفوه أو عثره تصدر من أتباعها لا یقیلون لهم عثره … أو یذکرون لهم عذراً.. او یعذرونهم فی تاویل.. ولا یکلفون أنفسهم التفریق بین الدعوه واتباعها ، أو بین الراسخین فیها.. وبین المبتدئین..
وأندر وأعز سلعه عندهم الإنصاف ، وأکثرها وأوفرها الکذب والبهتان.. ومجرد الدعوى على وجه الخصومه ، لا یعجز عنها من یستجیز ویستحسن أن یتکلم بغیر علم او عدل..
وأصحاب دعوه التوحید المبارکه ذووا ثیاب ناصعه نقیه ، یظهر فیها أدنى غبش.. ولذلک یجب أن یحذروا الإنحراف عن منهجهم الأصیل ، ولو کان فی الأعین أدق من الشعر … فلیسوا هم کخصوم التوحید الذین سودوا وجوه أنفسهم وثیابهم برغام الباطل وبظلام الشهوات والشبهات ، فما عادوا یتحرجون من المهلکات ، أو یتورعون من الموبقات ، أو یخجلون من الطامات..
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیه فی رساله من أروع ما کتب فی النقد الذاتی – کما یسمونه فی لغه العصر -: ( أن من أسباب انتقاص المبتدعه للسلف ، ما حصل فی المنتسبین إلیهم من نوع تقصیر وعدوان ، وما کان من بعضهم من أمور اجتهادیه الصواب فی خلافها ، فإن ما حصل صار فتنه للمخالف لهم ، ضل به ضلالاً کبیراً ) أهـ مجموع الفتاوی (۴/۹۱)
ولذلک فما کنا لنقر مثل هذه الأخطاء ، فیمن نخالطهم أو ندرسهم أو نتول أمرهم ، ولا سکتنا عن شیء منها فی یوم من الأیام.. ولم یکن یهمنا فی سبیل تطهیر هذه الدعوه الغالیه من کل شائبه قد تشوبها أو تعکر صفوها ، رضى أو سخط ، القریب أو البعید.. ولا أثنانا عن ذلک بغیهم أو عداوتهم أو أذاهم ، فقد أوذی من هو خیر منا فی أنفسهم وأعراضهم حتى أتاهم نصر الله ، ورحم الله من قال
ادأب على جمع الفضائل جاهداً وأدم لها تعب القریحه والجسد
واقصد بها وجه الإله ونفع من تلقاه ممن جد فیها واجتهد
واترک کلام الحاسدین وبغیهم هملاً فبعد الموت ینقطع الحسد
ثم إن ممن کانت أسخطتهم براءتنا من تلکم الأخطاء والتجاوزات واستنکروها فی وقت من الأوقات ، رجعوا بعد نضجهم وتبصرهم ، أو بعدما أحسوا بخطر تلکم الشذوذات على الدعوه ، وتنبهوا إلى آثارها السلبیه ، فحمدوا براءتنا ، أو فعلوا فعلنا ولو بعد حین ، فکان مثلی ومثلهم کم قال:
بذلت لهم نصحی بمنعرج اللوى
فلم یستبینوا الرشد إلا فی ضحى الغدِ
فالحمد لله على کل حال ، فهؤلاء فی رجوعهم إلى الحق ، ولو بعد مشاکسه ولأواء ، خیر ممن تمادوا فی الخطأ والضلال ، وهدایه القلوب لیست بأیدینا ، ولا کانت یوماً بأیدی أحداً من البشر ، کما قال تعالى لخیرهم: (( إنک لا تهدی من أحببت ولکن الله یهدی من یشاء وهو أعلم بالمهتدین))..
بل ذلک فضل الله وتوفیقه ، یؤتیه سبحانه من یصطفی من عباده المجاهدین لأنفسهم ولأهواءهم ولأعداء الله فیه ، کما قال: (( والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا وإن الله لمع المحسنین ))
والخلاصه أننا بفضل الله تعالى وحده ما تحملنا شیئاً من تلکم الأخطاء والشذوذات فی یوم من الأیام ، ولا أقررناه ، ولا قبلناه أو دعونا إلیه أو کتبناه فی وقت من الأوقات ، وهاهی کتباتنا المطبوعه والمخطوطه شاهده بذلک ، منذ أن هدانا الله تعالى إلى هذه الطریق .. بل لازلنا نبرأ من تلکم الأخطاء والتخبطات قبل سجننا وأثنائه ، وسنبقى کذلک إن شاء الله تعالى ، ولم نتبن یوماً عقائد سجونیه ، ولا ردود فعل عکسیه غیر منضبطه بضوابط الشرع ، بل حملنا هذه العقیده التی هی عقیده أهل السنه والجماعه ، وکتبنا فیها ، ودعونا إلیها فی السراء والضراء ، عن دراسه وبحث ونظر فی أدله الشرع ومقالات السلف..
وما زلنا بفضل الله وحده ، علیها فی الحبس والقید والضراء ، ما ملنا بسبب ضغط أو إغراء ، إلى إفراط أو تفریط.. فنسأل الله تعالى أن یتم نعمته علینا بالثبات وحسن الختام..
وهانحن نکتب فی ذلک ، نصحاً وتنبیهاً للمبتدئین والمتحمسین.. وتحذیراً وترهیباً للغلاه والمفرطین.. وتأکیداً لبراءئتنا وبراءه أصحاب هذه الدعوه ، من الشذوذات والأخطاء..

(( ۱ ))
عدم التفریق بین الکفر المطلق وتکفیر المعین
أو کفر النوع وکفر العین
وذلک ان کثیرا من المبتدئین فی طلب العلم لا یمیزون ؛ بین إطلاقات کثیر من العلماء فی کتبهم.. نحو: ( حکایه ابن القیم رحمه الله عن خمسمائه إمام من أئمه الإسلام أنهم کفروا من أنکر الاستواء وزعم أنه بمعنى الاستیلاء ) أو نحو قولهم: ( من قال (القرآن مخلوق) فقد کفر ) أو (قال (إن الله فی کل مکان) فقد کفر )..
وعلى هذا المنوال ما کنا نطلقه من إطلاقات عن بعض من وقع بأعمال او أقوال مکفره: ( ان فلانا قد وقع بمکفرات ) أو ( أنه قال أو فعل الکفر ) فقد کان ینسب بعض المبتدئین إلینا بسبب مثل هذه الإطلاقات تکفیر أولئک المعینین ، وهو ما لم نقله أو نقصده بحال..
وکذلک اطلاقات العلماء فی الطوائف المنحرفه ، عن عقیده أهل السنه والجماعه کقولهم (الجهمیه کفار) ، أو ( القدریه کفار ) أو نحو ذلک.
فلا یمیزون بین هذا ، وبین تنزیل هذه الأحکام على الأعیان.. فربما کفروا کل من سمعوا منه شیئاً من هذه المقالات أو قرؤوه فی کتبه ومؤلفاته.. حتى سمعت منهم من کفر کثیراً من الأعلام لوقوعهم فی شیء من تأویل الصفات کالحافظ بن حجر والنووی وغیرهم ، ومن المعاصرین سید قطب(۱) وغیره.. وهذا کله من التهور والتسرع الذی لا تحمد عقباه..
والصواب عند العلماء المحققین أنهم وإن أطلقوا تلک الإطلاقات فی المقالات أو الطوائف التی تنتحلها.. إلا أنهم لا ینزلون حکم التکفیر على المعین إلا بعد النظر فی شروط التکفیر وموانعه، فمن ذلک ما ذکره شیخ الإسلام مراراً فی الفتاوى أن (الجهمیه کفرهم السلف والأئمه تکفیراً مطلقاً ، وإن کان الواحد المعین لا یکفر إلا بعد قیام الحجه التی یکفر تارکها ) أهـ (۲)
وخلاصه هذا الموضع:
– أن التکفیر المطلق: هو أن یثبت بالدلیل الشرعی کفر من أتى بقول أو فعل معین ، وذلک أن یقال من قال کذا فقد کفر ، أو من فعل کذا فقد کفر ، هکذا بإطلاق دون تنزیل الحکم بالکفر على شخص بعینه.
– فالتکفیر المطلق: هو تنزیل الحکم بالکفر على السبب ، لا على الشخص فاعل السبب.
أی هو (تجریم الفعل نفسه لا الفاعل) ؛ ولذلک یکفی فیه فقط ، النظر فی الدلیل الشرعی من حیث کونه قطعی الدلاله على الکفر الأکبر ، وأنه لیس من الصیغ محتمله الدلاله ، مع النظر فی قطعیه دلاله الفعل أو القول نفسه على الکفر.
– أما تکفیر المعین: فهو تنزیل حکم التکفیر على الشخص المعین ، الذی قال أو فعل السبب المکفر ، فلا بد فیه إضافه إلى النظر فی تجریم الفعل کما فی التکفیر المطلق ، أن ینظر فی حال الفاعل أو القائل من حیث ثبوت الفعل علیه ، وانتفاء موانع الحکم فی حقه ، أی استفاء شروط التکفیر وانتفاء موانعه..
وقد تقدمت الشروط والموانع فی الفصل السابق وتقدم أن مراعاتها إنما یجب فی حق غیر الممتنع..
یقول شیخ الإسلام ابن تیمیه: ( وکنت أبین لهم أن مانقل لهم عن السلف والأئمه من إطلاق القول بتکفیر من قال کذا وکذا ، فهو أیضا حق ، لکن یجب التفریق بین الإطلاق والتعیین ، وهذه أول مسأله تنازعت فیها الأمه من مسائل الأصول الکبار ، وهی مسأله ( الوعید ) فإن نصوص القرآن فی الوعید مطلقه کقوله ( إن الذین یأکلون أموال الیتامى ظلما … ) الآیه.. وکذلک سائر ما ورد؛ من فعل کذا فله کذا ، فإن هذه مطلقه عامه.. وهی بمنزله من قال من السلف ، من قال کذا فهو کذا ، ثم الشخص المعین یلتغی حکم الوعید فیه بتوبه أو حسنات ماحیه أو مصائب مکفره أو شفاعه مقبوله.
والتکفیر هو من الوعید ، فإنه وإن کان القول تکذیبا لما قاله الرسول صلى الله علیه وسلم ، لکن قد یکون الرجل حدیث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادیه بعیده ، ومثل هذا لا یکفر بجحد ما یجحده حتى تقوم علیه الحجه ، وقد یکون الرجل لم یسمع تلک النصوص أو سمعها ، ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأویلها وإن کان مخطئا ) أهـ مجموع الفتاوى ( ۳/۱۴۷-۱۴۸ )
وقال أیضا ( ۳۵/۱۰۱ ): ( وأصل ذلک: أن المقاله التی هی کفر بالکتاب والسنه والإجماع یقال هی کفر قولا یطلق ، کما دل على ذلک الدلائل الشرعیه ، فإن ” الإیمان ” من الأحکام المتلقاه عن الله ورسوله ، ولیس ذلک مما یحکم فیه الناس بظنونهم وأهوائهم ، ولا یجب أن یحکم فی کل شخص قال ذلک بأنه کافر حتى یثبت فی حقه شروط التکفیر ، وتنتفی موانعه ، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال ، لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه ببادیه بعیده ، أو سمع کلاما أنکره ، ولم یعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحادیث رسول الله صلى الله علیه وسلم ….. الخ ) وقد تقدم..
وقال ( ۲۳/۱۹۵ ): ( وحقیقه الأمر فی ذلک: أن القول قد یکون کفرا ، فیطلق القول بتکفیر صاحبه ، ویقال: من قال کذا فهو کافر ، لکن الشخص المعین الذی قاله لایحکم بکفره ، حتى تقوم علیه الحجه التی یکفر تارکها ، وهذا کما فی نصوص الوعید فإن الله سبحانه وتعالى یقول: (( إن الذین یأکلون أموال الیتامى ظلما إنما یأکلون فی بطونهم نارا وسیصلون سعیرا )) * النساء.
فهذا أو نحوه من نصوص الوعید حق ، لکن الشخص المعین لا یشهد علیه بالوعید ، فلا یشهد لمعین من أهل القبله بالنار لجواز ألا یلحقه الوعید لفوات شرط ، أو ثبوت مانع ، فقد لا یکون التحریم بلغه ، وقد یتوب من فعل المحرم ، وقد تکون له حسنات عظیمه تمحو ذلک المحرم ، وقد یبتلى بمصائب تکفر عنه ، وقد یشفع فیه شفیع مطاع.
وهکذا الأقوال التی یکفر قائلها قد یکون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبه لمعرفه الحق ، وقد تکون عنده ولم تثبت عنده ، أو لم یتمکن من فهمها ، وقد یکون عرضت له شبهات یعذره الله بها ، فمن کان من المؤمنین مجتهدا فی طلب الحق وأخطأ ، فإن الله یغفر له خطأه – کائنا ما کان – سواء کان فی المسائل النظریه ، أو العملیه ، هذا الذی علیه أصحاب النبی صلى الله علی وسلم وجماهیر أئمه الإسلام ) أهـ.
وقال أیضا ، بعد أن ذکر نزاع بعض المتأخرین فی تکفیر أهل البدع هل هو کفر ینقل عن المله أم لا ، وهل یخلدون فی النار أم لا … قال: ( وحقیقه الأمر: أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمه ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشارع ، کلما رأوهم قالوا: من قال کذا فهو کافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامه الأئمه الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم هذا الکلام بعینه ، فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمیه الذین دعوه إلى القول بخلق القرآن ونفی الصفات ، وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنین والمؤمنات الذین لم یوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس … وذکر أن أکثر أولی الأمر کانوا یکفرون کل من لم یکن جهمیا موافقا لهم ویعاملونهم معامله الکفار … الخ ، إلى قوله: ( ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقاله أعظم من قولها ، وإثابه قائلها وعقوبه تارکها أعظم من مجرد الدعاء إلیها …..
ثم إن الإمام أحمد دعا للخلیفه وغیره ، ممن ضربه وحبسه ، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه … ولو کانوا مرتدین عن الإسلام لم یجز الاستغفار لهم ، فإن الاستغفار للکفار لا یجوز بالکتاب والسنه والإجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غیره من الأئمه صریحه فی أنهم لم یکفروا المعینین من الجهمیه ….
وقد نقل عن أحمد ما یدل على أنه کفر به قوما معینین ، فأما أن یذکر عنه فی المسأله روایتان ففیه نظر ، أو یحمل الأمر على التفصیل ، فیقال: من کفر بعینه ، فلقیام الدلیل على أنه وجدت فیه شروط التکفیر وانتفت موانعه ، ومن لم یکفره بعینه فلانتفاء ذلک فی حقه ، هذا مع إطلاق قوله بالتکفیر على سبیل العموم )أهـ.
مجموع الفتاوى (۱۲/۲۶۱-۲۶۲)
والخلاصه.. أن عدم مراعاه الفرق بین التکفیر المطلق وتکفیر الأعیان مزله ومهواه.. تردى فیها البعض ، فکفروا خلقاً ممن لا یحل تکفیرهم إلا بعد الإعذار والإنذار ، فضلوا بذلک وأضلوا کثیراً..

(( ۲ ))
التکفیر بناء على قاعده (الأصل فی الناس الکفر) لأن الدار دار کفر
ومن الأخطاء الشنیعه فی التکفیر؛ التکفیر بناء على قاعده (الأصل فی الناس الکفر) لان الدار دار کفر ومعاملتهم واستحلال دماءهم وأموالهم وأعراضهم بناء على هذه القاعده ، التی أصلوها تفریعاً على أن الدار دار کفر ، وهذا أمر منتشر بین کثیر من الغلاه ، وقد تحمله بعض الجهال عنهم دون أن یعرفوا أصله وتبعاته ، ونحن ولله الحمد والمنه لم نقل بهذا التأصیل ولا تبنیناه فی یوم من الأیام ، بل کنا –ولازلنا- من أشد المنکرین له ، حتى کفرنی بعض غلاه المکفره ، لما خالفتهم فیه ، وناظرتهم فی إبطاله ، ویومها لم أجد عندهم ما یحتجون به لتأصیلهم هذا ، إلا عباره مبتوره لشیخ الإسلام ابن تیمیه اقتطعوها من فتوى له حول بلده ماردین ، وهی قوله فیها: ( ولا بمنزله دار الحرب التی أهلها کفار ) وقد حرفوها فجعلوها ( دار الکفر التی أهلها کفار ) فخرجوا من ذلک أن کل دار کفر – ولو کانت طارئه حادثه لا أصلیه – فأهلها کلهم کفار ، إلا من عرفوا تفاصیل معتقده.. وقد بینت لهم یومها أن هذه اللفظه – خصوصا فی ماردین وأمثالها من دور الکفر الطارئه – ما هی إلا اصطلاح للفقهاء للدار التی غلب علیها الکفار وعلتها أحکامهم.. ولا دخل لقاطنیها بوصف الکفر إلا من ارتکب سببا من أسباب التکفیر.. وذکرت لهم بعض التفصیل الآتی ، ولکنهم لم یرفعوا بذلک رأسا ، وأصروا على التمسک بتلک العباره.. فعجبت کیف یقلب الهوى الموازین ، ویجعل من یقر بعدم حجیه قول الصحابی ولا یقبل قول غیره من أهل القرون الثلاثه المفضله فی فرع من الفروع ، یحتج بقول مبتور مقتطع من کلام عالم فی القرن السابع ، وفی مسأله هی من أخطر أبواب الدین ، عندما یظن أن ذلک القول یوافق هواه ، أو یحقق رغبته وحاجته.. !! مع أنهم یقرون بأن جمیع الخلق بعد رسول الله صلى الله علیه وسلم یحتج لکلامهم ولا یحتج به ، ویحتاج إلى الدلیل والبرهان ولیس هو وحده بدلیل ولا برهان..
وقد بین الله عز وجل بعض دوافع النفس وأهوائها ، فی الاندفاع نحو التکفیر والتسرع فیه أحیانا ، فی قوله تعالى: (( ولا تقولوا لمن ألقى إلیکم السلام لست مؤمنا )) ؛ فقال: (( تبتغون عرض الحیاه الدنیا )).. وکذلک کانت رغبات أولئک الأغرار الذین کنت أناظر بعضهم ، فقد کانوا یتحینون أسهل وأقرب فرصه لانتهاب أو سرقه ما یقع تحت أیدیهم من أموال وممتلکات من حکموا علیهم بالکفر ، حتى وإن کانوا من الدعاه والمجاهدین ، أو من المسلمین المستضعفین ، فأموالهم عندهم غنائم ، وقد شاهدت من ذلک أمثله ، وفی آخر الأمر اقتتلوا هم فیما بینهم واختلفوا على بعض الأموال.. ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!
أسأل الله تعالى أن یهدیهم سواء السبیل ، وأن یجنب شباب المسلمین هذه الفتن المضله.. ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍إذ الجرأه على تکفیر المسلمین وإباحه دماء الموحدین وأموالهم من غیر موجب شرعی ، لا تقدم علیه إلا النفوس المریضه التی لم تشم رائحه الورع والتقوى..
وقد قال النبی صلى الله علیه وسلم فی حجه الوداع: ( إن دماءکم وأموالکم وأعراضکم حرام علیکم کحرمه یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا )
وقال أیضا فیما یرویه البخاری ومسلم: ( لا یحل دم امریء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثیب الزانی ، والنفس بالنفس ، والتارک لدینه المفارق للجماعه ).
وقال صلى الله علیه وسلم: ( لن یزال المؤمن فی فسحه من دینه ما لم یصب دما حراما ) رواه البخاری من حدیث ابن عمر
وفیه: وقال ابن عمر: ( إن من ورطات الأمور التی لا مخرج لمن أوقع نفسه فیها سفک الدم الحرام بغیر حله )
وفی البخاری أیضا سأل میمون بن سیاه أنس بن مالک ، قال: یا أبا حمزه ، ما یحرم دم العبد وماله ؟
فقال: ( من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأکل ذبیحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعلیه ما على المسلم )
وتقدم ما ذکره القاضی عیاض فی الشفا (۲/۲۷۷) عن العلماء المحققین قولهم: ( إن استباحه دماء المصلین الموحدین ، خطر ، والخطأ فی ترک ألف کافر أهون من الخطأ فی سفک محجمه من دم مسلم واحد ) أهـ.
ونقل عن القابسی قوله: ( ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح ، وفی الأدب بالسوط والسجن نکال للسفهاء.. ) أهـ. (۲/۲۶۲).
ولو انشغل هؤلاء فی طلب العلم الشرعی وتقلیب کتب العلماء ومطالعه الأصول والفروع ، لعرفوا أن دون إباحه الدم والمال وإن صدر القول أو الفعل المکفر ؛ مراحل وشروط وموانع قد تمنع من التکفیر فضلا عن الإباحه.. خصوصا فی أمثال من تسلطوا علیهم من المستضعفین أو الدعاه والمؤمنین غیر الممتنعین بشوکه الطواغیت أو أنظمتهم وقوانینهم.. وأنه لا یلزم من الحکم على الفعل أو القول بالکفر ، تکفیر المعین – کما تقدم – ومن ثم فلا تترتب على الحکم آثاره التی یهوونها ویشتهونها ویبتغونها..
أضف إلى هذا أن جمهور العلماء ، بل ذکر ابن المنذر إجماعهم ؛ على أن مُلک المرتد لا یزول بمجرد ردته(۱) إذا کانت ردته غیر مغلظه ولا کان ممتنعا ، فإنه یستتاب والحاله کذلک ، وقد یرجع إلى الإسلام.
وکل من تأمل فتوى شیخ الإسلام التی اجتزؤوا منها حجتهم ، وجدها من أولها إلى آخرها حجه علیهم ، فقد سئل رحمه الله عن بلده ماردین التی احتلها التتار وتغلبوا علیها وفیها أناس مسلمون …. فأجاب رحمه الله: ( الحمد لله دماء المسلمین وأموالهم محرمه حیث کانوا فی ماردین أو غیرها … والمقیم بها إن کان عاجزا عن إقامه دینه وجبت الهجره علیه ، وإلا استحبت ولم تجب … ) إلى قوله: ( ولا یحل سبهم عموما ورمیهم بالنفاق ، بل السب والرمی بالنفاق یقع على الصفات المذکوره فی الکتاب والسنه فیدخل فیها بعض أهل ماردین وغیرهم(۲) وأما کونها دار حرب أو سلم ، فهی مرکبه: فیها المعنیان ، لیست بمنزله دار السلم التی تجری علیها أحکام الإسلام لکون جندها مسلمین ، ولا بمنزله دار الحرب التی أهلها کفار ، بل هی قسم ثالث یعامل المسلم فیه بما یستحقه ، ویقاتل الخارج عن شریعه الإسلام بما یستحقه ) أهـ. مختصرا من مجموع الفتاوى (۲۸/۱۳۵).
فهو یقرر:
– أن دماء المسلمین وأموالهم ، الأصل الأصیل فیها ؛ هو الحرمه والعصمه حیث کانوا ، ولا دخل للدار أو البلده فی ذلک ، بل مناط تلک العصمه إظهار المرء للإسلام ، لا إظهار الدار للإسلام.
– وأنه لا یحل رمی المسلمین بشیء من صفات النفاق ونحوها ، لمجرد کون الدار قد صارت تحت غلبه الکفار ، دون أن یحدث أولئک المسلمون أمرا.
– وأن الدار التی سئل عنها وأمثالها ، وإن کان ینطبق علیها وصف الفقهاء لدار الکفر لغلبه الکفار علیها ، إلا أنها بالنسبه للحکم على أهلها مرکبه.
فلیست هی کدار الإسلام الأصلیه التی یتمیز فیها أهل الکتاب بالغیار ( أی اللباس الذی یمیزهم ) ولا یقر المرتد فیها بحال.. فالأصل فی کل من عدا أهل الکتاب من ساکنیها ، أنه من المسلمین ولذلک أمر رسول الله صلى الله علیه وسلم أن یسلم المرء فی مثلها على من یعرف ومن لا یعرف(۳).. ولذلک نص الفقهاء واستدلوا کثیرا فی فروع الفقه بمقوله: ( الأصل فی دار الإسلام الإسلام )..
ولا هی أیضا بمنزله دار الحرب التی أهلها کفار ولم تکن یوما دار إسلام ولا کان جمهور أهلها مسلمین.. فهی إذن لیست دار کفر أصلیه ، بل قد کانت قبل تغلب الکفار علیها دار إسلام وجمهور أهلها من المسلمین.. ولذلک لم ینط الحکم على أهلها ومعاملتهم تبعا لشیء من تلک الاصطلاحات لعدم انضباطها ، بل من أظهر الإسلام عصم ماله ودمه وعومل معامله المسلمین ، ومن خرج عن شریعه الإسلام عومل بما یستحقه.. فکلامه رحمه الله واضح لا لبس فیه..
ولکن الأمر کما ذکر رحمه الله فی موضع غیر هذا.. أن اجتماع الشهوه مع الشبهه یقوی الدافع إلى الشبهه ویورث فساد العلم والفهم..
والقوم وجدوا فی ذلک الفهم السقیم ، ما یثبت شبهاتهم ویسوغ شهواتهم ( الغنائمیه)
فتمسکوا بقوله ( ولا بمنزله دار الحرب التی أهلها کفار ) ؛ فجعلوا الکفر هو الأصل فی أهل کل دار تدخل تحت اصطلاح دار الکفر ولو کان وصف الکفر فیها طارئا لغلبه الکفار على أحکامها.. فکفروا أهلها کلهم ولو کان جمهورهم من المنتسبین للإسلام.. وتمسکوا بذلک وأصروا علیه..
هذا وقد کنت تتبعت قدیما مصطلح دار الکفر ودار الإسلام وجمعت أقوال کثیر من العلماء وتعریفهم للدار ، ونظرت فی أثر هذا الاصطلاح عندهم على قاطنیها ، فلم أجد عند أحد من العلماء المحققین شیئا من هذا الذی رامه هؤلاء.. خصوصا فی دار الکفر الطارئه التی کان جمهور أهلها مسلمین..
نعم وجدت شیئا شبیها بمقالاتهم.. عند بعض طوائف الخوارج الضلال..
فالأزارقه أصحاب (نافع بن الأزرق) قالوا: ( إن من أقام فی دار الکفر فهو کافر ، لا یسعه إلا الخروج ) ، ومعلوم أنهم یرون أن دار مخالفیهم من المسلمین دار کفر.
والبیهسیه والعوفیه قالوا: ( إذا کفر الإمام کفرت الرعیه الغائب منهم والشاهد ) وهذا کله من سخفهم وجهلهم ، وسنأتی على ذکره فی الفصل الرابع من هذا الکتاب..
أما العلماء المحققین ، فقد تدبرت أقوال کثیر منهم ، فلم أجد عندهم شیئا من هذه الإطلاقات ؛ ولا یعکر على إطلاقی هذا ما ورد فی أحکام القرآن للجصاص وغیره ، مما قد یظنه المتعجل شبیها بذلک ، فلیس هو من هذا الباب ، وذلک لکونه ورد فی أرض العدو التی یعنون بها دار الحرب أو الکفر الأصلیه ، وفی ظل وجود دار إسلام وجماعه المسلمین الذین یقدر المسلم على التحول إلیهم ثم هو یفرط فی ذلک ویبقى مکثرا لسواد أهل الشرک.
أما إطلاق تلک القاعده وذلک الاصطلاح وإعماله مطلقا فی قاطنی الدار التی طرأ علیها الکفر مع أن جمهور أهلها من المنتسبین للإسلام ، دون اعتبار لاستضعاف المسلمین وعدم وجود دار إسلام یهاجر ویأوی إلیها المسلم ، ودون أن یتواطأ المسلم أو یعین على کفر ، فهذا ما لم أجده بحال ، وأعجبنی فی خاتمه المطاف قول الشوکانی فی السیل الجرار: ( اعلم أن التعرض لذکر دار الإسلام ودار الکفر قلیل الفائده جدا ، لما قدمنا لک فی الکلام على دار الحرب ، وأن الکافر الحربی مباح الدم والمال على کل حال ما لم یؤمّن من المسلمین ، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمه الأسلام فی دار الحرب وغیرها ) أهـ. (۴/۵۷۶).
فهذا الذی یهمنا من ذلک ، وهو موافق لخلاصه کلام شیخ الإسلام فی أهل ماردین وغیرهم..
والعلماء جمیعهم على ذلک.. فأنت تخرج من تتبع تعریفاتهم لدار الکفر ودار الإسلام ، بأن هذه المسمیات اصطلاح فقهی لا أثر له فی الحکم على من أمکن معرفه دینه من قاطنی الدیار ، وأن من أظهر الإسلام ولم یأت بناقض من نواقضه الظاهره معصوم الدم والمال حیث کان..
وتعریفاتهم وإن تفاوتت بعض التفاوت ، فجمهورهم على أن هذا المصطلح یطلق تبعا للأحکام والغلبه التی تعلو الدار، فإن کانت تعلو الدار أحکام الکفر أو أن الغلبه فیها للکفار فقد اصطلحوا على تسمیتها دار کفر، وإن کان أکثر أهلها من المسلمین.. وإن کانت الغلبه فیها والأحکام للمسلمین فهی دار إسلام وإن کان أکثر قاطنیها من الکفار، کما یکون الحال فی البلاد التی یسکنها أهل الذمه ویحکمها المسلمون..
قال ابن حزم (۴۵۶هـ): (وقول رسول الله صلى الله علیه وسلم ” أنا بریء من کل مسلم أقام بین أظهر المشرکین ” إنما عنى بذلک دار الحرب ، وإلا فقد استعمل علیه السلام عماله على خیبر وهم کلهم یهود ، وإذا کان أهل الذمه فی مدائنهم لا یمازجهم غیرهم فلا یسمى الساکن فیهم لإماره علیهم أو لتجاره بینهم کافرا ولا مسیئا بل هو مسلم محسن ، ودارهم دار إسلام لا دار شرک ، لأن الدار إنما تنسب للغالب علیها والحاکم فیها والمالک لها ) أهـ المحلى (۱۱/۲۰۰).
وقال القاضی أبو یعلى الحنبلی(۴۵۸هـ): ( کل دار کانت الغلبه فیها لأحکام الکفر دون أحکام الإسلام فهی دار کفر ) أهـ. المعتمد فی أصول الدین ص(۲۷۶).
وقال ابن القیم(۷۵۱هـ): ( ما لم تجر علیه أحکام الإسلام لم یکن دار إسلام وإن لاصقها ، فهذه الطائف قریبه إلى مکه جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مکه ) أهـ أحکام أهل الذمه (۱/۳۶۶).
وقال الشوکانی (۱۲۵۰هـ) فی السیل الجرار (۴/۵۷۵): (الاعتبار بظهور الکلمه فإن کانت الأوامر والنواهی فی الدار لأهل الإسلام ؛ فهذه الدار دار إسلام ولا یضر ظهور الخصال الکفریه فیها لأنها لم تظهر بقوه الکفار ولا بصولتهم ، کما هو مشاهد فی أهل الذمه من الیهود والنصارى والمعاهدین الساکنین فی المدائن الإسلامیه ، وإذا کان الأمر بالعکس فالدار بالعکس ) أهـ.
وقال سلیمان بن سحیمان (۱۳۴۹هـ) شعراً: –
إذا ما تغلب کافر متغلب على دار إسلام وحل بها الوجل
وأجرى بها أحکام کفر علانیا وأظهرها فیها جهاراً بلا مهل
‍ وأوهى بها أحکام شرع محمد ولم یظهر الإسلام فیها وینتحل
فذی دار کفر عند کل محقق کما قال أهل الدرایه بالنحل
وما کل من فیها یقال بکفره فرب امرئ فیها على صالح العمل
فأنت ترى من مطالعه هذه التعریفات وغیرها أنهم اصطلحوا على هذا المصطلح کدلاله على نوع الغلبه والأحکام التی تعلوا الدار ، وینبهون کما رأیت غالباً على أن المسلم معصوم الدم والمال حیث کان وأنه لا أثر لقاطنی الدیار ، إسلام أکثرهم أو کفرهم فی الحکم على الدار ، کما وأنه لا أثر للحکم على الدار وحده فی إسلامهم أو کفرهم.. خصوصا إذا کانت دار کفر حادثه طارئه ، لا أصلیه..
وما کل من فیها یقال بکفره فرب امرئ فیها على صالح العمل
کما قال ابن سمحان..
• ولقد فتح النبی صلى الله علیه وسلم خیبر عام ۷هـ ، وکان أهلها کلهم یهود فأقرهم صلى الله علیه وسلم فیها وصالحهم على زراعتها، فصارت بغلبه المسلمین وعلو أحکامهم علیها ، دار إسلام ، وجازت السکنى والإقامه فیها والاستیطان ، فکان له صلى الله علیه وسلم فیها عمال..
• وفی المقابل لما ادعى الأسود العنسی النبوه فی الیمن وارتد قوم من أهلها واتبعوه حتى غلب على صنعاء – وذلک فی آخر أیام النبی صلى الله علیه وسلم فی الدنیا – فقتل الأسود والیها شهر بن باذان الذی کان قد أقره النبی صلى الله علیه وسلم علیها ، وفر بعض عمال النبی صلى الله علیه وسلم إلى المدینه لما استشرى أمر العنسی ، وارتد خلق معه (وعامله المسلمون هناک بالتقیه )(۴) فلم یکفروا ببقائهم فی دار الرده وعدم فرارهم، بل کان منهم فیروز الدیلمی وأصحابه الذین ثبتوا واحتالوا حتى قتلوا الأسود العنسی وعادت الغلبه فی الیمن للمسلمین..
فهاهی صنعاء صارت دار کفر بغلبه المرتدین والکفار علیها بعد أن کانت دار إسلام أی أنها صارت دار رده ، وبقیت تحت غلبه الأسود الذی ادعى النبوه لمده أربعه أشهر أو قریباً منها.. ولم یمنع ذلک من وجود مسلمین صالحین فیها ، یأخذون بالتقیه ، ویعملون لإعاده الغلبه للمسلمین ، حتى تمکنوا فی آخر أمرهم من قتل الأسود وإعاده الیمن إلى حکم المسلمین ، ولم ینکر النبی صلى الله علیه وسلم ذلک (۵) ، ولا قال أنهم کفروا ببقائهم فی صنعاء وعدم فرارهم إذ صارت دار کفر بتغلب الکفار علیهم.. وهذا مع وجود دار الإسلام وجماعه المسلمین.
• وأیضا بعد ذلک لما سقطت مصر ، بأیدی العبیدیین الکفره من بنی عبید القداح واستولوا علیها وتغلبوا على الحکم فیها صارت دار کفر ورده بعد أن کنت دار إسلام وجمهور أهلها من المسلمین ، فبقیت تحت حکم العبیدیین نحو مائتی سنه أظهروا فیها رفضهم وکفرهم وزندقتهم ، حتى ألّف ابن الجوزی کتابه ( النصر على مصر ).. ومع ذلک لم یقل أحد من العلماء المحققین أن حکم الکفر هذا الذی أطلق على الدار وعلى المتغلبین علیها ، قد شمل أهلها المستضعفین..
بل قد کان فیهم علماء وفقهاء وصالحون کثیر ، فمنهم من کان مستخفیا ولا یقدر على إظهار عقیدته فی بنی عبید ، بل ولا حتى التحدیث بحدیث رسول الله صلى الله علیه وسلم مخافه أن یقتل ( کما حکى إبراهیم بن سعید الحبال صاحب عبد الغنی بن سعید أنه امتنع من روایه الحدیث خوفا أن یقتلوه ) (۶)
ومع هذا فعموم المسلمین کانوا یضمرون بغض بنی عبید ، والبراءه منهم ، وربما أظهر ذلک بعضهم بطریقه لا یناله فیها بطشهم ، کما ذکر السیوطی فی مقدمه تاریخ الخلفاء عن ابن خلکان أنه قال فی العبیدیین: ( وقد کانوا یدعون علم المغیبات ، وأخبارهم فی ذلک مشهوره ، حتى إن العزیز صعد یوما المنبر فرأى ورقه مکتوب فیها:
بالظلم والجور قد رضینا ولیس بالکفر والحماقه
إن کنت أعطیت علم الغیب بین لنا کاتب البطاقه.
وکتبت إلیه امرأه قُصه فیها: بالذی أعز الیهود بمیشا ، والنصارى بابن نسطور ، وأذل المسلمین بک ، إلا نظرت فی أمری ) أهـ (۷).
فمَنْ من العلماء المحققین ، لا من الفشارین المتهورین.. قال بتکفیر هؤلاء لمجرد إقامتهم فی دار الکفر ما داموا لم یظهروا سببا من أسباب الکفر ؟؟ هذا مع وجود در إسلام یهاجر إلیها فی ذلک الوقت ، فکیف مع عدمها فی زماننا ؟؟
وقد کان العبیدیون شرا على مله الإسلام من التتر کما ذکر الذهبی ، فمنهم من کان یظهر سب الأنبیاء.. أما سب الصحابه فحدث ولا حرج – فقد ذکر السیوطی عن أبی الحسن القابسی: ( أن الذین قتلهم عبید الله وبنوه من العلماء والعباد أربعه آلاف رجل لیردوهم عن الترضی عن الصحابه فاختاروا الموت ، قال: فیا حبذا لو کان رافضیا فقط ، ولکنه زندیق ) تاریخ الخلفاء ص ۱۳٫
فأنت ترى أنه کان فی مصر آنذاک فقهاء ، کما قدمنا أیضا فی کلام أبی محمد القیروانی الکیزانی قوله: ( إنما أقام من أقام من الفقهاء على المباینه لهم لئلا تخلوا للمسلمین حدودهم فیفتنوهم عن دینهم ) أهـ.
فکان منهم من یستخفی ومنهم من یظهر دینه فیقتل.. کما قال القاضی أبو بکر الباقلانی: ( کان المهدی عبید الله باطنیا خبیثا حریصا على إزاله مله الإسلام ، أعدم العلماء والفقهاء لیتمکن من إغواء الخلق ) أهـ. تاریخ الخلفاء ص ۱۲٫
وممن واجههم بکفرهم من العلماء الشهید – نحسبه کذلک – أبو بکر النابلسی الذی أحضره المعز: ( فقال له: بلغنی عنک أنک قلت: لو أن معی عشره أسهم لرمیت الروم بتسعه ورمیت المصریین بسهم ، فقال ما قلت هذا ، فظن أنه رجع عن قوله ، فقال کیف قلت ؟ قال: قلت: ینبغی أن نرمیکم بتسعه ثم نرمیهم بالعاشر. قال: ولم ؟ قال: ( لأنکم غیرتم دین الأمه وقتلتم الصالحین وأطفأتم نور الإلهیه ، وادعیتم ما لیس لکم ) فشهره ثم ضربه بالسیاط ثم جاء بیهودی فأمره بسلخه فجعل یسلخه وهو یقرأ القرآن ، قال الیهودی: فأخذتنی رقه علیه ، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسکین فمات.. ) البدایه والنهایه ( ۱۱/۲۸۴) مختصرا وانظر سیر أعلام النبلاء (۱۶/۱۴۸).
والشاهد من هذا کله أن أحوال المسلمین تحت حکم المتغلبین الکفار فی کل زمان تغلبوا فیه على بعض دیار الإسلام ، کانت تتفاوت بین مستضعف مستخف أو آخذ بالتقیه أو مجاهد قائم بدین الله تبارک وتعالى ، ولم یکن العلماء یطلقون الکفر على أحد من هؤلاء ما داموا لم یتلبسوا بشیء من نواقض الإسلام وأسباب الکفر الظاهره، وإنما کفروا من نصر الکفار أو المرتدین أو أظهر موالاتهم أو صار من أهل دولتهم وحکمهم الکفری کما نقل ابن کثیر فی البدایه والنهایه ( ۱۱/۲۸۴) عن القاضی الباقلانی قوله فی العبیدیین: ( إن مذهبهم الکفر المحض واعتقادهم الرفض وکذلک أهل دولته من أطاعه ونصره ووالاه قبحهم الله وإیاه ) أهـ.
.. و الأمثله من جنس هذا فی التاریخ کثیره …
والشاهد منه أن الأصل فی کل منتسب للإسلام أو مظهر لخصائصه ؛ الإسلام ، ما لم یظهر سببا من أسباب الکفر ، والأصل فیه أنه معصوم الدم والمال والعرض حیث کان..
-وقد قال تبارک وتعالى: (( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم )).
فسماهم مؤمنین مع أنهم کانوا فی مکه حین کانت دار کفر ، ورغم أنهم کانوا مستخفین لا یعلمهم المؤمنون.
قال فی روضه الطالبین (۱۰/۲۸۲): ( فرع: المسلم إن کان ضعیفا فی دار الکفر لا یقدر على إظهار الدین ، حرم علیه الإقامه هناک ، وتجب علیه الهجره إلى دار الإسلام ، فإن لم یقدر على الهجره ، فهو معذور إلى أن یقدر ، فإن فتح البلد قبل أن یهاجر سقط عنه الهجره ، وإن کان یقدر على إظهار الدین ، لکونه مطاعا فی قومه ، أو لأن له هناک عشیره یحمونه ، ولم یخف فتنه فی دینه ، لم تجب الهجره ، لکن یستحب لئلا یکثر سوادهم ، أو یمیل إلیهم ، أو یکیدوا له ، وقیل ؛ تجب الهجره ، حکاه الإمام ، والصحیح الأول ) أهـ.
وقال الماوردی: ( فإن صار له بها – أی دار الکفر – أهل وعشیره وأمکنه إظهار دینه لم یجز له أن یهاجر لأن المکان الذی هو فیه قد صار دار إسلام )
قال رشید رضا تعلیقا على ذلک: ( هذا قول باطل لأن مجرد إظهار الرجل لدینه لا یجعل الدار دار إسلام والأحکام فیها غیر إسلامیه ، فإن جمیع بلاد أوروبه لا یعارض أحد فیها إذا أظهر دینه أو دعا إلیه حتى فی حال محاربتهم للمسلمین ولأن الهجره من دار إسلام إلى أخرى جائزه بالإجماع ، ولو قال لا تجب علیه الهجره فی تلک الحاله لکان قریبا ، ولعل هذا هو الأصل ، ووقع الغلط فی النقل. ) أهـ من شرح الأربعین النوویه ، ص۱۳ ضمن ( مجموعه الحدیث النجدیه )
– وقال سبحانه وتعالى فی تفاصیل قتل المؤمن خطأ: (( وإن کان من قوم عدو لکم وهو مؤمن فتحریر رقبه مؤمنه.. ))
فسماه تبارک وتعالى مؤمنا ، وجعل فی قتله خطأ کفاره ؛ مع انه مقیم مع أعدائنا فی دار الحرب ، على قول طائفه من السلف والفقهاء والمفسرین کما فی تفسیر ابن جریر وغیره.. وانظر روضه الطالبین ( ۹/۳۸۱).
وقال الشوکانی فی فتح القدیر (۱/۴۹۸): ( و هذه مسأله المؤمن الذی یقتله المسلمون فی بلاد الکفار الذین کان منهم ثم أسلم ولم یهاجر وهم یظنون أنه لم یسلم وأنه باق على دین قومه ، فلا دیه على قاتله ، بل علیه تحریر رقبه مؤمنه ، واختلفوا فی وجه سقوط الدیه، فقیل وجهه أن أولیاء القتیل کفار لا حق لهم فی الدیه ، وقیل وجهه أن هذا الذی آمن حرمته قلیله.. لقول الله تبارک وتعالى: (( والذین آمنوا ولم یهاجروا ما لکم من ولایتهم من شیء حتى یهاجروا وإن استنصروکم فی الدین فعلیکم النصر إلا على قوم بینکم وبینهم میثاق والله بما تعملون بصیر )).. ) أهـ.
وتأمل وصف الله لهم بالذین آمنوا مع أنهم لم یهاجروا من دار الکفر فی ظل وجود دار إسلام کانت الهجره واجبه إلیها
وقد ذکر الشوکانی بعد ذلک أن بعض أهل العلم أوجب دیته ولکن لبیت المال، ویستأنس لهذا القول ، ولما نحن بصدده أیضا بما رواه أبو داود (۲۶۴۲) والترمذی من حدیث جریر بن عبد الله قال: ( بعث رسول الله صلى الله علیه وسلم سریه إلى خثعم ، فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فیهم القتل، قال فبلغ ذلک النبی صلى الله علیه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال أنا بریء من کل مسلم یقیم بین أظهر المشرکین ، قالوا: یا رسول الله لم ؟ قال: لا ترایا { تراءى} ناراهما )
وقد أعلّ الحدیث بالإرسال حیث لم یذکر جریر فی روایه جماعه ، لکن صححه بعض العلماء بمجموع طرقه.
وقد ذکر الخطابی وبعض أهل العلم أنه صلى الله علیه وسلم إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم ، لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بین ظهرانی الکفار ، فکانوا کمن هلک بجنایه نفسه وجنایه غیره ، فسقط بذلک حصه جنایته فلم یکن له إلا نصف العقل ( أنظر عون المعبود ) (۷/۲۱۸)
وهذا کله من الدلائل على أن مثل هذا لا یکفر رغم تقصیره فی الهجره ، وعصیانه بالمقام بین ظهرانی المشرکین ، ولیس أظهر فی الدلاله على ذلک تسمیه رسول الله صلى الله علیه وسلم له بالمسلم وعدم رفع هذه الصفه عنه ، ولا یعکر على ذلک براءه النبی صلى الله علیه وسلم منه وکون البراءه الکلیه لا تکون إلا من الکافر لان المراد بالبراءه هنا براءه الذمه من عقله کاملا (۸)، کما قد فسر فی الحدیث نفسه ، ومن ذلک أیضا قصور حقه فی النصره لتقصیره فی الهجره ، فهذه قرائن صارفه للبراءه المکفره ، إلى براءه من نوع ثان فسرتها السنه وذکرها الله تعالى فی قوله: (( والذین آمنوا ولم یهاجروا ما لکم من ولایتهم من شیء حتى یهاجروا وإن استنصروکم فی الدین فعلیکم النصر إلا على قوم بینکم وبینهم میثاق والله بما تعملون بصیر )).
اللهم إلا أن یضم إلى إقامته فی دار الکفر وتقصیره بالهجره الواجبه إلى دار الإسلام ؛ مظاهرته للمشرکین ومحاربته للمسلمین ، فحینئذ تکون البراءه منه براءه کلیه مکفره..
قال ابن حزم بعد أن ذکر الحدیث أعلاه: ( وهو علیه السلام لا یبرأ إلا من کافر. قال تبارک وتعالى (( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولیاء بعض )) ، ثم قال ؛ ( فصح بهذا أن من لحق بدار الکفر والحرب مختارا محاربا لمن یلیه من المسلمین فهو بهذا الفعل مرتد له أحکام المرتد کلها من وجوب القتل علیه متى قدرعلیه ، ومن اباحه ماله ، وانفساخ نکاحه وغیر ذلک لأن رسول الله صلى الله علیه وسلم لم یبرأ من مسلم ، وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ، ولم یحارب المسلمین ، ولا أعان علیهم ، ولم یجد فی المسلمین من یجیره فهذا لا شیء علیه لأنه مضطر مکره ). أهـ المحلى ( ۱۳/۱۳۸-۱۳۹)
وهو صریح فی أن اللحوق بدار الکفر إنما یکون کفرا ، إذا ما انضاف إلیه محاربه المسلمین وإعانه الکفار ومظاهرتهم علیهم ، فهو یتنزل على أنصار الشرک المحاربین للدین أو من ظاهر المشرکین والکافرین على الموحدین لا على عموم المقیمین فی دار الکفر.
ثم قال ابن حزم: ( وقد ذکرنا أن الزهری محمد بن مسلم بن شهاب کان عازما على أنه إن مات هشام بن عبد الملک لحق بأرض الروم لأن الولید بن یزید کان نذر دمه إن قدر علیه ، وهو کان الوالی بعد هشام فمن کان هکذا فهو معذور.
وکذلک من سکن بأرض الهند والسند والصین والترک والسودان والروم من المسلمین ، فإن کان لا یقدر على الخروج من هنالک لثقل ظهر أو لقله مال أو لضعف جسم أو لامتناع طریق فهو معذور.
فإن کان هنالک محاربا للمسلمین معینا للکفار بخدمه أو کتابه فهو کافر. ) أهـ
وإیاک أن تفهم من قوله: (معینا للکفار بخدمه أو کتابه فهو کافر ) ، التکفیر بمجرد إعانه الکفار بمطلق الخدمه أو الکتابه ، کما یطلقه بعض الغلاه ، فقد رأیت کیف ربط ابن حزم هذه الإعانه بحرب المسلمین ، فهذا هو الکفر ، أعنی حرب المسلمین ومظاهره الکفار ونصرتهم علیهم فی حربهم ولو بالکتابه ونحوها ، لا مطلق خدمتهم والکتابه لهم ، فهذا فیه تفصیل سیأتی فی تفصیل العمل عند الکفار.
ثم قال رحمه الله: (وإن کان إنما یقیم هنالک لدنیا یصیبها وهو کالذمی لهم وهو قادر على اللحاق بجمهره المسلمین وأرضهم فما یبعد عن الکفر وما نرى له عذرا ونسأل الله العافیه.
ولیس کذلک من سکن فی طاعه أهل الکفر من الغالیه ومن جرى مجراهم لأن أرض مصر والقیروان ( یشیر إلى العبیدیین ) وغیرهما فالإسلام هو الظاهر وولاتهم على کل ذلک لا یجاهرون بالبراءه من الإسلام بل إلى الإسلام ینتمون وإن کانوا فی حقیقه أمرهم کفارا.
وأما من سکن فی أرض القرامطه مختارا فکافر بلا شک لأنهم معلنون بالکفر وترک الإسلام ونعوذ بالله من ذلک.
وأما من سکن فی بلد تظهر فیه بعض الأهواء المخرجه إلى الکفر ، فهو لیس بکافر لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالک على کل حال من التوحید والإقرار برساله محمد صلى الله علیه وسلم والبراءه من کل دین غیر الإسلام وإقامه الصلاه وصیام رمضان وسائر الشرائع التی هی الإسلام والإیمان ، والحمد لله رب العالمین. ) أهـ.
ومعلوم أن هذا کله فی ظل وجود دار إسلام..
وتأمل اعتبار ابن حزم لظهور شرائع الإسلام وخصائصه العظام کتوحید الله والإقرار بنبوه رسول الله صلى الله علیه وسلم وإظهار الصلاه وصیام رمضان وانتساب الولاه للإسلام وعدم براءتهم منه – رغم کفرهم ؛ تأمل اعتباره لذلک فی تسویغ إقامه المسلم – أو على الأقل عدم تکفیره – لإقامته فی دار کفر هکذا وصفها وهکذا حال ولاتها.. ولا یماحک فی شبه هذا لحال بلاد المسلمین الیوم إلا مکابر.
وکذا الحدیث المذکور فی براءه النبی صلى الله علیه وسلم ممن أقام بین ظهرانی المشرکین ؛ فقد قیل فی ظل وجود دار إسلام ، بل قد قیل فی وقت کانت الهجره إلى النبی صلى الله علیه وسلم واجبه قبل فتح مکه، ومع هذا لم یکفر أمثال هؤلاء بمجرد إقامتهم بین المشرکین ، وإن أثموا وعوقبوا بنقصان حرمتهم ، وضعف وقصور ولایتهم..
فإذا ما عدمت دار الإسلام التی یهاجر المسلم إلیها فإنه بإقامته بدار الکفر معذور إذا ما اتقى الله واجتنب الشرک ، وإعانه أهله على المسلمین ، إذ لا سبیل إلى دار إسلام یهاجر إلیها حتى یأثم بتقصیره فی ذلک ، فضلا عن أن یکفر !!.
فکیف إذا کانت إقامته فی دار الکفر والحاله کذلک ، لأجل نصره دین الله وإظهار التوحید ومقارعه الشرک والتندید ؟ لا شک أن مثل هذا المسلم محسن مأجور قائم بدین الله تبارک وتعالى..
وفی الحدیث المتواتر المروی عن بضع عشر صحابیا بألفاظ متقاربه أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: ( لا تزال طائفه من أمتی ظاهرین على أمر الله لا یضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى یأتی أمر الله ).
ومثله الحدیث الآخر: ( الخیل معقود بنواصیها الخیر إلى یوم القیامه الأجر والمغنم ) وهو فی صحیح البخاری..
فهذان الحدیثان یدلان على وجود المسلمین الصادقین والمجاهدین إلى یوم القیامه ، واستمرار وجودهم فی کل الظروف ، فی ظل وجود دار الإسلام وفی حال عدمها ..
بل قد قرر العلماء وجوب إقامه المسلم فی دار الکفر ، إذا أمکنه السعی فی تحویلها إلى دار إسلام ؛ کما جاء فی ( مغنی المحتاج ) للشربینی (۴/۲۳۹): ( ولو قدر على الامتناع بدار حرب والاعتزال وجب علیه المقام بها ، لأن موضعه دار إسلام ، فلو هاجر لصار دار حرب ، فیحرم ذلک، نعم إن رجا نصره المسلمین بهجرته ، فالأفضل أن یهاجر ، قاله الماوردی – وقد تقدم – ثم فی إقامته یقاتلهم على الإسلام ، ویدعوهم إلیه إن قدر.. وإلا فلا ) أهـ.
ونقل فی روضه الطالبین (۱۰/۲۸۲) عن صاحب ( الحاوی ) قوله: ( فإن کان یرجو ظهور الإسلام هناک بمقامه ، فالأفضل أن یقیم ، قال: وإن قدر على الامتناع فی دار الحرب والاعتزال ، وجب علیه المقام به ، لأن موضعه دار إسلام ، فلو هاجر لصار دار حرب ، فیحرم ذلک ، ثم إن قدر على قتال الکفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه ، وإلا فلا ، والله أعلم. ) أهـ
فتأمل إیجابهم المقام بدار الکفر فی مثل هذه الحال ، فأین المتنطع المکفر بذلک ، من هذا ! ؟.
وقال الحافظ ابن حجر فی الفتح: ( وفیه – أی حدیث الخیل – بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى یوم القیامه ، لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدین وهم المسلمون ، وهو مثل الحدیث الآخر ( لا تزال طائفه من أمتی یقاتلون على الحق ) أهـ. من کتاب الجهاد والسیر ( باب الجهاد ماض مع البر والفاجر )
وقریب من هذا المعنى حدیث حذیفه المتفق علیه: ( فإن لم یکن لهم جماعه ولا إمام ) ؟ قال صلى الله علیه وسلم: ( فاعتزل تلک الفرق کلها ولو أن تعض بأصل شجره حتى یدرکک الموت وأنت على ذلک ) .
ففیه أنه لا أثر لغیاب جماعه المسلمین أو إمامهم- وهذه مقومات دار الإسلام – ولا علاقه لذلک فی إسلام المرء أو کفره ، وإنما المناط الذی یتعلق ذلک به هو إظهاره لسبب من أسباب الکفر..
فهذا کله یدل على أن المسلم إذا کان فی دار الکفر ولم یهاجر منها إلى دار الإسلام لعجز أو مانع منعه أو لتمکنه من إظهار دینه فیها ، أو لقیامه بالجهاد ونصره الدین .. فهو مسلم معصوم الدم والمال..
فمن باب أولى أن یبقى المسلم کذلک فی حال عدم وجود دار إسلام یهاجر إلیها أصلا..
فإن الله تبارک وتعالى لم ینط أحکام التکفیر بأمور قاهره لا کسب للعباد فیها.. وإنما أناطها سبحانه وتعالى بأسباب ظاهره منضبطه – کما تقدم – تنحصر بقول او فعل مکفر من کسب المکلف.. وما لم یظهر المرء شیئا من ذلک ، فلا سبیل إلى تکفیره ، بأمور خارجه عن إرادته ما دام عنده أصل الإسلام..
والخلاصه ان مصطلح دار الکفر لا اثر له فی الحکم على قاطنی الدار ، خصوصا فی وقت قد أمست الأرض کلها فیه دار کفر إما أصلیه ، أو طارئه لغلبه الکفار وأحکامهم على جمیع البلاد..
ویتأکد ذلک إذا کانت الدار الموصوفه بهذا المصطلح دار کفر طارئ ، أی أنها کانت قبل ذلک دار إسلام ولا زال جمهور أهلها ینتسبون للإسلام ، وهذا أمر غفل أو تغافل عنه کثیر من المتحمسین ، فلم یفرقوا بین دار الکفر الأصلیه التی یغلب الفقهاء حکمها فی حکمهم بالتبعیه فی بعض المسائل ، وبین دار الکفر الحادثه ، أی التی کانت للمسلمین فغلب علیها الکفار ، فإن الفقهاء یؤصلون فیها لمجهول الحال الذی لا سبیل إلى معرفه حاله – کالمیت واللقیط والمجنون – بالإسلام والعصمه ، احتیاطا لحرمه المسلمین وعصمه لدمائهم ولو لم یبق فیها إلا مسلم واحد ، لان الإسلام یعلو ولا یعلى ، بل أصّل بعضهم بالإسلام لمثل ذلک ولو لم یظهر فیها مسلم لاحتمال أن یکون فیها مؤمن یکتم إیمانه. (۹)
نقل النووی عن الرافعی فی روضه الطالبین قوله فی سیاق کلامه عن اللقیط یوجد فی الدار والحکم له بالتبعیه ، أن دار الإسلام ثلاثه أضرب:
أحدها: دار یسکنها المسلمون ’ فاللقیط الموجود فیها مسلم ، وإن کان فیها أهل ذمه ، تغلیبا للإسلام.
الثانی: دار فتحها المسلمون وأقروها فی ید الکفار بجزیه ، فقد ملکوها ، أو صالحوهم ولم یملکوها ، فاللقیط فیها مسلم إن کان فیها مسلم واحد فأکثر ، وإلا فکافر على الصحیح ، وقیل مسلم لاحتمال أنه ولد مَنْ یکتم إسلامه منهم.
الثالث: دار کان المسلمون یسکنونها ثم جلوا عنها وغلب علیها الکفار ، فإن لم یکن فیها من یعرف بالإسلام ، فهو کافر على الصحیح ، وقال أبو اسحاق: مسلم ،لاحتمال أن فیها کاتم إسلامه ، ,إن کان فیها معروف بالإسلام فهو مسلم..
هذا فی أحوال دار الإسلام ، أما فی دار الکفر الأصلیه فقال: ( دار الکفر ، فإن لم یکن فیها مسلم ، فاللقیط الموجود فیها محکوم بکفره ، وإن کان فیها تجار مسلمون ساکنون ، فهل یحکم بکفره تبعا للدار ، أو بإسلامه تغلیبا للإسلام ؟ وجهان ، أصحهما: الثانی. )
فتأمل احتیاط العلماء وتغلیبهم للإسلام عند الإشکال حتى فی دار الکفر الأصلیه ، احتراما لحرمه المسلمین ، واحتیاطا فی عصمه دمائهم ؛ فمن باب أولى فی دار الکفر الطارئه التی ینتسب جمهور أهلها للإسلام.
وعلى کل حال فما دام هذا المصطلح إنما أطلقه الفقهاء للدلاله على أن الغلبه والهیمنه فی الدار للکفار وأحکامهم ، فلا یصح والحال کذلک تأصیل قاعده (الأصل فی الناس الکفر) على هذا المصطلح خصوصا فی دار الکفر الطارئه التی ینتسب جمهور أهلها للإسلام ویظهرون خصائصه..
إذ ما دام المصطلح غیر مناط ولا معلق بقاطنی الدیار ونوع دیانتهم ، فکیف یصح التأصیل لدیانتهم علیه.. فالتأصیل معناه ؛ استصحاب حکم الأصل.. فلو کان هذا الاصطلاح مرتبط بدیانه جمهور أهل الدار لصار للتأصیل مدخل.. ولذلک فإن الفقهاء إذا تکلموا فی دار الإسلام التی یلزم فیها أهل الکتاب بالغیار ولا یقر فیها المرتد بحال – أو إذا تکلموا فی دار الکفر الأصلیه التی لم یدخلها الإسلام ولا کان جمهور أهلها مسلمین.. تراهم یستعملون التبعیه للدار فی بعض المجالات الضیقه حیث یعدم الظاهر والسیما ، ویتعذر تبین حال الإنسان ، کاللقیط أو المجنون أو المیت الذی لایبین عن نفسه – یوجد فی أحد الدارین ولا یعرفه أحد ولا علامه ممیزه تدل على دینه.. فألحقوهم بالدار فی مثل هذه الأحوال.. أی أنهم اعتبروا فی هذا واستصحبوا فیه دیانه أهل الدار ، لا مجرد الاصطلاح التابع للغلبه والحکم فقط کما یفعله أولئک الغلاه وفی دار الکفر الطارئه..
وعلى کل حال فموضوع الحکم بالتبعیه الذی تعرض له الفقهاء لا دخل له بما نحن فی صدد رده ، فلیس هو فیمن أظهر شیئا من علامات الإسلام وخصائصه ومع هذا یکفر ؛ کما یکفره من یکفره من الغلاه طبقا لهذه القاعده.. بل ینحصر ذلک فی مجهول الحال الذی یتعذر تبین حاله لانعدام السیما ولصغره أو موته أو ذهاب عقله ، ولیس هناک من یدعیه من والد أو أولیاء لیلحق بهم.. ولذلک فقد نص الفقهاء على أنه متى ظهرت علیه علامه تدل على دینه أو ادعاه أحد ما.. قدم هذا الظاهر على ذلک الاستصحاب.. ولذلک قدموا التبعیه للوالدین على التبعیه للدار (۱۰).
وذلک لان الاستصحاب کما قد قرر علماء الأصول أضعف الأدله ولا یصار إلیه إلا عند التعذر عن إثبات ظاهر..
قال شیخ الإسلام ابن تیمیه: ( الظاهر یقدم على الاستصحاب وعلى هذا عامه أمور الشرع ).
وقال فی الموضع نفسه: ( التمسک بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدله مطلقا ، وأدنى دلیل یرجح علیه.. ) إلى قوله: ( ولا یجوز الإخبار بانتفاء الأشیاء وعدم وجودها بمجرد هذا الاستصحاب من غیر استدلال بما یقتضی عدمها ، ومن فعل ذلک کان کاذبا ، متکلما بلا علم.. )
(فعدم علمه لیس علما بالعدم ).. ( وما دل على الإثبات من أنواع الأدله فهو راجح على مجرد استصحاب النفی ) أهـ مختصرا من مجموع الفتاوى (۲۳/ص۱۳).
وقال أیضا: ( فقد اجمع المسلمون ، وعلم بالاضطرار من دین الإسلام ، أنه لا یجوز لأحد ان یعتقد ویفتی بموجب هذا الاستصحاب والنفی إلا بعد البحث عن الأدله الخاصه ، إذا کان من أهل ذلک ، فإن جمیع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغیر لهذا الاستصحاب ، فلا یوثق به إلا بعد النظر فی أدله الشرع لمن أهل لذلک ) أهـ. مجموع الفتاوى (۲۹/۹۰)
وقال ابن القیم: ( شهاده العدل رجلا کان أو امرأه أقوى من استصحاب الحال ، فإن استصحاب الحال من أضعف البینات ، ولهذا یدفع بالنکول تاره وبالیمین المردوده وبالشاهد والیمین ، ودلاله الحال ) أهـ اعلام الموقعین (۱/۹۶)
تأمل هذا.. مع أن الفقهاء إنما استعملوا ذلک الاستصحاب أو التأصیل فی المجال الضیق الذی عرفته حیث یعدم تمییز القرائن ومعرفه الظاهر.. ومع هذا ، فتأصیلهم واستصحابهم ضعیف ، یغیره أدنى دلیل أو سیما أو ظاهر أو شهاده أو نحوها..
فکیف بتلک القاعده وذلک التأصیل الذی أطلقه أولئک الغلاه المتهورون فی عموم أهل الإسلام ، ولم یعتبروا فیها ما یظهره الصالحون منهم أو المجاهدون أو المستضعفون من شعائر الإسلام وخصائصه.. ؟؟
فقدموا ما أصلوه وقعدوه مستندا إلى حکم اصطلاحی لا دخل له بدیانه الناس ، على الظاهر البین والمعلن من أقوال الناس وأعمالهم وشعائرهم الإسلامیه.. والدار دار کفر طارئه لیست دار کفر أصلیه..
فلا شک أن تأصیلهم هذا ، أضعف وأضعف وأضعف.. فکیف إذا أضافوا إلیه وبنوا علیه استحلال الدماء والأموال والأعراض فهو باطل محض نبرأ إلى الله منه..
• تنبیه: إلى أن قاعده ( الأصل فی جیوش الطواغیت وأنصارهم الکفر) لا غبار علیها: –
یجدر بنا التنبیه هنا إلى أننا وأن کنا ننکر التأصیل سابق الذکر ، إلا أن کلامنا وإنکارنا هذا لا ینطبق على جیوش الطواغیت وأنصارهم ؛ فإن القاعده عندنا ( أن الأصل فیهم الکفر ) حتى یظهر لنا خلاف ذلک ، إذ أن هذا التأصیل قائم على النص ودلاله الظاهر لا على مجرد التبعیه للدار ، فإن الظاهر فی جیوش الطواغیت وشرطتهم ومخابراتهم وأمنهم أنهم من أولیاء الشرک وأهله المشرکین.
– فهم العین الساهره على القانون الوضعی الکفری ، الذین یحفظونه ویثبتونه وینفذونه بشوکتهم وقوتهم.
– وهم أیضا الحماه والأوتاد المثبتین لعروش الطواغیت والذین یمتنع بهم الطواغیت عن التزام شرائع الإسلام وتحکیمها.
– وهم شوکته وأنصاره الذین یعینونه وینصرونه على تحکیم شرائع الکفر وإباحه المحرمات من رده وربا ، وخمر وخنا ، وغیر ذلک.
– وهم الذین یدفعون فی نحر کل من خرج من عباد الله منکرا کفر الطواغیت وشرکهم ، ساعیا لتحکیم شرع الله ونصره دینه المعطل الممتهن..
فهذه حقیقه وظیفتهم ومنصبهم وعملهم ؛ یتلخص فی سببین من أسباب الکفر صریحین وهما:
– نصره الشرک (بتولی القانون والتشریع الکفری الطاغوتی)(۱۱)
– ونصره أهله وتولیهم ومظاهرتهم على الموحدین.
والنصوص الداله على أن هذان سببان من أسباب الکفر البواح ظاهره متضافره ، وقد فصلناها فی غیر هذا المقام ، ولیس مقصودنا هاهنا تفصیل هذا ، وإنما التنبیه إلى الأصل المذکور.
فقد أصل الله سبحانه وتعالى لنا فی أنصار الکفار وأولیائهم عموما ، أصلا محکما فی قوله تبارک وتعالى: (( الذین کفروا یقاتلون فی سبیل الطاغوت )) ، وقوله سبحانه: (( ومن یتولهم منکم فإنه منهم )) فالأصل فی کل من أظهر تولى الکفار ونصرتهم أو قاتل فی سبیل الطاغوت أو کان فی عدوته وحدّه وأظهر نصرته باللسان أو السنان ؛ أنه من جمله الذین کفروا..
ولذلک کان حال النبی صلى الله علیه وسلم وسیرته مع الکفار المحاربین وفی أنصارهم وأولیائهم وأحلافهم الذین ینصرونهم على المسلمین؛ على هذا الاصل.
أنظر على سبیل المثال معاملته صلى الله علیه وسلم للعباس معامله الکفار رغم دعواه الإسلام لما أسر فی صفوف المشرکین یوم بدر ، وانظر مثل هذا أیضا ما رواه مسلم فی کتاب النذور (۱۰۰۸) من المختصر من حدیث عمران بن حصین فی قصه الرجل من بنی عقیل حلفاء ثقیف ، لما أسره المسلمون بجریره حلفائه لما نقضت ثقیف عهدها مع النبی صلى الله علیه وسلم.. ولم یطلقه النبی صلى الله علیه وسلم رغم ادعائه الإسلام بل عامله معامله الکفار فغنم ناقته وفداه برجلین من المسلمین.
وعلیه کانت سیره أصحابه صلى الله علیه وسلم من بعده فی کل ذوی منعه وشوکه یخرجون عن شریعه الله تبارک وتعالى.
أنظر سیرتهم فی خلافه أبی بکر فی أنصار مسیلمه الکذاب ونحوهم من المرتدین کأنصار طلیحه الأسدی فقد کفروهم جمیعا وساروا فیهم سیره واحده ولم یخالف فی ذلک أحد من الصحابه
ولذلک أطلق العلماء المحققین القول بإباحه دم ومال المحاربین وأنصارهم وجعلوا حکم الردء فیهم حکم المباشر منهم (۱۲).. وفی المغنی (کتاب الجهاد ) ( فصل من أسر فادعى أنه کان مسلما ، لم یقبل قوله إلا ببینه ، لأنه یدعی أمرا الظاهر خلافه.. ) أهـ ( ۸/۲۶۱) وذکر فیه قصه سهل بن بیضاء فی غزوه بدر وستأتی.
فتأمل کیف جعل الأصل فیمن أظهر الانحیاز لجیش الکفار حتى أسر فی صفهم ، الکفر ، بحیث لا تقبل الدعوى بخلافه – کما فی قصه أسر العباس أیضا – حتى تقوم بینه تغیر هذا الأصل الظاهر.
ولأجل ذلک کان الأصل عندنا فی کل من انتسب إلى هذه الأجهزه والوظائف ، التی حقیقتها ، نصره الشرک وأهله ؛ الکفر. فنحکم على کل واحد منهم بالکفر ونجری علیه أحکام الکفر بما أظهروه من أسباب الکفر ، ما لم یتبین لنا خلاف ذلک من قیام مانع معتبر من موانع التکفیر فی حق المنتسب للإسلام منهم فنستثنیه.. وقد قدمنا أن تبین الموانع فی حق الممتنعین المحاربین ، غیر واجب لامتناعهم ومحاربتهم ، لکن إن ظهر لنا شیء من ذلک فی حق بعضهم لم نکفره ، وما لم یظهر ذلک فالأصل الظاهر عندنا منهم هوالکفر، وحقیقه أمر باطنهم إلى الله تبارک وتعالى ، ولیس إلینا ، وقد أمرنا بالأخذ بالظاهر ، ولم نؤمر أن نشق عن صدور الناس ولا عن بطونهم ، ولأن أصل هذه الوظائف وظاهرها ما قد عرفت فنحن نعاملهم ونؤصل لهم على هذا الظاهر حتى یظهر لنا خلافه ، بخلاف غیر ذلک من الوظائف والأعمال التی لیس أصل طبیعتها وحقیقتها نصره الشرک أو أهله ؛ ولذلک فلا نقول أن الأصل فی الأطباء مثلا الکفر ، حتى یتبین لنا خلاف ذلک ، ولا أن الأصل فی المدرسین الکفر ، أو أن الأصل فی تولی وظائف الدوله الکافره کلها الکفر.. کلا فهذه الوظائف کما سیأتی لنا فیها تفصیل ، ولیست حقیقه جمیعها وطبیعتها نصره الشرک وأهله ، نعم قد یوجد فیمن یتولى هذه الوظائف من هو من أنصار الشرک وأهله ولکن هذا لیس مختصا بحقیقه الوظیفه وماهیتها، کما قد یوجد من هو من أنصار الشرک وأهله من غیر الموظفین..
والخلاصه: أن هذا التأصیل إذا کان فی وظیفه أو عمل حقیقته أنه سبب من أسباب الکفر الظاهره ، کنصره الشرک وأهله ، أو التشریع وفقا لنصوص الدستور الکفری ، ونحو ذلک من المکفرات الصریحه الظاهره ، فلا حرج فیه عندنا ، ومعناه: إجراء حکم الظاهر على أصحاب هذه الوظیفه ، وإرجاء ما بطن من الأحکام إلى الله تبارک وتعالى.