الرساله الثلاثینیه
فی التحذیر
من الغلـو فـی التـکفیر
( ۳ )

أو
” رساله الجفر
فی أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر”

للشیخ
أبی محمد عاصم المقدسی

((۱۱))
إطلاق قاعده ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) دون تفصیل
ومن الأخطاء الشائعه فی التکفیر إطلاق قاعده ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) دون تفصیل .
وسوء استعمال هذه القاعده عمّ بلاؤه وطمّ بین کثیر من الشباب ، حتى جعلها بعض غلاه المکفره أصل الدین وشرط صحه الإسلام ، یدور معها الإسلام عندهم وجودا وعدما ، وعقدوا علیها الولاء والبراء ؛ فمن أطلقها وأعملها فهو المسلم الموحد الذی یتولّونه ،ومن خالفهم فی بعض جزئیاتها عادوه وبرئوا منه وکفّروه ؛ حتى بلغ بهم الأمر أن کفر بعضهم بعضا.. لأنه لا یخلو أن یخالف بعضهم فی تکفیر بعض الناس ، فیکفر بعضهم بعضا بسبب هذا الخلاف.
ونحن نسأل هؤلاء هنا سؤالا مفاده: إذا کان إطلاق هذه القاعده على طریقتکم دون تفصیل شرطا لصحه الإسلام ؛ أفیولد الإنسان یعرفه أم یجب علیه تعلمه ؟
فإن قالوا: یولد یعرفه.
فقد عارضوا قوله تعالى: (( والله أخرجکم من بطون أمهاتکم لا تعلمون شیئا)).
وإن قالوا: یجب تعلمه.

قلنا: متى یجب علیه ذلک ؛ أقبل البلوغ أم بعده ؟ ولا بد من أحد الجوابین.
فإن قالوا: قبله.
خالفوا صریح حدیث النبی صلى الله علیه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاث.. منهم ؛ الصغیر حتى یحتلم ).
وإن قالوا: بعد البلوغ.
قلنا لهم: ضعوا لنا حدا ؛ أیجب علیه مباشره بعد البلوغ ، أم على التراخی ؟
فإن قالوا: على التراخی.
تناقضوا وأجازوا بقاء الغلام بعد احتلامه على الکفر مده لا یعرفون حدها ، فلو مات مات على الکفر عندهم.
فإن قالوا: مباشره.
قلنا: فإنها من المسائل التی تحتاج إلى نظر وبحث وتعلم ودراسه خصوصا فی ظل شبهات وتلبیسات مشایخ السوء ، وهذا بحد ذاته یحتاج برهه من الوقت ولو سویعات ؛هذا على أقل تقدیر إذ أنتم لم تنتحلوه إلا بعد مده من الدهر وطویل من البحث ، ولا یجادل فی هذا إلا جاهل معاند ، فیلزمهم التسلیم به.
وإذا جوّزتم الکفر ولو للحظات لأجل تعلم ذلک ، ولا بد لکم من هذا بعد أن جعلتموه شرطا للإسلام ؛ فقد جوّزتم الکفر بالله تعالى ؛ وقرّرتم أنه لا یصح إسلام أحد بعد بلوغه حتى یکفر بالله ، وصرتم کفارا بذلک ، وإلا فخلوا عنکم المغالاه بهذه القاعده ، وتعالوا إلى تفصیل أهل العلم فیها.
أما نحن فنقول: أننا ولله الحمد لا نحتکم فی دیننا إلا إلى الشرع ، والتکفیر کما تقدم حکم شرعی لا یصح إلا بالأدله الشرعیه القطعیه الدلاله.
وکما یقول أبو محمد ابن حزم ؛ أن من ظن أنه قد وقع من الدین على ما لم یقع علیه رسول الله صلى الله علیه وسلم فهو کاذب بل کافر بلا خلاف.
ومن المحال الممتنع عند أهل الإسلام أن یکون قد غفل علیه الصلاه والسلام أن یبین للناس شیئا من أصل دینهم أو مما لا یصح لأحد الإسلام إلا به ، ثم یتفق على إغفال ذلک أو یتعمد عدم ذکره جمیع أصحابه من بعده ؛ حتى یتنبه إلیه ویدلنا علیه هؤلاء الأشقیاء !!!
ولذلک فإننا نقول أن کل شرط لیس فی کتاب الله أو سنه نبیه علیه الصلاه والسلام فهو باطل ، وکل قاعده أو أصل أو قول لم یستند إلى دلیل من الشرع فهو رد على صاحبه..
ولذلک لزم النظر فی أصل هذه القاعده ، وعلى أی دلیل من الشرع تستند حتى نضبطها ونعرف حدودها..
وقد کنت جمعت قدیما فی هذه القاعده ، لما عم بلاؤها بین بعض الشباب المتهورین الضعفاء فی العلم الشرعی ، وتتبعتها فی عبارات العلماء ، لأعرف مَن أقدم من استعملها ؟ وکیف تعامل أهل العلم معها وعلى أی شیء ینزلونها.. ؟
فخرجت بهذه النتائج..
أولا: وجدت استعمالها کان قدیما ، ولیس کما زعم البعض أنها من کیس شیخ الإسلام ابن تیمیه ، تابعه علیها الشیخ محمد بن عبد الوهاب !!
نعم اشتهر عن شیخ الإسلام استعمالها وإلیه وإلى الشیخ محمد بن عبد الوهاب یعزوها أکثر من یستعملها ، لکن قد سبقهما فیها أئمه مشهورون غیرهم ؛بعضهم من القرون الأولى المفضله.. ومنهم:
– سفیان بن عیینه ،أمیر المؤمنین فی الحدیث (۱۹۸هـ) قال رحمه الله تعالى: ( القرآن کلام الله عز وجل من قال مخلوق فهو کافر ، ومن شک فی کفره فهو کافر )أهـ. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد فی السنه رقم(۲۵) بسند صحیح.
– وکذا نقل مثل هذا القول عن أبی خیثمه مصعب بن سعید المصیفی کما فی شرح أصول اعتقاد أهل السنه والجماعه ( ۲/۲۵۶) رقم (۴۳۰) للإمام الحافظ أبی القاسم هبه الله اللالکائی (۴۱۸هـ).
– وأیضا عن أبی بکر بن عیاش المقریء ( ۱۹۴هـ ) الثقه العابد ، فقد سئل کما فی السنه للالکائی أیضا ( ۲/۲۵۰) رقم (۴۱۲) عمن یقول القرآن مخلوق ؟ فقال: ( کافر ومن لم یقل إنه کافر فهو کافر ) وإسناده صحیح .
– وکذا سلمه بن شبیب النیسابوری ( ۲۴۷هـ) محدث أهل مکه،قال ابن حجر فی التهذیب (۲/۳۰۳): قال داود بن الحسین البیهقی ؛بلغنی أن الحلوانی (۱) قال: لا أکفر من وقف فی القرآن ، قال داود: فسألت سلمه بن شبیب عن الحلوانی ،فقال: ( یرمى فی الحُش ،من لم یشهد بکفر الکافر فهو کافر ). وذکر ذلک الخطیب البغدادی فی تاریخ بغداد ( ۷/۳۶۵).
– وکذا أبو زرعه عبید الله بن عبد الکریم الرازی ( ۲۶۴هـ) قال: ( من زعم أن القرآن مخلوق فهو کافر بالله العظیم کفرا ینقل عن المله ، ومن شک فی کفره ممن یفهم فهو کافر )
– وقال مثله تماما أیضا أبو حاتم محمد بن إدریس الرازی (۲۷۷هـ) وروى ذلک کله اللالکائی فی السنه ( ۲/۱۷۶).
* وتأمل قولهما: ( ممن یفهم ) ؛ فإنه مهم سأذکرک به فیما یأتی..
فهذه الأقاویل هی أقدم ما وجدته فی عبارات الأئمه والعلماء حول هذه القاعده ، فهی من القرون الثلاثه المفضله ، ولیس الأمر کما وصفه بعض المتأخرین من أنها من عندیّات شیخ الإسلام ابن تیمیه ،نعم شیخ الإسلام والشیخ محمد بن الوهاب وأولاده وأئمه الدعوه النجدیه قد استخدموها وبعضهم أکثر من استخدامها وإلیهم ینسبها من یسیء استخدامها من الغلاه ، لکنها لیست من تأصیلهم أو اختراعهم ، فلیعلم هذا.
ثانیا: قد ظهر لی بعد التتبع والاستقراء لأقاویل أهل العلم أنهم إنما یذکرونها ویستعملونها لتأکید مناقضه أنواع من الکفر للدین تطایر شرر فتنتها فی أزمنتهم ، للعمل على استئصالها بترهیب الناس منها وتنفیرهم عنها وعن أهلها، فیکون ذلک من جنس نصوص الوعید التی یجوز إطلاقها ؛ مع وجوب مراعاه النظر فی الشروط والموانع عند تنزیلها على الأعیان ؛ کما فی فتنه خلق القرآن والأمثله السابفه من جنس هذا.
أو للتغلیظ والتحذیر من بعض أنواع الکفر الظاهره التی یکون الامتناع من تکفیر أصحابها فیه نوع تکذیب أو عناد صریح للشرع ، مثله مثل التوقف والامتناع من تکفیر الیهود والنصارى الذین کفرهم الله تعالى بالنصوص المتواتره والمعروفه فی دین المسلمین ضروره ، ومن هذا ما سیأتی التمثیل به من کلام شیخ الإسلام فی الإتحادیه..
ثالثا: ومن ثم فإن أصل هذه القاعده ودلیلها الذی ترتکز وتقوم علیه ، هو قوله تعالى: (( وما یجحد بأیاتنا إلا الکافرون )) وقوله سبحانه: (( فمن أظلم ممن کذب على الله وکذّب بالصدق إذ جاءه ألیس فی جهنم مثوى للکافرین ))..
ونحوها من الأدله الشرعیه الداله على کفر من کذّب بشیء ثابت من أخبار الشرع وأحکامه..
ولذلک فإن القاضی عیاض بعد أن نقل فی الشفا (۲/۲۸۰-۲۸۱) عن الجاحظ وثمامه زعمهم ؛ أن کثیرا من العامه والنساء والبله ومقلّده الیهود والنصارى وغیرهم ؛ لا حجه لله علیهم ، إذ لم یکن لهم طباع یمکن معها الاستدلال ، قال: ( وقد نحا الغزّالی قریبا من هذا المنحى فی کتاب التفرقه ،وقائل هذا کله کافر بالإجماع على کفر من لم یکفر أحدا من النصارى و الیهود وکل من فارق دین المسلمین أو وقف فی تکفیرهم أو شک ، قال القاضی أبو بکر: لأن التوقیف والإجماع اتفقا على کفرهم فمن توقف فی ذلک فقد کذّب النص والتوقیف أو شک فیه ، والتکذیب أو الشک فیه ، لا یقع إلا من کافر ) أهـ.
ومثل ذلک قوله (۲/۲۸۶): ( ولهذا نُکفّر من لا یُکفّر من دان بغیر ملّه المسلمین من الملل أو وقف فیهم أو شک أو صحّح مذهبهم(۲)، وإن أظهر بعد ذلک الإسلام واعتقده واعتقد إبطال کل مذهب سواه ، فهو کافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلک ) أهـ.
وإشارته بقوله: ( ولهذا ) کانت إلى قوله قبل ذلک: ( وقع الإجماع على تکفیر کل من دافع نص الکتاب ) أهـ.
– ولما کان ( التکذیب والجحد لا یکون إلا بعد المعرفه أو الاعتراف) دل على ذلک أدله تکفیر المکذبین نفسها کقوله تعالى: (( وما یجحد بأیاتنا إلا الکافرون )) فإن الجحد إنما یذکر بعد مجیء الآیات وبلوغها ،وکذا قوله سبحانه: (( فمن أظلم ممن کذب على الله وکذّب بالصدق إذ جاءه ألیس فی جهنم مثوى للکافرین )).. وانظر فی مثل هذا بدائع الفوائد لابن القیم (۴/۱۱۸).
فعلم بذلک أن حقیقه هذه القاعده وتفسیرها على النحو التالی: ( من لم یکفر کافرا بلغه نص الله تعالى القطعی الدلاله على تکفیره فی الکتاب ، أو ثبت لدیه نص الرسول صلى الله علیه وسلم على تکفیره بخبر قطعی الدلاله ؛ رغم توفر شروط التکفیر وانتفاء موانعه عنده ؛ فقد کذّب بنص الکتاب أو السنه الثابته ومن کذب بذلک فقد کفر بالإجماع ).
هذه هی حقیقه هذه القاعده وهذا هو تفسیرها ، بعد النظر فی أدلتها واستقراء استعمال العلماء لها.. (۳)
وما لم یصرح ویعترف المرء بمعرفته للنص المکفر ورده له ، فلا یصح إلزامه بذلک ، ومن ثم تکفیره وفقا لهذه القاعده ؛ فإن المسأله ساعتئذ تتحول إلى التکفیر بالإلزام أو بالمآل وسیأتی فی خطأ التکفیر بالمآل أن لازم المذهب لیس بمذهب، إلا أن یکون صاحب المذهب عارفاً عالماً بلزومه لمذهبه فیصرّح بالتزامه… ومادام جاهلا بذلک اللازم أو غافلاً عنه لا یشعر به ولا یقصده ، فلا یلزمه، ولا یجوز إلزامه به بلا برهان.
– اللهم إلا أن یکون ذلک فی الکفر الواضح الصریح الذی ثبت بالنص القاطع الصحیح ، وعلم ضروره من دین المسلمین ککفر الیهود والنصارى ونحوهم أو ممن هم على مله غیر مله الإسلام أو من هم شر من ذلک وهو یعرف حالهم.. بحیث یکون الممتنع عن تکفیرهم غالبا إما مکذب أو شاک بالنص الذی کفرهم الشرع به غیر منقاد ولا مستسلم له ، لأن مثل ذلک النص لا یخفى حتى على الیهود والنصارى أنفسهم ؛ فضلا عن أن یخفى على أهل الإسلام..
ومن کان کذلک فقد کفر بالإجماع..
– أما من کان کفرهم کفر تأویل ، فامتنع من تکفیرهم لإشکال بعض أدله الشرع عنده ، أو کان ذلک من الأبواب التی یعذر الجاهل فیها ، لأنها لا تعرف إلا من طریق الحجه الرسالیه ، أو أنه رد نصا من نصوص الشرع لعدم علمه به ، أو عدم ثبوته عنده ، ونحوهم ممن لا یکفرون إلا بعد إقامه الحجه علیهم والتعریف والبیان ؛ فلا یجوز إطلاق هذه القاعده فیمن أشکل علیه تکفیرهم ، أو توقّف فیه أو امتنع عنه ما داموا ممن عندهم أصل التوحید..
* ولذلک کان من فقه الإمام أبی عبید القاسم بن سلام (۲۲۴هـ) فی هذا الباب أنه قال فی الجهمیه: ( ما رأیت قوما أضل فی کفرهم منهم ، وإنی لأستجهل من لا یکفرهم ، إلا من لا یعرف کفرهم ) أهـ. من فتاوى شیخ الإسلام ( ۱۲/۲۷۲).

* ویعزى قریب منه للإمام البخاری ( ۲۵۶هـ) قال فی (خلق أفعال العباد ) ص ۱۹ رقم ۳۵: ( نظرت فی کلام الیهود والنصارى والمجوس ، فما رأیت أضل من کفرهم منهم { یعنی الجهمیه } وإنی لأستجهل من لا یکفرهم إلا من لا یعرف کفرهم).
تأمّل: ولم یقل: وإنی ( لأکفّر من لا یکفرهم ) ، ومع هذا استثنى من التجهیل ؛ من لم یکفرهم لعدم معرفته لکفرهم.
* أما الإمام أحمد فقد ورد عنه أیضا إطلاق الوعید بهذه القاعده فی رسالته التی کتبها جوابا على رساله مسدد بن مسرهد البصری التی سأله فیها عن الاختلاف فی القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء ؛ فجاء فی جوابه عن القرآن قوله: ( فهو کلام الله غیر مخلوق ، فمن قال: مخلوق ، فهو کافر بالله العظیم ، ومن لم یکفره فهو کافر. ) أهـ من طبقات الحنابله لأبی یعلى (۱/۳۱۵).
وذکر عنه شیخ الإسلام فی الفتاوى حول ذلک روایتان فی سیاق ذکر مذهبه فی تکفیر أهل الأهواء من القدریه والجهمیه ونحوهم ، صحّح فیه أنه لم یکن یکفر بمثل هذه القاعده ، فقال: ( وعنه فی تکفیر من لا یکفر ،روایتان أصحهما لا یکفر. ) أهـ. (۱۲/۲۶۰) ( ط. دار ابن حزم).
ولعله یرید بذلک عدم تکفیر أعیان من لم یکفروا الجهمیه وأمثالهم ، لا مطلق الوعید بالقاعده فقد عرفت إطلاق أحمد واستعماله لها کما هو أعلاه.
ثم قال شیخ الإسلام: ( وربما جعل بعضهم الخلاف فی تکفیر من لم یکفر مطلقا وهو خطأ محض ) أهـ.
فکأنه یشیر إلى أهمیه التفصیل فی هذا الباب – وهو مستقرٌ لدینا بعد تتبع هذه القاعده على ما سترى..
ولأجل أن أکثر من سمعته یطلق هذه القاعده ویحتج بها من المبتدئین فی طلب العلم أو الغلاه ؛ یعزونها عاده إلى شیخ الإسلام ابن تیمیه أو الشیخ محمد بن عبد الوهاب ، ومعلوم أن أکثر کتابات محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده واتباعه من أئمه الدعوه النجدیه مردّ أکثرها – خصوصا فی هذه الأبواب – إلى شیخ الإسلام ابن تیمیه.
لأجل ذلک سأتناول من استعمالاته لهذه القاعده ؛ مثالا تطبیقیا فی توضیحها ، کما سأستعین ببیان بعض توضیحات أحفاد الشیخ محمد بن عبد الوهاب لکلام جدهم رحمه الله فی هذا الباب.. لعل ذلک یجلّی الأمر ویزیده وضوحا.
• قال شیخ الإسلام رحمه الله تعالى فی الفتاوى ( ۲/۸۳) وهو یتکلم على الاتحادیه أهل وحده الوجود: ( من قال ؛ أن عبّاد الأصنام لو ترکوهم(۴) لجهلوا من الحق بقدر ما ترکوا من هؤلاء (۵)، فهو أکفر من الیهود والنصارى. ومن لم یکفرهم فهو أکفر من الیهود والنصارى ، فإنّ الیهود والنصارى یُکفّرون عباد الأصنام ، فکیف من یجعل تارک عباده الأصنام جاهلا من الحق بقدر ما ترک منها ؟ ) أهـ.
وذلک أن أهل الوحده ، یقولون قبّحهم الله ، أن کل شیء هو الله ؛ فالأصنام عندهم من الله ، فمن ترک عبادتها فقد ترک شیئا من الحق ومن عباده الله.. !!!.
ولذلک قال العلامه شرف الدین أبو محمد إسماعیل ابن أبی بکر المقری الیمنی الشافعی رحمه الله تعالى فی ردّه على أهل الحلول والاتحاد وبیان کفر ابن العربی المبثوث فی فصوصه ، وذلک فی منظومته الرائیه التی سماها ” الحجه الدامغه لرجال الفصوص الزائغه “: –
تجاسر فیها ابن العَرَابیّ واجترى على الله فیما قال کل التجاسر
فقال: بأنّ الرب والعبد واحد فربی مربوب بغیر تغایر
وأنکر تکلیفا إذ العبد عنده إله وعبد فهو إنکار جائر
وقال یحل الحق فی کل صوره تجلّى علیها فهی إحدى المظاهر
وما خُصّ بالإیمان فرعون وحده لدى موته بل عمّ کل الکوافر
فکذِّبْه یا هذا تکن خیر مؤمن وإلا فصدّقه تکن شرّ کافر
وأثنى على من لم یُجب نوحَ إذ دعا إلى ترک ودٍّ أو سواعٍ وناسر
وسمى جهولا من یطاوع أمره على ترکها قول الکفور المجاهر
ویثنی على الأصنام خیرا ولا یرى لها عابدا ممن عصى أمر آمر
وهو ما ذکره شیخ الإسلام من قول الاتحادیه ، أن عباد الأصنام لو ترکوا عبادتها لکانوا جهالا بذلک.. إلى قوله:
فإن قلت دین ابن العرابی دیننا وتکفیره تکفیرنا فالتحاذر
أقل إنک الآن المُکَفَّر نفسه وأنت الذی ألقیتها فی التهاتر
فذلک دین غیر دین محمد وکفر لجوج فی الضلاله ماهر
وهی أبیات متفرقه من قصیدته ؛ نقلا عن شرح نونیه ابن القیم لأحمد بن عیسى (۱/۱۷۴) فصاعدا ، وقوله ( ابن العرابی ) هو ابن عربی الطائی ؛ صاحب ( فصوص الحکم ) ( ۶۳۸هـ) وعُرِّف ومُدَّ هنا ، لضروره الشعر وفی أبیاته الثلاث الأخیره إشاره إلى القاعده التی نتکلم فیها أو قریب منها ..
فقد ذکر فیها کفر من استنکر تکفیر ابن العربی ودان بدینه..
وقد صرح بذلک وذکر القاعده فیه فی بعض تصانیفه ؛ کما قال الحافظ السخاوی فی ( القول المُنبی عن ترجمه ابن العربی ): (.. وقد قال ابن المقری فی الرده من کتاب “الروض” مختصر” الروضه ” ؛ من تردد فی تکفیر الیهود والنصارى وابن عربی وطائفته فهو کافر ) أهـ. نقلا عن شرح نونیه ابن القیم (۱/۱۶۶) ، وذکره الشیخ محمد بن عبد الوهاب فی ( مفید المستفید فی کفر تارک التوحید ).
وهذا بناءا على ما بثّه ابن عربی فی کتبه من المقالات الشنیعه والکفریات الصریحه ، نسأل الله السلامه والعافیه..
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیه أیضا تکفیر ابن عربی عن غیر واحد من أهل العلم.. وقال: ( هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابن سبعین ومن القونوی والتلمسانی وأمثاله من أتباعه ، فإذا کان الأقرب بهذا الکفر الذی هو أعظم من کفر الیهود والنصارى ؛ فکیف بالذین هم أبعد عن الإسلام ؟ ولم أصف عشر ما یذکرونه من الکفر ) أهـ مجموع الفتاوى (۲/۸۵).
أما على ماذا مات الرجل فقد توقف فی ذلک شیخ الإسلام ابن تیمیه فی غیر موضع من فتاواه ، فقال (۲/۲۸۴) بعد أن ذکر أقاویل الاتحادیه الکفریه. .: ( وهذه المعانی کلها هی قول صاحب الفصوص. والله تعالى أعلم بما مات الرجل علیه ؟؟ ) أهـ. وانظر نحوها أیضا (۲/۹۱) ( ط دار ابن حزم ).
فتأمل قول شیخ الإسلام هذا ، مع کلامه السابق فی ابن عربی ، فإنه یعرّفک بورع هؤلاء الأئمه الأعلام فی حکم التکفیر خصوصا عند الاحتمال أو عدم وضوح الخاتمه والمآل..
ونرجع إلى نقولاتنا عنه فی قاعده ( من لم یکفر الکافر )..
• حیث قال بعد أن بیّن أن أهل الوحده شرٌ فی مقالتهم أن کل شیء هو الله ؛ وأخبث من النصارى الذین قالوا أن المسیح وحده هو الله.. !! تعالى الله عما یقول الظالمون علوا کبیرا.
قال: ( ولهذا یقرّون الیهود والنصارى على ما هم علیه ، ویجعلونهم على حق ، کما یجعلون عبّاد الأصنام على حق ، وکل واحده من هذه من أعظم الکفر ، ومن کان محسنا للظن بهم ، وادعى أنه لا یعرف حالهم ، عُرّف حالهم ، فإن لم یباینهم ویُظهر لهم الإنکار ، وإلا ألحق بهم ، وجعل منهم. وأما من قال ؛ لکلامهم تأویل یوافق الشریعه ، فإنه من رؤوسهم وأئمتهم ، فإنه إن کان ذکیا فإنه یعرف کذب نفسه فیما قاله ، وإن کان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا فهو أکفر من النصارى ، فمن لم یکفر هؤلاء وجعل لکلامهم تأویلا ، کان عن تکفیر النصارى بالتثلیث والاتحاد أبعد والله اعلم ) أهـ. (۲/۸۶) ( ط دار ابن حزم ).
• وقال أیضا: ( وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى ، وفیها من التناقض من جنس ما فی أقوال النصارى ، ولهذا یقولون بالحلول تاره وبالاتحاد أخرى ، وبالوحده تاره ، فإنه مذهب متناقض فی نفسه ، ولهذا یلبسون على من لم یفهمه ، فهذا کله کفر باطنا وظاهرا بإجماع کل مسلم ومن شک فی کفر هؤلاء بعد معرفه قولهم: ومعرفه دین الإسلام فهو کافر کمن یشک فی کفر الیهود والنصارى والمشرکین ) أهـ (۲/۲۲۳).
فیتلخص لدینا من هذا المثال بمواضعه الثلاث ما یلی..
* أولا: أن شیخ الإسلام أطلق هذه القاعده بألفاظ متقاربه ، مجمله أحیانا ومفصله أحیانا أخری:
– فقال: ( من لم یکفرهم فهو أکفر من الیهود والنصارى ).
– وقال: ( ومن کان محسنا للظن بهم وادعى أانه لا یعرف حالهم عُرّف حالهم ، فإن لم یباینهم ویظهر لهم الإنکار وإلا ألحق بهم وجعل منهم ، وأما من قال: لکلامهم تأویل یوافق الشریعه فإنه من رؤوسهم وأئمتهم. ).
– وقال: ( ومن شک فی کفر هؤلاء بعد معرفه قولهم ومعرفه دین الإسلام فهو کافر کمن یشک فی کفر الیهود والنصارى )
فیجب حمل ما أجمل من ذلک وفهمه على ضوء ما فُصّل ، لأن الکلام کما هو ظاهر فی موضوع متحد وفئه واحده.
* ثانیا: أنّه أطلق هذه القاعده فی کفر وصفه بأنه (ظاهر بإجماع کل مسلم ) ، و ( کل واحد منه من أعظم الکفر ) بل ( هو أکفر من الیهود والنصارى ) و ( شر من أقوال النصارى ) ، فإن النصارى دانوا بعقیده حلول الله أو اتحاده بشخص المسیح ، أما هؤلاء الحلولیه والاتحادیه فقد جعلوا الوجود کله بجماداته وحیواناته وقاذوراته وکفاره وفجاره من ذات الله تعالى الله عما یقوله الظالمون علوا کبیرا ، ولذلک قال شیخ الإسلام: (فإن من لم یکفر هؤلاء کان عن تکفیر الیهود والنصارى بالتثلیث والاتحاد أبعد ) و( من شک فی کفرهم.. . کمن شک فی کفر الیهود والنصارى ).
* ثالثا: ثم ومع ما ذکره من أن کفر المذکورین وأقوالهم شر وأکفر من کفر الیهود والنصارى ، تراه لا ینفذ هذه القاعده إلا بقید مهم یجب على من یتعامل معها وینسبها إلیه مراعاته واعتباره وهو أن یکون الممتنع عن تکفیرهم ، ممن یعرف حالهم وتفصیل مقالاتهم الکفریه الشنیعه.
وأُذکّرک هنا بمقاله أبی زرعه وأبی حاتم الرازیین المتقدمه فی تکفیر من قال أن القرآن مخلوق ، حیث اشترطا قبل تکفیر الشاک فی کفره ؛ أن یکون ممن یفهم کفرهم ویعرفه..
وکلام شیخ الإسلام على ذلک کما ترى ، فالقوم یصدرون عن مشکاه واحده.
قال شیخ الإسلام: وإن ( ادعى إنه لا یعرف حالهم ، عرّف حالهم ) وذلک قبل إنفاذ هذه القاعده وتکفیره ، فإن أصر بعد ذلک ، ألحق بهم.. وقال: ( من شک فی کفرهم بعد معرفه قولهم ومعرفه دین الإسلام فهو کافر ) ، وقد قیّد هاهنا واشترط إضافه إلى المعرفه بقولهم ؛ المعرفه بدین الإسلام ، فخرج بذلک من إطلاقاته لهذه القاعده من هو حدیث عهد بالإسلام أو نحو ذلک ممن یعذر بجهله لعدم تمکنه من العلم.
وفی هذا بیان کاف ، بأنّه لا یطبّق هذه القاعده – التی لا یطلقها عاده إلا فی أظهر أنواع الکفر – ؛ إلا بعد إقامه الحجه والتعریف وبیان المحجه.
بحیث لا یکفر من طریق هذه القاعده إلا المکذّب أو الممتنع عن قبول نص صحیح قطعی الدلاله ، ولذلک قیّد ( بمعرفه دین الإسلام ).
وفی کفر صریح غیر محتمل ولذلک قید ( بمعرفه قولهم ) الشنیع الذی هو شر من قول النصارى.
فهو قد عذر غیر المکفّر لهم هنا بجهلین ؛جهل الدلیل الشرعی ، وجهل الواقع (۶).
فإن المفتی أو الموقّع عن رب العالمین ؛ لا یمکنه ذلک ولا یصیب الحق به إلا بأن یجمع بین کلا المعرفتین أو العلمین ، معرفه الدلیل أو حکم الله فی ذلک وهو ما أشار إلیه بقوله: ( معرفه دین الإسلام ) ، ومعرفه حقیقه الواقعه أو المقاله المسؤول عنها ، وهو ما أشار إلیه بقوله: ( بمعرفه قولهم ) وقوله: وإن ( ادعى إنه لا یعرف حالهم ، عرّف حالهم ).
والجهل بشیء من هذین القسمین یحرم من إصابه الحق ، ویمنع من التوقیع عن رب العالمین ، لأن المتکلم یُوقّع حینها ویتکلم عن الله بلا علم.
ولذلک قال رحمه الله بین یدی فتواه فی التتار وعساکرهم المنتسبین للإسلام: ( الحمد لله رب العالمین ، نعم یجب قتال هؤلاء بکتاب الله وسنه رسوله ، واتفاق أئمه المسلمین ، وهذا مبنی على أصلین:
– أحدهما: المعرفه بحالهم.
– والثانی: معرفه حکم الله فی مثلهم. ) أهـ
ویقول تلمیذه ابن القیم رحمه الله تعالى موضحا لذلک فی اعلام الموقعین(۱/۸۷-۸۸):
( ولا یتمکن المفتی ولا الحاکم من الفتوى والحکم بالحق إلا بنوعین من الفهم؛
– أحدهما: فهم الواقع والفقه فیه واستنباط علم حقیقه ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتّى یحیط به علما.
– والنوع الثانی: فهم الواجب فی الواقع، وهو فهم حکم الله الذی حکم به فی کتابه أو على لسان رسوله -صلى الله علیه وسلم- فی هذا الواقع.
ثمّ یطبق أحدهما على الآخر ) أهـ.
وزیاده فی توضیح هذا الأمر وتأکیده أنقل لک بعض أقوال شیخ الإسلام رحمه الله تعالى ؛ الصریحه فی عذر الجهال بحقیقه مذهب هؤلاء الاتحادیه ، وعدم إنفاذه لما تحویه هذه القاعده من وعید بالتکفیر ؛ فیمن لم یکفرهم من الجهال ، إلا بعد إقامه الحجه علیهم.. وقد عرفت أنه یعنی بإقامه الحجه فی هذا المقام:
– تعریفهم بشناعه أقوال الاتحادیه وما تحویه من کفر صراح.
– وتعریفهم بمصادمتها لدین الإسلام إن کانوا ممن یجهل ذلک ، کحدیث العهد بالإسلام.
* قال رحمه الله فی الفتاوى أیضا: ( فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم کفرا وإلحادا من ظاهرها ، فإنه قد یظن أن ظاهرها من جنس کلام الشیوخ العارفین ، أهل التحقیق والتوحید ، وأما باطنها فإنه أعظم کفرا وکذبا وجهلا من کلام الیهود والنصارى وعباد الأصنام ، فکل من کان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم علیه کان أظهر کفرا وإلحادا ، أما الجهال الذی یحسنون الظن بقول هؤلاء ولا یفهمونهم ، ویعتقدون أنه من جنس کلام المشایخ ، العارفین الذین یتکلمون بکلام صحیح لا یفهمه کثیر من الناس ، فهؤلاء تجد فیهم إسلاما وإیمانا ومتابعه للکتاب والسنه بحسب إیمانهم التقلیدی وتجد فیهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم ، وتسلیما لهم بحسب جهلهم وضلالهم ، ولا یتصور أن یثنی على هؤلاء إلا کافر ملحد أو جاهل ضال ) أهـ. ( ۲/۲۲۲).
– وقال أیضا: ( ومن قال أن لقول هؤلاء سرا خفیا وباطن حق ، وأنه من الحقائق التی لا یطلع علیها إلا خواص خواص الخلق ، فهو أحد رجلین ، إما أن یکون من کبار الزنادقه أهل الإلحاد والمحال ، وإما أن یکون من کبار أهل الجهل والضلال ، فالزندیق یجب قتله والجاهل یعرف حقیقه الأمر فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قیام الحجه علیه وجب قتله ) أهـ (۲/۲۳۰)
– وانظر نحوه أیضا (۲/۸۵).
وهکذا إذا تتبعت تطبیق العلماء المحققین لهذه القاعده وجدته على هذه الجاده غالبا، وهذه أمثله مما هو تحت یدی الساعه:
• نقل القاضی عیاض عن محمد بن سحنون قوله: ( أجمع العلماء أن شاتم النبی صلى الله علیه وسلم المتنقّص له کافر ، والوعید جار علیه بعذاب الله له ، وحکمه عند الأمه القتل ، ومن شک بکفره وعذابه کفر ) أهـ. الشفا (۲/۲۱۵-۲۱۶) وذکره شیخ الإسلام فی الصارم ص ۴٫
فتأمل هذا الموضع تراه متسقا مع ما قدمناه لا یخرج عنه..
– فشتم النبی صلى الله علیه وسلم کما ذکر محمد بن سحنون نفسه کفر بإجماع العلماء ، وقد نقل شیخ الإسلام الإجماع على ذلک فی الصارم المسلول عن الإمام اسحاق بن راهویه ، وحکاه عن غیر واحد من أهل العلم ، أنظر ( المسأله الأولى ) ص ۳ فصاعدا.
– کما قرر شیخ الإسلام فی الصارم المسلول أیضا أن رده شاتم الرسول صلى الله علیه وسلم رده مغلظه وزائده ، انظر ص (۲۹۷)وغیرها.
وان فیها من الأذى لله ولرسوله صلى الله علیه وسلم ولعباده المؤمنین ما لیس فی الکفر والمحاربه انظر صفحه (۲۹۴) وغیرها ، وأنها أشد من کفر وشرک الیهود والنصارى الذین یقرّون علیه فی دار الإسلام بالجزیه ، ولا یقرون لا هم ولا غیرهم على شتم الرسول صلى الله علیه وسلم بحال. أنظر ص (۲۴۶)فصاعدا.
بقی أن تتنبّه إلى أن إیراد القاعده المذکوره هنا إنما هو فی الشتم والتنقّص الصریح ، لا فی الإطلاقات المحتمله غیر الصریحه ، بدلیل ما قدمناه لک فی المواضع السابقه من تثبت العلماء ومنهم القاضی عیاض صاحب النقل أعلاه وتریثهم وخلافهم فی تکفیر من صدر منه قولا محتملا فی هذا الباب ، واستفصالهم قبل التکفیر بالمحتملات ونظرهم بالقصد والقرائن والعرف..
کل ذلک فی تکفیر صاحب المقاله المحتمله !! فما بالک فی تکفیر من لم یکفره.. ؟
• وقال شیخ الإسلام ابن تیمیه فی الفتاوى (۳۵/۹۸) وهو یتکلم فی طائفه الدروز: ( کفر هؤلاء مما لا یختلف فیه المسلمون ، بل من شک فی کفرهم فهو کافر مثلهم ، لا هم بمنزله أهل الکتاب ولا المشرکین ، بل هم الکفره الضالون فلا یباح أکل طعامهم.. الخ )
– فتأمل کیف ذکر قبل إطلاقه للقاعده المذکوره أن کفر هؤلاء مما لا یختلف فیه المسلمون..
– وذکر أنهم لیسوا بمنزله أهل الکتاب ، یعنی انهم شرّ منهم.. فقد کان ذکر فی الموضع نفسه أنهم یُألّهون (الحاکم) العبیدی ویسمونه (الباری العلام ) وأنهم
( من القرامطه الباطنیه الذین هم أکفر من الیهود والنصارى ومشرکی العرب ) أهـ.
فهذا متسق مع ما قدمناه لک.. فقس علیه تصب إن شاء الله..
• وقال فی الصارم المسلول (۵۸۶-۵۸۷ ) فی تفصیل القول فی من سب الصحابه: ( أما من اقترن بسبّه دعوى أن علیا إله ، أو أنه کان هو النبی ، وإنما غلط جبریل فی الرساله ، فهذا لا شک فی کفره ، بل لا شک فی کفر من توقف فی تکفیره (۷).
وکذلک من زعم منهم أن القرآن نقص منه آیات وکتمت ، أو زعم أن له تأویلات باطنه تسقط الأعمال المشروعه ، ونحو ذلک ، وهؤلاء یسمون القرامطه والباطنیه ومنهم التناسخیه ، وهؤلاء لا خلاف فی کفرهم.
وأما من سبهم سبا لا یقدح فی عدالتهم ولا فی دینهم – مثل وصف بعضهم بالبخل ، أو الجبن أو قله العلم أو عدم الزهد ، ونحو ذلک ، فهذا هو الذی یستحق التأدیب والتعزیر ، ولا نحکم بکفره بمجرد ذلک ، وعلى هذا یحمل کلام من لم یکفرهم من أهل العلم.
وأما من لعن وقبحّ مطلقا فهذا محل الخلاف فیهم ؛ لتردد الأمر بین لعن البغض ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلک إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله علیه وسلم إلا نفرا قلیلا لا یبلغون بضعه عشره نفسا ،أو أنهم فسقوا عامتهم ؛فهذا لا ریب أیضا فی کفره لأنه مکذب لما نصه القرآن فی غیر موضع ؛ من الرضى عنهم والثناء علیهم،بل من یشک فی کفر مثل هذا فإن کفره متعین ،فإن مضمون (۸)هذه المقاله أن نقله الکتاب والسنه کفار أو فساق ، وأن هذه الآیه التی هی (( کنتم خیر أمه أخرجت للناس )) وخیرها هو القرن الأول ؛ کان عامّتهم کفارا أو فساقا ، ومضمونها أن هذه الأمه شر الأمم ، وأن سابقی هذه الأمه هم شرارها، وکفر هذا مما یعلم بالاضطرار من دین الإسلام.. ) إلى أن قال: ( وبالجمله فمن أصناف السابّه من لا ریب فی کفره ، ومنهم من لا یحکم بکفره ، ومنهم من تردد فیه.. ) أهـ.
* واکتفی بهذا لألخص ما سبق فأقول:
– بأن هذه القاعده تستعمل فی تأکید الکفر الواضح الجلی الذی هو مثل کفر الیهود والنصارى أو أشد وأوضح بحیث أن الممتنع عن تکفیرهم یکون کالمکذّب بنص شرعی قطعی الدلاله ومثل هذا کافر بالإجماع.
ومنه تعرف النکته فی ذکر أهل العلم کالشیخ محمد بن عبد الوهاب وغیره الإجماع عند إطلاقهم لهذه القاعده.
– ومع هذا فلا یکفر بها الممتنع عن تکفیرهم من جهال المسلمین ؛ إلا بعد إقامه الحجه علیه ، بمعرفه مقالاتهم الکفریه إن کان ممن یجهل حالهم ، وبمعرفه مناقضتها لدین الإسلام إن کان ممن یجهل ذلک کحدیث العهد به.
– وعلى هذا فیمکن القول أن هذه القاعده بما حوته من وعید التکفیر لمن لم یکفر الکافر ؛ شأنها شأن سائر نصوص الوعید فی إطلاقات العلماء ؛ فهم یطلقون القول فی هذه القاعده إذا کان الکلام عاما فی الطوائف أو النحل والأقوال والمعتقدات المنحرفه عن منهج أهل السنه ، لکن عند تنزیل هذه القاعده على الأعیان لا بد من النظر فی توفّر شروط التکفیر وانتفاء موانعه ، شأنهم مع سائر نصوص الوعید ؛ ولذلک فمن الضروری أن أذکّر هنا بقول شیخ الإسلام الذی قدمته فی ضروره التفریق بین التکفیر المطلق وتکفیر المعین سواء فی فهم کلام الشارع ، أو عند تناول کلام الأئمه واستعماله ، لضروره ربطه بهذه القاعده.
قال رحمه الله: ( وحقیقه الأمر: أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمه ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشارع ، کلما رأوهم قالوا: من قال کذا فهو کافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامه الأئمه الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم هذا الکلام بعینه ) أهـ من الفتاوى وقد تقدم.
– ومن ثم فلا یصح التسلسل الذی یفعله کثیر من الغلاه فی هذه القاعده ، فإذا کان القائلون بها لا یکفرون من لا یکفر الاتحادیه ونحوهم بأعیانهم إلا بعد إقامه الحجه ؛ فمن باب أولى أن لا یکفروا من لا یکفر من لم یکفرهم.. وهکذا.. وهذا التسلسل البغیض یطلقه بعض جهال الغلاه فی مخالفیهم فی أبواب التکفیر بالمحتملات والتکفیر بالمآل والتکفیر بالمسائل الخفیه ونحوها من الأمور المشکله ؛ وقد رأیت شروط القائلین بها من أهل العلم فی کفر ککفر الیهود والنصارى أو أظهر.. فإذا کان هذا التشدید والاحتیاط منهم فی أول السلسله وأصلها ، فلا شک أن احتیاطهم وتشدیدهم سیکون أعظم وأعظم فی تکفیر من یأتی بعد ذلک ممن لم یکفر من لم یکفرهم ، ومن لم یکفر من لم یکفر من لم یکفرهم !!!!! إلى آخر ما یسلسل به الغلاه..
ولا شک أن هذا أعسر وأعسر ، ولکنه مع دافع الهوى یسیر.
• وبعد فإذا کنت قد فهمت ما تقدم فقد صار معلوما لدیک ؛ أنه لا یعقل بعد هذا استعمال مثل هذه القاعده أو تنزیلها على من امتنع من تکفیر بعض المنتسبین للإسلام ممن قامت عنده على تکفیرهم بعض الأدله المعارضه التی ظنها موانع للتکفیر أو الشبهات الوارده علیه من فهمه لبعض النصوص..
– کتارک الصلاه ، فإن من لم یکفره وإن کان مخطئا إلا أنه لا یجحد الأدله الصحیحه القاضیه بکفره ، بل یؤمن بها ویصدق ولکن یؤولها بالکفر الأصغر ،أو یخصصها فیمن جحد الصلاه دون من ترکها تکاسلا ، لتعارض ظاهر بعض النصوص الأخرى معها ، کحدیث ( خمس صلوات کتبهن الله على العباد.. وفیه قوله: ومن لم یأتی بهن فلیس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ). رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائی وغیرهم ، ونحو ذلک من حجج القائلین بذلک ؛ وهم کثیر ، ومنهم أئمه جبال کمالک والشافعی وغیرهم ممن لم یکفر من ترکها تکاسلا.. فلم نسمع أن أحدا من المخالفین لهم ؛ القائلین بکفره کالإمام أحمد فی إحدى الروایتین عنه ، وعبد الله بن مبارک و اسحاق بن راهویه وغیرهم قالوا بکفرهم أو طبّقوا قاعده ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) علیهم ؛ فضلا عن أن یسلسلوا فیکفروا من لم یکفر من لم یکفر من لم یکفرهم !!!!!
– وکذلک الشأن فی خلافهم فی سائر المبانی..
– ومثل هذا خلاف الصحابه فی ابن صیاد هل هو الدجال أم لا ، فإن الدجال لا شک فی کفره ، ومع هذا لم یکفر بعضهم بعضا.
– وألحق البعض فی هذا الباب ما ذکره الله تعالى من خلاف الصحابه فی طائفه من المنافقین ، فقال سبحانه: (( فما لکم فی المنافقین فئتین والله أرکسهم بما کسبوا أتریدون أن تهدوا من أضل الله ومن یضلل الله فلن تجد له سبیلا ))
ومع هذا لم تکفر إحدى الفئتین الفئه الأخرى المخالفه لهم فی هؤلاء المنافقین.
– ومن ذلک توقف عمر الفاروق فی أمر مانعی الزکاه لما عزم الصدیق على قتالهم – وسیأتی – فقد أشکلت المسأله على عمر رضی الله عنه کونهم یقولون لا إله إلا الله ، ومع هذا لم یکفره الصدیق بل کشف له الشبهه وأبان له المحجه ، ولا یقال أن هذا لا یصلح إیراده هاهنا لأن عمر إنما أشکل علیه قتالهم لا تکفیرهم ، وذلک لأن کل أحد یعلم أن القتال الذی دعا إلیه الصدیق وسارت سیرته معهم فیه ؛ کان قتال رده لا قتال بغاه أو نحوهم وهذا هو الذی أشکل على عمر رضی الله عنه.
– ومثله خلاف السلف فی تکفیر بعض الظلمه والطغاه من الولاه أو غیرهم ، کخلافهم فی الحجاج فإنه معروف ، وأکثر السلف لم یکونوا یکفرونه ، وکانوا یصلون خلفه ، وصح عن بعضهم أنه کفره ؛ منهم سعید بن جبیر قیل له: خرجت على الحجاج ؟ قال: ( إنی والله ما خرجت علیه حتى کفر ؟ ).
ومنهم مجاهد سأل عنه فقال: ( تسألنی عن الشیخ الکافر ).
وروى ابن عساکر عن الشعبی أنه قال: ( الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت کافر بالله العظیم ).
بل بلغ الأمر بإبراهیم النخعی أن قال: ( کفى بالرجل عمى أن یعمى عن أمر الحجاج )..
ومع هذا فلم یصف لا هو ولا غیره ممن کفروا الحجاج أحدا بعینه ممن خالفوهم فی ذلک بأنه أعمى ، فضلا على أن یعملوا فیه قاعده ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) ثم یسلسلوا بها..
بل صح عن طاووس انه قال: ( عجبا لإخواننا من أهل العراق یسمّون الحجاج مؤمنا ؟ ! ) (۹).
فوصفهم بإخوانه ، وهذا هو الحق الذی لا مریّه فیه.. لأن من توقف فی تکفیره من أهل العلم إنما توقف لأنه حکم له بأصل التوحید الذی یدین به ، ولم یبلغه عنه کفر بواح.. فهو مجتهد فی ذلک لم یکذّب بنص من نصوص الشرع.
هذا إذا کان طاووس یقصد تکفیره بهذا ، أما إذا کان یقصد ما ذکره الذهبی فی السیر (۵/۴۴) بعد أن أورد مقالته هذه ،حیث قال: ( یشیر إلى المرجئه منهم،الذین یقولون: هو مؤمن کامل الإیمان مع عسفه وسفکه الدماء وسبه الصحابه ) أهـ.
فإنه یعنی بذلک مرجئه الفقهاء الذین لم یکن یکفرهم السلف لمجرد خطئهم فی تعریف الإیمان وعدم إدخال الأعمال فیه ، فإنهم وإن کانوا یرون الفاسق الفاجر مؤمنا کامل الإیمان لا تنقص ذنوبه إیمانه ،وهذا قولهم فی الحجاج ؛ إلا إنهم لم یکونوا یسوّغون الکفر أویرقّعونه أو یسمونه إیمانا، ولو ثبت عندهم کفر الحجاج لما سمّوه مؤمنا، ولذلک لم یخرجهم هو وغیرهم من السلف من الأخوّه الإیمانیه رغم ضلالهم ، هذا بخلاف غلاه المرجئه الذین کفّرهم السلف کوکیع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبی عبید، وغیرهم.
– وکذلک یقال فی نزاع السلف فی تکفیر کثیر من أهل الأهواء کالخوارج والقدریه والجهمیه ونحوهم ، وقد تکلم شیخ الإسلام فی ذلک فی مواضع کثیره من الفتاوى وذکر (۱۲/۲۶۰-۲۶۱) ما وقع فیها من الاضطراب بین العلماء ، وسرد مذهب الإمام أحمد وأصحابه وغیرهم من أهل السنه فی الخلاف فی تکفیر بعض تلک الطوائف ؛ ولم یذکر أن المکفرین منهم کفروا غیر المکفرین ، ولا ذکر ذلک غیره عنهم.. بل ذکر وبیّن عذرهم فی ذلک الخلاف ، فقال: ( وسبب التنازع تعارض الأدله ، فإنهم یرون أدله توجب إلحاق الکفر بهم ؛ ثم إنهم یرون من الأعیان الذین قالوا تلک المقالات من قام به من الإیمان ما یمتنع أن یکون کافرا ، فیتعارض عندهم الدلیلان ) أهـ. (۱۲/۲۶۰-۲۶۱)
وقال فی موضع آخر: ( وهکذا الأقوال التی یکفر قائلها قد یکون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبه لمعرفه الحق ، وقد تکون عنده ولم تثبت عنده ، أو لم یتمکن من فهمها ، وقد یکون قد عرضت له شبهات یعذره الله تعالى بها ، فمن کان من المؤمنین مجتهدا فی طلب الحق وأخطأ ، فإن الله یغفر له خطاه – کائنا ما کان – سواء کان فی المسائل النظریه ، أو العملیه. هذا الذی علیه أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم ، وجماهیر أئمه الإسلام ) أهـ. (۲۳/۱۹۵-۱۹۶).
وذکر فی موضع آخر نزاع الصحابه فی المسائل الخبریه ، ومن ذلک قول عائشه رضی الله عنها: ( من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفریه ) ؛ ثم قال: ( ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعین لها ؛ إنه مفتر على الله ) ثم قال: ( والتکفیر هو من الوعید ، فإنه وإن کان القول تکذیبا لما قاله الرسول صلى الله علیه وسلم ، لکن قد یکون الرجل حدیث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادیه بعیده ، ومثل هذا لا یکفر بجحد ما یجحده حتى تقوم علیه الحجه ، وقد یکون الرجل لم یسمع تلک النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأویلها وإن کان مخطئاً ) أهـ. ( ۳/۱۴۸).
فتأمل هذه المواضع ، فإنها مهمه ، توسّع مدارکک ، وتفقهک فی هذه الأبواب ، وتجنبک التعنّت والتهور فی التکفیر ، أو التطاول على المجتهدین من أهل العلم ، وتعرّفک بأعذار من یتوقّف منهم ومن غیرهم من المؤمنین عن متابعه بعض أخبار الشرع أو أحکامه أو الإقرار بها ، سواء أکانت فی أبواب التکفیر أم فی غیر ذلک.. وقد حصرها شیخ الإسلام هنا بخمسه أعذار: (۱۰)
۱- تعارض الأدله عندهم مما یوجب تأویلهم لبعضها.
۲- عدم بلوغ بعض النصوص إلیهم ،سواء لحداثه العهد بالإسلام ، أو للنشوء فی بادیه بعیده ، أو نحو ذلک.
۳- عدم ثبوتها عندهم.
۴- عدم التمکن من فهمها لخفائها أو إشکالها ، أو ضعف إدراک أو قله علم متلقیها.
۵- عروض بعض الشبهات التی یعذر طالب الحق بها.
فمن أوّل النص أو ردّه ، أو امتنع عن الأخذ به لسبب من هذه الأسباب ، فإنه لا یعتبر مکذّبا أو جاحدا للنص ، ومن ثم فلا یجوز أن تطبّق على مثله قاعده ( من لم یکفر الکافر.. ) فضلا عن إطلاق التسلسل بها..
* وتنبّه إلى أن هذا الکلام یشمل کما هو بیّن من لم یکفر الکافر رادا بعض الأدله للأعذار المذکوره ؛ فمن باب أولى أن یدخل فیه من لم یکفّر من کفره بعض الناس دون إیراد أدله صحیحه أو صریحه على تکفیرهم ؛ لضعفهم فی مفاتیح العلم أو لعدم معرفتهم بطرق الاستدلال أو لخطئهم فی ذلک الحکم.. !!
ولا بد من التنبّه لهذا کله ومرعاته ، فإن الخلاف فی باب الأسماء ومسائل التکفیر واسع ، ومن رام إقناع مخالفیه بتکفیر من یکفرهم هو ، فعلیه بأدله الشرع ولیراعِ طرق الاستدلال الصحیحه بها ، قال تعالى: (( قل إنما أنذرکم بالوحی )).
ومن أفلس من ذلک فلا خیر ولا فلاح له فی غیره قال تعالى: (( فبأی حدیث بعد الله وآیاته یؤمنون )) ؟؟ ولا خیر له بأسالیب الإرهاب الفکری أو التکفیری ، فإنها لا تضر إلا صاحبها ،ولا خیر فیمن تبنّى مذهبه خوفا منها أو تضررا بها.. وما أسرع أن یترک ذلک فی أقرب فرصه ولأدنى شبهه ،فالحق الذی یبارک الله فیه هو فی المذهب الأسَدّ الموافق لأدله الشرع؛لا فی المذهب الأشَدّ الموافق للنزوات..
ولیعلم أنه إن کان همه أن یبحث عن أقاویل وإطلاقات فی غیر کلام الله وکلام رسوله تؤید مذهبه وترقعه ؛ فلن یعدم ذلک..
فمن أعجب ما مرّ علی فی تتبعی لتعامل الناس مع هذه القاعده ، قول (الصولی) یمدح الخلیفه المکتفی بالله (۲۸۹هـ-۲۹۵هـ) عندما قتل عسکره یحیى بن زکرویه القرمطی:
من رأى أن مؤمنا من عصاکم فقد کفر
أنزل الله ذاکم قبل فی محکم السور
ومعناه ؛ أن من لم یکفّر أو یفسق من عصاکم أو خرج علیکم، فقد کفر ، ویزعم أن هذا الحکم دل علیه القرآن.. !! (۱۱)
فیقال له: أین قال الله تعالى هذا فی محکم السور ؟؟ فتأمل کیف استخدمت القاعده هنا لإدخال الناس فی الطاعه ، وتخویفهم وإرهابهم من الخروج وشق العصا.. ومع أن فی نصوص الشارع عن ذلک غنیه لأهل العدل.. ولکنه تهور الشعراء ، فحذار من الاغترار بمثله فإنه من مجازفات الشعراء وقد قال تعالى فیهم:
(( والشعراء یتبّعهم الغاوون * ألم تر أنّهم فی کل واد یهیمون )) !!
وهذه رساله من رسائل الشیخ عبد اللطیف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشیخ یخاطب فیها حول هذا الموضوع بعض المتسرعین فی زمانه ممن انتسبوا إلى دعوه الشیخ محمد بن عبد الوهاب وأساءوا استعمال بعض إطلاقاته ،دون أن یتنبهوا إلى الأصل الذی ذکره شیخ الإسلام فیما تقدم وهو قوله: ( وحقیقه الأمر: أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمه ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشارع ، کلما رأوهم قالوا: من قال کذا فهو کافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامه الأئمه الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم هذا الکلام بعینه ) أهـ…
أوردها زیاده فی الفائده ؛ وإلا فإن الشیخ محمد بن عبد الوهاب هو وأولاده وأحفاده کما قد ذکرنا من قبل یصدرون فی هذا الباب عن مشکاه شیخ الإسلام.
( من عبد اللطیف بن عبد الرحمن بن حسن ، إلى عبد العزیز الخطیب.
سلام على عباد الله الصالحین. وبعد فقرأت ، رسالتک وعرفت مضمونها وما قصدته من الاعتذار ، ولکن أسأت فی قولک أن ما أنکره شیخنا الوالد من تکفیرکم أهل الحق واعتقاد إصابتکم أنه لم یصدر منکم ، وتذکر أن إخوانک من أهل النقیع یجادلونک وینازعونک فی شأننا ، وأنهم ینسبوننا إلى السکوت عن بعض الأمور ، وأنت تعرف انهم یذکرون هذا غالباَ على سبیل القدح فی العقیده ، والطعن فی الطریقه ، وإن لم یصرحوا بالتکفیر فقد حاموا حول الحمى. فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، ومن الغی عن سبیل الرشد والعمى.
وقد رأیت سنه أربع وستین رجلین من أشباهکم المارقین بالإحساء قد اعتزلا الجمعه والجماعه ، وکفَّرا من فی تلک البلاد من المسلمین ، وحجتهم من جنس حجتکم ،یقولون: أهل الإحساء یجالسون ابن فیروز ، ویخالطونه هو وأمثاله ممن لم یکفر بالطاغوت ، ولم یصرح بتکفیر جده الذی رد دعوه الشیخ محمد ولم یقبلها وعاداها. قالا: ومن لم یصرح بکفره فهو کافر بالله لم یکفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتین المقدمتین الکاذبتین الضالتین ما یترتب على الرده الصریحه من الأحکام ، حتى ترکوا رد السلام. فرفع إلی أمرهم ، فأحضرتهم وهددتهم ، وأغلظت لهم القول. فزعموا أولا أنهم على عقیده الشیخ محمد بن عبد الوهاب ، وأن رسائله عندهم ، فکشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم ، بما حضرنی فی المجلس ، وأخبرتهم ببراءه الشیخ من هذا المعتقد والمذهب ، فانه لا یکفر إلا بما أجمع المسلمون على تکفیر فاعله من الشرک الأکبر ، والکفر بآیات الله ورسله أو بشیء منها ، بعد قیام الحجه وبلوغها المعتبر ، کتکفیر من عبد الصالحین ودعاهم مع الله ، وجعلهم أندادا فیما یستحقه على خلقه من العبادات والإلهیه. وهذا مجمع علیه عند أَهل العلم والإیمان …..
وقد أظهر الفارسیان المذکوران التوبه والندم وزعما أن الحق ظهر لهما ،ثم لحقا بالساحل وعادا إلى تلک المقاله ، وبلغنا عنهم تکفیر أئمه المسلمین ، بمکاتبه الملوک المصریین ، بل کفّروا من خالط من کاتبهم من مشایخ المسلمین ، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، والحور بعد الکور ، وقد بلغنا عنکم نحوا من هذا ، وخضتم فی مسائل من هذا الباب ، کالکلام فی الموالاه والمعاداه ، والمصالحه والمکاتبات ، وبذل الأموال والهدایا ونحو ذلک من مقاله أهل الشرک بالله والضلالات ، والحکم بغیر ما أنزل الله عند البوادی ونحوهم من الجفاه ، لا یتکلم فیها إلا العلماء من ذوی الألباب ، ومن رزق الفهم عن الله وأوتی الحکمه وفصل الخطاب ، والکلام فی هذا یتوقف على معرفه ما قدمناه ومعرفه أصول عامه کلیه لا یجوز الکلام فی هذا الباب وفی غیره لمن جهلها ؛ وأعرض عنها وعن تفاصیلها ، فإن الإجمال والإطلاق ، وعدم العلم بمعرفه مواقع الخطاب وتفاصیله ، یحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما یفسد الأدیان ، ویشتت الأذهان ، ویحول بینها وبین فهم القرآن ، قال ابن القیم فی کافیته رحمه الله تعالى:
فعلیک بالتفصیل والتبیین فالإ طلاق والإجمال دون بیان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأ ذهان والآراء کل زمان
وأما التکفیر بهذه الأمور التی ظننتموها من مکفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحروریه المارقین الخارجین على علی بن أبی طالب أمیر المؤمنین ومن معه من الصحابه ، فإنهم أنکروا علیهم تحکیم أبى موسى الأشعری وعمرو بن العاص فی الفتنه التی وقعت بینه وبین معاویه وأهل الشام ، فأنکرت الخوارج علیه ذلک وهم فی الأصل من أصحابه من قراء الکوفه والبصره وقالوا حکمت الرجال فی دین الله ، ووالیت معاویه وعمراً وتولیتهما وقد قال تعالى: ( إن الحکم إلا لله ) وضربت المده بینکم وبینهم وقد قطع الله هذه الموادعه والمهادنه منذ أنزلت براءه ….. ) ص( ۴-۶) وسرد بعض أخبار الخوارج التی سنأتی علیها فی آخر هذا الکتاب.
ثم قال ص(۷): ( ولفظ الظلم والمعصیه والفسوق والفجور والموالاه والمعاداه والرکون والشرک ونحو ذلک من الألفاظ الوارده فی الکتاب والسنه قد یراد بها مسمّاها المطلق وحقیقتها المطلقه ، وقد یراد بها مطلق الحقیقه ، والأول هو الأصل عند الأصولیین والثانی لا یحمل الکلام علیه إلا بقرینه لفظیه أو معنویه ؛ وإنما یعرف ذلک بالبیان النبوی وتفسیر السنه قال تعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لیبین لهم ) الآیه …
إلى أن قال ص(۸):
( وأما إلحاق الوعید المرتب على بعض الذنوب والکبائر فقد یمنع منه مانع فی حق المعین کحب الله ورسوله والجهاد فی سبیله ورجحان الحسنات ومغفره الله ورحمته وشفاعه المؤمنین والمصائب المکفره فی الدور الثلاثه. وکذلک لا یشهدون لمعین من أهل القبله بجنه ولا نار ، وإن أطلقوا الوعید کما أطلقه القرآن والسنه فهم یفرقون بین العام المطلق ، والخاص المقید ، وکان عبد الله ( حمار ) یشرب الخمر فأتى به رسول الله صلى الله علیه وسلم فلعنه رجل وقال ما أکثر ما یؤتی به إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال النبی صلى الله علیه وسلم (( لا تلعنه فإنه یحب الله ورسوله )) مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحموله إلیه.. )
وقال ص(۱۰):
( وأما قوله (( ومن یتولهم منکم فإنه منهم ))
وقوله (( لا تجد قوما یؤمنون بالله والیوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله ))
وقوله تعالى (( یا أیها الذین آمنوا لا تتخذوا الذین اتخذوا دینکم هزوا ولعبا من الذین أوتوا الکتاب من قبلکم والکفار أولیاء واتقوا الله إن کنتم مؤمنین )) فقد فسرته السنه وقیدته وخصته بالموالاه المطلقه العامه. وأصل الموالاه هو الحب والنصره والصداقه ، ودون ذلک مراتب متعدده ولکل ذنب حظه وقسطه من الوعید والذم ، وهذا عند السلف الراسخین فی العلم من الصحابه والتابعین معروف فی هذا الباب وغیره ، وإنما أشکل الأمر ، وخفیت المعانی والتبست الأحکام على خلوف من العجم والمولدین الذین لا درایه لهم بهذا الشان ، ولا ممارسه لهم بمعانی السنه والقرآن ، ولهذا قال الحسن رضی الله عنه: من العجمه أتوا. وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبید لما ناظره فی مسأله خلود أهل الکبائر فی النار واحتج ابن عبید أن هذا وعد والله لا یخلف وعده یشیر إلى ما فی القرآن من الوعید على بعض الکبائر والذنوب بالنار والخلود فقال له ابن العلاء: من العجمه أتیت ، هذا وعید لا وعد وانشد قول الشاعر:
وإنی وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إیعادی ومنجز موعدی
وقال بعض الأئمه فیما نقل البخاری أو غیره إن من سعاده الأعجمی والأعرابی إذا أسلما أن یوفقا لصاحب سنه ، وإِن من شقاوتهما أن یمتحنا وییسرا لصاحب هوى وبدعه.
وقال ص( ۱۱-۱۲ ):
( وقد بلغنی أنکم تأولتم قوله تعالى فی سوره محمد ( ذلک بأنهم قالوا للذین کرهوا ما نزل الله سنطیعکم فی بعض الأمر ) على بعض ما یجری من أمراء الوقت من مکاتبه أو مصالحه أو هدنه لبعض رؤساء الضالین ، والملوک المشرکین ، ولم تنظروا لأول الآیه وهی قوله: ( إن الذین ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبین لهم الهدى ) ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعه ، ولا المراد من الأمر المعرّف (۱۴) المذکور فی قوله تعالى فی هذه الآیه الکریمه وفی قصه صلح الحدیبیه وما طلبه المشرکون واشترطوه وأجابهم إلیه رسول الله صلى الله علیه وسلم ما یکفی فی رد مفهومکم ودحض أباطیلکم.. ) أهـ. باختصار من الجزء الثالث من مجموعه الرسائل والمسائل النجدیه.
وأورد رحمه الله فی (منهاج التأسیس والتقدیس فی کشف شبهات داود بن جرجیس) رساله لجده محمد بن عبد الوهاب ؛ قال فیها:
( سألنی الشریف عما نقاتل علیه،وعما نکفر الرجل به ؟
فأخبرت بالصدق،وبینت له أیضاً الکذب الذی یبهتنا به الأعداء… فکان مما قال: ( وأما الکذب والبهتان: أنّا نکفر بالعموم، ونوجب الهجره إلینا على من قدر على إظهار دینه،وأنّا نکفر من لم یکفر ولم یقاتل،ومثل هذا وأضعاف أضعافه. فکل هذا من الکذب والبهتان الذی یصد به ورثه أبی جهل من سدنه الأصنام وأئمه الکفر ؛الناس عن دین الله ورسوله؛ وإنّا لا نکفر إلا من کفره الله ورسوله،من المشرکین عباد الأصنام کالذین یعبدون الصنم الذی على قبر عبد القادر والصنم الذی على قبر أحمد البدوی وأمثالهما أما الذین آمنوا بالله وکتبه ورسله والیوم الآخر وجاهدوا فی الله حق جهاده فهم إخواننا فی الدین وإن لم یهاجروا إلینا. فکیف نکفر هؤلاء؟ سبحانک هذا بهتان عظیم. ) أهـ. ص(۸۸ -۸۹ ).
وأخیرا.. فإننا نقول بناءا على ما قدمناه لک من تفصیل.. أن من خالفنا – من المسلمین – فی تکفیر طواغیت الحکم أو أنصارهم وعساکرهم وأجنادهم ، فتوقف فی ذلک أو امتنع من تکفیرهم ، لنصوص تعارضت عنده (۱۲)، أو شبهات أشکلت علیه ، کاحتجاج کثیر ممن لم ترسخ قدمهم فی العلم والفهم ، بأنهم یقولون ( لا إله إلا الله ) أو بأنهم یصلون ، أو نحو ذلک من الشبهات التی رددنا علیها وکشفناها فی غیر هذا الموضع (۱۳)؛ فإننا وإن کنا نراهم أجهل ممن استجهلهم الأئمه لعدم تکفیرهم الجهمیه.. وأشد عمایه ممن رماهم النخعی بالعمى لتوقفهم فی تکفیر الحجاج.. إلا أننا مع ذلک لا نُکفّرهم ولا نعمل هذه القاعده فیهم – لأجل هذه المخالفه وحدها – ما دام عندهم أصل التوحید ، وما دام توقفهم لباعث الجهل أو لقیام شبهات أو تعارض نصوص فی أذهانهم.. إذ لیس فی ذلک جحدا أو تکذیبا وردا للنصوص الصحیحه الصریحه القاضیه بتکفیر الطواغیت وأنصارهم ؛ بشرط أن لا یؤدی ذلک بهم إلى اقتحام سبب من أسباب الکفر ، کالانضمام إلى أجنادهم وعسکرهم والانخراط فی نصرتهم أو نصره تشریعاتهم وقوانینهم الکفریه ، أو المشارکه فی تشریعها أو تفعیلها وتحکیمها وحراستها.. کما سنفصله فی خاتمه هذا الفصل ، ومقالتنا هذه لیست بدعا من القول بین أهل العلم ، بل لنا بمثلها سلف..
فقد ذکر شیخ الإسلام فی الفتاوى ( ۳۵/۷۹) أن العبیدیین من أکفر الناس ، ومعلوم ما کانوا علیه من الرده وتغییر الشرائع.. ثم ذکر أنه لا یدّعی أن منهم الإمام المعصوم ( إلا جاهل مبسوط الجهل أو زندیق یقول بلا علم ) هذا فیمن ادعى العصمه فی بعضهم.. أما من شهد لهم بالإیمان ولم یکفرهم.. فإنه لم یحکم بتکفیره ولا أورد علیه قاعده ( من لم یکفر الکافر.. ) التی تقدم إطلاقه لها بمواضع شتى.. بل وصفه بأنه ( شهد بما لا یعلم.. ).
فقال (۳۵/۸۰): ( وهؤلاء القوم {أی العبیدیین } یشهد علیهم علماء الأمه وأئمتها وجماهیرها ، أنهم کانوا منافقین زنادقه یظهرون الإسلام ویبطنون الکفر ، فإذا قُدّر أن بعض الناس خالفهم فی ذلک صار فی إیمانهم خلاف مشهور ، فالشاهد لهم بالإیمان شاهد بما لا یعلم.. ).
وقال ص(۸۱): ( وإذا کان کذلک فمن شهد لهم بصحه نسب أو إیمان ، فأقل ما فی شهادته أنه شاهد بلا علم ، قاف ما لیس له به علم ، وذلک حرام باتفاق الأئمه ) أهـ.
فتأمل قوله هذا – فإنه مهم ، إذ هو فیمن لا یکفر العبیدیین الذین لا یقلّون کفرا عن طواغیت هذا الزمان ، وإیاک ثم إیاک أن تزل بک قدم الإفراط والمغالاه فتصیر ممن جعل هذه القاعده أصل الدین ، یدور الإسلام عنده معها وجودا وعدما ، فیعقد على موافقته على تکفیر من یکفرهم عقد الولاء والبراء ، والمؤاخاه والمعاداه ، فمن کفر من یکفرهم فهو له ولی حمیم ؛ ولو کان من شر الخلق والخلیقه ، ومن خالفه فی ذلک عن جهل أو اجتهاد ؛ فهو من أعدائه بل من أعداء الله الکافرین !! أسأل الله تعالى أن یُجنّبنی وإیاک مواقع الزلل ، وأن یجعلنا ممن یستمعون القول فیتبعون أحسنه.
وأذکرک فی ختام هذا الموضع ، وقبل أن أنتقل إلى غیره بقوله رحمه الله تعالى فی الفتاوى: ( فمن عیوب أهل البدع تکفیر بعضهم بعضا ، ومن ممادح أهل العلم ؛ یخطّؤون ولا یکفّرون.
وسبب ذلک أن أحدهم یظن ما لیس بکفر کفرا ، وقد یکون کفرا ، لأنه تبین له أنه تکذیبٌ للرسول وسبٌ للخالق ، والآخر لم یتبین له ذلک.
فلا یلزم إذا کان هذا العالم بحاله یکفر إذا قاله ، أن یکفر من لم یعلم بحاله ) أهـ منهاج السنه (۳/۶۳).

((۱۲))
التکفیر بالمآل أو بلازم القول
ومن الأخطاء الشائعه فی التکفیر أیضاً ؛ التکفیر بالمآل أو بلازم القول وهو أن لا یصرّح المکلف بقول مکفر، وإنما یصرح بأقوال یلزم عنها الکفر، وهو لا یعتقد ذلک اللزوم( )، بل ربما کان لا یعرفه ولا خطر له على بال، فإن لم یعرف صاحب القول لازمه ویلتزمه، فلا یجوز إلزامه به، أو تقویله إیاه أو نسبته إلیه، ومن ثم تکفیره بذلک اللازم.
وقد رأیت من الغلاه فی زماننا من یتتبع العثرات، ویصطاد فی الماء العکر، فیکفّر بلازم الأقوال بل وبلازم اللازم…!!
یقول ابن حزم رحمه الله: ( وأما من کفّر الناس بما تؤول إلیه أقوالهم فخطأ؛ لأنه کذب على الخصم وتقویل له ما لم یقل به، وإن لزمه فلم یحصل على غیر التناقض فقط، والتناقض لیس کفراً. بل قد أحسن إذ قد فرّ من الکفر.. ) إلى أن قال: ( فصح أنه لا یکفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ینفع أحد أن یعبر عن معتقده بلفظ یحسّن به قبحه، لکن المحکوم به هو مقتضى قوله فقط ) أهـ. الفصل (۳/۲۹۴).
فالصواب المقرر عند العلماء أن ( لازم المذهب لیس بمذهب ).
فقد یتبنى المرء قولاً أو مذهباً معیناً، ولا یلتزم بلوازمه المکفره أو غیر المکفره… وإن تناقض.
وهذا کقول المعتزلی فی صفات الله: (عالم ولکن لا علم له) و(حی لا حیاه له). فإنه یثبت العلم، وأن الله عالم وأن الله حی، ولا یُکّذب بشیء من ذلک حتى یُکَفّر. ولکن قوله “لا علم له ولا حیاه له” یوقع الاشتباه بتکفیره، إذ أن نفی العلم والحیاه، یلزم منه أن لا یکون الله عالماً ولا حیاً… ولکن المعتزلی لا یلتزم بذلک، بل یقر بأن الله تعالى عالم، فلا یکون نفیه للعلم نفیاً بأنه عالم… وهذا الإشکال یوجب تخبط المعتزله، وتناقضهم وضلالهم، ولکن لا یلزم منه وحده تکفیرهم…( ).
یقول القاضی عیاض بعد أن ذکر خلاف العلماء فی تکفیر من جهل بعض صفات الله تعالى: (فأما من أثبت الوصف ونفى الصفه فقال: أقول عالم ولکن لا علم له، ومتکلم ولکن لا کلام له، وهکذا فی سائر الصفات على مذهب المعتزله، فمن قال بالمآل لما یؤدیه إلیه قوله ویسوقه إلیه مذهبه کَفّره؛ لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا یوصف بعالم إلا من له علم، فکأنهم صرحوا عنده بما أدى إلیه قولهم، وهکذا عند هذا سائر فرق أهل التأویل من المشبهه والقدریه وغیرهم.
ومن لم یأخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم یر إکفارهم، قال لأنهم إذا وُقفوا على هذا قالوا، لا نقول لیس بعالم، ونحن ننتفی من القول بالمآل الذی ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه کفرٌ بل نقول إن قولنا لا یؤول إلیه على ما أصلناه.
فعلى هذین المأخذین اختلف الناس فی إکفار أهل التأویل، وإذا فهمته اتضح لک الموجب لاختلاف الناس فی ذلک.
والصواب ترک إکفارهم والإعراض عن الحکم علیهم بالخسران، وإجراء حکم الإسلام علیهم فی قصاصهم، ووراثاتهم ومناکحاتهم ودیاتهم، والصلاه علیهم ودفنهم فی مقابر المسلمین وسائر معاملاتهم، لکنّهم یغلظ علیهم بوجیع الأدب، وشدید الزجر والهجر حتى یرجعوا عن بدعتهم، وهذه کانت سیره الصدر الأول فیهم، فقد کان نشأ على زمن الصحابه وبعدهم فی التابعین من قال بهذه الأقوال من القدر ورأی الخوارج والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبراً، ولا قطعوا لأحد منهم میراثاً، لکنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفی والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاه أصحاب کبائر عند المحققین وأهل السنه ممن لم یقل بکفرهم منهم خلافاً لمن رأى غیر ذلک والله الموفق للصواب) أهـ. (۲/۲۹۳-۲۹۵) الشفا.
ومن أمثله ذلک أیضاً، خلاف العلماء فی تکفیر الخوارج الذین لم یصرّحوا بالکفر أو یرتکبوا سبباً من أسبابه الصریحه، وإنما قالوا أقوالاً تؤدی إلى الکفر. کما أشار القاضی آنفاً ونقل عن المازری قوله: (اختلف العلماء فی تکفیر الخوارج، وقد کادت هذه المسأله تکون أشد إشکالاً من سائر المسائل، ولقد رأیت أبا المعالی وقد رغب إلیه الفقیه عبد الحق رحمهما الله تعالى فی الکلام علیها فرهب له من ذلک، واعتذر بأن الغلط فیها یصعب موقعه؛ لأن إدخال کافر فی الملّه وإخراج مسلم منها عظیم فی الدین، وقد اضطرب فیها قول القاضی أبی بکر الباقلانی وناهیک به فی علم الأصول، وأشار ابن الباقلانی إلى أنها من المعوصات؛ لأن القوم لم یصرّحوا بالکفر. وإنما قالوا أقوالاً تؤدی إلیه…) أهـ. من شرح مسلم للنووی (۷/۱۴۲). وانظر فتح الباری (کتاب استتابه المرتدین…) باب (من ترک قتال الخوارج…) وانظر الشفا (۲/۲۷۶-۲۷۷).
وکذلک مرجئه الجهمیه فإنه یلزم من تعریفهم للإیمان بأنه المعرفه ؛ إیمان فرعون لقوله تعالى: (( وجحدوا بها واستیقنتها أنفسهم )) (۱۴- النمل ). ولقول موسى کما أخبر تعالى: (( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض)) (الإسراء: ۱۰۲).
وإیمان الیهود والنصارى. لقوله تعالى: (( الذین آتیناهم الکتاب یعرفونه کما یعرفون أبناءهم )) (البقره: ۱۴۶).
وإیمان إبلیس لمعرفته الله ومعرفته بوحدانیته، فإنه لم یکذب خبراً ولم یجحد، إذ أن الله أمره بلا رسول، ولکن جمهورهم لا یلتزمون ذلک، ولو التزموه لکفروا به؛ لأن فیه تکذیب صریح لنصوص الکتاب المکفره للمذکورین.
فلا یجوز والحال کذلک إلزامهم به وإن تناقضوا ، ما لم یصرحوا بالتزامه، وإن کان من السلف کوکیع بن الجراح وأحمد بن حنبل من أطلق کفر من قال أن الإیمان مجرد معرفه القلب ، وقد کفروا غلاتهم لأشیاء أخرى، لکن لمن جادلهم وناظرهم أن یستدل على فساد مذهبهم فی الإیمان، بإیراد مثل هذه اللوازم الفاسده علیهم. فإن فساد اللازم یستدل به على فساد الملزوم.
فمن التزمها منهم کالاتحادیه والحلولیه من الجهمیه کفر بالتزامه لها، وإلا فلا یحل إلزامهم بها ماداموا یدفعونها ویردونها وإن تناقضوا ، أو کفروا من أبواب أخرى.
ومن أمثله هذا الباب فی واقع الیوم بین بعض الشباب ؛ زعم بعضهم أن عدم تکفیر المشرکین أو الطواغیت وأنصارهم. یلزم منه موالاتهم،وعدم البراءه منهم ، ومن ثم فکل من لم یکفرهم. فهو کافر، لقوله تعالى: (( ومن یتولّهم منکم فإنه منهم )).. إذ عدم تکفیرهم وعدّهم من المسلمین یجعل لهم نصیباً من الموالاه الإیمانیه، ولا یخرجهم من دائرتها، لأن المسلم لا تجوز البراءه الکلیه منه، وهذا أحد تخریجاتهم لقاعده ( من لم یکفر الکافر فهو کافر )..
وبعضهم یوجه ذلک توجیهاً آخر فیقول: مادام الکفر بالطاغوت شطر التوحید وشرطه ، فمن لم یُکفّر الطواغیت لم یَکفُر بالطاغوت ومن ثم فهو لم یحقق التوحید الذی هو حق الله على العبید، والذی جعله الله تعالى العروه الوثقى وعلق سبحانه النجاه بها. حیث قال: (( فمن یکفر بالطاغوت ویؤمن بالله فقد استمسک بالعروه الوثقى لا انفصام لها…)).
فمن لم یکفر بالطاغوت ویبرأ منه لم یحقق التوحید ولم یستمسک بعروه النجاه الوثقى ومن ثم فهو من الهالکین ، والتوجیهان فی حقیقتهما یرجعان إلى شیء واحد ؛ وهو إلزام المخالف بعدم البراءه من الطاغوت وبموالاته مادام عنده مسلماً.
وبالطبع فتکفیرهم بهذا اللازم جعلهم یخرجون من الإسلام جماعات وجماهیر عوام المسلمین فی هذا الزمان ؛ بل وکفّروا خواصهم من المجاهدین والدعاه وطلبه العلم والعلماء، بناء على عدم تکفیرهم لبعض المشایخ الذین لهم اتصال بالحکومات. وذلک تبعاً لتوسیعهم لمصطلح الطاغوت الواجب الکفر به کشرط لتحقیق التوحید.
فالشیخ الفلانی أو العلانی المتصل بالحکومه الطاغوتیه، ولا یُکفّرها، قد صنّفوه من الأحبار والرهبان فهو إذن طاغوت، ومن ثم فمن لم یکفّره لم یکفر بالطاغوت ولم یحقق التوحید!!
وذلک استدلالاً بقوله تعالى: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله…)). والصحیح أن الأحبار والرهبان والعلماء شأنهم شأن النواب المشرعین والأمراء والرؤساء والملوک. لا یعتبرون أرباباً لکل من لم یکفرهم… وإنما یصیرون أرباباً وطواغیت معبودین لمن تابعهم على کفرهم وأطاعهم فی تشریعاتهم… وهذا هو (اتخاذهم أرباباً) وعبادتهم کطواغیت کما جاء مفسراً فی حدیث عدی بن حاتم: ( ألیس یحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ویحلون ما حرّم الله فتحلونه؟)( )… ولذلک ذکره الشیخ محمد بن عبد الوهاب فی کتاب التوحید فی باب (من أطاع العلماء والأمراء فی تحریم ما أحل الله أو تحلیل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله).
فلا یکون اتخاذهم أرباباً وطواغیت معبودین بمجرد عدم تکفیرهم، دون اقتراف ذلک أو التزامه. ویتأکد ذلک إذا کان عدم تکفیرهم لشبهه قیام مانع من موانع التکفیر أو جهل نص أو عدم بلوغه ، أو خفاء دلاله النصوص أو تعارضها فی أذهان العوام الضعفاء فی العلم الشرعی.
ومجرد ضلال العالم أو إضلاله أو تلبیسه أو اتصاله بالحکومات الکافره وإن صار به رأس ضلاله، أو أدى إلى کفره باقتحام أی سبب من أسباب الکفر، لا یلزم منه کونه طاغوتاً…
إذ کل طاغوت کافر، ولیس کل کافر طاغوتا.
والخلاصه أنه إنما یصیر طاغوتاً إذا انطبق علیه تعریف الطاغوت المستفاد من الشرع: وهو کل من عبد من دون الله بأی نوع من أنواع العباده التی یکفر من صرفها لغیر الله ، وهو راضٍ بذلک.
کأن یشرّع من دون الله ما لم یأذن به الله ، أو یُتحاکم إلیه فی غیر ما أنزل الله ، أو نحو ذلک مما یندرج تحت هذا التعریف الشرعی – لا التعریفات اللغویه العامه التی قد یدخل تحتها العصاه والظلمه وغیرهم ، ولا اصطلاحات البعض المطاطه التی یدخلون تحتها ما یهوون ویشتهون.
فمن کان من الناس یتحاکم إلى عالم أو کاهن أو غیره بغیر ما أنزل الله أو یتابعه على تشریع ما لم یأذن به الله کتحریم الحلال أو تحلیل الحرام أو استبدال أحکام الله التی وضعها للخلق أو تغییر حدوده التی حدها للناس ، فهذا قد اتخذه ربّاً من دون الله وطاغوتاً.. وهذا هو الذی لا یصیر مسلماً وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم حتى یبرأ من طاغوته ویکفر به… سواء کان یکفّره أم لم یکن یکفره…
هذا من جهه…
ومن جهه أخرى، فإن ما ألزم به أصحاب هذا القول، من لا یکفّر الطواغیت وأنصارهم من لزوم موالاتهم وعدم البراءه منهم… لا یلتزمه أکثر الناس… وما یترتب علیه بعد ذلک مما رتبوه لا یلزم إلا من صرّح بالتزامه بقول أو عمل صریح. أی إذا أتى بمکفرٍ صریح ظاهر من الأقوال أو الأفعال المکفره… التی هی أسباب الکفر، وما لم یأت بشیء من ذلک فلا یلزمه شیء من تلک اللوازم.
والأمثله کثیره من واقع الیوم على عدم التزام أکثر الناس بتلک اللوازم، وإن تناقضوا کتناقض المعتزله المتقدم… ولکن التناقض والتخبط والجهل شیء غیر التکفیر الذی لا یکون إلا بسبب من أسباب الکفر الظاهره..
وقد ناظرت فی أوقات مختلفه، أفراداً من جماعات إسلامیه مختلفه فی هذا الباب… وعندما کنت أورد علیهم شیئاً من هذه اللوازم التی تلزم من عدم تکفیر الطواغیت، کان أکثرهم لا یلتزموها… وکنت أحاججهم وأحرجهم بإظهار تناقضهم، ولکنهم، غالباً ما کانوا یرضون بهذا التناقض، على أن یلتزموا شیئاً من تلک اللوازم المکفره… ومنها الإقرار بموالاه الطاغوت أو حکمه وشرعه –الذی یقر أکثرهم بأنه حکم وشرع کفری-.
وأذکر أنی ألزمت بعضهم بأنه لا یجوز له أن یبرأ من الطاغوت براءه کلیه لکونه مسلماً عنده. فالتزم ذلک.
فلما قلت له: إذن أنت تتولاه…؟ لم یلتزم ذلک، مع أن عدم البراءه منه وتولیه هما فی الحقیقه شیء واحد، لکن لما نصّ الله على کفر من تولى الکفار، صار ذلک أمراً محذوراً عند القوم لم یصرحوا بالتزامه فلا یصح إلزامهم به ما لم یلتزموه قولاً أو عملاً. کما لا یصح إلزامهم بلازم اللازم، وإن تخبطوا وتناقضوا ، فلیس شغلنا الشاغل التنقیب أو التنبیش عن أسباب کفرهم ما لم یظهروها ، ولیس همّنا تکفیرهم أو تکفیر غیرهم على أی حال ، فالتکفیر الذی یلزم له مقارفتهم لسبب من أسباب التکفیر الظاهره شیء ، ومجرد تناقضهم دون مقارفه ذلک شیء آخر.
ثم تخبطهم لیس بموقوف على هذا الأمر، فترى کثیراً منهم فی المقابل یبرؤون من خصومهم من الموحدین، المنابذین للطواغیت براءه أشد من براءتهم من الکفار. بل ویعلن ذلک کثیر منهم على صفحات الصحف العلمانیه الکافره… وکم شاهدناه.
فیعادونهم ویفترون علیهم وینتهکون حرماتهم، ویهدرون حقوقهم الإسلامیه، ویعاملونهم معامله الکفار، وإذا ألزمتهم تکفیرهم أو بغضهم وعداوتهم لما یحملونه أو ینتهجونه من دین وتوحید وجهاد لم یلتزموا ذلک ، فهذا من تخبطهم وتناقضهم الکثیر( ).
بل إن بعض الناس یرى جواز قتال الحکام والخروج علیهم ومنازعتهم مع کونه لا یکفرهم، فکیف یمکن إلزام أمثال هؤلاء بتولی الحکام کلازم من لوازم عدم تکفیرهم؟
ومن الأمثله العملیه الصارخه على هذا ؛ (جهیمان) رحمه الله ومن کانوا معه، فقد خالطت جماعته مده وقرأت کتبهم کلها وعشت معهم وعرفتهم عن قرب، فجهیمان رحمه الله لم یکن یکفر حکام الیوم لقله بصیرته فی واقع قوانینهم وکفریاتهم، وکذلک کان أمر الحکام السعودیین عنده… وقد صرّح بذلک فی کتاباته، کما فی (کشف الالتباس) و(الإماره).
ولکنه کان بالفعل، سخطه علیهم وغصّه فی حلوقهم وأشد علیهم من کثیر ممن یکفرونهم… فکان یطعن فی بیعتهم ویبطلها، ولا یسکت عن شیء من منکراتهم التی یعرفها… حتى خرج فی آخر أمره علیهم وقاتلهم هو ومن کانوا معه فی فتنه الحرم عام (۱۴۰۰هـ).
ولا یعنینی هنا ما رافق تلک الفتنه وسبقها من تأویلات حول المهدی وبیعته، وظنهم أنه کان واحداً منهم.
وإنما الذی أرید قوله هنا، أن الرجل مع أنه لم یکن یکفرهم، فهو لم یکن یوالیهم أو یحبهم، بل کان یعادیهم ویبغضهم وینازعهم ویطعن فی بیعتهم ، ویعتزل هو وجماعته وظائفهم الحکومیه کلها () ، کما اعتزلوا مدارسهم وجامعاتهم، بل وتخلّصوا من وثائقهم وجوازاتهم، ثم قاتلوهم فی آخر الأمر، وکان قبل ذلک بمده مطارداً مطلوباً لهم، یدعو ویتنقل خفیه، إلى أن ظفروا به فی الحرم وقتلوه بعدها.
فهذا مثال صریح من الواقع على فساد إطلاق تلک اللوازم المتقدمه على کل من لم یُکفّر الطواغیت.
وأیضاً فمعلوم أن التولی المکفر هو نصره الکفار على الموحدین أو نصره الکفر نفسه سواء باللسان أو السنان. أی بأن یظهره المرء کسبب من أسباب الکفر القولیه أو العملیه الظاهره. فهذا هو الذی یمکن التکفیر به فی أحکام الدنیا. أما ما بطن وخفی من ذلک کدعوى أن من لا یکفرهم لابد وأنه یتولاهم، وإن لم یظهر منه شیء بلسانه أو فعاله، فهذا لا أثر له فی أحکام الدنیا، ولا یصلح التکفیر به، ولا بأمثاله من المغیبات والظنون والتخرصات، وما لم یلتزم المرء بشیء من تلک اللوازم قولاً أو عملاً، فلا یجوز إلزامه بها، ومن ثم تکفیره… وإن تناقض وتخبط فی مذهبه واختیاره.
وقد سئل شیخ الإسلام ابن تیمیه: (هل لازم المذهب مذهب أم لا؟).
فأجاب: (الصواب أن {لازم} مذهب الإنسان لیس بمذهب له إذا لم یلتزمه، فإنه إذا کان قد أنکره ونفاه کانت إضافته إلیه کذبا علیه، بل ذلک یدل على فساد قوله وتناقضه فی المقال، غیر التزامه اللوازم التی یظهر أنها من قبل الکفر والمحال مما هو أکثر، فالذین قالوا بأقوال یلزمها أقوال یعلم أنه لا یلتزمها لکن لم یعلم أنها تلزمه، ولو کان لازم المذهب مذهباً للزم تکفیر کل من قال عن الاستواء أو غیره من الصفات إنه مجاز لیس بحقیقه، فإن لازم هذا القول یقتضی ألا یکون شیء من أسمائه أو صفاته حقیقه.. ) إلى قوله: (لکن نعلم أن کثیراً ممن ینفی ذلک لا یعلم لوازم قوله، بل کثیر منهم یتوهم أن الحقیقه لیست إلا محض حقائق المخلوقین( ). وهؤلاء جهال بمسمى الحقیقه والمجاز، وقولهم افتراء على اللغه والشرع…) أهـ. مجموع الفتاوى (۲۰/۱۲۱) (ط. دار ابن حزم) وما بین المعکوفین زیاده یقتضیها السیاق، سقطت من المطبوع.
وقال فیها أیضاً (۲۹/۲۵-۲۶): ( فلازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق: فهذا مما یجب علیه أن یلتزمه، فإن لازم الحق حق ویجوز أن یضاف إلیه إذا علم من حاله أنه لا یمتنع من التزامه بعد ظهوره.
والثانی: لازم قوله الذی لیس ( )بحق، فهذا لا یجب التزامه، إذ أکثر ما فیه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من کل عالم غیر النبیین، ثم إن عرف من حاله أنه یلتزمه بعد ظهوره له، فقد یضاف إلیه، وإلا فلا یجوز أن یضاف إلیه قول لو ظهر له فساده لم یلتزمه؛ لکونه قد قال ما یلزمه، وهو لا یشعر بفساد ذلک القول ولا ( )یلزمه.
وهذا التفصیل فی اختلاف الناس فی لازم المذهب: هل هو مذهب أو لیس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما کان من اللوازم یرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا یرضاه فلیس قوله، وإن کان متناقضاً) أهـ.
وقال تلمیذه ابن القیم فی قصیدته النونیه الموسومه (بالکافیه الشافیه فی الانتصار للفرقه الناجیه):
من عارفٍ بلزومها الحقانِ
قصد الّوازم وهی ذات بیان
قد کان یعلمه بلا نکران
إذ کان ذا سهو وذا نسیان
العلماء مذهبهم بلا برهان (ولوازم المعنى تراد بذکره
وسواه لیس بلازم فی حقه
إذ قد یکون لزومها المجهول أو لکن عرته غفله بلزومها
ولذاک لم یک لازماً لمذاهب
نقلاً عن شرح القصیده لأحمد بن عیسى (۲/۳۹۴).
وخلاصه کلامه فی هذه الأبیات؛ أن لوازم المذهب لیست بمذهب، إلا أن یکون صاحب المذهب عارفاً عالماً بلزومها لمذهبه فیلتزمها… ومادام جاهلا بتلک اللوازم أو غافلاً عنها ناسیاً لا یشعر بها، فلا تلزمه، ولا یجوز إلزامه بها بلا برهان.
وقال الذهبی (۷۴۸هـ): (لا ریب أن بعض علماء النظر بالغوا فی النفی، والرد والتحریف والتنزیه بزعمهم، حتى وقعوا فی بدعه، أو نعت الباری بنعوت المعدوم.
کما أن جماعه من علماء الأثر، بالغوا فی الإثبات وقبول الضعیف والمنکر( )، ولهجوا بالسنه والاتباع. فحصل الشغب ووقعت البغضاء، وبدّع هذا هذا، وکفر هذا هذا، ونعوذ بالله من الهوى والمراء فی الدین، وأن نکفّر مسلماً موحداً بلازم قوله، وهو یفر من ذلک اللازم، وینزه ویعظم الرب) أهـ. (الرد الوافر لابن ناصر الدین) ص(۴۸).
وقال أبو إسحاق الشاطبی (۷۹۰هـ) فی الاعتصام (۲/۲۲۹): (الذی کنا نسمعه من الشیوخ أن مذهب المحققین من أهل الأصول؛ “أن الکفر بالمآل لیس بکفر فی الحال” کیف والکافر ینکر ذلک المآل أشد الإنکار، ویرمی مخالفه به [ولو]( ) تبین له وجه لزوم الکفر من مقالته لم یقل بها على حال) أهـ.
ویقول أیضاً فی الکتاب نفسه: (ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هی مسأله مختلف فیها بین أهل الأصول. والذی کان یقول به شیوخنا البجائیون والمغربیون، ویرون أنه رأی المحققین أیضاً، أن لازم المذهب لیس بمذهب، فلذلک إذا قرّر علیه، أنکره غایه الإنکار) أهـ.
وأورد السخاوی فی فتح المغیث (۱/۳۳۴) مقاله شیخه ابن حجر حیث قال: (والذی یظهر أن الذی یحکم علیه بالکفر من کان الکفر صریح قوله، وکذا من کان لازم قوله وعُرض علیه فالتزمه… أما من لم یلتزمه وناضل عنه فإنه لا یکون کافراً ولو کان اللازم کفراً) أهـ.
وقال الشیخ عبد الرحمن بن ناصر السعدی (۱۳۷۶هـ): (والتحقیق الذی یدل علیه الدلیل أن لازم المذهب الذی لم یصرح به صاحبه ولم یشر إلیه، ولم یلتزمه لیس مذهباً؛ لأن القائل غیر معصوم، وعلم المخلوق مهما بلغ فإنه قاصر، فبأی برهان نلزم القائل بما لم یلتزمه، ونقوّله ما لم یقله، ولکننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم فإن لوازم الأقوال من جمله الأدله على صحتها وضعفها وعلى فسادها، فإن الحق لازمه حق، والباطل یکون له لوازم تناسبه، فیستدل بفساد اللازم –خصوصاً اللازم الذی یعترف القائل بفساده- على فساد الملزوم) أهـ ص (۱۱۳) (توضیح الکافیه الشافیه).
والخلاصه؛ أن التکفیر باللازم والمآل من المعوصات کما تقدم عن العلماء. وقال الشوکانی: (التکفیر بالإلزام، من أعظم مزالق الأقدام، فمن أراد المخاطره بدینه، فعلى نفسه جنى) أهـ. من السیل الجرار (۴/۵۸۰).

(( ۱۳ ))
تکفیر من مات على شیء من الذنوب لم یتب منها
ومن الأخطاء الشنیعه فی التکفیر أیضا ؛ تکفیر من مات على شیء من الذنوب لم یتب منها ، فقد رأیت بعض غلاه المکفره یقولون بهذا ، واستثنوا الصغائر ، ظانین بأنهم یرقعون بذلک مذهبهم الشاذ عن عقیده أهل السنه والجماعه ، أو أنهم یمیزونه عن مذهب الخوارج ، ومعلوم أن من الخوارج من لا یکفر بالصغائر ، بل ومنهم من یعذر بالجهل ومنهم من لا یکفر بالکبائر کما سیأتی فی آخر هذا الکتاب..
ولقد کنت أوردت على بعضهم الأدله الداله على فساد مذهبهم هذا ، من الآیات التی فیها ذکر مغفره الله للذنوب عموما صغیرها وکبیرها ما عدا الشرک أو الکفر لمن مات علیه..
نحو قوله تبارک وتعالى: (( إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء )) ، وأحادیث الشفاعه التی فیها خروج کثیر من أهل الذنوب من النار ، بعد أن یعذبوا بقدر ذنوبهم ، أو عدم دخولهم النار أصلا برحمه الله تعالى لهم..
فقیدوا ذلک بمن تاب فی الدنیا قبل أن یموت.. ومعلوم أن التوبه الصادقه فی الدنیا تجب ما قبلها ، فلا یبقى على المرء بعدها عذاب ، وبابها واسع یشمل الکفر والشرک وغیره ، ولیست هی خاصه بالکبائر ولا بالصغائر بل هی عامه..
أما آیه النساء السابقه ، فقد احتج بها أهل السنه ، کما قال شیخ الإسلام ، على أهل البدع الذین یقولون: لا یغفر لأهل الکبائر إذا لم یتوبوا.. کما فی مجموع الفتاوى ( ۷/۴۱۶).
وفصّل ذلک فی موضع آخر، فقال رحمه الله تعالى: (الله تعالى غافر الذنب قابل التوب شدید العقاب، والذنب وإن عظم، والکفر وإن غلظ وجسم، فإن التوبه تمحو ذلک کله، والله سبحانه لا یتعاظمه ذنب أن یغفره لمن تاب، بل یغفر الشرک وغیره للتائبین، کما قال تعالى: (( قل یا عبادی الذین أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله إن الله یغفر الذنوب جمیعاً إن الله هو الغفور الرحیم )) وهذه الآیه عامه مطلقه لأنها للتائبین.
وأما قوله: (( إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء )) فإنها مقیده خاصه، لأنها فی حق غیر التائبین، لا یغفر لهم الشرک، وما دون الشرک معلق بمشیئه الله تعالى) أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (۲/۲۱۷).
وقد ذکر ابن حزم قوله تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا فأصلحوا بینهما…)) إلى قوله (( إنما المؤمنون اخوه فأصلحوا بین أخویکم)) وقوله تعالى فی القصاص فی القتلى: (( فمن عُفی له من أخیه شیء…)) الآیه، وبین أن الأخوه الإیمانیه تستلزم أنه لیس بکافر… ثم قال: ( ولیس لأحد أن یقول؛ إنه تعالى إنما جعلهم إخواننا إذا تابوا. لأن نص الآیه أنهم إخوان فی حال البغی وقبل الفیئه إلى الحق) أهـ. الفصل (۳/۲۳۶).
وتأمل هذا الذی قاله فی الذنوب غیر المکفره، والفرق بینه وبین ما قاله الله تعالى فی الکفر حیث علق الأخوه فی الدین ورتبها على التوبه منه؛ فی سوره التوبه: (( فإن تابوا وأقاموا الصلاه وآتوا الزکاه فإخوانکم فی الدین ونفصل الآیات لقوم یعقلون)).
وقد روى البخاری ومسلم وغیرهما عن عباده بن الصامت أن النبی صلى الله علیه وسلم قال لأصحابه: ( تعالوا بایعونی على أن لا تشرکوا بالله شیئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادکم…. ) الحدیث إلى قوله: (ومن أصاب من ذلک شیئا ثم ستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه). ففیه أن من أصاب من الذنوب شیئا ولم یقم علیه حده وستره الله إلى أن مات فهو فی المشیئه، إن شاء الله عذبه بقدر ذلک الذنب وإن شاء عفا عنه، ومن کان کذلک فلیس بکافر، وهذا عموم یدخل فیه غیر التائب… والتائب غیر المستکمل لشروط التوبه الحقیقیه المتقبله عند الله، أما التائب توبه کامله حقیقیه متقبله، فلا عذاب علیه، ولا یعکر على ذلک ذکر الشرک؛ لأن (عموم هذا الحدیث –کما قال النووی- مخصوص بقوله تعالى (( إن الله لا یغفر أن یشرک به )) فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا یکون القتل له کفاره) أهـ.
وقال الحافظ فی (کتاب الإیمان)… فتح الباری: (وقد قیل: یحتمل أن یکون المراد ما ذکر بعد الشرک بقرینه أن المخاطب بذلک المسلمون، فلا یدخل حتى یحتاج إلى إخراجه، ویؤیده روایه مسلم من طریق أبی الأشعث عن عباده فی هذا الحدیث؛ “ومن أتى منکم حداً ” إذ القتل على الشرک لا یسمى حداً) أهـ.
وفی صحیح مسلم من حدیث أبی ذر قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( یقول الله عز وجل: من جاء بالحسنه فله عشر أمثالها وأزید ، ومن جاء بالسیئه فجزاء سیئه مثلها أو أغفر … إلى قوله: ومن لقینی بقراب الأرض خطیئه لا یشرک بی شیئا لقیته بمثلها مغفره ). وفیه دلالتان على عدم تکفیر من مات على ذنوب دون الشرک ، أولهما قوله: ( ومن جاء بالسیئه فجزاء سیئه مثلها أو أغفر )
ففیه أن من جاء الله بالسیئه لم یتب منها فهو إلى الله إن شاء جازاه بمثلها ، وإن شاء غفر له. والثانیه قوله: ( ومن لقینی بقراب الأرض خطیئه لا یشرک بی شیئا لقیته بمثلها مغفره ) ففیه أن من مات على ذنوب لم یتب منها ؛ فإن الله یغفرها له إن حقق التوحید واجتنب الشرک والتندید.
وعن ابن عمر رضی الله عنهما قال: (مازلنا نمسک عن الاستغفار لأهل الکبائر، حتى سمعنا من فی نبینا صلى الله علیه وسلم یقول: ( إن الله تبارک وتعالى لا یغفر أن یشرک به، ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء فإنی ادخرت شفاعتی لأهل الکبائر من أمتی یوم القیامه”، فأمسکنا عن کثیر مما کان فی أنفسنا) رواه ابن أبی عاصم فی السنه.
وروى مسلم فی صحیحه فی (کتاب الإیمان) (باب الدلیل على أن قاتل نفسه لا یکفر) حدیث الرجل الذی هاجر مع الطفیل بن عمرو فمرض فجزع فقطع براجمه بمشاقص( ) فشخبت حتى مات، فرآه الطفیل فی منامه، هیئته حسنه ورآه مغطیاً یدیه، فقال له: ما صنع بک ربک؟ فقال: غفر لی لهجرتی… فقال: مالی أراک مغطیاً یدیک؟ قال: قیل لی؛ لن نصلح ما أفسدت، فقصّها الطفیل على رسول الله صلى الله علیه وسلم، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: (اللهم! ولیدیه فاغفر).
قال النووی: (… فیه حُجّه لقاعده عظیمه لأهل السنه، أن من قتل نفسه أو ارتکب معصیه غیرها، ومات من غیر توبه فلیس بکافر، ولا یقطع له بالنار، بل هو فی حکم المشیئه) أهـ.
وقال فی موضع آخر: ( مذهب أهل الحق أن المعاصی غیر الکفر لا یقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم یتب منها ، بل هو بمشیئه الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه خلافا للخوارج والمعتزله. ) أهـ شرح مسلم (۴/۲۹۷).
هذا وإن مما یدل على فساد مذهب من کفّر بالذنوب عموماً تفاوت الحدود والعقوبات الشرعیه التی وضعها الله تعالى لعباده فی الدنیا، إذ لم یجعل سبحانه عقوبه الذنوب کلها القتل، کما هو شأن حد الرده الذی قال فیه النبی صلى الله علیه وسلم: (من بدّل دینه فاقتلوه)( ).
فلو کانت الکبائر أو غیرها من الذنوب، کفراً مخرجاً من الملّه، لاستوى حدّها کلها مع حد الرده، لکن لما تفاوتت عقوباتها دل ذلک على تفاوت حکم الله فیها وأنها لیست کفراً أکبر… ولذلک لا تقام الحدود التی هی دون القتل على من کان مریضاً ویخشى علیه، إلا بعد شفائه.
ومن کانت معصیته حدّها القتل کالزانی المحصن وقاتل المسلم، صُلّی علیه بعد قتله ودفن فی مقابر المسلمین وورث ماله لورثته، وهذه کلها أحکام تفارق أحکام المرتد.
والسارق تقطع یده لسرقته، ویعطى من بیت المال لحقه فیه کسائر المسلمین.
ولما لعن بعض الصحابه رجلاً أقیم علیه حد الخمر، نهاه النبی صلى الله علیه وسلم عن لعنه، وذکر أنه یحب الله ورسوله( ).
فهذا وغیره مما یدل على أنه قد تجتمع فی المرء السیئه مع الحسنه، وأنه لا یخرج من دائره الإسلام مادامت السیئه دون الشرک.
وإمکان اجتماع المعصیه مع الإیمان، هو الأصل الذی فارق به أهل السنه والجماعه، جمیع الفرق الضاله کالخوارج والمعتزله وغیرهم. ولذلک قالوا بأن الإیمان یتفاضل ویتبعّض.
وقد قال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادی (۴۲۹هـ) فی رده على الخوارج المکفرین لکل عاص وهو یسرد الأصول التی اجتمع علیها أهل السنه والجماعه: (ولو کان المذنبون کلهم کفره لکانوا مرتدین عن الإسلام، ولو کانوا کذلک لکان الواجب قتلهم دون إقامه الحدود علیهم، ولم یکن لوجوب قطع ید السارق وجلد القاذف ورجم الزانی المحصن( ) فائده، لأن المرتد لیس له حد إلا القتل) أهـ ص(۳۵۱-۳۵۲).
وقال شیخ الإسلام فی سیاق ذکره لمذهب الخوارج وأنهم قالوا: ( المؤمن من فعل جمیع الواجبات وترک جمیع المحرمات، فمن لم یکن کذلک فهو کافر، مخلد فی النار، ثم جعلوا کل من خالف قولهم کذلک، فقالوا: إن عثمان وعلیاً ونحوهما حکموا بغیر ما أنزل الله وظلموا فصاروا کفاراً ). قال: (ومذهب هؤلاء باطل بدلائل کثیره من الکتاب والسنه، فإن الله سبحانه أمر بقطع ید السارق دون قتله، ولو کان کافراً مرتداً لوجب قتله؛ لأن النبی صلى الله علیه وسلم. قال: (من بدّل دینه فاقتلوه) وقال: (لا یحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: کفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان أو قتل نفس یقتل بها) وأمر سبحانه بأن یجلد الزانی والزانیه مائه جلده ولو کانا کافرین لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه بأن یجلد قاذف المحصنه ثمانین جلده، ولو کان کافراً لأمر بقتله…الخ). مجموع الفتاوى (۷/۲۹۶-۲۹۷) (ط دار ابن حزم).
قال الإمام أبو عثمان إسماعیل الصابونی (۴۴۹هـ): ( ویعتقد أهل السنه أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا کثیره صغائر وکبائر فإنه لا یکفر وإن خرج من الدنیا غیر تائب منها ومات على التوحید والإخلاص فإن أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفا عنه وأدخله الجنه یوم القیامه سالما غانما غیر مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتکبه واکتسبه ثم استصحبه إلى یوم القیامه من الآثام والأوزار ، وإن شاء عفا عنه وعذبه مده بعذاب النار وإذا عذبه لم یخلده فیها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعیم دار القرار. ) أهـ. (عقیده السلف وأصحاب الحدیث ).

(( ۱۴ ))
الخلط وعدم التمییز فی التکفیر بین ما هو من أصل الإیمان أو نواقضه
وبین ما هو من الإیمان الواجب أو المستحب
ومن الأخطاء الشائعه فی التکفیر أیضاً؛ الخلط وعدم التمییز فی التکفیر بین ما کان من أصل الإیمان أو نواقضه وبین ما هو من الإیمان الواجب أو المستحب ،وهذا الخلط یوقع فی التخبط فی التکفیر… وبیان ذلک أن الإیمان ینقسم إلى: أصل، وواجب، ومستحب.
قال شیخ الإسلام ابن تیمیه فی کتاب الإیمان فی تعریفه: (وهو مرکب من أصل لا یتم بدونه( ). ومن واجب ینقص بفواته نقصا یستحق صاحبه العقوبه، ومن مستحب یفوت بفواته علو الدرجه) أهـ.
• فأصل الإیمان: هو ما لا یوجد الإیمان بدونه، ولا نجاه من الکفر إلا به، وهو الذی یسمى (مطلق الإیمان) وهو یشتمل على شعب لا یصح الإیمان إلا بها:
– فعلى القلب: معرفه ما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم إجمالاً، والتصدیق به. والانقیاد له مع الإتیان بأعمال القلب التی لا یصح الإیمان إلا بها کالمحبه لما جاء به النبی صلى الله علیه وسلم والرضا والتسلیم به ونحو ذلک من أعمال القلوب.
– وعلى اللسان: الإقرار بالشهادتین.
– وعلى الجوارح: الصلاه التی یکفر تارکها، وکذلک سائر المبانی عند بعض العلماء تبعاً للخلاف فی کفر تارکها.
* وضابط ما یدخل فی أصل الإیمان: أن کل قول أو عمل یکفر تارکه، ففعله من أصل الإیمان، وکل قول أو عمل یکفر فاعله فترکه من أصل الإیمان.
– ومن أتى بأصل الإیمان دخل الجنه، إما ابتداء وإما مآلاً، إذ هو من الموحدین، والجنه أعدت للموحدین وهی مصیرهم، وإن قصّروا فی الإیمان الواجب.
یقول شیخ الإسلام ابن تیمیه فی (اقتضاء الصراط المستقیم): (لیس کل من قام به شعبه من شعب الإیمان یصیر مؤمناً حتى یقوم به أصل الإیمان) أهـ. ص (۸۲).
• والإیمان الواجب: وهو ما زاد عن أصل الإیمان من فعل الواجبات وترک المحرمات.
– وضابط ما یدخل فی الإیمان الواجب:
أن کل عمل ورد فی ترکه وعید ولم یکفر تارکه ففعله من الإیمان الواجب، کأداء الأمانه وبر الوالدین والجهاد الواجب وصله الرحم ونحو ذلک.
وکل عمل ورد فی فعله وعید ولم یکفر فاعله فترکه من الإیمان الواجب، کالزنا والربا والسرقه وشرب الخمر والکذب.
– ومن قصّر فی الإیمان الواجب، فترک واجباً أو فعل محرماً، فإن کان عنده أصل الإیمان، فهو من أصحاب الکبائر، أو عصاه الموحدین، أو من یسمى (بالفاسق الملی) أی أنه مع فسقه لم یخرج من الملّه، فمن مات على هذا فهو من أهل الوعید، ولکنه فی المشیئه –عند أهل السنه والجماعه، خلافاً للخوارج والمعتزله- إن شاء الله غفر له وأدخله الجنه ابتداء بلا عذاب، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم یکون مصیره إلى الجنه، مصیر الموحدین، بما معه من أصل الإیمان.
کما فی حدیث أبی هریره عند البخاری أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بین العباد وأراد أن یخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائکه أن یخرجوا من النار من کان لا یشرک بالله شیئا ممن أراد الله أن یرحمه ممن یشهد أن لا إله إلا الله، فیعرفونهم فی النار بأثر السجود).
– ومن أتى بالإیمان الواجب مع أصل الإیمان، ولم یقصر فیه، ولم یزد علیه فهذا هو المؤمن المستحق للوعد السالم من الوعید، أی أنه یستحق دخول الجنه ابتداء بلا سابقه عذاب، وفی أمثال هؤلاء قیل حدیث (أفلح إن صدق) لما قال أحدهم للنبی صلى الله علیه وسلم: (والذی أکرمک بالحق لا أطوّع شیئاً، ولا أنقص مما فرض الله علی شیئا) رواه البخاری.
• أما الإیمان المستحب: فهو ما زاد عن الإیمان الواجب، من فعل المندوبات والمستحبات وترک المکروهات والمشتبهات، فمن أتى بهذا مع أصل الإیمان والإیمان الواجب فهو من السابقین المحسنین الذین یستحقون دخول الجنه ابتداء فی درجه السابقین بالخیرات بإذن الله، وفوات هذه الرتبه، یفوّت علو الدرجه ولا عقاب علیها ولا عذاب.
ومن هذا التفصیل یتلخص لدینا هذه القاعده: (أن کل طاعه إیمان ولیس کل معصیه کفر أکبر).
فکما أن الطاعات تتفاوت مراتبها، فمنها ما یدخل فی أصل الإیمان وتعتبر شرطاً للإیمان، ومنها ما یدخل فی الإیمان الواجب، ومنها ما یدخل فی الإیمان المستحب.
کما فی حدیث: ( الإیمان بضع وستون شعبه، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطه الأذى عن الطریق، والحیاء شعبه من الإیمان) متفق علیه.
فکذلک المعاصی منها ما یُخل بأصل الإیمان، وتسمى کفراً أو ناقضاً.
ومنها ما یُخل بالإیمان الواجب وتسمى فسقاً.
فلابد من معرفه کل درجه وما یتعلق بها، والتفریق بین ما یکفّر به وبین ما لا یکفّریه. قال تعالى: (ولکن الله حبّب إلیکم الإیمان وزینه فی قلوبکم، وکرّه إلیکم الکفر والفسوق والعصیان) فتأمل تفریق الله تعالى بین الکفر وبین الفسوق والعصیان، فلا تسلم قدم التسلیم للعبد حتى یفرّق بین ما فرّق الله بینه، ویجمع ویؤلف بین ما ألّف الله بینه.
فیفرق بین ما ینقض أصل الإیمان وهی المکفرات. وبین ما ینقص الإیمان الواجب أو المستحب، ولا ینقض أصله.
وبعض العلماء یطلقون مصطلح الإیمان الواجب أو واجبات الإیمان، ویجمعون فیه بین ما کان من أصل الإیمان ورتبه الإیمان الواجب، إذ ذلک کله من الواجبات، لکن الأول من شرط الإیمان الذی ینقض الإیمان بنقص شیء منه، والثانی من واجباته فقط ولیست من شروطه، وینقص بنقصها ولا ینتقض، والمسأله اصطلاحیه لا مشاحه فیها مادام المراد متسقاً مع أصول أهل السنه. ویفهم ذلک من السیاق کما فی المثال التالی:
فقد ضرب شیخ الإسلام ابن تیمیه لأقسام الإیمان مثلاً بالشجره فقال:
( فإن الشجره –مثلاً- اسم لمجموع الجذع والورق والأغصان( )، وهی بعد ذهاب الورق شجره، وبعد ذهاب الأغصان شجره، لکن غیر کامله وناقصه( )، فیفعل مثل ذلک فی مسمى الإیمان والدین.
إن الإیمان ثلاث درجات:
– إیمان السابقین المقربین، وهو ما أتى فیه بالواجبات( ) والمستحبات من فعل وترک.
– وإیمان المقتصدین أصحاب الیمین وهو ما أتى فیه بالواجبات( ) من فعل وترک.
– وإیمان الظالمین وهو ما یترک فیه بعض الواجبات( ) أو یفعل فیه بعض المحظورات.
ولهذا قال علماء السنه فی وصفهم “اعتقاد أهل السنه والجماعه”: (إنهم لا یکفرون أحداً من أهل القبله بذنب)، إشاره إلى بدعه الخوارج المکفره بمطلق الذنوب، فأما أصل الإیمان الذی هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصدیقاً به وانقیاداً له، فهذا أصل الإیمان الذی من لم یأت به فلیس بمؤمن…) (۱۲/۲۵۴) (ط. دار ابن حزم).
ثم قال ص ۲۵۶: (وإذا عرف مسمى الإیمان، فعند ذکر استحقاق الجنه والنجاه من النار، وذم من ترک بعضه ونحو ذلک-یراد به الإیمان الواجب، کقوله تعالى: (( إنما المؤمنون الذین آمنوا بالله ورسوله ثم لم یرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فی سبیل الله أولئک هم الصادقون)) [ الحجرات: ۱۵].
وقوله صلى الله علیه وسلم: (لا یزنی الزانی حین یزنی وهو مؤمن ولا یسرق السارق حین یسرق وهو مؤمن، ولا یشرب الخمر حین یشربها وهو مؤمن)( ).
فنفى عنه الإیمان الواجب الذی یستحق به الجنه، ولا یستلزم ذلک نفی أصل الإیمان وسائر أجزائه وشعبه).
إلى قوله: (ومن هذا الباب: قوله صلى الله علیه وسلم: (من غشّنا فلیس منا)( )، لیس المراد به أنه کافر، کما تأولته الخوارج، ولا أنه لیس من خیارنا، کما تأولته المرجئه.
ولکن المضمر یطابق المظهر، والمظهر هم المؤمنون المستحقون للثواب، السالمون من العذاب. والغاش لیس منا لأنه متعرض لسخط الله وعذابه) أهـ مختصراً.
والخلاصه: أن الإیمان الذی یضاده الکفر هو فقط ما کان من (أصل الإیمان)
أما (الإیمان الواجب) فهو الذی یضاده الفسق، و(الإیمان المستحب) هو الذی یضاده الترک غیر المکفر ولا المفسق.
فلیحذر من الخلط بین نصوص هذه المراتب الثلاث فإن فی ذلک مزلّه الأقدام…
ولیتأمل فی الآیات والأحادیث، ولیتدبرها ولیرد المشکل منها إلى الواضح البیّن، فإنه لا یخرج من دائره الإیمان والإسلام إلا من أتى بذنب مکفر یخل بأصل الإیمان، سواء کان:
– ترک واجب من واجبات أصل الإیمان؛ کترک الإقرار بالشهادتین، أو ترک الصلاه، أو انتفاء تصدیق القلب؛ وهو کفر التکذیب، أوانتفاء یقین القلب؛ وهو کفر الشک. ونحو ذلک من شعب وواجبات أصل الإیمان، سواء کانت من أعمال القلب أو اللسان أو الجوارح.
أو فعل محرم من المحرمات التی تضاد أصل الإیمان، سواء کانت من أعمال القلب أو اللسان أو الجوارح کالتحاکم إلى الطاغوت أو سب الله ورسوله ودعاء غیر الله أو الذبح والسجود لغیره سبحانه أو صرف التشریع والتحریم والتحلیل إلى غیره.
أما ما کان مخلاً بالإیمان الواجب فإنه ینقص الإیمان ولا ینقضه، فحذار من التکفیر به وحده.
* وقبل أن أختم هذا الموضع أنبه على خمس تنبیهات مهمه:
الأول: أن الکفر وإن کان قد یکون کما عرفت، بالإخلال بأی شیء من شعب أصل الإیمان، إلا أن التکفیر فی أحکام الدنیا إنما یکون بما یناقض أصل الإیمان باللسان والجوارح تحدیداً، أی بالأقوال والأعمال الظاهره فقط.
ولا دخل لأعمال القلوب فی التکفیر فی أحکام الدنیا، لأنها أشیاء مغیبه لا یمکن الاطلاع علیها وضبطها ما لم یظهر ذلک الاعتقاد بقول أو عمل.
وقد عرفت أن الشارع قد وضع للأحکام الشرعیه فی أحکام الدنیا أسباباً وعللاً ظاهره منضبطه، وما فی مُغیّب القلوب غیر ظاهر ولا یمکن ضبطه، ولذلک فهو لیس إلینا وإنما أمره إلى الله.
الثانی: أن کثیراً من صیغ الوعید –کما تقدم- تحتل نقضاً لأصل الإیمان، أو نقصاً فی الإیمان الواجب، فیجب تمحیص الصیغ المحتمله، بردها إلى المحکم المفصل من مبیناتها لمعرفه مراد الشارع منها –حتى لا یقع الاشتباه والتعجل بالتکفیر بما هو لیس بکفر ناقل عن المله.
الثالث: أن العلماء قد یطلقون لفظ (نفی کمال الإیمان) ویریدون بذلک نفی کماله الواجب. فحذار من حمله على نفی حقیقته أی (أصله) فتکفر بإطلاقاتهم تلک من لم یکفره الشرع. أو حمله على کماله المستحب، فتخطئ المراد؛ لأن الشارع لا یتوعّد على ترک شیء من شعب الإیمان المستحب، بل لا یرد الوعید، إلا فی ترک واجب من واجبات الإیمان؛ إما من رتبه أصل الإیمان أو رتبه الإیمان الواجب.
قال شیخ الإسلام (۱۲/۲۵۶): (معنى قولهم: “نفی کمال الإیمان لا حقیقته) أی: الکمال الواجب، لیس هو الکمال المستحب) أهـ.
وقال (۷/۱۴): (ثم إن نفی “الإیمان” عند عدمها [أی: شعب الإیمان] دل على أنها واجبه، وإن ذکر فضل إیمان صاحبها ولم ینف إیمانه دل على أنها مستحبه( ).
فإن الله ورسوله لا ینفی اسم مسمى أمرٍ –أَمَر الله به ورسوله، إلا إذا ترک بعض واجباته، کقوله: “لا صلاه إلا بأم القرآن”( )، وقوله: “لا إیمان لم لا أمانه له، ولا دین لمن لا عهد له”( ) ونحو ذلک، فأما إذا کان الفعل مستحباً فی العباده لم ینفها لانتفاء المستحب…”. إلى قوله: (فلو کان من لم یأت بکمالها المستحب یجوز نفیها عنه، لجاز أن ینفى عن جمهور المسلمین من الأولین والآخرین، وهذا لا یقوله عاقل.
فمن قال: إن المنفی هو الکمال، فإن أراد أنه نفی الکمال الواجب الذی یذم تارکه، ویتعرض للعقوبه، فقد صدق، وإن أراد أنه نفی الکمال المستحب، فهذا لم یقع قط فی کلام الله ورسوله، ولا یجوز أن یقع. فإن من فعل الواجب کما وجب علیه، ولم ینقص من واجبه شیئاً لم یجز أن یقال: ما فعله لا حقیقه ولا مجازاً) أهـ.
وقال أیضاً (۷/۳۰): (وکذلک من لا یحب لأخیه المؤمن ما یحب لنفسه، لم یکن معه ما أوجبه الله علیه من الإیمان، فحیث نفى الله الإیمان عن شخص، فلا یکون إلا لنقص ما یجب علیه من الإیمان، ویکون من المعرضین للوعید، لیس من المستحقین للوعد المطلق.
وکذلک قوله صلى الله علیه وسلم: “من غشنا فلیس منا، ومن حمل علینا السلاح فلیس منا”( ). کله من هذا الباب، لا یقوله إلا لمن ترک ما أوجب الله علیه، أو فعل ما حرّمه الله ورسوله، فیکون قد ترک من الإیمان المفروض علیه ما ینفی عنه الاسم لأجله، فلا یکون من المؤمنین المستحقین للوعد، السالمین من الوعید) أهـ (ط. دار ابن حزم).
وعلى هذا فإن قول الحافظ ابن حجر أو غیره عند حدیث( لا یؤمن أحدکم حتى یحب لأخیه ما یحب لنفسه)، على سبیل المثال: ( المراد بالنفی کمال الإیمان)( )، یجب حمله على نفی کماله الواجب لا المستحب.
لأن نفی اسم الإیمان لا یکون لترک مستحب، بل لا یکون إلا لترک واجب إما من أصل الإیمان أو من مرتبه الإیمان الواجب. وقول الحافظ إنما هو للتنبیه على أن ذلک لیس نفیاً لأصل الإیمان کما تقوله الخوارج. ولذلک قال فی الموضع نفسه: (ضروره أن من لم یتصف بهذه الصفه لا یکون کافراً) أهـ.
الرابع: أن قید الاستحلال الذی یذکر کشرط للتکفیر فی بعض الذنوب، إنما یصح اشتراطه فی الذنوب التی تؤثر فی مرتبه الإیمان الواجب، أما ما یناقض أصل الإیمان فلا مدخل لهذا الشرط فیه، إذ هو من المکفرات المجرده التی لا تفتقر إلى هذا الشرط. فإن قرن بها… فهو زیاده فی الکفر.
الخامس: یرد کثیراً فی کلام العلماء التفریق بین الإیمان المطلق ومطلق الإیمان.
فالإیمان المطلق هو الإیمان الکامل التام الذی جمع أصل الإیمان والإیمان الواجب والإیمان المستحب. وذلک لأن فی قولک (الإیمان المطلق) تدخل اللام على الإیمان وهی تفید العموم والشمول، ثم تصفه بالإطلاق بمعنى أنه لم یقید بقید یوجب تخصیصه فهو عام یشمل کل فرد من أفراده.
أما مطلق الإیمان: فیطلق على الإیمان الناقص والکامل.
فالإضافه فیه لیست للعموم بل للتمییز فهو قدر مشترک مطلق لا عام فیصدق بأی فرد من أفراده.
ولهذا نفى النبی صلى الله علیه وسلم (الإیمان المطلق) عن الزانی وشارب الخمر والسارق کما فی الحدیث المتقدم؛ لئلا یدخل فی قوله: (( والله ولی المؤمنین )) ولا فی قوله: (( قد أفلح المؤمنون )) ولا فی قوله (( إنما المؤمنون الذین إذا ذکر الله وجلت قلوبهم )) ونحوها من الآیات، ولم ینف عنه مطلق الإیمان لیبقى داخلاً فی قوله تبارک وتعالى: (( فتحریر رقبه مؤمنه )) وفی قوله (( وإن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا )) وفی قوله صلى الله علیه وسلم: (لا یقتل مؤمن بکافر) رواه البخاری وغیره.
ولهذا کان قوله تعالى: (( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا، ولکن قولوا أسلمنا )) نفیاً للإیمان المطلق لا لمطلق الإیمان( ).
• ومثل ذلک مطلق التوحید والتوحید المطلق:
فمطلق التوحید: یدخل فیه جمیع الموحدین خواصهم وعوامهم اتقیائهم وفساقهم، فکل من آمن بالله واجتنب عباده الطاغوت ولم یرتکب شیئاً من نواقض التوحید یدخل فی مطلق التوحید، وإن قصّر فی لوازمه وواجباته التی لیست من أصله.
والتوحید المطلق: یطلق على کمال التوحید التام الذی یأتی المکلف مع أصله بواجباته ولوازمه ومکملاته، کجهاد الطواغیت وإظهار عداوتهم وإعلان البراءه منهم ومن أولیائهم، والسعی فی إبطال الشرک وإخراج الناس منه، ولا مشاحه فی الاصطلاح ولکن أکثر الناس لا یعرفون ذلک.
ولهذا فنحن وإن کنا نستعمل لفظه الموحد کثیراً ونعنی بها خواص أهل الدین وأنصاره، فنسمیهم بأهم مهمات الدین التی قصّر فی لوازمها وواجباتها أکثر الناس تأکیداً على أهمیه التوحید الذی هو أصل دعوه الرسل وأتباعهم.
لکننا نکره ونحذر من نفی التوحید عن المخالفین لنا فی تکفیر الطواغیت وجهادهم ؛ مادام أولئک المخالفون من المسلمین کما یفعله بعض الناس، فنحن وإن کنا نتساهل بالإثبات فی هذا الباب. لکننا نکره النفی فیه وننهى عنه؛ لأن الإثبات لا یوهم محذوراً إلا بالمفهوم وهو غیر لازم بخلاف النفی، فإنه بإطلاقه یخشى أن یوهم تکفیر کل من نفی عنه ذلک فلزم ترکه. خصوصاً وأن ضد التوحید الشرک فی عرف المسلمین. وأکثر الناس لا یذهب فهمهم إلى الاصطلاح حتى یقول القائل أنه یقصد بذلک نفی التوحید المطلق لا مطلق التوحید، فهم لا یفرقون بین هذا وذاک، فلزم اجتنابه والتحرز منه حتى لا یوهم تکفیر المخالف من المسلمین، وحتى لا یعطى أعداء الدعوه فرصه للصید فی الماء العکر.
* ومن جنس هذا استعمال کثیر من الدعاه المعاصرین لفظه (أخونا) أو (إخواننا) على تجمعاتهم وتنظیماتهم – وقد عایشته – دون مخالفیهم أو من هم لیسوا على طریقتهم ودعوتهم، وقد ینفونها عن هؤلاء فیقولون (لیسوا من إخواننا) أی: لیسوا من جماعتهم، وهذا لا یحل مع المسلمین إذ هو یوهم البراءه الکلیه منهم، وهو سیئ الأثر على الأتباع من الشباب، وأقل مساوئه ما یورث من الحزبیه البغیضه… هذا إن لم یورث معامله من هم خارج لفظه (إخواننا) معامله الکفار… أو الحکم بتکفیرهم.
والله تعالى قد أثبت الأخوه الإیمانیه بین المسلمین فی أشد حالات العداوه والبغی وهی القتل والاقتتال، فقال سبحانه: (( وإن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا…) الآیات إلى قوله: (( إنما المؤمنون إخوه فأصلحوا بین أخویکم )). کما جمع بهذه الأخوه بین ولی المقتول والقاتل فقال: (( فمن عفی له من أخیه شیء… الآیه).

((۱۵))
عدم التمییز بین الإیمان الحقیقی والإیمان الحکمی
ومن الأخطاء الشائعه فی التکفیر أیضاً؛عدم التمییز بین الإیمان الحقیقی والإیمان الحکمی ، وبین التوبه الباطنه والتوبه الحکمیه.
فالإیمان الحقیقی: من أمور الغیب الباطنه التی حکمها إلى الله، وهو الذی تجری علیه أحکام الآخره عند الله من الثواب والعقاب.
والإیمان الحکمی: هو الظاهر، الذی یفرق به بین المسلم والکافر، وهو المرادف للإسلام الحکمی الذی یعصم به الدم والمال، وهذا یثبت ابتداء بالإقرار بالشهادتین، أو ما یقوم مقامها من خصائص الإسلام. مع عدم التلبس بناقض من نواقض الإسلام الظاهره.
قال شیخ الإسلام فی کتاب الإیمان: (الإیمان الظاهر الذی تجری علیه الأحکام فی الدنیا، لا یستلزم الإیمان الباطن الذی یکون صاحبه من أهل السعاده فی الآخره) أهـ. الفتاوى (ط دار ابن حزم) (۷/۱۳۳).
وقال أیضاً (۷/۱۳۶): (والله تعالى لما أمر فی الکفاره بعتق رقبه مؤمنه، لم یکن على الناس ألا یعتقوا إلا من یعلموا أن الإیمان فی قلبه، فإن هذا کما لو قیل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإیمان فی قلبه: وهم لم یؤمروا أن ینقبوا عن قلوب الناس ولا یشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلاً یظهر الإیمان جاز لهم عتقه، وصاحب الجاریه لما سأل النبی صلى الله علیه وسلم: هل هی مؤمنه؟ إنما أراد الإیمان الظاهر الذی یفرق به بین المسلم والکافر).
وقال (۷/۱۳۷): (والمقصود أن النبی صلى الله علیه وسلم إنما أخبر عن تلک الأمه بالإیمان الظاهر الذی علقت به الأحکام الظاهره، …).
إلى قوله: (فیجب أن یفرق بین أحکام المؤمنین الظاهره التی یحکم فیها الناس فی الدنیا، وبین حکمهم فی الآخره بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنه لابد أن یکون مؤمناً فی الباطن باتفاق جمیع أهل القبله) أهـ.
وقال (۷/۱۳۸): (والمقبره التی کانت للمسلمین فی حیاته وحیاه خلفائه وأصحابه یدفن فیها کل من أظهر الإیمان، وإن کان منافقاً فی الباطن، ولم یکن للمنافقین مقبره یتمیزون بها عن المسلمین فی شیء من دیار الإسلام، کما تکون للیهود والنصارى مقبره یتمیزون بها، ومن دفن فی مقابر المسلمین صلى علیه المسلمون، والصلاه لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن، فعلم أن ذلک بناء على الإیمان الظاهر، والله یتولى السرائر) أهـ (ط دار ابن حزم).
وقال أیضاً: (الإیمان الذی علقت به أحکام الدنیا هو الإیمان الظاهر وهو الإسلام. فالمسمى واحد فی الأحکام الظاهره، ولهذا لما ذکر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئه بقول النبی صلى اله علیه وسلم (أعتقها فإنها مؤمنه) أجابه بأن المراد حکمها فی الدنیا حکم المؤمنه، لم یرد أنها مؤمنه عند الله تستحق دخول الجنه بلا نار إذا لقیته بمجرد هذا الإقرار) أهـ.
وقال أیضاً عند ذکره لخلاف العلماء فی حکم ذراری الکفار: (ومنشأ الاشتباه فی هذه المسأله: اشتباه أحکام الکفر فی الدنیا، بأحکام الکفر فی الآخره فإن أولاد الکفار لما کانوا یجری علیهم أحکام الکفر فی أمور الدنیا، مثل ثبوت الولایه علیهم لآبائهم، وحضانه آبائهم لهم وتمکین آبائهم من تعلیمهم وتأدیبهم، والموارثه بینهم وبین آبائهم، واسترقاقهم إذا کان آباؤهم محاربین، وغیر ذلک، صار یظن من یظن أنهم کفار فی نفس الأمر، کالذی تکلم بالکفر وعمل به، فإذا عرف أن کونهم ولدوا على الفطره، لا ینافی أن یکونوا تبعاً لآبائهم فی أحکام الدنیا زالت الشبهه.
وقد یکون فی بلاد الکفر من هو مؤمن فی الباطن یکتم إیمانه. من لا یعلم المسلمون حاله، إذا قاتلوا الکفار، فیقتلونه، ولا یُغسّل ولا یُصلّى علیه ویدفن مع المشرکین، وهو فی الآخره من المؤمنین أهل الجنه، کما أن المنافقین تجری علیهم أحکام المسلمین، وهم فی الآخره فی الدرک الأسفل من النار، فحکم الدار الآخره غیر حکم الدار الدنیا) أهـ (درء تعارض العقل والنقل) (۸/۴۳۲-۴۳۳).
وقد فرق الله تعالى بین نوعی الإیمان هذین فی قوله تعالى: (( یا أیها الذین آمنوا إذا جاءکم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإیمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الکفار)) (الممتحنه: ۹).
فقوله تعالى: (( الله أعلم بإیمانهن))؛ أی: بحقیقه إیمانهن.
وقوله: (( فإن علمتموهن مؤمنات))؛ أی: بحسب ما یظهر لکم وهو الإیمان الحکمی. ولهذا کان سفیان الثوری وابن المبارک وغیرهم من السلف یقولون: (الناس عندنا مؤمنون فی المواریث والأحکام، ولا ندری کیف هم عند الله عز وجل)( ).
وعلى هذا فشروط (لا إله إلا الله) ونواقض الإسلام التی یعددها العلماء فی کتبهم؛ منها ما هو متعلق بالإیمان الحقیقی، وهی الشروط والنواقض المغیبه التی لا یعلمها إلا الله کالإخلاص أو ما ینقاضه من الشرک الباطن، والصدق وما یناقضه من التکذیب القلبی، والیقین وما ینقاضه من الشک… ونحو ذلک من الأمور المغیبه التی لا یطلع علیها إلا الله؛ لا یصح ولا یصلح التکفیر بها فی أحکام الدنیا لأنها أسباب غیر ظاهره ولا منضبطه فکیف یناط حکم التکفیر بها؟ وإنما ینظر فی أحکام الدنیا إلى ما ظهر من تلک الشروط أو النواقض، فیثبت الإسلام الحکمی ویعامل الإنسان معامله المسلمین فیعصم دمه وماله إن أتى بشروط الإسلام الحکمی ویوکل أمر سریرته إلى الله.
قال الشیخ حافظ الحکمی فی معارج القبول (۲/۶۰۸): (ثم أعلم یا أخی أرشدنا الله وإیاک، أن التزام الدین الذی یکون به النجاه من خزی الدنیا وعذاب الآخره، وبه یفوز العبد بالجنه ویزحزح عن النار، إنما هو ما کان على الحقیقه فی کل ما ذکر من حدیث جبریل، وما فی معناه من الآیات والأحادیث.
وما لم یکن على الحقیقه ولم یظهر منه ما یناقضه، أجریت علیه أحکام المسلمین فی الدنیا، ووکلت سریرته إلى الله تعالى، قال الله عز وجل: (( فإن تابوا وأقاموا الصلاه وآتوا الزکاه فخلوا سبیلهم)) وفی الآیه الأخرى (( فإخوانکم فی الدین وغیرها من الآیات…)) أهـ.
فتأمل کیف علق الله تعالى عصمه الدم والمال، وعلق الأخوه فی الدین بالأحکام والشعائر والمبانی الظاهره لا بما خفی وبطن.
وأیضاً لا یشترط للإسلام الحکمی بل ولا للحقیقی ما یظنه البعض من لزوم حفظ شروط (لا إله إلا الله) أو حفظ معناها ونواقضها، ومعرفه تفاصیلها کما شرحها العلماء فی کتبهم… فلا أحد یستطیع أن یزعم أن الأمه التی سألها النبی صلى الله علیه وسلم (أین الله) وحکم لها بالإیمان، أو غیرها من الأعراب والعوام الذین کان صلى الله علیه وسلم یعاملهم بالإسلام الظاهر… کانوا یعرفون تفاصیل ذلک کله أو أنهم هم أو غیرهم کانوا یلزمون بذلک ویشترط علیهم لیحکم لهم بالإسلام.
قال الشیخ حافظ الحکمی فی معارج القبول عند قوله:
بشروط سبعـه قـد قیـدت وفی نصوص الوحی حقا وردت
فـإنه لــم ینتفع قائلــها بالنطق إلا حیث یستکملـــها
( ومعنى استکمالها اجتماعها فی العبد والتزامه إیاها بدون مناقضه منه لشیء منها ولیس المراد من ذلک، عدّ ألفاظها وحفظها، فکم من عامی اجتمعت فیه والتزمها، ولو قیل له اعددها لم یحسن ذلک، وکم حافظ لألفاظها یجری فیها کالسهم وتراه یقع کثیراً فیما یناقضها والتوفیق بید الله والله المستعان) أهـ (۲/۴۱۸).
وهو یقصد هنا (الانتفاع الکامل فی الدنیا والآخره) ولذلک اشترط استکمال جمیع شروطها ولم یفرق بین ما ظهر وما بطن من ذلک… لأنه قصد الإسلام الحقیقی.
أما الإسلام الحکمی الظاهر فی الدنیا فقد عرفت أن شأنه دون ذلک، وأنه إنما یشترط له أن یظهر المرء ما یصیر به مسلماً مما هو من أصل الإیمان والتوحید، أی أن یأتی بشروط الإسلام الظاهره، وأن لا یقع بشیء من نواقضه الظاهره.
وقد قدمنا لک أن الکفر وإن کان قد یکون بأحد أسباب أربعه: إما قول أو فعل أو شک أو اعتقاد. أو بأکثر من سبب منها. إلا أن التکفیر فی أحکام الدنیا إنما ینحصر فقط فی القول المکفر أو الفعل المکفر أو بهما معاً… قال شیخ الإسلام ابن تیمیه: (فالمرتد: کل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما یناقض الإسلام بحیث لا یجتمع معه) أهـ. الصارم المسلول (۴۵۹).
وقال أیضاً فیه ص (۳۷۰): (وإذا لم یکن علم الإیمان المفروض صفه لقلب الإنسان لازمه له لم ینفعه، فإنه یکون بمنزله حدیث النفس وخواطر القلب، والنجاه لا تحصل إلا بیقین فی القلب، ولو أنه مثقال ذره، هذا فیما بینه وبین الله.
وأما فی الظاهر فیجری الأحکام على ما یُظهره من القول أو الفعل ) أهـ.
أما الاعتقاد والشک فهو من أسباب الکفر الأخرویه الباطنیه التی أمرها إلى الله ولیس إلینا ؛ إذ لا سبیل فی أحکام الدنیا إلى ضبطها وإعمالها واعتبارها ، وقد علمت أن الشارع ربط الأحکام والمسبَّبات فی الدنیا بأسباب وأوصاف ظاهره منضبطه غیر خفیه ولا مغیبه ، وذلک کی یتمکن المکلفون من التعامل معها ؛ولذلک یعامل من أبطن الکفر ولم یظهره بقول أو عمل – کما هو حال المنافقین – بمعامله المسلمین فی أحکام الدنیا ، فیعصم إسلامهم الحکمی الظاهر دماءهم وأموالهم ثم مصیرهم فی الآخره فی الدرک الأسفل من النار..
وقد قال الله تعالى: (( ولا تقف ما لیس لک به علم )).. ولم یجعل لنا سبحانه علما بالمغیبات والبواطن نعلق أحکام الدنیا بها.
وقال تعالى حکایه عن نبیه نوح علیه السلام: (( ولا أقول للذین تزدری أعینکم لن یؤتیهم الله خیرا. الله أعلم بما فی أنفسهم ، إنی إذا لمن الظالمین )) فرتب الحکم على ظاهر إیمانهم ، ورد علم ما فی أنفسهم إلى العالم بالسرائر سبحانه وتعالى..
قال الشافعی رحمه الله: ( فرض الله تعالى على خلقه طاعه نبیه ، ولم یجعل لهم من الأمر شیئا ،فأولى ألا یتعاطوا حکما على غیب أحد بدلاله ولا ظن.. )
وقال: ( فما جعل إلیهم الحکم فی الدنیا إلا بما ظهر من المحکوم علیه ، ففرض على نبیه أن یقاتل أهل الأوثان، حتى یسلموا فتحقن دماؤهم إذا أظهروا الإسلام، وأعلم أنه لا یعلم صدقهم بالإسلام إلا الله، ثم أطلع الله رسوله على قوم یظهرون الإسلام ویسرون غیره فلم یجعل له أن یحکم علیهم بخلاف حکم الإسلام، ولم یجعل له أن یقضی علیهم فی الدنیا بخلاف ما أظهروا)( ) أهـ.
وقال ابن القیم: (ولم یرتب –أی الشارع- الأحکام على مجرد ما فی النفوس من غیر دلاله فعل أو قول) أهـ. إعلام الموقعین (۳/۱۱۷) وهذا فی أحکام الدنیا کما هو ظاهر.
ومن الأدله الصریحه على هذا قول النبی صلى الله علیه وسلم فی الحدیث الذی یرویه البخاری ومسلم وغیرهما: (إنکم تختصمون إلى… وإنما أقضی بنحو ما أسمع…) فأخبر صلى الله علیه وسلم أنه إنما یحکم بالظاهر، وفی صحیح مسلم: (إنی لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم).
وفی صحیح مسلم أیضاً قوله صلى الله علیه وسلم لأسامه منکراً علیه: (أفلا شققت عن قلبه)!!
قال أبو جعفر الطحاوی فی أهل القبله: (ولا نشهد علیهم بکفر ولا نفاق، ما لم یظهر منهم شیء من ذلک، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى)أهـ.
وقال شارح الطحاویه: (لأنا قد أمرنا بالحکم بالظاهر، ونهینا عن الظن واتباع ما لیس لنا به علم)أهـ.
ویقول الحافظ ابن حجر فی فتح الباری (کتاب استتابه المرتدین…) (باب حکم المرتد والمرتده واستتابتهم) فی کلامه على حدیث (من بدل دینه فاقتلوه) (۶۹۲۲): (وقوله “من” هو عام یخص منه من بدّله فی الباطن ولم یثبت علیه ذلک فی الظاهر. فإنه تجری علیه أحکام الظاهر…).
وقال بعد أن ذکر قوله تعالى “اتخذوا أیمانهم جنه” (المنافقون: ۲): (فدل على أن إظهار الإیمان یحصن من القتل، وکلهم أجمعوا على أن أحکام الدنیا على الظاهر والله یتولى السرائر، وقد قال صلى الله علیه وسلم لأسامه “هلا شققت عن قلبه” وقال للذی ساره فی قتل رجل “ألیس یصلی؟ قال: نعم، قال: أولئک الذین نهیت عن قتلهم”. وذکر حدیث (خالد بن الولید لما استأذن فی قتل الذی أنکر القسمه، وقال: کم من مصل یقول بلسانه ما لیس فی قلبه. فقال صلى الله علیه وسلم: “إنی لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس” أخرجه مسلم والأحادیث فی ذلک کثیره) أهـ.
• ومثل ذلک یقال فی التوبه الباطنه الحقیقیه المنجیه فی الآخره ، والتوبه الحکمیه التی تکفی فی الدنیا لعصمه الدم والمال والحکم بالإسلام.
فالتوبه الحقیقیه: هی المتقبله عند الله، وهی المستوفیه لشروط التوبه الباطنه والظاهره، من الندم والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العوده إلیه، والاستغفار باللسان، وأداء حقوق العباد إن تعلق الذنب بها.
فهذه هی التوبه المقبوله المنجیه عند الله تعالى.
أما فی الدنیا فلا یصح ما یشترطه البعض فی عصمه دم الإنسان أو الحکم بتوبه المرتد من تبین هذا النوع من التوبه، فإن بعض شروطها من الغیب الذی لا یعلمه إلا الله. ولا یمکن للخلق ضبطه.
وإنما یکفی فی ذلک ظهور التوبه الحکمیه، وهی إظهار المذنب توبته عند الناس بالإقلاع عن ذنبه فی الظاهر أو الرجوع والبراءه من السبب المکفر من قول أو عمل ظاهر، أو بالتزام ما کفر بالامتناع عنه مما هو من أصل الإیمان الظاهر.
• تنبیه: استثنى البعض من ذلک الزندیق( ): وهو من تکررت ردته واشتهر تلاعبه وطعنه فی الدین، وعوده واستتابته، وکثرت منه المحتملات والمعاریض واشتهرت مصاحبته لأهل الریب والزندقه.
فمذهب مالک رحمه الله عدم قبول توبته وکذا أحمد فی أشهر الروایتین عنه.
ومذهب الشافعی قبولها.
قال شیخ الإسلام ابن تیمیه: (ولهذا تنازع الفقهاء فی استتابه الزندیق، فقیل یستتاب واستدل من قال ذلک بالمنافقین الذین کان النبی صلى الله علیه وسلم یقبل علانیتهم ویکل أمرهم إلى الله.
فیقال له: هذا کان فی أول الأمر، وبعد هذا أنزل الله: (ملعونین أینما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتیلاً) فعلموا أنهم إن أظهروه کما کانوا یظهرونه قتلوا، فکتموه.
والزندیق: هو المنافق، وإنما یقتله من یقتله إذا ظهر منه أنه یکتم النفاق.
قالوا: ولا تعلم توبته؛ لأن غایه ما عنده أنه یظهر ما کان یظهر، وقد کان یظهر الإیمان وهو منافق، ولو قبلت توبه لزندیق لم یکن سبیل إلى تقتیلهم، والقرآن قد توعدهم بالتقتیل) أهـ مجموع الفتاوى (۷/۱۳۷).
والمرجع فی هذا والله أعلم إلى الاجتهاد وتقدیر المصالح والمفاسد ومعرفه الواقع؛ من ازدیاد الشر والاستخفاف بالدین وتجرّؤ الناس علیه، فمتى وجد مثل هذا شدّد على المتلاعبین الزنادقه وشرّد بهم من خلفهم ، خصوصاً إن توفرت القدره علیه، فقد علمت تنوّع هدی النبی صلى الله علیه وسلم وسیرته فی أمثالهم فی حال ضعف المسلمین، وعند قوه شوکتهم.

((۱۶))
عدم التفریق بین التولی المکفّر وبین معامله الکافر بالمعروف
ومن الأخطاء الشائعه فی التکفیر أیضاً ؛ عدم التفریق بین التولی المکفر، وبین معامله الکافر بالمعروف أو الإحسان إلیه وبِرّه لمصلحه دعوه أو نحوها.
فالمعاشره والمصاحبه بالمعروف للوالدین الکافرین ثابته بالکتاب والسنه؛ کما قال تعالى: (( وإن جاهداک على أن تشرک بی ما لیس لک به علم فلا تطعهما، وصاحبهما فی الدنیا معروفاً )) (لقمان: ۱۵).
ومحبه الخیر والهدایه لهما أو لغیرهما من الکفار، شیء غیر محبتهم ومودتهم وموالاتهم المنهی عنها. وقد فرّق الله تعالى بین الأمرین بقوله: (( لا ینهاکم الله عن الذین لم یقاتلوکم فی الدین ولم یخرجوکم من دیارکم أن تبروهم وتقسطوا إلیهم إن الله یحب المقسطین، إنما ینهاکم الله عن الذین قاتلوکم فی الدین، وأخرجوکم من دیارکم وظاهروا على إخراجکم أن تولوهم، ومن یتولهم فأولئک هم الظالمون)) (الممتحنه: ۸-۹).
ففرق الله تعالى بین البر والإقساط والإحسان، وبین التولی المکفر. ولم ینه عن الأولى، ونهى عن الثانی هنا وفی مواضع أخرى من کتابه.
ومعلوم أن للمسلم أن یتزوج الکتابیه الکافره، وإذا جاز له ذلک، جازت دون شک مجالستها ومؤاکلتها ومصافحتها وملاعبتها وغیر ذلک من المعاشره بالمعروف التی أمر الله بها الأزواج أمراً عاماً، وجعل بینهم أیضاً رحمه وموده طبیعیه ، فللزوجه الکافره من ذلک موده خاصه مستثناه من عموم النهی عن مواده الکفار.
وهذا کله ینبه إلى عدم انضباط إطلاقات بعض المتهورین فی التکفیر فی هذه الأبواب. والذی یهمنی التنبیه إلیه فی هذا الموضع؛ أن مقام الدعوه وتألیف القلوب، وبیان الدین بالحکمه والموعظه الحسنه ؛ یشرع فیه من اللین فی الخطاب والجدال بالتی هی أحسن والمعامله بالحسنى والطلاقه، ویتأکد ذلک فی المقبلین على سماع الدعوه، ما لا یتعارض بحال مع الغلظه والشده والمراغمه التی أمر الله تعالى بها فی مقامها فی الجهاد والقتال؛ فقال سبحانه وتعالى: (( یا أیها النبی جاهد الکفار والمنافقین واغلظ علیهم)) وقال تعالى: (( یا أیها الذین آمنوا قاتلوا الذین یلونکم من الکفار ولیجدوا فیکم غلظه)).
فمجال القتال ومراغمه أعداء الله وردع الشانئین ومجاهده الزنادقه والطاعنین والمستهزئین ونحوهم… غیر مجال الدعوه والبلاغ الذی قال الله تعالى فیه: (( وإن أحد من المشرکین استجارک فأجره حتى یسمع کلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلک بأنهم قوم لا یعلمون))… فأمر الله تعالى بإجاره المشرک وحمایته وتأمینه، وإن کان حربیاً مادام قد أظهر الرغبه فی سماع الدعوه، وهذا مستلزم ویدل بدلاله الإشاره على جواز إکرامه، بمعنى إطعامه وإیوائه ومعاملته ومعاشرته بالمعروف حتى یسمع الدعوه کامله واضحه، ثم وإن لم یؤمن فقد أمر الله تعالى بإیصاله بعدها إلى بلده آمناً مطمئناً من غیر أذى أو ترویع.
ففی هذا کله وجوب التفریق بین المقبل على سماع الدعوه أو من یدعى إلیها ابتداء، سواء کان من الحربیین أم غیرهم، وبین المعرض أو المستکبر.
ولقد رأیت کثیراً من المتعنتین على غیر بینه، یشددون ویضیقون على من أحسن إلى بعض الکفار أو خالطهم أو عاملهم أو خاطبهم بلین لأجل إیصال دعوته إلیهم بأحسن طریق، دون أی مداهنه أو رکون، خصوصاً والحال حال استضعاف والمقام لیس مقام قتال.
ومع هذا فإذا کانت الحقائق أراهم وأسمعهم من الشده والغلظه ما تغص به حلوقهم وتضیق معه صدورهم… ومع ذلک ینکر أولئک المتعنتون هذا اللین ویجعلونه عین المداهنه، بل منهم من یدرجه فی التولی نسأل الله السلامه والعافیه.
وربما احتج بعضهم بآیات الممتحنه المذکوره وهی حجه علیهم لا لهم، فالله جل ثناؤه لم ینه فیها قط عن البر والإقساط. خصوصاً فی مجال الدعوه والبلاغ، وإنما نهى عن التولی نهیاً عاماً فی غیر آیه من کتابه سبحانه.
ثم زعموا أن المحاربین عموماً لیس لهم إلا الشده والإغلاظ… وربما أدخل بعضهم فی ذلک وعدّه من الإغلاظ المشروع؛ الفحش والشتم المجرد الذی نهى الله تعالى عنه المؤمنین. فشوّهوا بذلک وجه الدعوه المشرق ، وتجنّوا بأفهامهم السقیمه على الدین.
وغفلوا عن أن لفظ المحاربه فی مصطلح الفقهاء یشمل کل من لیس بینه وبین المسلمین عهد أو ذمه أو أمان أو جوار… ولو کان من غیر المقاتلین، فیدخل فیه النساء غیر المقاتلات والصبیان والزمنی وأمثالهم ممن لیسوا من أهل القتال، ولا یقدرون على إخراجنا من دیارنا، ولا یظاهرون على إخراجنا، فإنهم جمیعاً یدخلون فی مصطلح الحربیین من أهل دار الحرب، وإن لم یکونوا من أهل القتال، فالمقاتل أخص من المحارب… ولذلک یذکر المفسرون فی أسباب نزول الآیات المذکوره حدیث قدوم أم أسماء بنت أبی بکر من مکه بهدایا وثیاب وسمن وإقط لزیارتها وأذن الرسول صلى الله علیه وسلم لأسماء بإدخالها منزلها وقبول هدایاها.
والخلاصه أن مقام الدعوه وما یسوغ فیها مع الحربیین أوغیرهم، هو غیر مقام القتال ومراغمه أئمه الکفر وأطر الشانئین والمستکبرین من المعرضین عن الدعوه أو المستهزئین بها.
أما دعوتهم ابتداء، فقد بعث الله نبیه موسى إلى طاغوت زمانه ورأس المحاربین والمقاتلین له ولقومه؛ فأمره وأخاه أن یبدءا دعوته بالقول اللین مع وصفه سبحانه له بالطغیان، فقال: (( إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً لیّناً لعله یتذکر أو یخشى))… فابتدءاه بذلک کما أمرهم الله تعالى، فلما أعرض وأبى وأصر واستکبر وهدد وتوعد وأرعد، وقال لموسى: (( إنی لأظنک یا موسى مسحوراً ))؛ قال له موسى: (( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإنی لأظنک یا فرعون مثبوراً )).
وکذلک خلیل الرحمن إبراهیم علیه السلام یخاطب قومه فی مقام الدعوه بالحکمه والموعظه الحسنه ویناظرهم بالحجه، ویظهر حرصه على هدایه أبیه. فتراه یقول: (( یا أبت إنی قد جاءنی من العلم ما لم یأتک فاتبعنی أهدک صراطاً سویاً)).. (( یا أبت لا تعبد الشیطان إن الشیطان کان للرحمن عصیاً )) (( یا أبت إنی أخاف أن یمسک عذاب من الرحمن فتکون للشیطان ولیاً ))… ونحو ذلک.
وفی مقام إعراضهم وحیدتهم وجدالهم بالباطل مع وضوح الحجه، یقول لهم ولأبیه فی جملتهم: (( أفٍّ لکم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون)) ویقول: ((… کفرنا بکم وبدا بیننا وبینکم العداوه والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده…)) وقال تعالى عنه فی شأن أبیه ((…. فلما تبیّن له أنه عدو لله تبرأ منه…)).
وکذلک خاتم الأنبیاء والمرسلین صلى الله علیه وسلم کان أحرص الناس على هدایه قومه وعشیرته الأقربین، ینذرهم النار ویدعوهم إلى إنقاذ أنفسهم منها.
ولا زال یدعو عمه أبا طالب ویتمنى هدایته إلى آخر نفس من أنفاسه.
وفی مقام استهزائهم وغمزهم له واستکبارهم، تراه یقول لهم: ( تسمعون یا معشر قریش، أما والذی نفس محمد بیده لقد جئتکم بالذبح)( ).
فلا بد من التفریق فی الحوار والخطاب بین من یستمع للدعوه وینصت ویرغب فی التعرف إلیها. وبین من یتخذها هزواً ولعباً أو یعرض ویستکبر.
وبین من یُدعى ابتداء، وبین من طال علیه الأمد ولج فی الإعراض والاستکبار رغم الدعوه له والبلاغ، وهذا کله من الحکمه والموعظه الحسنه، والسیاسه الشرعیه التی أمر الله تعالى بها، وبیّنها رسوله صلى الله علیه وسلم فی سیرته وسنته وهدیه.
وقد فصّل الله تعالى ذلک فی کتابه، فذکر الغلظه والشده فی مقام. وذکر اللین فی مقام، وذکر الحکمه والموعظه الحسنه فی مقام، وذکر القول البلیغ فی مقام، فمن جعل کُلاً فی مقامه المناسب نال رضا الله تعالى وأفلح فی دعوته کل الفلاح.
ومن ذلک قوله تعالى: (( ادع إلى سبیل ربک بالحکمه والموعظه الحسنه وجادلهم بالتی هی أحسن إن ربک هو أعلم بمن ضل عن سبیله وهو أعلم بالمهتدین )).
قال شیخ الإسلام ابن تیمیه عند هذه الآیه: (الناس ثلاثه أقسام:
– إما أن یعترف بالحق ویتبعه، فهذا صاحب الحکمه.
– وإما أن یعترف به، لکن لا یعمل به، فهذا یوعظ حتى یعمل.
– وإما ألا یعترف به، فهذا یجادل بالتی هی أحسن.
ولأن الجدال مظنه الإغضاب، فإذا کان بالتی هی أحسن حصلت منفعته بغایه الإمکان کدفع الصائل)أهـ مجموع الفتاوى (ط. دار ابن حزم) (۲/۳۳).
وقال فی موضع آخر من الفتاوى أیضاً (۳/۱۵۹): (والله تعالى یقول: (( ولا تجادلوا أهل الکتاب إلا بالتی هی أحسن إلا الذین ظلموا )) فمتى ظلم المخاطب لم نکن مأمورین أن نجیبه بالتی هی أحسن، بل قال أبو بکر الصدیق رضی الله عنه؛ لعروه بن مسعود بحضره النبی صلى الله علیه وسلم لما قال: “إنی لأرى أوباشاً من الناس، خلیقاً أن یفروا ویدعوک”: “أمصص بظر اللات؛ أنحن نفر عنه وندعه؟!”( ). ومعلوم أن العزه لله ولرسوله وللمؤمنین من کانوا، وقد قال تعالى: (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن کنتم مؤمنین )) فمن کان مؤمناً فهو الأعلى کائناً من کان، ومن حادّ الله رسوله فقد قال تعالى: (( إن الذین یحادون الله ورسوله أولئک فی الأذلین)) )أهـ.
فتأمل کلامه هذا وکلامه ذاک، فإن لکل مقام مقال.. ومن خلّط اختلط علیه أمره والتبس، ولبّس على الناس.
ولقد ضرب رسول الله صلى الله علیه وسلم المثل الأعلى فی البر والإحسان إلى قومه الذین قاتلوه فی الدین وعذبوا أصحابه وأخرجوهم من دیارهم وظاهروا على إخراجهم، فکان باراً بهم أیما بر یوم دخل مکه فاتحاً، فأطلقهم وهم کفار، وقالوا یومها: (أخ کریم وابن أخ کریم) ثم دخلوا فی دین الله أفواجاً.
ومنّ على طائفه منهم قبل ذلک ببطن مکه، وکانوا قد هموا به وبأصحابه، فأظفره الله بثمانین منهم أسارى فمنّ علیهم، وأطلقهم بغیر فداء. وهل فوق هذا من إحسان؟
ولو ذهبنا نتتبع هدیه صلى الله علیه وسلم وسیرته فی هذا، لطال بنا المقام، ومعلوم آثار مثل هذا؛ على إقبال الناس على دین الله.
ومن ذلک قبوله هدیه الکفار أحیاناً، وإهدائه لهم، کما فی صحیح البخاری (کتاب الهبه) (باب قبول الهدیه من المشرکین) و(باب الهدیه للمشرکین) وفیه أیضاً فی (کتاب المرضى) (باب عیاده المشرک).
عن أنس أن النبی صلى الله علیه وسلم عاد غلاماً یهودیاً –کان یخدمه- ودعاه إلى الإسلام فأسلم قبل أن یموت، وفی صحیح مسلم عن أبی هریره أن رسول الله صلى الله علیه وسلم أضافه ضیف کافر فأمر له بشاه فحلبت فشرب حلابها ، ثم أخرى ثم أخرى حتى شرب حلاب سبع شیاه، ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له بشاه فشرب حلابها ثم بأخرى فلم یستتمها… الحدیث) وأصله فی البخاری.
وقد قال تعالى فی ثنائه على المؤمنین: (( ویطعمون الطعام على حبه مسکیناً ویتیماً وأسیراً )) والغالب على أسرى المسلمین أنهم من الکفار المحاربین المقاتلین…
وتتبع هذا یطول ویطول.. وهو نافع لکل طالب حق.
ونافع أیضاً لأولئک المتعنّتین؛ یوسعون به مدارکهم، ویزدادون بصیره وحکمه ونضجاً. فلابد من التفریق فی التکفیر بین التولی المکفر الذی نصّ الله تعالى فی کتابه على أنه سبب من أسباب التکفیر البیّنه. وبین معامله الکافر بالمعروف ، والإحسان إلیه واللین فی خطابه لأجل الدعوه إلى الله تعالى ونحوها، فلا یکفر بمثل هذا إلا متهوّر قد غامر بدینه… فعلى نفسه جنایته.

((۱۷))
الخلط بین التولی المکفر
وبین المداهنه المحرمه أو المداراه المشروعه

ومن الأخطاء الشائعه فی التکفیر أیضاً ؛ الخلط بین التولی المکفر وبین المداهنه المحرمه أو المداراه المشروعه ، فالمداهنه فضلاً عن المداراه لیستا من التولی المکفر، بل الأولى محرمه، والثانیه جائزه شرعاً. وبعض المتحمسین لا یفرق بینهما، ویضیّق ویشدّد فیما لم یشدد الله فیه، وینکر ما هو مندوب ولیس بمنکر.
بل قد رأیت من الغلاه من یکفر بمحض المداراه، وذلک شطط عن الحق وضلال. فلذلک لزم التنبیه على هذا فی أخطاء التکفیر، والتمییز بین کل نوع من هذه الأمور…
قال ابن حجر فی فتح الباری فی شرحه لکتاب الأدب من صحیح البخاری (باب المداراه مع الناس) فی کلامه على ما علقه البخاری من قول أبی الدرداء “إنا لنکشر فی وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم”: ( الکشر بالشین المعجمه وفتح أوله ظهور الأسنان، وأکثر ما یطلق عند الضحک…
قال ابن بطال: المداراه من أخلاق المؤمنین، وهی خفض الجناح للناس ولین الکلمه وترک الإغلاظ لهم فی القول.
وذلک من أقوى أسباب الألفه.
وظن بعضهم أن المداراه هی المداهنه فغلط، لأن المداراه مندوب إلیها، والمداهنه محرمه.
والفرق أن المداهنه: من الدهان وهو الذی یظهر على الشیء ویستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشره الفاسق وإظهار الرضا بما هو فیه من غیر إنکار علیه.
والمداراه: هی الرفق بالجاهل فی التعلیم وبالفاسق فی النهی عن فعله، وترک الإغلاظ علیه حتى لا یظهر ما هو فیه، والإنکار علیه بلطف القول والفعل، ولا سیما إذا احتیج إلى تألفه ونحو ذلک).
وقال أیضاً: (المداراه: بغیر همز، وأصله الهمز لأنه من المدافعه، والمراد به الدفع برفق…).
قال: ( ومما ورد فیه صریحاً حدیث لجابر عن النبی صلى الله علیه وسلم قال: (مداراه الناس صدقه) أخرجه ابن عدی والطبرانی فی الأوسط وفی سنده یوسف بن محمد بن المنکدر، ضعفوه، وقال ابن عدی: أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبی عاصم فی “آداب الحکماء”. بسند أحسن منه) أهـ. من الباب نفسه، ونقل فی (باب لم یکن النبی صلى الله علیه وسلم فاحشاً ولا متفاحشاً) قول القرطبی تبعاً لعیاض: (الفرق بین المداراه والمداهنه أن المداراه: بذل الدنیا لصلاح الدنیا أو الدین، أو هما معاً، وهی مباحه وربما استحبت، والمداهنه: ترک الدین لصلاح الدنیا) أهـ.
فظهر من هذا أن المداراه جائزه بل مستحبه أحیاناً.
أما المداهنه؛ فإنها وإن أطلق البعض فی تعریفها، بحیث قد تعنی عنده أموراً مکفره، إلا أن أکثر من یستعمل هذه اللفظه من العلماء إنما یقصد بها ما هو دون الکفر من المحرمات. فهی کما قال الطبری فی تفسیر قوله تبارک وتعالى: (ودوا لو تدهن فیدهنون)؛ (مأخوذه من الدُّهن، شبه التلیین فی القول بتلیین الدُّهن) أهـ قال الحسن: (ودّوا لو تصانعهم فی دینک فیصانعونک)، فیتلخص من هذا أنها بذل ما کان بذله من الدین لصلاح الدنیا، محرماً لا کفراً. فإذا کان الأمر والمقصود بها کذلک، ولم یرد بها ما هو فوق ذلک من التولی ونحوه من الأمور المکفره. فلا یحل والحال کذلک أن یکفر بعض المتعنتین مخالفیهم لمجرد مداهناتهم لأعداء الله التی هی من قبیل المصانعه والإکرام، أو السکوت عن إنکار منکراتهم وفسوقهم وباطلهم دون أن یقروهم على کفر أو طعن فی الدین. خصوصاً وأن أکثر أولئک المخالفین فی واقع الیوم یتعذرون لأکثر إدهاناتهم، إما بالخوف والاستضعاف، أو بالاستصلاح.
فإدهاناتهم تتراوح بزعمهم ما بین التقیه والتأویل… وسواء صح اعتذارهم أم لم یصح.. فما دام أقصى ما فی أفعالهم أن یکون من المحرمات أو الکبائر… فلا یحل التکفیر بها بحال.
بل التکفیر بها وحدها، أشد حرمه منها نفسها وأعظم ضلالاً… فقد عرفت فیما تقدم أن الوعید على التکفیر بغیر ما کفر الله تعالى به ورسوله صلى الله علیه وسلم من أشد أنواع الوعید، حتى شبهه النبی صلى الله علیه وسلم بقتل المسلم وسفک دمه الحرام.
وإن ذنباً سماه الشارع کفراً لیس هو کسائر الذنوب بل إما أن یکون کفراً على وجه من الوجوه أو أنه یؤدی إلى الکفر، فمن جازف بدینه وخاطر بنفسه وأقدم واقتحم مثل هذه المهالک، فإنما على نفسه ودینه جنایته.
أوما یکفیه ویکفی أمثاله من المتعنتین، الوقوف عند حدود الشرع، وعدم تعدیها؟.
فالشرع لیس بحاجه من أحد إلى تشدید فوق ما حدّد الله ورهّب فی وعیده.
ولا هو بحاجه إلى تفریط وإدهان من المتهاونین بعد ما جعل الله فیه من تیسیر رفع به الحرج عن الأمه. والحق وسط لا هو مع المشددین فی تشدیدهم ولا مع المفرطین فی تفریطهم.
وفی سنه المصطفى وطریقه دعوته غنیه وشفاء لکل من طلب دواء هذه الأدواء. فقد روى الإمام البخاری فی صحیحه فی کتاب الأدب فی الأبواب المشار إلیها آنفاً عن عائشه (أن رجلاً استأذن على النبی صلى الله علیه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشیره، وفی الروایه الأخرى [فقال: ائذنوا له بئس أخو العشیره، فلما دخل ألان له الکلام فلما جلس تطلّق النبی صلى الله علیه وسلم فی وجهه وانبسط إلیه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشه: یا رسول الله حین رأیت الرجل قلت له کذا وکذا، ثم تطلقت فی وجهه وانبسطت إلیه، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: یا عائشه متى عهدتنی فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزله یوم القیامه من ترکه الناس اتقاء شره، وفی الروایه الأخرى [فحشه]) وقد نقل الحافظ فی الفتح عن ابن بطال وغیره أن الرجل هو عیینه بن حصن الفزاری وکان یقال له الأحمق المطاع، ورجا النبی صلى الله علیه وسلم بإقباله علیه تألفه لیسلم قومه لأنه کان رئیسهم ونقل عن عیاض قوله: (لم یکن عیینه والله أعلم حینئذ أسلم… أو کان أسلم ولم یکن إسلامه ناصحاً) أهـ.
وقال الحافظ: (والنبی صلى الله علیه وسلم إنما بذل له من دنیاه حسن عشرته والرفق فی مکالمته ومع ذلک فلم یمدحه بقول، فلم یناقض قوله فیه فعله، فإن قوله فیه قول حق، وفعله معه حسن عشره…) أهـ.
فتأمل هذا الهدی الکامل الوسط.
الذی جمع بین الصدق فی التقییم والتعریف، والنصح للسامعین، وبین حسن العشره والتألیف لمصلحه الدین والإسلام ؛ وسلم من المداهنه فلیس فیه أدنى تنازل أو تفریط فی الدین من جهه، کما سلم من الفحش والتفحّش والفظاظه المنفره التی لیست فی مقامها … من جهه أخرى.
فأین المتعنتون المضیقون لما وسّعه الله تعالى – من هذا الفقه العظیم والخلق الکریم…؟
فلقد رأیت منهم أقواماً شنّعوا وبدّعوا بل وکفّروا مخالفیهم فی أشیاء لیست هی فی دین الله من الکفر، بل بعضها مشروع من جنس المداراه الممدوحه لم تستوعبه عقولهم الضعیفه، ولم یناسب فظاظتهم وتفحشهم. وبعضها لا یعدو کونه من المداهنه المحرمه غیر المکفره.
فکفروا من جالس الکفار أو زاورهم ودخل علیهم أو بشّ فی وجوههم أو عاملهم بشیء من اللین والطلاقه. ومن باب أولى عندهم من صافحهم أو مازحهم وضاحکهم وداهنهم… والحق أنه لا یحل التسویه بین هذا کله… ولا یجوز التکفیر به وحده..
فمنه ما هو مشروع کالمجالسه والمزاوره والدخول على الکفار لأجل دعوتهم واللین فی خطابهم وجدالهم بالتی هی أحسن ودعوتهم بالحکمه والموعظه الحسنه وقد قدمنا لک من صحیح البخاری أن النبی صلى الله علیه وسلم عاد غلاماً یهودیاً مریضاً ودعاه إلى الإسلام فأسلم… فیجوز إذن للمسلم أن یعود الکافر فی مرضه وأن یحسن إلیه رجاء إسلامه.
وقد کان النبی صلى الله علیه وسلم یغشى الکفار فی مجالسهم یسمعهم دعوته ویصبر على أذاهم فی مکه وفی المدینه أیضاً، کما فی الحدیث المتفق علیه الذی أورده البخاری فی کتاب الأدب (باب کنیه المشرک) عن أسامه بن زید رضی الله عنهما أن رسول الله صلى الله علیه وسلم رکب على حمار علیه قطیفه فدکیه وأسامه وراءه یعود سعد بن عباده فی بنی حارث بن الخزرج قبل وقعه بدر فسارا، حتى مرا بمجلس فیه عبد الله بن أُبی ابن سلول، وذلک قبل أن یسلم عبد الله بن أبی، فإذا فی المجلس أخلاط من المسلمین والمشرکین عبده الأوثان والیهود، وفی المسلمین عبد الله بن رواحه، فلما غشیت المجلس عجاجه الدابه خمر ابن أُبی أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علینا، فسلم رسول الله صلى الله علیه وسلم، علیهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ علیهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبی ابن سلول: أیها المرء، لا أحسن مما تقول إن کان حقاً، فلا تؤذنا به فی مجالسنا فمن جاءک فاقصص علیه، قال عبد الله بن رواحه: بلى یا رسول الله، فاغشنا فی مجالسنا. فإنا نحب ذلک، فاستب المسلمون والمشرکون والیهود حتى کادوا یتساورون، فلم یزل رسول الله صلى الله علیه وسلم یخفضهم حتى سکنوا ثم رکب رسول الله صلى الله علیه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عباده، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: (أی سعد ألم تسمع ما قال أبو حُباب ؟ یرید عبد الله بن أبی…الحدیث) وفیه کما نقل الحافظ عن ابن بطال؛ (جواز تکنیه المشرکین على وجه التألف إما رجاء إسلامهم أو لتحصیل منفعه منهم…) ؛ هذا مع أن النووی یقول فی التکنیه: ( الأدب أن یخاطب أهل الفضل ومن قاربهم بالکنیه )
ویقول: ( وقد کان الأُوَل أکثر ما یُعظّم بعضهم بعضا فی المخاطبات والمکاتبات ونحوها بالکنى ، ویرون ذلک فی غایه الرفعه ونهایه التعظیم ) أهـ. الأذکار.
وفیه جواز غشیان المشرکین فی مجالسهم ومجالستهم لأجل دعوتهم ومخاطبتهم بالحکمه واللین والموعظه الحسنه رجاء إسلامهم وقد قال تبارک تعالى: (ادع إلى سبیل ربک بالحکمه والموعظه الحسنه وجادلهم بالتی هی أحسن…) وقد قدمنا لک فی غیر هذا الموضع، ما هو من جنسه أشیاء أخرى.
والشاهد أن هذا کله جائز مشروع لا ینکره إلا غافل أو جاهل بسنه المصطفى صلوات الله وسلامه علیه وهدیه وسیرته.
ومن ثم فالتکفیر بأشیاء منه شرٌّ وأخبث من بدعه الخوارج المکفرین بالمعاصی والذنوب.
ومما ینکرونه وقد یکفر بعضهم به، مما تقدم أشیاء لا تصل إلى حد التحریم… ما لم یکن فی شیء منها إقرار على منکر أو حرام. کمصافحه الکفار والطلاقه لهم والبشاشه ونحوها… مما لا ینتهض الدلیل لتحریمه وإن کنا نکرهه لغیر حاجه دعوه أو تألف للدین ونحوه.. فلقد بلغ ببعض المتهورین أن کفروا بتعنتهم مخالفیهم ممن یصافحون عساکر الشرک والقانون أو غیرهم من الکفار، فشطوا بذلک عن جاده الحق وغلوا، ومنهم من اکتفى فی ذلک بالتبدیع أو الاتهام بالمداهنه والرکون… مع أنهم لا یعرفون دلیلاً واحداً یمنع من ذلک. ونحن وإن کنا نکره مصافحتهم، ولا نتعاطاها، إظهاراً لدعوتنا وإبداء لبراءتنا من الشرک وأنصاره، وقد سئل الإمام أحمد عن مصافحه أهل الذمه فکرهه( )، فغیرهم من الکفار المحاربین أولى على هذا عنده بالکراهه، ولکننا مع هذا لا نقول بتحریمها لعدم النص، بل نعدها فقط ذریعه قد توصل إلى الألفه، ومعلوم فی قواعد الفقه: (أن ما منع سداً للذریعه، أبیح للمصلحه) وقد تقدم… ولذلک فلا نمنع من المصافحه لمصلحه تألف أو دعوه أو لدرء مفسده ونحوها بحسب ما یقدره المسلم فی مقامه… خصوصاً إن کانت المبادره من غیر المسلم ممن لم یکشروا عن ناب العداوه للدین.
فشأن المصافحه لیس کشأن السلام الذی ورد النهی فیه صریحاً، بل جعله الشارع سبباً لمجلبه المحبه، کما فی حدیث “لا تدخلوا الجنه حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلکم على شیء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بینکم” رواه مسلم.
والمحبه إنما تستجلب ویحرص علیها بین المسلمین… وینهى عنها مع الکفار والمشرکین، ولذلک وردت النصوص صریحه تنهى عن بداءه المشرکین بالسلام.
کحدیث مسلم (لا تبدؤوا الیهود ولا النصارى بالسلام…).
وفی روایه (إذا لقیتم المشرکین فلا تبدؤوهم بالسلام… ) رواه مسلم وغیره.
هذا بخلاف المصافحه فإنه لم یصح عندنا فیها شیء ینهى عن مصافحه الکفار( ).
فلا یحل والحال کذلک تبدیع المخالفین فیها، والطعن فیهم فضلاً عن تکفیرهم!!
ومن تلک الأمور التی کفّروا بها ما قد یکون محرماً کالمداهنات التی فیها إقرار على المحرمات والمعاصی، أو فیها طاعه للکفار بمعصیه الله تعالى، ونحوه مما قد یصل إلى الکبائر ولا یصل إلى الکفر بحال.
والخلاصه؛ أنه لا تجوز التسویه بین ذلک کله، فإنه خلاف العدل والقسط الذی أنزل الله به الکتاب والمیزان.
والله جل ذکره قد بین فی کتابه أن المخالفات الشرعیه لا تستوی کلها… بل منها ما هو کفر، ومنها ما هو فسوق ومنها ما هو من العصیان.
فقال تعالى: (( وکرّه إلیکم الکفر والفسوق والعصیان…)).
والنبی صلى الله علیه وسلم بین أن الذنوب منها ما هو من جنس الصغائر، ومنها ما هو من الکبائر والموبقات.
وتقدم أیضاً أن الکفر درکات بعضه أغلظ من بعض، وبعضه زیاده فی الکفر. فلا یحل والحال کذلک ما یفعله کثیر من المتهورین من القفز مره واحده ومباشره إلى التکفیر.. بما هو من المحرمات، فضلاً عما کان من المکروهات أو المباحات والمستحبات ، کما خلط بعضهم التولی المکفر، بالمداهنه المحرمه… والمداراه.
فالشرع لا یفتقر إلى الزواجر.. حتى یبتدع ویضع له الغلاه والمتعنتون من تشدیدهم وتعنتهم وتکفیرهم زاجراً.

((۱۸))
الخلط بین التولی المکفر وبین التقیه الجائزه
ومن الأخطاء الشائعه فی التکفیر أیضاً ، الخلط بین التولی المکفر وبین التقیه الجائزه.
فالتولی المکفر: هو نصره الکفار ومظاهرتهم على الموحدین باللسان أو بالسنان، أو تولی کفرهم وشرکهم وإعانتهم علیه.. وقد قال تعالى فیه: ((ومن یتولهم منکم فإنه منهم)).
أما التقیه؛ فهی جائزه للمسلم إن خاف الکفار، کما قال تعالى: (( إلا أن تتقوا منهم تقاه ))، وهی الحذر من الکفار بإخفاء المعاداه، ومداراتهم حال الخوف منهم بشرط أن لا یعینهم على کفر أو یتولاهم أو یرتکب شیئاً من المکفرات.
فهی رخصه للمسلم المستضعف، لا یحل الطعن فی دینه أو رمیه بالنفاق لأجلها أو تکفیره بمجردها، وإلزامه بإظهار العداوه للکفار والمراغمه لأعداء الله کشرط لصحه إسلامه.
فإظهار العداوه وإن کان هو الأکمل والأفضل، وهو صفه الطائفه المنصوره القائمه بدین الله، لکن ذلک لا یلزم کل أحد، خصوصاً المستضعفین، وإنما یکفیهم منها وجود أصلها فی القلب، وما لم یناقضوه بعمل مکفر کالتولی أو نحوه، فلا یحل تکفیرهم بالتقیه وحدها، فهی شیء غیر الموالاه.
قال ابن القیم رحمه الله: (ومعلوم أن التقاه لیست بموالاه ولکن لما نهاهم الله عن موالاه الکفار، اقتضى ذلک معاداتهم والبراءه منهم ومجاهرتهم بالعداوه فی کل حال، إلا إذا خافوا من شرهم، فأباح لهم التقیه، ولیست التقیه بموالاه) أهـ بدائع الفوائد (۲/۶۹).
ومما یدل على أن التقیه غیر الموالاه المکفره… أن التقیه تجوز مع مجرد الخوف دونما إکراه.
بینما لا یجوز إظهار التولی إلا مع الإکراه الحقیقی، والخوف وحده لیس عذراً فی التولی، ولذلک أنکره الله تعالى على من تعذر به، بعد قوله (( ومن یتولهم منکم فإنه منهم )) فقال: (( فترى الذین فی قلوبهم مرض یسارعون فیهم یقولون نخشى أن تصیبنا دائره…)) الآیات.
فوصفهم تعالى بأن فی قلوبهم مرض ثم أکد سبحانه کفرهم بحبوط أعمالهم فقال تبارک وتعالى: (( حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرین )) فلم یجعل الخشیه التی هی لیست إکراها، عذراً فی إظهار التولی… بخلاف التقیه.
قال الحافظ ابن حجر فی فتح الباری فی أول کتاب الإکراه، عند ما علقه البخاری من قول الحسن البصری. “التقیه إلى یوم القیامه”: (ومعنى التقیه الحذر من إظهار ما فی النفس من معتقد وغیره للغیر)أهـ.
وقد قدمنا لک أیضاً من صحیح البخاری عن أبی الدرداء: ( إنّا لنکشر فی وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم ) ، وفی هذا إشاره إلى وجوب بقاء عداوه الکفار فی القلب حال التقیه، لأن زوالها کلیه ووجود ضدها وهو الموده لهم أو لدینهم؛ من نواقض الإیمان.
فالذی یباح ترکه حال التقیه إنما هو إظهار العداوه وإبداؤها، لا ترک أصلها. قال الشیخ عبد اللطیف بن عبد الرحمن آل الشیخ: (ومسأله إظهار العداوه غیر مسأله وجود العداوه.
فالأول: یعذر به مع الخوف والعجز، لقوله تعالى: “إلا أن تتقوا منهم تقاه”.
والثانی: لابد منه، لأنه یدخل فی الکفر بالطاغوت، وبینه وبین حب الله ورسوله تلازم لا ینفک عن المؤمن) أهـ. الرسائل المفیده.
وعلى هذا فلا یجوز إلزام المسلمین عموماً بإظهار العداوه للطواغیت وأنصارهم وإعلانها وإبدائها فی واقع الیوم وفی ظل الاستضعاف… وإلا کانوا غیر موحدین ولا مسلمین کما یطلق بعض المتهورین.
فکم من مؤمن کان یکتم إیمانه فی مکه فی زمن النبی صلى الله علیه وسلم؟ بل منهم من أمره النبی صلى الله علیه وسلم بذلک، کما فی قصه إسلام أبی ذر فی البخاری، ومحل الشاهد منها قوله صلى الله علیه وسلم: “یا أبا ذر أکتم هذا الأمر وارجع إلى بلدک، فإذا بلغک ظهورنا فأقبل…الحدیث”.
ومادامت قد قامت بإظهار الدین طائفه من الأمه وصدعت بالحق… فقد قامت بالواجب على الأمه ولا یجب ذلک على کل أحد فضلاً عن أن یجعل شرطاً لصحه الإسلام.
وإنما الشرط لذلک وجود عداوه الکفر والبراءه من المشرکین فی القلب وعدم زوالها. ولقد رأیت بعض الغلاه یتتبعون إطلاقات للشیخ محمد بن عبد الوهاب وغیره من علماء الدعوه النجدیه فی أبواب المعاداه ووجوب إظهارها للکفار وأن ذلک من مله إبراهیم ودعوه الأنبیاء والمرسلین. لیکفروا بذلک عوام المسلمین المستضعفین ممن لا یجاهرون الکفار بالعداوه، بل ربما عاملوهم بالمداراه أو التقیه.
فمن ذلک قول الشیخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فی سیاق ذکره لدعوه النبی صلى الله علیه وسلم قریشاً إلى التوحید، وما جرى منهم عند ذکر آلهتهم، بأنها لا تنفع ولا تضر… وأنهم جعلوا ذلک شتماً.
حیث قال: (فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا یستقیم له إسلام ولو وحّد الله وترک الشرک إلا بعداوه المشرکین والتصریح لهم بالعداوه والبغضاء، کما قال تعالى: “لا تجد قوماً یؤمنون بالله والیوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله… الآیه) أهـ الدرر السنیه (جزء الجهاد) ص(۹۳). ومثله قول الشیخ محمد بن عبد اللطیف آل الشیخ: (إعلم وفقنا الله وإیاک لما یحب ویرضى أنه لا یستقیم للعبد إسلام ولا دین إلا بمعاداه أعداء الله ورسوله…الخ) أهـ الدرر (جزء الجهاد)ص (۲۰۸).
فهذا وأمثاله، مع أنه لیس بدلیل شرعی، لأن کلام العلماء وفهمهم یستعان به ویستأنس به، لکن لا یستدل به بل یستدل له. ومع هذا فإنه لا حجه لهم فیه على ما ذهبوا إلیه من تکفیر العوام غیر المصرّحین بالعداوه للکفار دون أن یرتکبوا شیئاً من النواقض والمکفّرات… وذلک لأن کلامهم صریح فی عدم استقامه دین العبد وإسلامه –إن ترک ذلک – لا فی انتقاضه وکفره.
هذا ولقد کنت سقت کلام هؤلاء المشایخ وغیرهم فی کتابی (ملّه إبراهیم) تأکیداً لأهمیه إظهار العداوه والبغضاء لأعداء الله وإبداء البراءه منهم ومن شرکیاتهم.. وذلک قبل ما یزید عن أربع عشره سنه، ویومها علقت علیه بهامش طبع مع الکتاب منذ طبعته الأولى ملخصه: (إن أرید بذلک أصل العداوه فالکلام على إطلاقه، وإن أرید عموم العداوه، إظهارها وتفاصیلها والصدع بها، فالکلام فی استقامه الإسلام، لا فی زوال أصله، وللشیخ عبد اللطیف فی کتابه (مصباح الظلام) تفصیل حول هذا الموضوع، فلیراجعه من شاء، وفیه قوله: (فالذی یفهم تکفیر من لم یُصرّح بالعداوه من کلام الشیخ، فهمه باطل ورأیه ضال…) أهـ… ونحن إنما أوردنا مقولاتهم فی هذا الفصل لبیان أهمیه هذا الأصل الذی طمست معالمه عند أکثر دعاه هذا الزمان، ثم ألحقنا هذه التوضیحات –رغم وضوح الکلام- لنسد الطریق على من یحاولون الصید بالماء العکر، فیبحثون عن عمومات وأشیاء ترقع لهم رمینا بعقیده الخوارج)أهـ( ).
فالحمد لله على منّه وکرمه وفضله وهدایته أولاً وآخراً، فلیس ما نکتبه الیوم فی الضراء والقید والحبس؛ إلا عین ما کتبناه بالأمس فی السعه والسراء.
ولسنا ممن یتبنّون عقیدتهم من ردود الفعل العکسیه، أو الضغوط السجونیه أو غیرها…
اللهم یا ولی الإسلام وأهله ثبتنا علیه ومسکنا به حتى نلقاک.

((۱۹))
التکفیر بدعوى أن السکوت عن الحکام یستلزم الرضى بکفرهم
وعدم اعتبار حال الاستضعاف

ومن الأخطاء الشنیعه فی التکفیر أیضاً ؛ عدم اعتبار حال الاستضعاف،والتکفیر بدعوى أن السکوت عن الحکام الکفره ،وعدم السعی فی تغییرهم وجهادهم یستلزم الرضى بکفرهم.
فأهل السنه “یتبعون الحق، ویرحمون الخلق” .. هکذا وصفهم علماؤنا فی عقائدهم، تمییزاً لهم عن أهل البدع المشدّدین على المسلمین ، الذین لا یرحمون ضعیفاً، ولا یقیلون عثره، ولا یعذرون أحداً.
فلقد رأیت بعض الغلاه من أهل الحماس الأجوف لا یرحمون عوام المسلمین ولا یعتبرون حال الاستضعاف الذی عم المسلمین فی دیارهم الیوم. بتسلط کفره الحکام. ویحملونهم ما لا یطیقون، فیلزمونهم العمل والجهاد لتغییر کفر الأنظمه الحاکمه؛ وإلا اعتبروهم راضین بالکفر لسکوتهم عنه وعدم سعیهم فی تغییره… وقد رموا بذلک کل من قعد عن جهاد الطواغیت، ولم یعتبروا الاستطاعه ولا فرقوا بین حال القوه وحال الاستضعاف.
وربما استدلوا ببعض آیات الوعید التی یتوعد الله فیها القاعدین عن الجهاد والمتخلفین عن النفیر عند وجوبه، کقوله تعالى: (( إلا تنفروا یعذبکم عذاباً ألیماً ویستبدل قوماً غیرکم ولا تضروه شیئاً )) ولو فقه هؤلاء کلام الله تعالى، وأوجه دلالاته، لما وجدوا فی هذه الآیه ومثیلاتها ما یدل على التکفیر بذلک.. فعذاب الدنیا بل والعذاب الألیم فی الآخره لا یلزم منه التکفیر، کما قد قدمنا لک فی الأدله المحتمله، وقد علمت أن من الموحدین من قد یعذب ویدخل النار لذنوبه، سواء کانت محرمات ارتکبها، أو واجبات قصّر فیها وترکها. ثم یخرج منها برحمه الله وفضله، فیکون مصیره مصیر الموحدین (الجنه)… وقدمنا لک أن نصوص الوعید کثیر منها محتمل الدلاله، لا یجوز الجزم فیه بالتکفیر دون فهمه على ضوء النصوص المبینه الأخرى.
فلاشک أن جهاد الکفار المتسلّطین المستولین على أزمه الأمور فی بلاد المسلمین وقتالهم لدحر شرکهم ، وإخراج العباد من عبادتهم إلى عباده الله وحده، ومن ظلمات تشریعاتهم إلى عدل ونور الإسلام ، هو من إقامه التوحید فی الأرض ومن أوجب الواجبات التی افترضها الله على عباده( ).
لکن ومع هذا فإن تارک الجهاد الواجب لم یناقض بمجرد ترک الجهاد أصل الإیمان لیحکم بتکفیره…
وإنما قصّر فی الإیمان الواجب، ولذلک فالوعید فی حقه هو الوعید الذی یطلق فی حق عصاه الموحدین، لا الوعید الذی توعد الله به الکافرین.
والنار التی قد یدخلها إن لم یغفر الله له، هی النار المؤقته التی یدخلها الموحدون… لا النار المؤبده التی أعدت للکافرین وهی مصیرهم ومثواهم ودارهم ، إذ النار درکات وطبقات ، فالمنافقین فی الدرک الأسفل منها ، والطبقه التی یعذب فیها عصاه أهل التوحید عذابها مؤقت زائل فان ، بخلاف عذاب الکفار المقیم الخالد …
قال شیخ الإسلام ابن تیمیه فی الصارم المسلول ص (۵۳-۵۴): (ومما یبین الفرق أیضاً أنه سبحانه وتعالى قال: (( وأعد لهم عذاباً مهینا)) (الأحزاب: ۵۳)، والعذاب إنما أعد للکافرین، فإن جهنم لهم خلقت، لأنهم لابد أن یدخلوها، وما هم منها بمخرجین، وأهل الکبائر من المؤمنین یجوز أن لا یدخلوها إذا غفر الله لهم، وإذا دخلوها فإنهم یخرجون منها ولو بعد حین. قال سبحانه: (( واتقوا النار التی أعدت للکافرین )) فأمر سبحانه المؤمنین أن لا یأکلوا الربا، وأن یتقوا الله، وأن یتقوا النار التی أعدت للکافرین، فعلم أنهم یخاف علیهم من دخول النار إذا أکلوا الربا وفعلوا المعاصی مع أنها معده للکفار، لا لهم، وکذلک جاء فی الحدیث (أما أهل النار الذین هم أهلها، فإنهم لا یموتون فیها ولا یحیون)( ). وأما أقوام لهم ذنوب یصیبهم سفع من نارٍ ثم یخرجهم الله منها) أهـ.
فلابد من التمییز بین نوعی الوعید، کی لا یحصل الخلط، بین الأعمال المکفره وغیرها..
ثم التکفیر کما قدمنا لک لابد أن یکون بأدله الشرع الصریحه القطعیه الدلاله، … أما الاعتماد على نصوص الوعید المطلقه وحدها.. فإنها مزله لمن لم ترسخ قدمه فی العلم والفهم. لأن الشارع کثیراً ما یطلق الوعید فی غیر المکفرات الناقله عن المله… تنفیراً وتحذیراً وترهیباً من بعض الذنوب الخطیره وزجراً عنها.
وهذا أمر ظاهر بیّن معروف لمن تتبع أدله الشرع، وتدبر خطاب الله تبارک وتعالى لعباده… ولذلک کره السلف تأویل نصوص الوعید سواء ما ورد فیه لفظ الکفر فی ذنوب معینه، أو غیر ذلک من التخویف بعذاب النار أو نحوه، حتى لا یتجاسر الناس على الذنوب التی توّعد الشارع بذلک علیها أو یستهینوا بشأنها، فإن معصیه سمّاها الله کفراً، أو غلظ الوعید فیها، لیست کغیرها.. إلا أن یخافوا على السامع سو ء الفهم الذی أُتی منه الخوارج ویفصلوا ویؤولوا له، کما قد فعلنا ها هنا.
قال الحافظ فی الفتح (کتاب الفتن) عند حدیث “من حمل علینا السلاح فلیس منا” بعد أن ذکر بعض تأویلات العلماء فی قوله؛ “لیس منا”: (والأولى عند کثیر من السلف إطلاق لفظ الخبر من غیر تعرّض لتأویله لیکون أبلغ فی الزجر، وکان سفیان بن عیینه ینکر على من یصرفه عن ظاهره، فیقول؛ معناه لیس على طریقتنا، ویرى أن الإمساک عن تأویله أولى لما ذکرناه)أهـ.
هذا وسیأتی أن الأزارقه من الخوارج کان من مقالاتهم: (أن القعده عن القتال معهم مشرکون)، واستدلوا لذلک بقوله تعالى: (وقعد الذین کذبوا الله ورسوله) وبقوله (( فلما کتب علیهم القتال إذا فریق منهم یخشون الناس کخشیه الله أو أشد خشیه)) (النساء: ۷۷).
أما الآیه الأولى فإنها فی المنافقین الذین اطلع الله تعالى على تکذیبهم الباطن، وقد علمت أن أسباب التکفیر فی الدنیا لا تربط بهذا الأمر الذی لا یطلع علیه إلا الله، ولذلک لم یؤاخذهم النبی صلى الله علیه وسلم به، وهذه الآیه وردت فی شأن المتخلفین عن غزوه تبوک ومعلوم أنه لیس کل من تخلف عنها کان من المنافقین الذین کذبوا الله ورسوله، بل کان فیهم ثلاثه من خیار أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم.
ولیسوا هم قطعاً ممن کذب الله ورسوله، ولا کفروا بتخلفهم عنه، ویوضح هذا أن تمام الآیه (( سیصیب الذین کفروا منهم عذاب ألیم )) (التوبه: ۹۰).
فهی ظاهره فی أن الذین قعدوا لیس جمیعهم ممن کذب الله ورسوله، بل منهم من کان کافراً، ومنهم من لم یکن کذلک، فظهر أن سبب کفرهم عند الله، لم یکن القعود والتخلف، بل التکذیب الباطن الذی لم یؤاخذهم به النبی صلى الله علیه وسلم فی الدنیا لأنهم لم یظهروه.
وأما الآیه الثانیه؛ فقد قیل أیضاً أنها فی المنافقین لما حکاه الله فیها عنهم (( وقالوا ربنا لم کتبت علینا القتال لولا أخرتنا … الآیه)) وقیل هی فی غیرهم، وعلى کل حال فإن مما یبین هذه الآیات ویفسرها هی وغیرها من الآیات التی تتوعد على ترک الجهاد قوله تعالى فی سوره النساء نفسها وبعد هذه الآیات بقلیل: (( لا یستوی القاعدون من المؤمنین غیر أولی الضرر والمجاهدون فی سبیل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدین بأموالهم وأنفسهم على القاعدین درجه وکلاً وعد الله الحسنى…))(۹۵). فتأمل کیف بین الله أن فی القاعدین عن الجهاد بغیر عذر، مؤمنین وأنه وعد کلاً من القاعدین والمجاهدین الحسنى لإیمانهم، وإن کان المجاهدون أعظم درجه.
والشاهد من هذا کله أن التوعد على ترک الجهاد الواجب بالعذاب الألیم أو الوعید لمن لم یغز أو یحدث نفسه بالغزو بأنه یموت على شعبه من نفاق( ) أو نحو ذلک مما توعدت به الشریعه المقصرین فی الواجبات، کل ذلک ونحوه من الآیات التی استدل بها الخوارج على تکفیر القعده لا یصلح ولا یکفی وحده للدلاله على التکفیر. ومن ثم فلا یجوز تکفیر عوام المسلمین بسبب قعودهم أو تقصیرهم فی تغیر واقع الأنظمه المرتده أو بدعوى سکوتهم عن الحکام الکفره.
فقد دلت أدله الشرع المبینه لهذا أنه مقید بالاستطاعه.
حیث قال تبارک وتعالى: (( وأنزلنا إلیک الذکر لتبین للناس ما نُزّل إلیهم ولعلهم یتفکرون )) (النحل: ۴۴).
فنظرنا فی بیان النبی صلى الله علیه وسلم لذلک، فوجدناه قد قال فی الحدیث الذی یرویه مسلم عن أبی سعید الخدری: (من رأى منکم منکراً فلیغیره بیده فإن لم یستطع فبلسانه فإن لم یستطع فبقلبه وذلک أضعف الإیمان).
فدل هذا البیان على أمرین فی هذا الباب، الأول؛ أن وجوب السعی فی التغییر منوط بالاستطاعه، والثانی؛ أن الساکت لا یجوز تقویله ما لم یقله أو الحکم علیه بالرضا عن المنکر الذی لم یستطع تغییره، ما لم یظهر ذلک الرضا بقول أو عمل، إذ الحدیث یبین أن الساکت قد یکون منکراً بقلبه، فیبقى بذلک من أهل الإیمان وإن کان إیمانه ضعیفاً. فضعف الإیمان شیء غیر الکفر.
ولاشک أن ضعف الإیمان ووهنه قد دب وفشا فی کثیر من المسلمین، وهذا من أسباب تسلط الطواغیت والمرتدین علیهم. ولکن للتکفیر أسبابه الظاهره المنضبطه وأدلته الصریحه الواضحه.
ثم وجدناه صلى الله علیه وسلم قد زاد الأمر بیاناً وإیضاحاً فی حدیث آخر لمسلم عن عبد الله بن مسعود؛ فقال: “ما من نبی بعثه الله فی أمهٍ قبلی ؛ إلا کان له من أمته حواریون وأصحاب، یأخذون بسنته ویقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف یقولون ما لا یفعلون، ویفعلون ما لا یؤمرون، فمن جاهدهم بیده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ولیس وراء ذلک من الإیمان حبه خردل”.
فدل هذا على أن المنکر بقلبه إن اجتنب باطلهم مجاهد لا یجوز نسبته إلى الرضا عنهم ما لم یظهر ذلک بقول أو عمل وهو مؤمن لا یحل تکفیره بالظن والخرص والاحتمالات.
ثم زاده صلى الله علیه وسلم بیاناً وبیاناً بما رواه مسلم أیضاً عن أم سلمه: (إنه یستعمل علیکم أمراء، فتعرفون وتنکرون، فمن کره فقد برئ، ومن أنکر فقد سلم، ولکن من رضی وتابع).
قال النووی فی شرح کتاب الإماره من صحیح مسلم: (“فمن کره فقد برئ” معناه من کره ذلک المنکر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا فی حق من لا یستطیع إنکاره بیده ولا لسانه فلیکرهه بقلبه ولیبرأ…) إلى قوله: (“ولکن من رضی وتابع” معناه ولکن الإثم والعقوبه على من رضی وتابع، وفیه دلیل على أن من عجز عن إزاله المنکر لا یأثم بمجرد السکوت، بل إنما یأثم بالرضى به أو بأن لا یکرهه بقلبه أو بالمتابعه علیه) أهـ.
ففی هذا البیان أن إنکار المسلم وکراهته بالقلب براءه له من الکفر والظلم، مادام مجتنباً لباطلهم غیر متلطخ بکفرهم ولا معین أو متابع لهم…
وفیه أن المذموم الهالک إنما هو من تابع ورضی أو ناصر وأعان… والرضى القلبی وإن کان من أسباب الکفر، لکنه لما امتنع علینا ضبطه واعتباره لم ینط به التکفیر فی أحکام الدنیا، إلا أن یظهر بقول أو عمل، کالمتابعه التی قرنها رسول الله صلى الله علیه وسلم فیه بالحدیث ، ومن ذلک الانحیاز إلى طائفتهم وحدّهم المحاد لله ،أو الانضمام إلى عدوتهم المعادیه لأولیائه، أوالامتناع بشوکتهم وشقهم المشاق لشرعه ، فمن أظهر مثل هذا فإنه منهم وحکمه حکمهم ، ویحق أن ینسب إلى الرضى عنهم وعن کفرهم ولو لم یصرح بذلک بلسان المقال ، فإن لسان الحال أبلغ فی کثیر من الأحیان ، ولذلک نص العلماء على أن حکم الردء فی الطائفه الممتنعه المحاربه حکم المباشر ، وعلیه جرى العمل وجهاد المسلمین وقتالهم للطوائف فی القرن الأول ؛ ولا یقال أن الردء ساکت فکیف ینسب إلیه الرضى ؛ بل الردء متابع مناصر متحیز إلى حدهم وشقهم وعدوتهم وطائفتهم المحاربه لدین الله وهذا عمل مکفر..
فمن تابعهم على کفرهم بقول أو عمل بغیرما إکراه فقد رضی وقد شرح بالکفر صدراً. کما قال شیخ الإسلام فی قوله تبارک وتعالى: (( إلا من أکره وقلبه مطمئن بالإیمان ولکن من شرح بالکفر صدراً فعلیهم غضب من الله ولهم عذاب عظیم)) (النحل: ۱۶). قال: (فإنه من کفر من غیر إکراه فقد شرح بالکفر صدراً…) (وإذا تکلم بکلمه الکفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهی کفر…)أهـ (ط دار ابن حزم) (۷/۱۴۰).
أما من لم یظهر منه قول أو عمل یدل على الرضا، فلا یحل نسبه الرضى إلیه بمجرد سکوته. ولذلک نص الفقهاء فی قواعدهم الفقهیه أنه (لا ینسب إلى ساکت قول)( ).
وأخیراً فلقد قال تعالى: (( ولقد بعثنا فی کل أمه رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت علیه الضلاله.. )) فمن أتى بما ظهر من أصل الإیمان ، وکان مجتنباً للکفر غیر متابع ولا مناصر له، فهو ممن هدى الله تعالى فی أحکام الدنیا الظاهره عندنا ، فإن صدّق باطنه ظاهره ؛ فَکَرِه الکفر وأنکره بقلبه؛ فقد برئ من الکفر على الحقیقه –عند الله أیضاً- وإن لم یسع فی تغییره وجهاده لعجز أو تقصیر.
فکیف إذا أضیف إلى هذا واعتبر معه واقع الاستضعاف الذی یعیشه المسلمون الیوم، والذی یجوز للمسلم المستضعف فیه أن یأخذ بالتقیه فیکتم عداوته للکفار ، أو یعمل بنصوص العفو والصفح والصبر…؟
قال شیخ الإسلام ابن تیمیه فی الصارم المسلول ص(۲۲۱): (وصارت تلک الآیات [أی: آیات الصفح والصبر والإعراض عن الکفار والمنافقین] فی حق کل مسلم مستضعف لا یمکنه نصر الله ورسوله بیده ولا بلسانه، فینتصر بما یقدر علیه من القلب ونحوه، وصارت آیه الصغار على المعاهدین فی حق کل مؤمن قوی یقدر على نصر الله ورسوله بیده أو لسانه، وبهذه الآیه ونحوها کان المسلمون یعملون فی آخر عمر رسول الله صلى الله علیه وسلم وعلى عهد خلفائه الراشدین، وکذلک هو إلى قیام الساعه لا تزال طائفه من هذه الأمه قائمین على الحق ینصرون الله ورسوله النصر التام، فمن کان من المؤمنین بأرض هو فیها مستضعف أو فی وقت هو فیه مستضعف فلیعمل بآیه الصبر والصفح والعفو عمن یؤذی الله ورسوله من الذین أوتوا الکتاب والمشرکین، وأما أهل القوه فإنما یعملون بآیه قتال أئمه الکفر الذین یطعنون فی الدین وبآیه قتال الذین أوتوا الکتاب حتى یعطوا الجزیه عن ید وهم صاغرون) أهـ.

((۲۰))
إطلاق حکم التکفیر ولوازمه على أزواج وأولاد عساکر الشرک والقوانین
أو نحوهم من المرتدین وعدم مراعاه حال الاستضعاف
ومن الأخطاء الشنیعه فی التکفیر أیضاً إطلاق حکم التکفیر ولوازمه على أزواج وأولاد عساکر الشرک والقوانین أو نحوهم من المرتدین وعدم مراعاه حال الاستضعاف ؛وهذا من الأخطاء الشنیعه التی خاض فیها بعض المتهورین والمتحمسین فی زماننا، مع أن تکفیر الطواغیت وأنصارهم من عساکر الشرک والقوانین أو غیرهم ممن ینتسبون للإسلام ویحسبون أنهم یحسنون صنعاً، لا یلزم منه فی هذا الواقع المریر الملتبس، تکفیر أولادهم أو زوجاتهم أو آباءهم المظهرین للإسلام، فما لم یظهر أحدهم سببا من أسباب الکفر الظاهره، فبأی شیء یکفر؟؟ خصوصاً إن کانوا ممن لا یستطیعون حیله ولا یهتدون سبیلاً؟
فقد قال تعالى: (( أم لم ینبأ بما فی صحف موسى وإبراهیم الذی وفى * ألا تزر وازره وزر أخرى)). وقال سبحانه: (( ولا تزر وازره وزر أخرى، وإن تدع مثقله إلى حملها لا یحمل منه شیء ولو کان ذا قربى)).
وقال تبارک وتعالى: (( وضرب الله مثلا للذین آمنوا امرأه فرعون إذ قالت رب ابن لی عندک بیتاً فی الجنه ونجّنی من فرعون وعمله ونجنی من القوم الظالمین)) (التحریم: ۱۱).
فهذه امرأه صالحه، بل من خیر نساء العالمین، کانت تحت أخبث أهل الأرض وأکفرهم، وأشدهم حرباً للدین فی زمانه.
یقول شیخ الإسلام عند قوله تعالى (( احشروا الذین ظلموا وأزواجهم وما کانوا یعبدون)) (الصافات: ۲۲). بعد أن بین بأن المراد بأزواجهم؛ نظراؤهم وأشباههم وقرناؤهم وأتباعهم، قال رحمه الله: (ولیس المراد أنه یحشر معهم زوجاتهم مطلقاً؛ فإن المرأه الصالحه قد یکون زوجها فاجراً، بل کافراً، کامرأه فرعون) مجموع الفتاوى (۷/۴۵).
والسیره النبویه المطهره، وسیره السلف الصالح وصدر هذه الأمه فیها من الأمثله الکثیره التی یؤخذ فیها الزوج الکافر أو المرتد وتترک زوجته، وتعامل معامله المسلمین لإسلامها، ولعدم ثبوت الرده علیها..
* ومن أشهر الأمثله على ذلک؛ زینب بنت رسول الله صلى الله علیه وسلم، زوّجها رسول الله صلى الله علیه وسلم لأبی العاص بن الربیع وهو على شرکه وهو ابن أخت خدیجه بنت خویلد، وذلک قبل أن ینزل الوحی علیه، ولما نزل علیه الوحی دعاه إلى الإسلام، فأبى وثبت على شرکه، وأسلمت زینب وأقامت على إسلامها وهو على شرکه حتى هاجر رسول الله صلى الله علیه وسلم، وبقیت ابنته تحت أبی العاص فی مکه، من جمله النساء والولدان والمستضعفین الذین لا یستطیعون حیله ولا یهتدون سبیلا، وبقیت عنده على ذلک وهو مقیم على شرکه، إلى أن کان یوم بدر وخرج أبو العاص مقاتلاً مع کفار قریش وأصیب فی الأسارى، ولما بعث أهل مکه فی فداء أسراهم بعثت زینب بنت رسول الله صلى الله علیه وسلم فی فداء أبی العاص بمال وبعثت فیه بقلاده لها کانت خدیجه أدخلتها بها على أبی العاص حین بنى علیها، فلما رآها رسول الله صلى الله علیه وسلم رقَّ لها وقال: إن رأیتم أن تطلقوا لها أسیرها وتردوا علیها الذی لها فافعلوا، فأطلقوه، وأخذ رسول الله صلى الله علیه وسلم علیه وعداً بأن یخلی سبیل زینب، فلما خلى سبیل أبی العاص وخرج إلى مکه بعث رسول الله صلى الله علیه وسلم زید بن حارثه ورجلا من الأنصار لیکونا قرب مکه إلى أن تمر بهما زینب فیصحبانها حتى یأتیانه بها، فخرجا إلیها ، وذلک بعد بدر بشهر.. إلى آخر القصه وفیها أن کفار قریش اعترضوها بادئ الأمر ثم أذنوا لها، وفیها أن زوجها أبی العاص خرج تاجراً إلى الشام وأنه لما قفل اعترضته سریه رسول الله صلى الله علیه وسلم فأصابوا ما معه وهرب أبو العاص، ثم أقبل إلى المدینه حتى دخل على زینب فاستجار بها فأجارته فی طلب ماله، وذلک کله قبل أن یسلم..
والقصه مشهوره معروفه فی السیره وکتب التاریخ وأجزاء منها رواها أصحاب السنن
فهذه ابنه رسول الله صلى الله علیه وسلم بقیت مستضعفه تحت رجل مشرک محارب مده، ولم یقدر المسلمون على تخلیصها منه إلى أن أعز الله الإسلام فی بدر وأمکن الله من زوجها، ثم سعت فی فدائه، ولم یخدش ذلک کله فی إسلامها.. کونها کانت مستضعفه.
وکذلک کان حال غیرها من النساء المؤمنات ممن أسلمن فی مکه، ولم یتمکنّ من الهجره، وکنّ ممن قال الله تعالى فیهم: (( ولولا رجالٌ مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصیبکم منهم معرّه بغیر علم لیدخل الله فی رحمته من یشاء لو تَـزَیلوا لعذبنا الذین کفروا منهم عذاباً ألیماً )) ( الفتح – ۲۵ ).
فسماهن الله مؤمنات رغم إقامتهن فی دار الکفر، ومنهنّ من کانت تحت کافر، ولم یخدش ذلک فی إسلامهن لاستضعافهنّ..
وقال تعالى أیضاً: (( إلا المستضعفین من الرجال والنساء والولدان لا یستطیعون حیله ولا یهتدون سبیلا * فأولئک عسى الله أن یعفو عنهم وکان الله عفواً غفوراً )) ( النساء ۹۸-۹۹ ).
* ومثل ذلک ( آزاد ) زوجه ( شهر بن باذان ) عامل الرسول صلى الله علیه وسلم ووالی المسلمین فی الیمن، الذی قتله الأسود العنسی وتغلّب على صنعاء، وتزوّج زوجته المسلمه التی ثبتت على إسلامها، ولم تصدّق بنبوته المدعاه، ولکنها لم تظهر ذلک، بل بقیت مستضعفه تحته إلى أن قتله ابن عمها ( فیروز الدیلمی ) بتنسیق معها.
یقول ابن کثیر فی البدایه والنهایه ( ۶/۳۰۸ ) عن الأسود: ( وتزوج بامرأه شهر بن باذام وهی ابنه عم فیروز الدیلمی، واسمها أزاد، وکانت امرأه حسناء جمیله، وهی مع ذلک، مؤمنه بالله ورسوله محمد صلى الله علیه وسلم ومن الصالحات) أهـ.
* والمختار بن أبی عبید الثقفی الکذاب أیضاً، کانت تحته امرأتان کلاهما ابنه صحابی ، الأولى أم ثابت بنت سمره بن جندب، والثانیه عمره بنت النعمان بن بشیر. فقد تزوجهما قبل أن یدعی النبوه ویرتد، ولما تمکن مصعب بن الزبیر ومن معه من المسلمین من المختار وقتلوه، لم یحکموا بکفر هاتین المرأتین مباشره لمجرد کونهما زوجتا الکذاب المرتد، فقد کانتا بالأصل مسلمتین، ولذلک جاء مصعب بهما وسألهما عنه، فقالت الأولى: (ما عسى أن أقول فیه إلا ما تقولون أنتم فیه)( ) فترکها. واستدعى الثانیه فقالت: ( رحمه الله لقد کان عبداً من عباد الله الصالحین )، فسجنها وکتب إلى أخیه عبد الله بن الزبیر یسأله ما یفعل بها ، ویقول: (إنها تقول إنه نبی) فکتب إلیه؛ أن أخرجها فاقتلها، فقتلها…( ).
وهذا کان فی الصدر الأول … فکیف مع واقع الاستضعاف الذی یعیشه المسلمون الیوم، وفی ظل عدم وجود الدوله المسلمه التی ترعى بسلطانها وأحکامها شؤون المسلمین وأعراضهم ودماءهم وأنفسهم، ویکون السلطان فیها ولی من لا ولی لها، أو من کان أولیاؤها من المرتدین أو من المشرکین ؛ فیفرق بین المؤمنات والکفار، وبین الخبیثین والطیبات.. کما أمر الله تعالى فی کتابه: (( فإن علمتموهنّ مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الکفار لا هنّ حلٌ لهم ولا هم یحلون لهنّ )).
فکم فی أوضاع الیوم الجاهلیه ومجتمعات العصر الخبیثه من امرأه صالحه مستضعفه أکرهها أهلها على الزواج من المرتدین أو المشرکین ممن یرونهم ویحسبونهم من المسلمین..
ومعلوم أن عذر الإکراه لا یشدد فی شروطه بحق المرأه المستضعفه کما هو فی حق الرجال الأقویاء.. (( لا یکلف الله نفساً إلا وسعها )).. (( لا یکلف الله نفساً إلا ما آتاها )).
والقوانین الکفریه المسلطه على رقاب المسلمین، ومحاکمها التی تقضی وتفرض قراراتها بموجبها، – حتى تلک التی یسمونها شرعیه – لا تفرّق کما نص دستورهم الذی هو أبو القوانین عندهم، بین الناس فی الدین، فلا عقوبه فی قوانینهم على الرده ، ولا أثر لها فی التفریق بین الناس فی الولایه أو النکاح أو المواریث أو غیرها، بل یستوی فی ذلک وفی غیره عندهم المجرمون والمؤمنون، والخبیثون والطیبون، والکافرون والمسلمون..
بل تعدى الأمر ذلک إلى حمایه المرتدین ورفعهم فوق المسلمین، وإقرار ولایتهم فی الحکم والزوجیه والنکاح وغیره على المسلمین، معانده لقوله تعالى وأمره: (( ولن یجعل الله للکافرین على المؤمنین سبیلا )) فلا تصح فی شرع المسلمین ولایه المرتد على المسلمه سواء کان والداً أم حاکما أم قاضیاً، أما فی شریعه القوانین الوضعیه، فقد اختلط الحابل بالنابل وعم فی ذلک البلاء.
ومما زاد الطین بله استهتار المسلمین وتهاونهم بالأحکام الشرعیه، وجهلهم فی أصول دینهم وفروعه وعدم تمییزهم بین الکفر والإیمان، والتندید والتوحید، واغترارهم بصلاه وصیام کثیر من المرتدین ممن هم حرب على الدین وأهله، سلم للشرک والمشرکین، ثم یحسبون أنهم مهتدون وأنهم مسلمون مؤمنون، فناکحوهم ، وولوهم أمر کرائمهم من المؤمنات. وعم بذلک البلاء. خصوصاً فیما بین القرابات. فالتبصر بأحکام تکفیر الطواغیت وأنصارهم من حراس الشرک والتندید الیوم أمر أهمله وقلّل من شأنه وأعرض عن معرفته کثیر من الخواص فضلاً عن العوام، فأثمر هذه الثمره الخبیثه، وقد قدمنا لک شیئا من أهمیه أحکام الکفر والإیمان، وما یتعلق بها من آثار، وأن هذا شیء من ذلک.
فمراعاه هذا کله والتنبه إلیه، یُعرّف المسلم بحقیقه وجود المسلمات المستضعفات اللاتی لا یملکن من أمرهن شیئا، ولا یجدن فی هذا الواقع المریر وفی ظل قوانین الکفر من یُخَلصهن، أو یفرق بینهن وبین الکفار بالعدل دون هضم حقوق أو ضیاع أولاد، فی ظل ظلم القوانین الوضعیه وجورها.. ویُعرفه بأنه لا یصح إطلاق أحکام التکفیر للمظهرین للإسلام من النساء والولدان لمجرد ولایه آبائهم أو أزواجهم المرتدین من عساکر الشرک أو غیرهم ممن یحسبون أنهم مسلمون. والحکم بالتبعیه للوالدین إنما یذکره الفقهاء، لمن لا یعقل أو لا یعرب عن نفسه من مجنون أو ولید أو نحوه، أما من أظهر الإسلام، فلا یحل أن یکفر بالتبعیه، بل لا یُکفّر إلا بسبب ظاهر من أسباب الکفر القولیه أو العملیه، فقد تقدم أن الحکم بالتبعیه معناه الحکم بالاستصحاب وهو من أضعف الأدله بحیث یقدم علیه أدنى ظاهر من خصائص الإسلام.
وإذا کان النبی صلى الله علیه وسلم قد نهى عن قتل نساء وصبیان الکفار الأصلیین إلا أن یقاتلوا، أو یقتلوا دون قصد فی البیات حتى اتفق جمیع العلماء (کما نقل ابن بطال وغیره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الکفر)( ).
فکیف بمن کان مظهراً للإسلام من النساء والولدان أفیؤاخذوا بجریره آبائهم وأزواجهم مع أنهم قد یکونون ممن لا یستطیعون حیله ولا یهتدون سبیلا ، ولیس لهم من یخلّصهم وینصرهم ویتولاهم…؟
أضف إلى هذا أننا نعذر المخالفین لنا فی عدم تکفیرهم لعساکر الشرک وأنصار الطواغیت لشبهات ظنوها موانع شرعیه تمنع من تکفیرهم، ما لم یرتبوا على ذلک سبباً ظاهراً من أسباب التکفیر من موالاه لهم أو مناصره على شرکهم وکفرهم أو مظاهره لهم على الموحدین.. أما مجرّد نکاح المسلمه الجاهله لبعض جند الطواغیت ممن تظن فیه الإسلام والإیمان لعبادته وصلاته، فلیس بسبب من أسباب التکفیر الظاهره ، وإن کان من الضلال والجهل الذی عمّ بین المسلمین ویوجب على الدعاه مزیداً من الدعوه والبیان لتطهیر المسلمین من رجس هذه المنکرات.. ( )
وهذا یعرفک، إننا بفضل الله تعالى نستبریء لدیننا ونحتاط فی أبواب التکفیر، ولیس الأمر کما یدعی خصومنا ویفترون من أننا نکفر بالعموم دون تفصیل، فکم قد أنکرنا مثل هذا الخطأ ولوازمه على کثیر من الجهال… بل وأنکرنا مراراً وتکراراً طعن مخالفینا أنفسهم فی أعراض ونساء وبنات الطواغیت وأنصارهم من جند القوانین مع أنهم لا یکفرون الطواغیت ولا أنصارهم…
فطالما سمعناهم یقذفون الطواغیت وأنصارهم ویشتمونهم بفاحش الأقوال، إذا ما ظلموهم أو هضموا بعض حقوقهم، ویقذفون نساءهم وأخواتهم بأفحش القول وأقذع الألفاظ، ولقد کان بعضهم یعجبون من إنکارنا علیهم ذلک وأمثاله، وتشدیدنا فیه رغم تکفیرنا للطواغیت وأنصارهم، فنبیّن لهم بأننا نکفرهم بأدله الشرع ولا نتعدى ذلک.
أما هم فیقذفونهم ویقذفون نساءهم بمحض الهوى، وردود الفعل غیر المنضبطه بضوابط الشرع، وبدافع الشهوه الغضبیه دونما دلیل، مع أنهم لا یکفرونهم، بل یعدونهم من المسلمین، ویخاصموننا فی تکفیرهم…!!
وحتى لو کان بعضهم یکفر الطواغیت، فهذا لا یبرر ذلک أو یسوّغه، فالخوض فی الأعراض یجب أن یترفع عنه الدعاه، وهو لا یلیق بأخلاق المؤمنین، ولقد أنکر العلماء قذف الکافره، وجعل بعضهم فی قذف الذمیه التعزیر، وذلک حتى لا یتجرأ الناس على الأعراض، ویکون ذلک ذریعه إلى استساغه فحش القول وبذیئه، أو یصیر ذریعه إلى تقحم قذف المحصنات المؤمنات، ولاحتمال وجود ابن أو أخ أو قریب مسلم للکافره، یؤذیه قذفها والطعن فی عرضها… ولذلک أفتى سعید بن المسیب وابن أبی لیلى بالحد على من قذف ذمیه لها ولد مسلم، مع أن من شروط حد القذف عند جماهیر العلماء ؛ الإسلام..
وذلک لأن الطعن فی الأعراض یعم شرره مَن حول المرأه من الأصول والفروع؛ ولا تخلو أحوال عساکر الشرک والطواغیت الیوم من وجود المسلم فی فروع أو أصول نسائهم، هذا إن لم تکن نساؤهم أنفسهن من المسلمات المستضعفات.
یقول شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ص (۴۵-۴۶): (ولعل ما یلحق بعض الناس من العار والخزی بقذف أهله أعظم مما یلحقه لو کان هو المقذوف، ولهذا ذهب الإمام أحمد فی إحدى الروایتین المنصوصتین عنه إلى أن من قذف امرأه غیر محصنه کالأمه والذمیه، ولها زوج أو ولد محصن حُدّ لقذفها، لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنین، والروایه الأخرى عنه.. وهو قول الأکثرین إنه لا حد علیه؛ لأنه أذى لهما لا قذف لهما، والحد التام إنما یجب بالقذف) أهـ.
ولذلک کما قلنا رأى بعض العلماء التعزیر على مثله، وبعضهم رأى الحد.
فأین أولئک المتهورون من فقه العلماء وورعهم.. ؟؟
ولقد سمعت بعضهم مره یقذف قاضیاً ظلمه، باللواط. ، ویسبه بألفاظ الفاحشه..
فأنکرت علیه ذلک، وقلت له: هذا قذف لإنسان تعتقد فیه الإسلام !! وذلک یحتاج إلى بینه ؛ ولا بینه عندک، وأنتم تشنعون علینا تکفیر أمثال هؤلاء، مع أننا نحشد لکم عشرات البینات والبراهین!!
فما کان جوابه إلا أن استدل بقوله تعالى: (( لا یحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم…)). وقال: وهل السوء إلا مثل هذا…!!
واحترت یومها من أی شیء أعجب، أمن ورعهم البارد فی تکفیر الطواغیت مع کثره الأدله وشهرتها، أم من جرأتهم على النصوص الشرعیه، وتلاعبهم فی تفسیرها على ما یشتهون بمحض الرأی والهوى.. ؟ إذ أن السوء الذی جوّز الله الجهر به هنا – کما ذکر العلماء- هو جواز غیبه المظلوم لظالمه فی ذکر مظلمته والتحذیر من الظالم وظلمه… ولیس المراد قطعاً الافتراء علیه وقذفه.
هذا وکثیرا ما کنت أنبه هؤلاء، إلى أن شأن الطعن فی الأعراض وقذف النساء على وجه الخصوص، قد شدّد فیه الشارع من حیث طرق الإثبات الشرعیه أکثر من التکفیر.
ففرض فی الزنا أربع شهود یعاینون الزنا الصریح، وفی التکفیر یکتفى بشاهدین سمعا القول المکفر، أو شاهدا الفعل المکفر الصریح الدلاله( ).
کما أوجب حد الفریه على من قذف غیره بالزنا دون من قذفه بالکفر، فلیس فی ذلک لمن صدر منه التکفیر لمسلم کمسبه لا تأویلا إلا التعزیر، کما روى البیهقی عن علی: (إنکم سألتمونی عن الرجل یقول للرجل: یا کافر! یا فاسق! یا حمار! ولیس فیه حد، وإنما فیه عقوبه السلطان، فلا تعودوا فتقولوا).
وقال ابن القیم: (وأما إیجاب حد الفریه على من قذف غیره بالزنا دون الکفر ففی غایه المناسبه، فإن القاذف غیره بالزنا لا سبیل للناس إلى العلم بکذبه، فجعل حد الفریه تکذیباً له، وتبرئه لعرض المقذوف، وتعظیماً لشأن هذه الفاحشه التی یجلد من رمى بها مسلماً، وأما من رمى غیره بالکفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمین علیها کافٍ فی تکذیبه، ولا یلحقه من العار بکذبه علیه فی ذلک ما یلحقه بکذبه علیه فی الرمی بالفاحشه، ولا سیما إن کان المقذوف امرأه، فإن العار والمعرّه التی تلحقها بقذفه بین أهلها وتشعب ظنون الناس وکونهم بین مصدق ومکذب لا یلحق مثله بالرمی بالکفر ) أهـ إعلام الموقعین (۲/۶۴).
فهذا هو شأن التکفیر الذی تعظوننا فیه لیل نهار، مع أن کفر القوم الذین تخالفوننا فی تکفیرهم، أوضح من الشمس فی رابعه النهار، فهو ظاهر معلوم مستفیض، أشهر من أن یحتاج إلى شاهدین، إذ هم یقرون به، ویشهدون على أنفسهم بالکفر لیل نهار، بل ویفاخرون بذلک جهاراً بإعلانهم الولاء والنصره للقوانین الوضعیه الکفریه وأربابها، وبالقسم على احترامها، والسهر على حمایتها وحراستها أو المشارکه فی تشریعها، أو محاربه أعدائها من الموحدین المتبرئین منها ومظاهره المشرکین علیهم فی کل مکان..
أما قذف نساءهم اللاتی لا یقطع بکفرهن فذلک هو شأنه؛ ومع هذا فإن کثیرا من خصومنا یتقحّمونه دوماً دون ورع أو تقوى، مع أنه یحتاج إلى أربعه شهود یرون الزنا عیاناً کما یرى المیل فی المکحله، فإن نکص أحدهم عن الشهاده أو تلکأ ونکل؛ حدّ الثلاثه الباقون ثمانین جلده حدّ الفریه، وأسقطت عدالتهم وکانوا من الفاسقین.
* هذا ولا یفوتنی أن أنبه أیضا هنا، إلى ما أنکره دوما على بعض المتحمسین الذین یتندرون ببعض لوازم الکفر الأصلی، فیخلطونها فی کفر الرده، ویتفاکهون بذکر سبی نساء الطواغیت أو نساء عساکرهم ونحوه.. وأن ذلک دلیل على جهل مفرط بأحکام الشرع، وتهور واستخفاف باقتحام المحرمات إذ قد عرفت مما مضى أن احتمال کون أولئک النساء من المسلمات الصالحات المستضعفات وارد جداً.
ثم هب أن التکفیر قد ثبت عند هؤلاء المتهورین ثبوتاً شرعیاً!! فإنّ کفرهن والحال کذلک کفر رده لادعائهن الإسلام. وإذا کان الأمر کذلک، أفلم یعلموا أن الصحیح من أقوال العلماء هو عدم جواز سبی المرتده؛ لأن فی سبیها إقرارها على الرده، والمرتد لا یقر بین المسلمین بحال ، لحدیث: (من بدل دینه فاقتلوه ) رواه الجماعه إلا مسلما، وجاء فی بعض روایات حدیث معاذ وحسّن إسنادها الحافظ ابن حجر فی الفتح أن النبی صلى الله علیه وسلم لما أرسله إلى الیمن قال له: ( أیما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه , وأیما امرأه ارتدت عن الإسلام فادعها , فإن عادت وإلا فاضرب عنقها ) ( ).
وأیضاً فإن التسری الذی یحلم به أولئک الکسالى البطالون؛ إنما یجوز بعد حصول ملک الیمین واستبراء الرحم، فقد ( حصر الشارع جواز التسری فی الملک الصحیح)(۷)، وما لم تملک الرقبه ملکا صحیحا؛ فلا یحل التسری بحال، وأنه لا سبیل الیوم إلى امتلاک الرقاب إلا فی شوکه وتمکین ودوله على منهاج النبوه لا تبالی بکفار الدنیا وعداوتهم خصوصاً فی ظل توقیع دول العالم الیوم، على اتفاقیه تحریم الرق، فی الوقت الذی تواطؤوا فیه على استرقاق الشعوب المستضعفه وإذلالها ونهب خیراتها.. !!.
والخلاصه: أننا لا نتعرض لموضوع السبی فی مثل هذه الأحوال، ولم نتعرض له قبل الیوم، وما ینسبه البعض إلى دعوتنا من هذا الباب فهو محض کذب وافتراء، یدل على اندحارهم أمامها وعجزهم عن ردها بالحجج والبراهین، وإفلاسهم عن مقارعتها بالأدله والبینات. فحادوا إلى الکذب والافتراء لتشویهها ورد الناس عنها، لعلّهم أن یظفروا من طریق الکذب والبهتان بما عجزوا عنه من طریق الحجه والبرهان.
فنساء من نکفرهم من الطواغیت وأنصارهم عندنا ما بین حالین، کلاهما لا یحل فیها السبی:
– إما أن یکن مرتدات کأزواجهن، والمرتده لا یحل سبیها؛ لأن فی ذلک إقرار لها على ردتها.
– أو یکن مسلمات جاهلات لهن علینا واجب النصح والبیان، أو مسلمات صالحات مستضعفات لهن علینا واجب النصره والموالاه.
وإذا کان هذا هو قولنا فی نساء وأزواج وبنات الطواغیت وأنصارهم ؛ فمن باب أولى عموم النساء فی هذه المجتمعات التی کانت من عهد لیس ببعید دیار إسلام ، ولا یزال جمهور أهلها ینتسب إلى الإسلام …
فهل حان لأولئک المفترین أن ینزعوا عن کذبهم علینا وبهتانهم لنا ویتوبوا…؟
واضعین نصب أعینهم قول المصطفى صلى الله علیه وسلم: ( من قال فی مسلم ما لیس فیه أسکنه الله ردغه الخبال حتى یأتی بالمخرج مما قال. )
وردغه الخبال: عصاره قیح وصدید أهل النار.
وهل آن الأوان لأولئک المتخبطین فی هذه الأبواب أن یرعووا ؟ فقد صار تخبطهم وجهلهم ذرائع ومطاعن تشبث وطنطن بها أعداء الله، لیشوّهوا وجه هذه الدعوه المبارکه.