الرسالة الثلاثینیة
فی التحذیر
من الغلـو فـی التـکفیر
( ۳ )

أو
” رسالة الجفر
فی أن الغلو فی التکفیر یودی إلى الکفر”

للشیخ
أبی محمد عاصم المقدسی

((۱۱))
إطلاق قاعدة ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) دون تفصیل
ومن الأخطاء الشائعة فی التکفیر إطلاق قاعدة ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) دون تفصیل .
وسوء استعمال هذه القاعدة عمّ بلاؤه وطمّ بین کثیر من الشباب ، حتى جعلها بعض غلاة المکفرة أصل الدین وشرط صحة الإسلام ، یدور معها الإسلام عندهم وجودا وعدما ، وعقدوا علیها الولاء والبراء ؛ فمن أطلقها وأعملها فهو المسلم الموحد الذی یتولّونه ،ومن خالفهم فی بعض جزئیاتها عادوه وبرئوا منه وکفّروه ؛ حتى بلغ بهم الأمر أن کفر بعضهم بعضا.. لأنه لا یخلو أن یخالف بعضهم فی تکفیر بعض الناس ، فیکفر بعضهم بعضا بسبب هذا الخلاف.
ونحن نسأل هؤلاء هنا سؤالا مفاده: إذا کان إطلاق هذه القاعدة على طریقتکم دون تفصیل شرطا لصحة الإسلام ؛ أفیولد الإنسان یعرفه أم یجب علیه تعلمه ؟
فإن قالوا: یولد یعرفه.
فقد عارضوا قوله تعالى: (( والله أخرجکم من بطون أمهاتکم لا تعلمون شیئا)).
وإن قالوا: یجب تعلمه.

قلنا: متى یجب علیه ذلک ؛ أقبل البلوغ أم بعده ؟ ولا بد من أحد الجوابین.
فإن قالوا: قبله.
خالفوا صریح حدیث النبی صلى الله علیه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاث.. منهم ؛ الصغیر حتى یحتلم ).
وإن قالوا: بعد البلوغ.
قلنا لهم: ضعوا لنا حدا ؛ أیجب علیه مباشرة بعد البلوغ ، أم على التراخی ؟
فإن قالوا: على التراخی.
تناقضوا وأجازوا بقاء الغلام بعد احتلامه على الکفر مدة لا یعرفون حدها ، فلو مات مات على الکفر عندهم.
فإن قالوا: مباشرة.
قلنا: فإنها من المسائل التی تحتاج إلى نظر وبحث وتعلم ودراسة خصوصا فی ظل شبهات وتلبیسات مشایخ السوء ، وهذا بحد ذاته یحتاج برهة من الوقت ولو سویعات ؛هذا على أقل تقدیر إذ أنتم لم تنتحلوه إلا بعد مدة من الدهر وطویل من البحث ، ولا یجادل فی هذا إلا جاهل معاند ، فیلزمهم التسلیم به.
وإذا جوّزتم الکفر ولو للحظات لأجل تعلم ذلک ، ولا بد لکم من هذا بعد أن جعلتموه شرطا للإسلام ؛ فقد جوّزتم الکفر بالله تعالى ؛ وقرّرتم أنه لا یصح إسلام أحد بعد بلوغه حتى یکفر بالله ، وصرتم کفارا بذلک ، وإلا فخلوا عنکم المغالاة بهذه القاعدة ، وتعالوا إلى تفصیل أهل العلم فیها.
أما نحن فنقول: أننا ولله الحمد لا نحتکم فی دیننا إلا إلى الشرع ، والتکفیر کما تقدم حکم شرعی لا یصح إلا بالأدلة الشرعیة القطعیة الدلالة.
وکما یقول أبو محمد ابن حزم ؛ أن من ظن أنه قد وقع من الدین على ما لم یقع علیه رسول الله صلى الله علیه وسلم فهو کاذب بل کافر بلا خلاف.
ومن المحال الممتنع عند أهل الإسلام أن یکون قد غفل علیه الصلاة والسلام أن یبین للناس شیئا من أصل دینهم أو مما لا یصح لأحد الإسلام إلا به ، ثم یتفق على إغفال ذلک أو یتعمد عدم ذکره جمیع أصحابه من بعده ؛ حتى یتنبه إلیه ویدلنا علیه هؤلاء الأشقیاء !!!
ولذلک فإننا نقول أن کل شرط لیس فی کتاب الله أو سنة نبیه علیه الصلاة والسلام فهو باطل ، وکل قاعدة أو أصل أو قول لم یستند إلى دلیل من الشرع فهو رد على صاحبه..
ولذلک لزم النظر فی أصل هذه القاعدة ، وعلى أی دلیل من الشرع تستند حتى نضبطها ونعرف حدودها..
وقد کنت جمعت قدیما فی هذه القاعدة ، لما عم بلاؤها بین بعض الشباب المتهورین الضعفاء فی العلم الشرعی ، وتتبعتها فی عبارات العلماء ، لأعرف مَن أقدم من استعملها ؟ وکیف تعامل أهل العلم معها وعلى أی شیء ینزلونها.. ؟
فخرجت بهذه النتائج..
أولا: وجدت استعمالها کان قدیما ، ولیس کما زعم البعض أنها من کیس شیخ الإسلام ابن تیمیة ، تابعه علیها الشیخ محمد بن عبد الوهاب !!
نعم اشتهر عن شیخ الإسلام استعمالها وإلیه وإلى الشیخ محمد بن عبد الوهاب یعزوها أکثر من یستعملها ، لکن قد سبقهما فیها أئمة مشهورون غیرهم ؛بعضهم من القرون الأولى المفضلة.. ومنهم:
- سفیان بن عیینة ،أمیر المؤمنین فی الحدیث (۱۹۸هـ) قال رحمه الله تعالى: ( القرآن کلام الله عز وجل من قال مخلوق فهو کافر ، ومن شک فی کفره فهو کافر )أهـ. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد فی السنة رقم(۲۵) بسند صحیح.
- وکذا نقل مثل هذا القول عن أبی خیثمة مصعب بن سعید المصیفی کما فی شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ( ۲/۲۵۶) رقم (۴۳۰) للإمام الحافظ أبی القاسم هبة الله اللالکائی (۴۱۸هـ).
- وأیضا عن أبی بکر بن عیاش المقریء ( ۱۹۴هـ ) الثقة العابد ، فقد سئل کما فی السنة للالکائی أیضا ( ۲/۲۵۰) رقم (۴۱۲) عمن یقول القرآن مخلوق ؟ فقال: ( کافر ومن لم یقل إنه کافر فهو کافر ) وإسناده صحیح .
- وکذا سلمة بن شبیب النیسابوری ( ۲۴۷هـ) محدث أهل مکة،قال ابن حجر فی التهذیب (۲/۳۰۳): قال داود بن الحسین البیهقی ؛بلغنی أن الحلوانی (۱) قال: لا أکفر من وقف فی القرآن ، قال داود: فسألت سلمة بن شبیب عن الحلوانی ،فقال: ( یرمى فی الحُش ،من لم یشهد بکفر الکافر فهو کافر ). وذکر ذلک الخطیب البغدادی فی تاریخ بغداد ( ۷/۳۶۵).
- وکذا أبو زرعة عبید الله بن عبد الکریم الرازی ( ۲۶۴هـ) قال: ( من زعم أن القرآن مخلوق فهو کافر بالله العظیم کفرا ینقل عن الملة ، ومن شک فی کفره ممن یفهم فهو کافر )
- وقال مثله تماما أیضا أبو حاتم محمد بن إدریس الرازی (۲۷۷هـ) وروى ذلک کله اللالکائی فی السنة ( ۲/۱۷۶).
* وتأمل قولهما: ( ممن یفهم ) ؛ فإنه مهم سأذکرک به فیما یأتی..
فهذه الأقاویل هی أقدم ما وجدته فی عبارات الأئمة والعلماء حول هذه القاعدة ، فهی من القرون الثلاثة المفضلة ، ولیس الأمر کما وصفه بعض المتأخرین من أنها من عندیّات شیخ الإسلام ابن تیمیة ،نعم شیخ الإسلام والشیخ محمد بن الوهاب وأولاده وأئمة الدعوة النجدیة قد استخدموها وبعضهم أکثر من استخدامها وإلیهم ینسبها من یسیء استخدامها من الغلاة ، لکنها لیست من تأصیلهم أو اختراعهم ، فلیعلم هذا.
ثانیا: قد ظهر لی بعد التتبع والاستقراء لأقاویل أهل العلم أنهم إنما یذکرونها ویستعملونها لتأکید مناقضة أنواع من الکفر للدین تطایر شرر فتنتها فی أزمنتهم ، للعمل على استئصالها بترهیب الناس منها وتنفیرهم عنها وعن أهلها، فیکون ذلک من جنس نصوص الوعید التی یجوز إطلاقها ؛ مع وجوب مراعاة النظر فی الشروط والموانع عند تنزیلها على الأعیان ؛ کما فی فتنة خلق القرآن والأمثلة السابفة من جنس هذا.
أو للتغلیظ والتحذیر من بعض أنواع الکفر الظاهرة التی یکون الامتناع من تکفیر أصحابها فیه نوع تکذیب أو عناد صریح للشرع ، مثله مثل التوقف والامتناع من تکفیر الیهود والنصارى الذین کفرهم الله تعالى بالنصوص المتواترة والمعروفة فی دین المسلمین ضرورة ، ومن هذا ما سیأتی التمثیل به من کلام شیخ الإسلام فی الإتحادیة..
ثالثا: ومن ثم فإن أصل هذه القاعدة ودلیلها الذی ترتکز وتقوم علیه ، هو قوله تعالى: (( وما یجحد بأیاتنا إلا الکافرون )) وقوله سبحانه: (( فمن أظلم ممن کذب على الله وکذّب بالصدق إذ جاءه ألیس فی جهنم مثوى للکافرین ))..
ونحوها من الأدلة الشرعیة الدالة على کفر من کذّب بشیء ثابت من أخبار الشرع وأحکامه..
ولذلک فإن القاضی عیاض بعد أن نقل فی الشفا (۲/۲۸۰-۲۸۱) عن الجاحظ وثمامة زعمهم ؛ أن کثیرا من العامة والنساء والبله ومقلّدة الیهود والنصارى وغیرهم ؛ لا حجة لله علیهم ، إذ لم یکن لهم طباع یمکن معها الاستدلال ، قال: ( وقد نحا الغزّالی قریبا من هذا المنحى فی کتاب التفرقة ،وقائل هذا کله کافر بالإجماع على کفر من لم یکفر أحدا من النصارى و الیهود وکل من فارق دین المسلمین أو وقف فی تکفیرهم أو شک ، قال القاضی أبو بکر: لأن التوقیف والإجماع اتفقا على کفرهم فمن توقف فی ذلک فقد کذّب النص والتوقیف أو شک فیه ، والتکذیب أو الشک فیه ، لا یقع إلا من کافر ) أهـ.
ومثل ذلک قوله (۲/۲۸۶): ( ولهذا نُکفّر من لا یُکفّر من دان بغیر ملّة المسلمین من الملل أو وقف فیهم أو شک أو صحّح مذهبهم(۲)، وإن أظهر بعد ذلک الإسلام واعتقده واعتقد إبطال کل مذهب سواه ، فهو کافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلک ) أهـ.
وإشارته بقوله: ( ولهذا ) کانت إلى قوله قبل ذلک: ( وقع الإجماع على تکفیر کل من دافع نص الکتاب ) أهـ.
- ولما کان ( التکذیب والجحد لا یکون إلا بعد المعرفة أو الاعتراف) دل على ذلک أدلة تکفیر المکذبین نفسها کقوله تعالى: (( وما یجحد بأیاتنا إلا الکافرون )) فإن الجحد إنما یذکر بعد مجیء الآیات وبلوغها ،وکذا قوله سبحانه: (( فمن أظلم ممن کذب على الله وکذّب بالصدق إذ جاءه ألیس فی جهنم مثوى للکافرین )).. وانظر فی مثل هذا بدائع الفوائد لابن القیم (۴/۱۱۸).
فعلم بذلک أن حقیقة هذه القاعدة وتفسیرها على النحو التالی: ( من لم یکفر کافرا بلغه نص الله تعالى القطعی الدلالة على تکفیره فی الکتاب ، أو ثبت لدیه نص الرسول صلى الله علیه وسلم على تکفیره بخبر قطعی الدلالة ؛ رغم توفر شروط التکفیر وانتفاء موانعه عنده ؛ فقد کذّب بنص الکتاب أو السنة الثابتة ومن کذب بذلک فقد کفر بالإجماع ).
هذه هی حقیقة هذه القاعدة وهذا هو تفسیرها ، بعد النظر فی أدلتها واستقراء استعمال العلماء لها.. (۳)
وما لم یصرح ویعترف المرء بمعرفته للنص المکفر ورده له ، فلا یصح إلزامه بذلک ، ومن ثم تکفیره وفقا لهذه القاعدة ؛ فإن المسألة ساعتئذ تتحول إلى التکفیر بالإلزام أو بالمآل وسیأتی فی خطأ التکفیر بالمآل أن لازم المذهب لیس بمذهب، إلا أن یکون صاحب المذهب عارفاً عالماً بلزومه لمذهبه فیصرّح بالتزامه… ومادام جاهلا بذلک اللازم أو غافلاً عنه لا یشعر به ولا یقصده ، فلا یلزمه، ولا یجوز إلزامه به بلا برهان.
– اللهم إلا أن یکون ذلک فی الکفر الواضح الصریح الذی ثبت بالنص القاطع الصحیح ، وعلم ضرورة من دین المسلمین ککفر الیهود والنصارى ونحوهم أو ممن هم على ملة غیر ملة الإسلام أو من هم شر من ذلک وهو یعرف حالهم.. بحیث یکون الممتنع عن تکفیرهم غالبا إما مکذب أو شاک بالنص الذی کفرهم الشرع به غیر منقاد ولا مستسلم له ، لأن مثل ذلک النص لا یخفى حتى على الیهود والنصارى أنفسهم ؛ فضلا عن أن یخفى على أهل الإسلام..
ومن کان کذلک فقد کفر بالإجماع..
- أما من کان کفرهم کفر تأویل ، فامتنع من تکفیرهم لإشکال بعض أدلة الشرع عنده ، أو کان ذلک من الأبواب التی یعذر الجاهل فیها ، لأنها لا تعرف إلا من طریق الحجة الرسالیة ، أو أنه رد نصا من نصوص الشرع لعدم علمه به ، أو عدم ثبوته عنده ، ونحوهم ممن لا یکفرون إلا بعد إقامة الحجة علیهم والتعریف والبیان ؛ فلا یجوز إطلاق هذه القاعدة فیمن أشکل علیه تکفیرهم ، أو توقّف فیه أو امتنع عنه ما داموا ممن عندهم أصل التوحید..
* ولذلک کان من فقه الإمام أبی عبید القاسم بن سلام (۲۲۴هـ) فی هذا الباب أنه قال فی الجهمیة: ( ما رأیت قوما أضل فی کفرهم منهم ، وإنی لأستجهل من لا یکفرهم ، إلا من لا یعرف کفرهم ) أهـ. من فتاوى شیخ الإسلام ( ۱۲/۲۷۲).

* ویعزى قریب منه للإمام البخاری ( ۲۵۶هـ) قال فی (خلق أفعال العباد ) ص ۱۹ رقم ۳۵: ( نظرت فی کلام الیهود والنصارى والمجوس ، فما رأیت أضل من کفرهم منهم { یعنی الجهمیة } وإنی لأستجهل من لا یکفرهم إلا من لا یعرف کفرهم).
تأمّل: ولم یقل: وإنی ( لأکفّر من لا یکفرهم ) ، ومع هذا استثنى من التجهیل ؛ من لم یکفرهم لعدم معرفته لکفرهم.
* أما الإمام أحمد فقد ورد عنه أیضا إطلاق الوعید بهذه القاعدة فی رسالته التی کتبها جوابا على رسالة مسدد بن مسرهد البصری التی سأله فیها عن الاختلاف فی القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء ؛ فجاء فی جوابه عن القرآن قوله: ( فهو کلام الله غیر مخلوق ، فمن قال: مخلوق ، فهو کافر بالله العظیم ، ومن لم یکفره فهو کافر. ) أهـ من طبقات الحنابلة لأبی یعلى (۱/۳۱۵).
وذکر عنه شیخ الإسلام فی الفتاوى حول ذلک روایتان فی سیاق ذکر مذهبه فی تکفیر أهل الأهواء من القدریة والجهمیة ونحوهم ، صحّح فیه أنه لم یکن یکفر بمثل هذه القاعدة ، فقال: ( وعنه فی تکفیر من لا یکفر ،روایتان أصحهما لا یکفر. ) أهـ. (۱۲/۲۶۰) ( ط. دار ابن حزم).
ولعله یرید بذلک عدم تکفیر أعیان من لم یکفروا الجهمیة وأمثالهم ، لا مطلق الوعید بالقاعدة فقد عرفت إطلاق أحمد واستعماله لها کما هو أعلاه.
ثم قال شیخ الإسلام: ( وربما جعل بعضهم الخلاف فی تکفیر من لم یکفر مطلقا وهو خطأ محض ) أهـ.
فکأنه یشیر إلى أهمیة التفصیل فی هذا الباب – وهو مستقرٌ لدینا بعد تتبع هذه القاعدة على ما سترى..
ولأجل أن أکثر من سمعته یطلق هذه القاعدة ویحتج بها من المبتدئین فی طلب العلم أو الغلاة ؛ یعزونها عادة إلى شیخ الإسلام ابن تیمیة أو الشیخ محمد بن عبد الوهاب ، ومعلوم أن أکثر کتابات محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده واتباعه من أئمة الدعوة النجدیة مردّ أکثرها – خصوصا فی هذه الأبواب – إلى شیخ الإسلام ابن تیمیة.
لأجل ذلک سأتناول من استعمالاته لهذه القاعدة ؛ مثالا تطبیقیا فی توضیحها ، کما سأستعین ببیان بعض توضیحات أحفاد الشیخ محمد بن عبد الوهاب لکلام جدهم رحمه الله فی هذا الباب.. لعل ذلک یجلّی الأمر ویزیده وضوحا.
• قال شیخ الإسلام رحمه الله تعالى فی الفتاوى ( ۲/۸۳) وهو یتکلم على الاتحادیة أهل وحدة الوجود: ( من قال ؛ أن عبّاد الأصنام لو ترکوهم(۴) لجهلوا من الحق بقدر ما ترکوا من هؤلاء (۵)، فهو أکفر من الیهود والنصارى. ومن لم یکفرهم فهو أکفر من الیهود والنصارى ، فإنّ الیهود والنصارى یُکفّرون عباد الأصنام ، فکیف من یجعل تارک عبادة الأصنام جاهلا من الحق بقدر ما ترک منها ؟ ) أهـ.
وذلک أن أهل الوحدة ، یقولون قبّحهم الله ، أن کل شیء هو الله ؛ فالأصنام عندهم من الله ، فمن ترک عبادتها فقد ترک شیئا من الحق ومن عبادة الله.. !!!.
ولذلک قال العلامة شرف الدین أبو محمد إسماعیل ابن أبی بکر المقری الیمنی الشافعی رحمه الله تعالى فی ردّه على أهل الحلول والاتحاد وبیان کفر ابن العربی المبثوث فی فصوصه ، وذلک فی منظومته الرائیة التی سماها ” الحجة الدامغة لرجال الفصوص الزائغة “: –
تجاسر فیها ابن العَرَابیّ واجترى على الله فیما قال کل التجاسر
فقال: بأنّ الرب والعبد واحد فربی مربوب بغیر تغایر
وأنکر تکلیفا إذ العبد عنده إله وعبد فهو إنکار جائر
وقال یحل الحق فی کل صورة تجلّى علیها فهی إحدى المظاهر
وما خُصّ بالإیمان فرعون وحده لدى موته بل عمّ کل الکوافر
فکذِّبْه یا هذا تکن خیر مؤمن وإلا فصدّقه تکن شرّ کافر
وأثنى على من لم یُجب نوحَ إذ دعا إلى ترک ودٍّ أو سواعٍ وناسر
وسمى جهولا من یطاوع أمره على ترکها قول الکفور المجاهر
ویثنی على الأصنام خیرا ولا یرى لها عابدا ممن عصى أمر آمر
وهو ما ذکره شیخ الإسلام من قول الاتحادیة ، أن عباد الأصنام لو ترکوا عبادتها لکانوا جهالا بذلک.. إلى قوله:
فإن قلت دین ابن العرابی دیننا وتکفیره تکفیرنا فالتحاذر
أقل إنک الآن المُکَفَّر نفسه وأنت الذی ألقیتها فی التهاتر
فذلک دین غیر دین محمد وکفر لجوج فی الضلالة ماهر
وهی أبیات متفرقة من قصیدته ؛ نقلا عن شرح نونیة ابن القیم لأحمد بن عیسى (۱/۱۷۴) فصاعدا ، وقوله ( ابن العرابی ) هو ابن عربی الطائی ؛ صاحب ( فصوص الحکم ) ( ۶۳۸هـ) وعُرِّف ومُدَّ هنا ، لضرورة الشعر وفی أبیاته الثلاث الأخیرة إشارة إلى القاعدة التی نتکلم فیها أو قریب منها ..
فقد ذکر فیها کفر من استنکر تکفیر ابن العربی ودان بدینه..
وقد صرح بذلک وذکر القاعدة فیه فی بعض تصانیفه ؛ کما قال الحافظ السخاوی فی ( القول المُنبی عن ترجمة ابن العربی ): (.. وقد قال ابن المقری فی الردة من کتاب “الروض” مختصر” الروضة ” ؛ من تردد فی تکفیر الیهود والنصارى وابن عربی وطائفته فهو کافر ) أهـ. نقلا عن شرح نونیة ابن القیم (۱/۱۶۶) ، وذکره الشیخ محمد بن عبد الوهاب فی ( مفید المستفید فی کفر تارک التوحید ).
وهذا بناءا على ما بثّه ابن عربی فی کتبه من المقالات الشنیعة والکفریات الصریحة ، نسأل الله السلامة والعافیة..
وقد ذکر شیخ الإسلام ابن تیمیة أیضا تکفیر ابن عربی عن غیر واحد من أهل العلم.. وقال: ( هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابن سبعین ومن القونوی والتلمسانی وأمثاله من أتباعه ، فإذا کان الأقرب بهذا الکفر الذی هو أعظم من کفر الیهود والنصارى ؛ فکیف بالذین هم أبعد عن الإسلام ؟ ولم أصف عشر ما یذکرونه من الکفر ) أهـ مجموع الفتاوى (۲/۸۵).
أما على ماذا مات الرجل فقد توقف فی ذلک شیخ الإسلام ابن تیمیة فی غیر موضع من فتاواه ، فقال (۲/۲۸۴) بعد أن ذکر أقاویل الاتحادیة الکفریة. .: ( وهذه المعانی کلها هی قول صاحب الفصوص. والله تعالى أعلم بما مات الرجل علیه ؟؟ ) أهـ. وانظر نحوها أیضا (۲/۹۱) ( ط دار ابن حزم ).
فتأمل قول شیخ الإسلام هذا ، مع کلامه السابق فی ابن عربی ، فإنه یعرّفک بورع هؤلاء الأئمة الأعلام فی حکم التکفیر خصوصا عند الاحتمال أو عدم وضوح الخاتمة والمآل..
ونرجع إلى نقولاتنا عنه فی قاعدة ( من لم یکفر الکافر )..
• حیث قال بعد أن بیّن أن أهل الوحدة شرٌ فی مقالتهم أن کل شیء هو الله ؛ وأخبث من النصارى الذین قالوا أن المسیح وحده هو الله.. !! تعالى الله عما یقول الظالمون علوا کبیرا.
قال: ( ولهذا یقرّون الیهود والنصارى على ما هم علیه ، ویجعلونهم على حق ، کما یجعلون عبّاد الأصنام على حق ، وکل واحدة من هذه من أعظم الکفر ، ومن کان محسنا للظن بهم ، وادعى أنه لا یعرف حالهم ، عُرّف حالهم ، فإن لم یباینهم ویُظهر لهم الإنکار ، وإلا ألحق بهم ، وجعل منهم. وأما من قال ؛ لکلامهم تأویل یوافق الشریعة ، فإنه من رؤوسهم وأئمتهم ، فإنه إن کان ذکیا فإنه یعرف کذب نفسه فیما قاله ، وإن کان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا فهو أکفر من النصارى ، فمن لم یکفر هؤلاء وجعل لکلامهم تأویلا ، کان عن تکفیر النصارى بالتثلیث والاتحاد أبعد والله اعلم ) أهـ. (۲/۸۶) ( ط دار ابن حزم ).
• وقال أیضا: ( وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى ، وفیها من التناقض من جنس ما فی أقوال النصارى ، ولهذا یقولون بالحلول تارة وبالاتحاد أخرى ، وبالوحدة تارة ، فإنه مذهب متناقض فی نفسه ، ولهذا یلبسون على من لم یفهمه ، فهذا کله کفر باطنا وظاهرا بإجماع کل مسلم ومن شک فی کفر هؤلاء بعد معرفة قولهم: ومعرفة دین الإسلام فهو کافر کمن یشک فی کفر الیهود والنصارى والمشرکین ) أهـ (۲/۲۲۳).
فیتلخص لدینا من هذا المثال بمواضعه الثلاث ما یلی..
* أولا: أن شیخ الإسلام أطلق هذه القاعدة بألفاظ متقاربة ، مجملة أحیانا ومفصلة أحیانا أخری:
- فقال: ( من لم یکفرهم فهو أکفر من الیهود والنصارى ).
- وقال: ( ومن کان محسنا للظن بهم وادعى أانه لا یعرف حالهم عُرّف حالهم ، فإن لم یباینهم ویظهر لهم الإنکار وإلا ألحق بهم وجعل منهم ، وأما من قال: لکلامهم تأویل یوافق الشریعة فإنه من رؤوسهم وأئمتهم. ).
- وقال: ( ومن شک فی کفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دین الإسلام فهو کافر کمن یشک فی کفر الیهود والنصارى )
فیجب حمل ما أجمل من ذلک وفهمه على ضوء ما فُصّل ، لأن الکلام کما هو ظاهر فی موضوع متحد وفئة واحدة.
* ثانیا: أنّه أطلق هذه القاعدة فی کفر وصفه بأنه (ظاهر بإجماع کل مسلم ) ، و ( کل واحد منه من أعظم الکفر ) بل ( هو أکفر من الیهود والنصارى ) و ( شر من أقوال النصارى ) ، فإن النصارى دانوا بعقیدة حلول الله أو اتحاده بشخص المسیح ، أما هؤلاء الحلولیة والاتحادیة فقد جعلوا الوجود کله بجماداته وحیواناته وقاذوراته وکفاره وفجاره من ذات الله تعالى الله عما یقوله الظالمون علوا کبیرا ، ولذلک قال شیخ الإسلام: (فإن من لم یکفر هؤلاء کان عن تکفیر الیهود والنصارى بالتثلیث والاتحاد أبعد ) و( من شک فی کفرهم.. . کمن شک فی کفر الیهود والنصارى ).
* ثالثا: ثم ومع ما ذکره من أن کفر المذکورین وأقوالهم شر وأکفر من کفر الیهود والنصارى ، تراه لا ینفذ هذه القاعدة إلا بقید مهم یجب على من یتعامل معها وینسبها إلیه مراعاته واعتباره وهو أن یکون الممتنع عن تکفیرهم ، ممن یعرف حالهم وتفصیل مقالاتهم الکفریة الشنیعة.
وأُذکّرک هنا بمقالة أبی زرعة وأبی حاتم الرازیین المتقدمة فی تکفیر من قال أن القرآن مخلوق ، حیث اشترطا قبل تکفیر الشاک فی کفره ؛ أن یکون ممن یفهم کفرهم ویعرفه..
وکلام شیخ الإسلام على ذلک کما ترى ، فالقوم یصدرون عن مشکاة واحدة.
قال شیخ الإسلام: وإن ( ادعى إنه لا یعرف حالهم ، عرّف حالهم ) وذلک قبل إنفاذ هذه القاعدة وتکفیره ، فإن أصر بعد ذلک ، ألحق بهم.. وقال: ( من شک فی کفرهم بعد معرفة قولهم ومعرفة دین الإسلام فهو کافر ) ، وقد قیّد هاهنا واشترط إضافة إلى المعرفة بقولهم ؛ المعرفة بدین الإسلام ، فخرج بذلک من إطلاقاته لهذه القاعدة من هو حدیث عهد بالإسلام أو نحو ذلک ممن یعذر بجهله لعدم تمکنه من العلم.
وفی هذا بیان کاف ، بأنّه لا یطبّق هذه القاعدة – التی لا یطلقها عادة إلا فی أظهر أنواع الکفر – ؛ إلا بعد إقامة الحجة والتعریف وبیان المحجة.
بحیث لا یکفر من طریق هذه القاعدة إلا المکذّب أو الممتنع عن قبول نص صحیح قطعی الدلالة ، ولذلک قیّد ( بمعرفة دین الإسلام ).
وفی کفر صریح غیر محتمل ولذلک قید ( بمعرفة قولهم ) الشنیع الذی هو شر من قول النصارى.
فهو قد عذر غیر المکفّر لهم هنا بجهلین ؛جهل الدلیل الشرعی ، وجهل الواقع (۶).
فإن المفتی أو الموقّع عن رب العالمین ؛ لا یمکنه ذلک ولا یصیب الحق به إلا بأن یجمع بین کلا المعرفتین أو العلمین ، معرفة الدلیل أو حکم الله فی ذلک وهو ما أشار إلیه بقوله: ( معرفة دین الإسلام ) ، ومعرفة حقیقة الواقعة أو المقالة المسؤول عنها ، وهو ما أشار إلیه بقوله: ( بمعرفة قولهم ) وقوله: وإن ( ادعى إنه لا یعرف حالهم ، عرّف حالهم ).
والجهل بشیء من هذین القسمین یحرم من إصابة الحق ، ویمنع من التوقیع عن رب العالمین ، لأن المتکلم یُوقّع حینها ویتکلم عن الله بلا علم.
ولذلک قال رحمه الله بین یدی فتواه فی التتار وعساکرهم المنتسبین للإسلام: ( الحمد لله رب العالمین ، نعم یجب قتال هؤلاء بکتاب الله وسنة رسوله ، واتفاق أئمة المسلمین ، وهذا مبنی على أصلین:
- أحدهما: المعرفة بحالهم.
- والثانی: معرفة حکم الله فی مثلهم. ) أهـ
ویقول تلمیذه ابن القیم رحمه الله تعالى موضحا لذلک فی اعلام الموقعین(۱/۸۷-۸۸):
( ولا یتمکن المفتی ولا الحاکم من الفتوى والحکم بالحق إلا بنوعین من الفهم؛
- أحدهما: فهم الواقع والفقه فیه واستنباط علم حقیقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتّى یحیط به علما.
- والنوع الثانی: فهم الواجب فی الواقع، وهو فهم حکم الله الذی حکم به فی کتابه أو على لسان رسوله -صلى الله علیه وسلم- فی هذا الواقع.
ثمّ یطبق أحدهما على الآخر ) أهـ.
وزیادة فی توضیح هذا الأمر وتأکیده أنقل لک بعض أقوال شیخ الإسلام رحمه الله تعالى ؛ الصریحة فی عذر الجهال بحقیقة مذهب هؤلاء الاتحادیة ، وعدم إنفاذه لما تحویه هذه القاعدة من وعید بالتکفیر ؛ فیمن لم یکفرهم من الجهال ، إلا بعد إقامة الحجة علیهم.. وقد عرفت أنه یعنی بإقامة الحجة فی هذا المقام:
- تعریفهم بشناعة أقوال الاتحادیة وما تحویه من کفر صراح.
- وتعریفهم بمصادمتها لدین الإسلام إن کانوا ممن یجهل ذلک ، کحدیث العهد بالإسلام.
* قال رحمه الله فی الفتاوى أیضا: ( فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم کفرا وإلحادا من ظاهرها ، فإنه قد یظن أن ظاهرها من جنس کلام الشیوخ العارفین ، أهل التحقیق والتوحید ، وأما باطنها فإنه أعظم کفرا وکذبا وجهلا من کلام الیهود والنصارى وعباد الأصنام ، فکل من کان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم علیه کان أظهر کفرا وإلحادا ، أما الجهال الذی یحسنون الظن بقول هؤلاء ولا یفهمونهم ، ویعتقدون أنه من جنس کلام المشایخ ، العارفین الذین یتکلمون بکلام صحیح لا یفهمه کثیر من الناس ، فهؤلاء تجد فیهم إسلاما وإیمانا ومتابعة للکتاب والسنة بحسب إیمانهم التقلیدی وتجد فیهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم ، وتسلیما لهم بحسب جهلهم وضلالهم ، ولا یتصور أن یثنی على هؤلاء إلا کافر ملحد أو جاهل ضال ) أهـ. ( ۲/۲۲۲).
- وقال أیضا: ( ومن قال أن لقول هؤلاء سرا خفیا وباطن حق ، وأنه من الحقائق التی لا یطلع علیها إلا خواص خواص الخلق ، فهو أحد رجلین ، إما أن یکون من کبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال ، وإما أن یکون من کبار أهل الجهل والضلال ، فالزندیق یجب قتله والجاهل یعرف حقیقة الأمر فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قیام الحجة علیه وجب قتله ) أهـ (۲/۲۳۰)
- وانظر نحوه أیضا (۲/۸۵).
وهکذا إذا تتبعت تطبیق العلماء المحققین لهذه القاعدة وجدته على هذه الجادة غالبا، وهذه أمثلة مما هو تحت یدی الساعة:
• نقل القاضی عیاض عن محمد بن سحنون قوله: ( أجمع العلماء أن شاتم النبی صلى الله علیه وسلم المتنقّص له کافر ، والوعید جار علیه بعذاب الله له ، وحکمه عند الأمة القتل ، ومن شک بکفره وعذابه کفر ) أهـ. الشفا (۲/۲۱۵-۲۱۶) وذکره شیخ الإسلام فی الصارم ص ۴.
فتأمل هذا الموضع تراه متسقا مع ما قدمناه لا یخرج عنه..
- فشتم النبی صلى الله علیه وسلم کما ذکر محمد بن سحنون نفسه کفر بإجماع العلماء ، وقد نقل شیخ الإسلام الإجماع على ذلک فی الصارم المسلول عن الإمام اسحاق بن راهویه ، وحکاه عن غیر واحد من أهل العلم ، أنظر ( المسألة الأولى ) ص ۳ فصاعدا.
- کما قرر شیخ الإسلام فی الصارم المسلول أیضا أن ردة شاتم الرسول صلى الله علیه وسلم ردة مغلظة وزائدة ، انظر ص (۲۹۷)وغیرها.
وان فیها من الأذى لله ولرسوله صلى الله علیه وسلم ولعباده المؤمنین ما لیس فی الکفر والمحاربة انظر صفحة (۲۹۴) وغیرها ، وأنها أشد من کفر وشرک الیهود والنصارى الذین یقرّون علیه فی دار الإسلام بالجزیة ، ولا یقرون لا هم ولا غیرهم على شتم الرسول صلى الله علیه وسلم بحال. أنظر ص (۲۴۶)فصاعدا.
بقی أن تتنبّه إلى أن إیراد القاعدة المذکورة هنا إنما هو فی الشتم والتنقّص الصریح ، لا فی الإطلاقات المحتملة غیر الصریحة ، بدلیل ما قدمناه لک فی المواضع السابقة من تثبت العلماء ومنهم القاضی عیاض صاحب النقل أعلاه وتریثهم وخلافهم فی تکفیر من صدر منه قولا محتملا فی هذا الباب ، واستفصالهم قبل التکفیر بالمحتملات ونظرهم بالقصد والقرائن والعرف..
کل ذلک فی تکفیر صاحب المقالة المحتملة !! فما بالک فی تکفیر من لم یکفره.. ؟
• وقال شیخ الإسلام ابن تیمیة فی الفتاوى (۳۵/۹۸) وهو یتکلم فی طائفة الدروز: ( کفر هؤلاء مما لا یختلف فیه المسلمون ، بل من شک فی کفرهم فهو کافر مثلهم ، لا هم بمنزلة أهل الکتاب ولا المشرکین ، بل هم الکفرة الضالون فلا یباح أکل طعامهم.. الخ )
- فتأمل کیف ذکر قبل إطلاقه للقاعدة المذکورة أن کفر هؤلاء مما لا یختلف فیه المسلمون..
- وذکر أنهم لیسوا بمنزلة أهل الکتاب ، یعنی انهم شرّ منهم.. فقد کان ذکر فی الموضع نفسه أنهم یُألّهون (الحاکم) العبیدی ویسمونه (الباری العلام ) وأنهم
( من القرامطة الباطنیة الذین هم أکفر من الیهود والنصارى ومشرکی العرب ) أهـ.
فهذا متسق مع ما قدمناه لک.. فقس علیه تصب إن شاء الله..
• وقال فی الصارم المسلول (۵۸۶-۵۸۷ ) فی تفصیل القول فی من سب الصحابة: ( أما من اقترن بسبّه دعوى أن علیا إله ، أو أنه کان هو النبی ، وإنما غلط جبریل فی الرسالة ، فهذا لا شک فی کفره ، بل لا شک فی کفر من توقف فی تکفیره (۷).
وکذلک من زعم منهم أن القرآن نقص منه آیات وکتمت ، أو زعم أن له تأویلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ، ونحو ذلک ، وهؤلاء یسمون القرامطة والباطنیة ومنهم التناسخیة ، وهؤلاء لا خلاف فی کفرهم.
وأما من سبهم سبا لا یقدح فی عدالتهم ولا فی دینهم – مثل وصف بعضهم بالبخل ، أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ، ونحو ذلک ، فهذا هو الذی یستحق التأدیب والتعزیر ، ولا نحکم بکفره بمجرد ذلک ، وعلى هذا یحمل کلام من لم یکفرهم من أهل العلم.
وأما من لعن وقبحّ مطلقا فهذا محل الخلاف فیهم ؛ لتردد الأمر بین لعن البغض ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلک إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله علیه وسلم إلا نفرا قلیلا لا یبلغون بضعة عشرة نفسا ،أو أنهم فسقوا عامتهم ؛فهذا لا ریب أیضا فی کفره لأنه مکذب لما نصه القرآن فی غیر موضع ؛ من الرضى عنهم والثناء علیهم،بل من یشک فی کفر مثل هذا فإن کفره متعین ،فإن مضمون (۸)هذه المقالة أن نقلة الکتاب والسنة کفار أو فساق ، وأن هذه الآیة التی هی (( کنتم خیر أمة أخرجت للناس )) وخیرها هو القرن الأول ؛ کان عامّتهم کفارا أو فساقا ، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم ، وأن سابقی هذه الأمة هم شرارها، وکفر هذا مما یعلم بالاضطرار من دین الإسلام.. ) إلى أن قال: ( وبالجملة فمن أصناف السابّة من لا ریب فی کفره ، ومنهم من لا یحکم بکفره ، ومنهم من تردد فیه.. ) أهـ.
* واکتفی بهذا لألخص ما سبق فأقول:
- بأن هذه القاعدة تستعمل فی تأکید الکفر الواضح الجلی الذی هو مثل کفر الیهود والنصارى أو أشد وأوضح بحیث أن الممتنع عن تکفیرهم یکون کالمکذّب بنص شرعی قطعی الدلالة ومثل هذا کافر بالإجماع.
ومنه تعرف النکتة فی ذکر أهل العلم کالشیخ محمد بن عبد الوهاب وغیره الإجماع عند إطلاقهم لهذه القاعدة.
- ومع هذا فلا یکفر بها الممتنع عن تکفیرهم من جهال المسلمین ؛ إلا بعد إقامة الحجة علیه ، بمعرفة مقالاتهم الکفریة إن کان ممن یجهل حالهم ، وبمعرفة مناقضتها لدین الإسلام إن کان ممن یجهل ذلک کحدیث العهد به.
- وعلى هذا فیمکن القول أن هذه القاعدة بما حوته من وعید التکفیر لمن لم یکفر الکافر ؛ شأنها شأن سائر نصوص الوعید فی إطلاقات العلماء ؛ فهم یطلقون القول فی هذه القاعدة إذا کان الکلام عاما فی الطوائف أو النحل والأقوال والمعتقدات المنحرفة عن منهج أهل السنة ، لکن عند تنزیل هذه القاعدة على الأعیان لا بد من النظر فی توفّر شروط التکفیر وانتفاء موانعه ، شأنهم مع سائر نصوص الوعید ؛ ولذلک فمن الضروری أن أذکّر هنا بقول شیخ الإسلام الذی قدمته فی ضرورة التفریق بین التکفیر المطلق وتکفیر المعین سواء فی فهم کلام الشارع ، أو عند تناول کلام الأئمة واستعماله ، لضرورة ربطه بهذه القاعدة.
قال رحمه الله: ( وحقیقة الأمر: أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمة ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشارع ، کلما رأوهم قالوا: من قال کذا فهو کافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم هذا الکلام بعینه ) أهـ من الفتاوى وقد تقدم.
- ومن ثم فلا یصح التسلسل الذی یفعله کثیر من الغلاة فی هذه القاعدة ، فإذا کان القائلون بها لا یکفرون من لا یکفر الاتحادیة ونحوهم بأعیانهم إلا بعد إقامة الحجة ؛ فمن باب أولى أن لا یکفروا من لا یکفر من لم یکفرهم.. وهکذا.. وهذا التسلسل البغیض یطلقه بعض جهال الغلاة فی مخالفیهم فی أبواب التکفیر بالمحتملات والتکفیر بالمآل والتکفیر بالمسائل الخفیة ونحوها من الأمور المشکلة ؛ وقد رأیت شروط القائلین بها من أهل العلم فی کفر ککفر الیهود والنصارى أو أظهر.. فإذا کان هذا التشدید والاحتیاط منهم فی أول السلسلة وأصلها ، فلا شک أن احتیاطهم وتشدیدهم سیکون أعظم وأعظم فی تکفیر من یأتی بعد ذلک ممن لم یکفر من لم یکفرهم ، ومن لم یکفر من لم یکفر من لم یکفرهم !!!!! إلى آخر ما یسلسل به الغلاة..
ولا شک أن هذا أعسر وأعسر ، ولکنه مع دافع الهوى یسیر.
• وبعد فإذا کنت قد فهمت ما تقدم فقد صار معلوما لدیک ؛ أنه لا یعقل بعد هذا استعمال مثل هذه القاعدة أو تنزیلها على من امتنع من تکفیر بعض المنتسبین للإسلام ممن قامت عنده على تکفیرهم بعض الأدلة المعارضة التی ظنها موانع للتکفیر أو الشبهات الواردة علیه من فهمه لبعض النصوص..
- کتارک الصلاة ، فإن من لم یکفره وإن کان مخطئا إلا أنه لا یجحد الأدلة الصحیحة القاضیة بکفره ، بل یؤمن بها ویصدق ولکن یؤولها بالکفر الأصغر ،أو یخصصها فیمن جحد الصلاة دون من ترکها تکاسلا ، لتعارض ظاهر بعض النصوص الأخرى معها ، کحدیث ( خمس صلوات کتبهن الله على العباد.. وفیه قوله: ومن لم یأتی بهن فلیس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ). رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائی وغیرهم ، ونحو ذلک من حجج القائلین بذلک ؛ وهم کثیر ، ومنهم أئمة جبال کمالک والشافعی وغیرهم ممن لم یکفر من ترکها تکاسلا.. فلم نسمع أن أحدا من المخالفین لهم ؛ القائلین بکفره کالإمام أحمد فی إحدى الروایتین عنه ، وعبد الله بن مبارک و اسحاق بن راهویه وغیرهم قالوا بکفرهم أو طبّقوا قاعدة ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) علیهم ؛ فضلا عن أن یسلسلوا فیکفروا من لم یکفر من لم یکفر من لم یکفرهم !!!!!
- وکذلک الشأن فی خلافهم فی سائر المبانی..
- ومثل هذا خلاف الصحابة فی ابن صیاد هل هو الدجال أم لا ، فإن الدجال لا شک فی کفره ، ومع هذا لم یکفر بعضهم بعضا.
- وألحق البعض فی هذا الباب ما ذکره الله تعالى من خلاف الصحابة فی طائفة من المنافقین ، فقال سبحانه: (( فما لکم فی المنافقین فئتین والله أرکسهم بما کسبوا أتریدون أن تهدوا من أضل الله ومن یضلل الله فلن تجد له سبیلا ))
ومع هذا لم تکفر إحدى الفئتین الفئة الأخرى المخالفة لهم فی هؤلاء المنافقین.
- ومن ذلک توقف عمر الفاروق فی أمر مانعی الزکاة لما عزم الصدیق على قتالهم – وسیأتی – فقد أشکلت المسألة على عمر رضی الله عنه کونهم یقولون لا إله إلا الله ، ومع هذا لم یکفره الصدیق بل کشف له الشبهة وأبان له المحجة ، ولا یقال أن هذا لا یصلح إیراده هاهنا لأن عمر إنما أشکل علیه قتالهم لا تکفیرهم ، وذلک لأن کل أحد یعلم أن القتال الذی دعا إلیه الصدیق وسارت سیرته معهم فیه ؛ کان قتال ردة لا قتال بغاة أو نحوهم وهذا هو الذی أشکل على عمر رضی الله عنه.
- ومثله خلاف السلف فی تکفیر بعض الظلمة والطغاة من الولاة أو غیرهم ، کخلافهم فی الحجاج فإنه معروف ، وأکثر السلف لم یکونوا یکفرونه ، وکانوا یصلون خلفه ، وصح عن بعضهم أنه کفره ؛ منهم سعید بن جبیر قیل له: خرجت على الحجاج ؟ قال: ( إنی والله ما خرجت علیه حتى کفر ؟ ).
ومنهم مجاهد سأل عنه فقال: ( تسألنی عن الشیخ الکافر ).
وروى ابن عساکر عن الشعبی أنه قال: ( الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت کافر بالله العظیم ).
بل بلغ الأمر بإبراهیم النخعی أن قال: ( کفى بالرجل عمى أن یعمى عن أمر الحجاج )..
ومع هذا فلم یصف لا هو ولا غیره ممن کفروا الحجاج أحدا بعینه ممن خالفوهم فی ذلک بأنه أعمى ، فضلا على أن یعملوا فیه قاعدة ( من لم یکفر الکافر فهو کافر ) ثم یسلسلوا بها..
بل صح عن طاووس انه قال: ( عجبا لإخواننا من أهل العراق یسمّون الحجاج مؤمنا ؟ ! ) (۹).
فوصفهم بإخوانه ، وهذا هو الحق الذی لا مریّة فیه.. لأن من توقف فی تکفیره من أهل العلم إنما توقف لأنه حکم له بأصل التوحید الذی یدین به ، ولم یبلغه عنه کفر بواح.. فهو مجتهد فی ذلک لم یکذّب بنص من نصوص الشرع.
هذا إذا کان طاووس یقصد تکفیره بهذا ، أما إذا کان یقصد ما ذکره الذهبی فی السیر (۵/۴۴) بعد أن أورد مقالته هذه ،حیث قال: ( یشیر إلى المرجئة منهم،الذین یقولون: هو مؤمن کامل الإیمان مع عسفه وسفکه الدماء وسبه الصحابه ) أهـ.
فإنه یعنی بذلک مرجئة الفقهاء الذین لم یکن یکفرهم السلف لمجرد خطئهم فی تعریف الإیمان وعدم إدخال الأعمال فیه ، فإنهم وإن کانوا یرون الفاسق الفاجر مؤمنا کامل الإیمان لا تنقص ذنوبه إیمانه ،وهذا قولهم فی الحجاج ؛ إلا إنهم لم یکونوا یسوّغون الکفر أویرقّعونه أو یسمونه إیمانا، ولو ثبت عندهم کفر الحجاج لما سمّوه مؤمنا، ولذلک لم یخرجهم هو وغیرهم من السلف من الأخوّة الإیمانیة رغم ضلالهم ، هذا بخلاف غلاة المرجئة الذین کفّرهم السلف کوکیع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبی عبید، وغیرهم.
- وکذلک یقال فی نزاع السلف فی تکفیر کثیر من أهل الأهواء کالخوارج والقدریة والجهمیة ونحوهم ، وقد تکلم شیخ الإسلام فی ذلک فی مواضع کثیرة من الفتاوى وذکر (۱۲/۲۶۰-۲۶۱) ما وقع فیها من الاضطراب بین العلماء ، وسرد مذهب الإمام أحمد وأصحابه وغیرهم من أهل السنة فی الخلاف فی تکفیر بعض تلک الطوائف ؛ ولم یذکر أن المکفرین منهم کفروا غیر المکفرین ، ولا ذکر ذلک غیره عنهم.. بل ذکر وبیّن عذرهم فی ذلک الخلاف ، فقال: ( وسبب التنازع تعارض الأدلة ، فإنهم یرون أدلة توجب إلحاق الکفر بهم ؛ ثم إنهم یرون من الأعیان الذین قالوا تلک المقالات من قام به من الإیمان ما یمتنع أن یکون کافرا ، فیتعارض عندهم الدلیلان ) أهـ. (۱۲/۲۶۰-۲۶۱)
وقال فی موضع آخر: ( وهکذا الأقوال التی یکفر قائلها قد یکون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تکون عنده ولم تثبت عنده ، أو لم یتمکن من فهمها ، وقد یکون قد عرضت له شبهات یعذره الله تعالى بها ، فمن کان من المؤمنین مجتهدا فی طلب الحق وأخطأ ، فإن الله یغفر له خطاه – کائنا ما کان – سواء کان فی المسائل النظریة ، أو العملیة. هذا الذی علیه أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم ، وجماهیر أئمة الإسلام ) أهـ. (۲۳/۱۹۵-۱۹۶).
وذکر فی موضع آخر نزاع الصحابة فی المسائل الخبریة ، ومن ذلک قول عائشة رضی الله عنها: ( من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفریة ) ؛ ثم قال: ( ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعین لها ؛ إنه مفتر على الله ) ثم قال: ( والتکفیر هو من الوعید ، فإنه وإن کان القول تکذیبا لما قاله الرسول صلى الله علیه وسلم ، لکن قد یکون الرجل حدیث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادیة بعیدة ، ومثل هذا لا یکفر بجحد ما یجحده حتى تقوم علیه الحجة ، وقد یکون الرجل لم یسمع تلک النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأویلها وإن کان مخطئاً ) أهـ. ( ۳/۱۴۸).
فتأمل هذه المواضع ، فإنها مهمة ، توسّع مدارکک ، وتفقهک فی هذه الأبواب ، وتجنبک التعنّت والتهور فی التکفیر ، أو التطاول على المجتهدین من أهل العلم ، وتعرّفک بأعذار من یتوقّف منهم ومن غیرهم من المؤمنین عن متابعة بعض أخبار الشرع أو أحکامه أو الإقرار بها ، سواء أکانت فی أبواب التکفیر أم فی غیر ذلک.. وقد حصرها شیخ الإسلام هنا بخمسة أعذار: (۱۰)
۱- تعارض الأدلة عندهم مما یوجب تأویلهم لبعضها.
۲- عدم بلوغ بعض النصوص إلیهم ،سواء لحداثة العهد بالإسلام ، أو للنشوء فی بادیة بعیدة ، أو نحو ذلک.
۳- عدم ثبوتها عندهم.
۴- عدم التمکن من فهمها لخفائها أو إشکالها ، أو ضعف إدراک أو قلة علم متلقیها.
۵- عروض بعض الشبهات التی یعذر طالب الحق بها.
فمن أوّل النص أو ردّه ، أو امتنع عن الأخذ به لسبب من هذه الأسباب ، فإنه لا یعتبر مکذّبا أو جاحدا للنص ، ومن ثم فلا یجوز أن تطبّق على مثله قاعدة ( من لم یکفر الکافر.. ) فضلا عن إطلاق التسلسل بها..
* وتنبّه إلى أن هذا الکلام یشمل کما هو بیّن من لم یکفر الکافر رادا بعض الأدلة للأعذار المذکورة ؛ فمن باب أولى أن یدخل فیه من لم یکفّر من کفره بعض الناس دون إیراد أدلة صحیحة أو صریحة على تکفیرهم ؛ لضعفهم فی مفاتیح العلم أو لعدم معرفتهم بطرق الاستدلال أو لخطئهم فی ذلک الحکم.. !!
ولا بد من التنبّه لهذا کله ومرعاته ، فإن الخلاف فی باب الأسماء ومسائل التکفیر واسع ، ومن رام إقناع مخالفیه بتکفیر من یکفرهم هو ، فعلیه بأدلة الشرع ولیراعِ طرق الاستدلال الصحیحة بها ، قال تعالى: (( قل إنما أنذرکم بالوحی )).
ومن أفلس من ذلک فلا خیر ولا فلاح له فی غیره قال تعالى: (( فبأی حدیث بعد الله وآیاته یؤمنون )) ؟؟ ولا خیر له بأسالیب الإرهاب الفکری أو التکفیری ، فإنها لا تضر إلا صاحبها ،ولا خیر فیمن تبنّى مذهبه خوفا منها أو تضررا بها.. وما أسرع أن یترک ذلک فی أقرب فرصة ولأدنى شبهة ،فالحق الذی یبارک الله فیه هو فی المذهب الأسَدّ الموافق لأدلة الشرع؛لا فی المذهب الأشَدّ الموافق للنزوات..
ولیعلم أنه إن کان همه أن یبحث عن أقاویل وإطلاقات فی غیر کلام الله وکلام رسوله تؤید مذهبه وترقعه ؛ فلن یعدم ذلک..
فمن أعجب ما مرّ علی فی تتبعی لتعامل الناس مع هذه القاعدة ، قول (الصولی) یمدح الخلیفة المکتفی بالله (۲۸۹هـ-۲۹۵هـ) عندما قتل عسکره یحیى بن زکرویه القرمطی:
من رأى أن مؤمنا من عصاکم فقد کفر
أنزل الله ذاکم قبل فی محکم السور
ومعناه ؛ أن من لم یکفّر أو یفسق من عصاکم أو خرج علیکم، فقد کفر ، ویزعم أن هذا الحکم دل علیه القرآن.. !! (۱۱)
فیقال له: أین قال الله تعالى هذا فی محکم السور ؟؟ فتأمل کیف استخدمت القاعدة هنا لإدخال الناس فی الطاعة ، وتخویفهم وإرهابهم من الخروج وشق العصا.. ومع أن فی نصوص الشارع عن ذلک غنیة لأهل العدل.. ولکنه تهور الشعراء ، فحذار من الاغترار بمثله فإنه من مجازفات الشعراء وقد قال تعالى فیهم:
(( والشعراء یتبّعهم الغاوون * ألم تر أنّهم فی کل واد یهیمون )) !!
وهذه رسالة من رسائل الشیخ عبد اللطیف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشیخ یخاطب فیها حول هذا الموضوع بعض المتسرعین فی زمانه ممن انتسبوا إلى دعوة الشیخ محمد بن عبد الوهاب وأساءوا استعمال بعض إطلاقاته ،دون أن یتنبهوا إلى الأصل الذی ذکره شیخ الإسلام فیما تقدم وهو قوله: ( وحقیقة الأمر: أنهم أصابهم فی ألفاظ العموم فی کلام الأئمة ما أصاب الأولین فی ألفاظ العموم فی نصوص الشارع ، کلما رأوهم قالوا: من قال کذا فهو کافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لکل من قاله ، ولم یتدبروا أن التکفیر له شروط وموانع قد تنتفی فی حق المعین ، وأن تکفیر المطلق لا یستلزم تکفیر المعین إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، یبین هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذین أطلقوا هذه العمومات لم یکفروا أکثر من تکلم هذا الکلام بعینه ) أهـ…
أوردها زیادة فی الفائدة ؛ وإلا فإن الشیخ محمد بن عبد الوهاب هو وأولاده وأحفاده کما قد ذکرنا من قبل یصدرون فی هذا الباب عن مشکاة شیخ الإسلام.
( من عبد اللطیف بن عبد الرحمن بن حسن ، إلى عبد العزیز الخطیب.
سلام على عباد الله الصالحین. وبعد فقرأت ، رسالتک وعرفت مضمونها وما قصدته من الاعتذار ، ولکن أسأت فی قولک أن ما أنکره شیخنا الوالد من تکفیرکم أهل الحق واعتقاد إصابتکم أنه لم یصدر منکم ، وتذکر أن إخوانک من أهل النقیع یجادلونک وینازعونک فی شأننا ، وأنهم ینسبوننا إلى السکوت عن بعض الأمور ، وأنت تعرف انهم یذکرون هذا غالباَ على سبیل القدح فی العقیدة ، والطعن فی الطریقة ، وإن لم یصرحوا بالتکفیر فقد حاموا حول الحمى. فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، ومن الغی عن سبیل الرشد والعمى.
وقد رأیت سنة أربع وستین رجلین من أشباهکم المارقین بالإحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة ، وکفَّرا من فی تلک البلاد من المسلمین ، وحجتهم من جنس حجتکم ،یقولون: أهل الإحساء یجالسون ابن فیروز ، ویخالطونه هو وأمثاله ممن لم یکفر بالطاغوت ، ولم یصرح بتکفیر جده الذی رد دعوة الشیخ محمد ولم یقبلها وعاداها. قالا: ومن لم یصرح بکفره فهو کافر بالله لم یکفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتین المقدمتین الکاذبتین الضالتین ما یترتب على الردة الصریحة من الأحکام ، حتى ترکوا رد السلام. فرفع إلی أمرهم ، فأحضرتهم وهددتهم ، وأغلظت لهم القول. فزعموا أولا أنهم على عقیدة الشیخ محمد بن عبد الوهاب ، وأن رسائله عندهم ، فکشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم ، بما حضرنی فی المجلس ، وأخبرتهم ببراءة الشیخ من هذا المعتقد والمذهب ، فانه لا یکفر إلا بما أجمع المسلمون على تکفیر فاعله من الشرک الأکبر ، والکفر بآیات الله ورسله أو بشیء منها ، بعد قیام الحجة وبلوغها المعتبر ، کتکفیر من عبد الصالحین ودعاهم مع الله ، وجعلهم أندادا فیما یستحقه على خلقه من العبادات والإلهیة. وهذا مجمع علیه عند أَهل العلم والإیمان …..
وقد أظهر الفارسیان المذکوران التوبة والندم وزعما أن الحق ظهر لهما ،ثم لحقا بالساحل وعادا إلى تلک المقالة ، وبلغنا عنهم تکفیر أئمة المسلمین ، بمکاتبة الملوک المصریین ، بل کفّروا من خالط من کاتبهم من مشایخ المسلمین ، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، والحور بعد الکور ، وقد بلغنا عنکم نحوا من هذا ، وخضتم فی مسائل من هذا الباب ، کالکلام فی الموالاة والمعاداة ، والمصالحة والمکاتبات ، وبذل الأموال والهدایا ونحو ذلک من مقالة أهل الشرک بالله والضلالات ، والحکم بغیر ما أنزل الله عند البوادی ونحوهم من الجفاة ، لا یتکلم فیها إلا العلماء من ذوی الألباب ، ومن رزق الفهم عن الله وأوتی الحکمة وفصل الخطاب ، والکلام فی هذا یتوقف على معرفة ما قدمناه ومعرفة أصول عامة کلیة لا یجوز الکلام فی هذا الباب وفی غیره لمن جهلها ؛ وأعرض عنها وعن تفاصیلها ، فإن الإجمال والإطلاق ، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصیله ، یحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما یفسد الأدیان ، ویشتت الأذهان ، ویحول بینها وبین فهم القرآن ، قال ابن القیم فی کافیته رحمه الله تعالى:
فعلیک بالتفصیل والتبیین فالإ طلاق والإجمال دون بیان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأ ذهان والآراء کل زمان
وأما التکفیر بهذه الأمور التی ظننتموها من مکفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحروریة المارقین الخارجین على علی بن أبی طالب أمیر المؤمنین ومن معه من الصحابة ، فإنهم أنکروا علیهم تحکیم أبى موسى الأشعری وعمرو بن العاص فی الفتنة التی وقعت بینه وبین معاویة وأهل الشام ، فأنکرت الخوارج علیه ذلک وهم فی الأصل من أصحابه من قراء الکوفة والبصرة وقالوا حکمت الرجال فی دین الله ، ووالیت معاویة وعمراً وتولیتهما وقد قال تعالى: ( إن الحکم إلا لله ) وضربت المدة بینکم وبینهم وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت براءة ….. ) ص( ۴-۶) وسرد بعض أخبار الخوارج التی سنأتی علیها فی آخر هذا الکتاب.
ثم قال ص(۷): ( ولفظ الظلم والمعصیة والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والرکون والشرک ونحو ذلک من الألفاظ الواردة فی الکتاب والسنة قد یراد بها مسمّاها المطلق وحقیقتها المطلقة ، وقد یراد بها مطلق الحقیقة ، والأول هو الأصل عند الأصولیین والثانی لا یحمل الکلام علیه إلا بقرینة لفظیة أو معنویة ؛ وإنما یعرف ذلک بالبیان النبوی وتفسیر السنة قال تعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لیبین لهم ) الآیة …
إلى أن قال ص(۸):
( وأما إلحاق الوعید المرتب على بعض الذنوب والکبائر فقد یمنع منه مانع فی حق المعین کحب الله ورسوله والجهاد فی سبیله ورجحان الحسنات ومغفرة الله ورحمته وشفاعة المؤمنین والمصائب المکفرة فی الدور الثلاثة. وکذلک لا یشهدون لمعین من أهل القبلة بجنة ولا نار ، وإن أطلقوا الوعید کما أطلقه القرآن والسنة فهم یفرقون بین العام المطلق ، والخاص المقید ، وکان عبد الله ( حمار ) یشرب الخمر فأتى به رسول الله صلى الله علیه وسلم فلعنه رجل وقال ما أکثر ما یؤتی به إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال النبی صلى الله علیه وسلم (( لا تلعنه فإنه یحب الله ورسوله )) مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إلیه.. )
وقال ص(۱۰):
( وأما قوله (( ومن یتولهم منکم فإنه منهم ))
وقوله (( لا تجد قوما یؤمنون بالله والیوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله ))
وقوله تعالى (( یا أیها الذین آمنوا لا تتخذوا الذین اتخذوا دینکم هزوا ولعبا من الذین أوتوا الکتاب من قبلکم والکفار أولیاء واتقوا الله إن کنتم مؤمنین )) فقد فسرته السنة وقیدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة. وأصل الموالاة هو الحب والنصرة والصداقة ، ودون ذلک مراتب متعددة ولکل ذنب حظه وقسطه من الوعید والذم ، وهذا عند السلف الراسخین فی العلم من الصحابة والتابعین معروف فی هذا الباب وغیره ، وإنما أشکل الأمر ، وخفیت المعانی والتبست الأحکام على خلوف من العجم والمولدین الذین لا درایة لهم بهذا الشان ، ولا ممارسة لهم بمعانی السنة والقرآن ، ولهذا قال الحسن رضی الله عنه: من العجمة أتوا. وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبید لما ناظره فی مسألة خلود أهل الکبائر فی النار واحتج ابن عبید أن هذا وعد والله لا یخلف وعده یشیر إلى ما فی القرآن من الوعید على بعض الکبائر والذنوب بالنار والخلود فقال له ابن العلاء: من العجمة أتیت ، هذا وعید لا وعد وانشد قول الشاعر:
وإنی وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إیعادی ومنجز موعدی
وقال بعض الأئمة فیما نقل البخاری أو غیره إن من سعادة الأعجمی والأعرابی إذا أسلما أن یوفقا لصاحب سنة ، وإِن من شقاوتهما أن یمتحنا وییسرا لصاحب هوى وبدعة.
وقال ص( ۱۱-۱۲ ):
( وقد بلغنی أنکم تأولتم قوله تعالى فی سورة محمد ( ذلک بأنهم قالوا للذین کرهوا ما نزل الله سنطیعکم فی بعض الأمر ) على بعض ما یجری من أمراء الوقت من مکاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض رؤساء الضالین ، والملوک المشرکین ، ولم تنظروا لأول الآیة وهی قوله: ( إن الذین ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبین لهم الهدى ) ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة ، ولا المراد من الأمر المعرّف (۱۴) المذکور فی قوله تعالى فی هذه الآیة الکریمة وفی قصة صلح الحدیبیة وما طلبه المشرکون واشترطوه وأجابهم إلیه رسول الله صلى الله علیه وسلم ما یکفی فی رد مفهومکم ودحض أباطیلکم.. ) أهـ. باختصار من الجزء الثالث من مجموعة الرسائل والمسائل النجدیة.
وأورد رحمه الله فی (منهاج التأسیس والتقدیس فی کشف شبهات داود بن جرجیس) رسالة لجده محمد بن عبد الوهاب ؛ قال فیها:
( سألنی الشریف عما نقاتل علیه،وعما نکفر الرجل به ؟
فأخبرت بالصدق،وبینت له أیضاً الکذب الذی یبهتنا به الأعداء… فکان مما قال: ( وأما الکذب والبهتان: أنّا نکفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلینا على من قدر على إظهار دینه،وأنّا نکفر من لم یکفر ولم یقاتل،ومثل هذا وأضعاف أضعافه. فکل هذا من الکذب والبهتان الذی یصد به ورثة أبی جهل من سدنة الأصنام وأئمة الکفر ؛الناس عن دین الله ورسوله؛ وإنّا لا نکفر إلا من کفره الله ورسوله،من المشرکین عباد الأصنام کالذین یعبدون الصنم الذی على قبر عبد القادر والصنم الذی على قبر أحمد البدوی وأمثالهما أما الذین آمنوا بالله وکتبه ورسله والیوم الآخر وجاهدوا فی الله حق جهاده فهم إخواننا فی الدین وإن لم یهاجروا إلینا. فکیف نکفر هؤلاء؟ سبحانک هذا بهتان عظیم. ) أهـ. ص(۸۸ -۸۹ ).
وأخیرا.. فإننا نقول بناءا على ما قدمناه لک من تفصیل.. أن من خالفنا – من المسلمین – فی تکفیر طواغیت الحکم أو أنصارهم وعساکرهم وأجنادهم ، فتوقف فی ذلک أو امتنع من تکفیرهم ، لنصوص تعارضت عنده (۱۲)، أو شبهات أشکلت علیه ، کاحتجاج کثیر ممن لم ترسخ قدمهم فی العلم والفهم ، بأنهم یقولون ( لا إله إلا الله ) أو بأنهم یصلون ، أو نحو ذلک من الشبهات التی رددنا علیها وکشفناها فی غیر هذا الموضع (۱۳)؛ فإننا وإن کنا نراهم أجهل ممن استجهلهم الأئمة لعدم تکفیرهم الجهمیة.. وأشد عمایة ممن رماهم النخعی بالعمى لتوقفهم فی تکفیر الحجاج.. إلا أننا مع ذلک لا نُکفّرهم ولا نعمل هذه القاعدة فیهم – لأجل هذه المخالفة وحدها – ما دام عندهم أصل التوحید ، وما دام توقفهم لباعث الجهل أو لقیام شبهات أو تعارض نصوص فی أذهانهم.. إذ لیس فی ذلک جحدا أو تکذیبا وردا للنصوص الصحیحة الصریحة القاضیة بتکفیر الطواغیت وأنصارهم ؛ بشرط أن لا یؤدی ذلک بهم إلى اقتحام سبب من أسباب الکفر ، کالانضمام إلى أجنادهم وعسکرهم والانخراط فی نصرتهم أو نصرة تشریعاتهم وقوانینهم الکفریة ، أو المشارکة فی تشریعها أو تفعیلها وتحکیمها وحراستها.. کما سنفصله فی خاتمة هذا الفصل ، ومقالتنا هذه لیست بدعا من القول بین أهل العلم ، بل لنا بمثلها سلف..
فقد ذکر شیخ الإسلام فی الفتاوى ( ۳۵/۷۹) أن العبیدیین من أکفر الناس ، ومعلوم ما کانوا علیه من الردة وتغییر الشرائع.. ثم ذکر أنه لا یدّعی أن منهم الإمام المعصوم ( إلا جاهل مبسوط الجهل أو زندیق یقول بلا علم ) هذا فیمن ادعى العصمة فی بعضهم.. أما من شهد لهم بالإیمان ولم یکفرهم.. فإنه لم یحکم بتکفیره ولا أورد علیه قاعدة ( من لم یکفر الکافر.. ) التی تقدم إطلاقه لها بمواضع شتى.. بل وصفه بأنه ( شهد بما لا یعلم.. ).
فقال (۳۵/۸۰): ( وهؤلاء القوم {أی العبیدیین } یشهد علیهم علماء الأمة وأئمتها وجماهیرها ، أنهم کانوا منافقین زنادقة یظهرون الإسلام ویبطنون الکفر ، فإذا قُدّر أن بعض الناس خالفهم فی ذلک صار فی إیمانهم خلاف مشهور ، فالشاهد لهم بالإیمان شاهد بما لا یعلم.. ).
وقال ص(۸۱): ( وإذا کان کذلک فمن شهد لهم بصحة نسب أو إیمان ، فأقل ما فی شهادته أنه شاهد بلا علم ، قاف ما لیس له به علم ، وذلک حرام باتفاق الأئمة ) أهـ.
فتأمل قوله هذا – فإنه مهم ، إذ هو فیمن لا یکفر العبیدیین الذین لا یقلّون کفرا عن طواغیت هذا الزمان ، وإیاک ثم إیاک أن تزل بک قدم الإفراط والمغالاة فتصیر ممن جعل هذه القاعدة أصل الدین ، یدور الإسلام عنده معها وجودا وعدما ، فیعقد على موافقته على تکفیر من یکفرهم عقد الولاء والبراء ، والمؤاخاة والمعاداة ، فمن کفر من یکفرهم فهو له ولی حمیم ؛ ولو کان من شر الخلق والخلیقة ، ومن خالفه فی ذلک عن جهل أو اجتهاد ؛ فهو من أعدائه بل من أعداء الله الکافرین !! أسأل الله تعالى أن یُجنّبنی وإیاک مواقع الزلل ، وأن یجعلنا ممن یستمعون القول فیتبعون أحسنه.
وأذکرک فی ختام هذا الموضع ، وقبل أن أنتقل إلى غیره بقوله رحمه الله تعالى فی الفتاوى: ( فمن عیوب أهل البدع تکفیر بعضهم بعضا ، ومن ممادح أهل العلم ؛ یخطّؤون ولا یکفّرون.
وسبب ذلک أن أحدهم یظن ما لیس بکفر کفرا ، وقد یکون کفرا ، لأنه تبین له أنه تکذیبٌ للرسول وسبٌ للخالق ، والآخر لم یتبین له ذلک.
فلا یلزم إذا کان هذا العالم بحاله یکفر إذا قاله ، أن یکفر من لم یعلم بحاله ) أهـ منهاج السنة (۳/۶۳).

((۱۲))
التکفیر بالمآل أو بلازم القول
ومن الأخطاء الشائعة فی التکفیر أیضاً ؛ التکفیر بالمآل أو بلازم القول وهو أن لا یصرّح المکلف بقول مکفر، وإنما یصرح بأقوال یلزم عنها الکفر، وهو لا یعتقد ذلک اللزوم( )، بل ربما کان لا یعرفه ولا خطر له على بال، فإن لم یعرف صاحب القول لازمه ویلتزمه، فلا یجوز إلزامه به، أو تقویله إیاه أو نسبته إلیه، ومن ثم تکفیره بذلک اللازم.
وقد رأیت من الغلاة فی زماننا من یتتبع العثرات، ویصطاد فی الماء العکر، فیکفّر بلازم الأقوال بل وبلازم اللازم…!!
یقول ابن حزم رحمه الله: ( وأما من کفّر الناس بما تؤول إلیه أقوالهم فخطأ؛ لأنه کذب على الخصم وتقویل له ما لم یقل به، وإن لزمه فلم یحصل على غیر التناقض فقط، والتناقض لیس کفراً. بل قد أحسن إذ قد فرّ من الکفر.. ) إلى أن قال: ( فصح أنه لا یکفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ینفع أحد أن یعبر عن معتقده بلفظ یحسّن به قبحه، لکن المحکوم به هو مقتضى قوله فقط ) أهـ. الفصل (۳/۲۹۴).
فالصواب المقرر عند العلماء أن ( لازم المذهب لیس بمذهب ).
فقد یتبنى المرء قولاً أو مذهباً معیناً، ولا یلتزم بلوازمه المکفرة أو غیر المکفرة… وإن تناقض.
وهذا کقول المعتزلی فی صفات الله: (عالم ولکن لا علم له) و(حی لا حیاة له). فإنه یثبت العلم، وأن الله عالم وأن الله حی، ولا یُکّذب بشیء من ذلک حتى یُکَفّر. ولکن قوله “لا علم له ولا حیاة له” یوقع الاشتباه بتکفیره، إذ أن نفی العلم والحیاة، یلزم منه أن لا یکون الله عالماً ولا حیاً… ولکن المعتزلی لا یلتزم بذلک، بل یقر بأن الله تعالى عالم، فلا یکون نفیه للعلم نفیاً بأنه عالم… وهذا الإشکال یوجب تخبط المعتزلة، وتناقضهم وضلالهم، ولکن لا یلزم منه وحده تکفیرهم…( ).
یقول القاضی عیاض بعد أن ذکر خلاف العلماء فی تکفیر من جهل بعض صفات الله تعالى: (فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال: أقول عالم ولکن لا علم له، ومتکلم ولکن لا کلام له، وهکذا فی سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما یؤدیه إلیه قوله ویسوقه إلیه مذهبه کَفّره؛ لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا یوصف بعالم إلا من له علم، فکأنهم صرحوا عنده بما أدى إلیه قولهم، وهکذا عند هذا سائر فرق أهل التأویل من المشبهة والقدریة وغیرهم.
ومن لم یأخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم یر إکفارهم، قال لأنهم إذا وُقفوا على هذا قالوا، لا نقول لیس بعالم، ونحن ننتفی من القول بالمآل الذی ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه کفرٌ بل نقول إن قولنا لا یؤول إلیه على ما أصلناه.
فعلى هذین المأخذین اختلف الناس فی إکفار أهل التأویل، وإذا فهمته اتضح لک الموجب لاختلاف الناس فی ذلک.
والصواب ترک إکفارهم والإعراض عن الحکم علیهم بالخسران، وإجراء حکم الإسلام علیهم فی قصاصهم، ووراثاتهم ومناکحاتهم ودیاتهم، والصلاة علیهم ودفنهم فی مقابر المسلمین وسائر معاملاتهم، لکنّهم یغلظ علیهم بوجیع الأدب، وشدید الزجر والهجر حتى یرجعوا عن بدعتهم، وهذه کانت سیرة الصدر الأول فیهم، فقد کان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم فی التابعین من قال بهذه الأقوال من القدر ورأی الخوارج والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبراً، ولا قطعوا لأحد منهم میراثاً، لکنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفی والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب کبائر عند المحققین وأهل السنة ممن لم یقل بکفرهم منهم خلافاً لمن رأى غیر ذلک والله الموفق للصواب) أهـ. (۲/۲۹۳-۲۹۵) الشفا.
ومن أمثلة ذلک أیضاً، خلاف العلماء فی تکفیر الخوارج الذین لم یصرّحوا بالکفر أو یرتکبوا سبباً من أسبابه الصریحة، وإنما قالوا أقوالاً تؤدی إلى الکفر. کما أشار القاضی آنفاً ونقل عن المازری قوله: (اختلف العلماء فی تکفیر الخوارج، وقد کادت هذه المسألة تکون أشد إشکالاً من سائر المسائل، ولقد رأیت أبا المعالی وقد رغب إلیه الفقیه عبد الحق رحمهما الله تعالى فی الکلام علیها فرهب له من ذلک، واعتذر بأن الغلط فیها یصعب موقعه؛ لأن إدخال کافر فی الملّة وإخراج مسلم منها عظیم فی الدین، وقد اضطرب فیها قول القاضی أبی بکر الباقلانی وناهیک به فی علم الأصول، وأشار ابن الباقلانی إلى أنها من المعوصات؛ لأن القوم لم یصرّحوا بالکفر. وإنما قالوا أقوالاً تؤدی إلیه…) أهـ. من شرح مسلم للنووی (۷/۱۴۲). وانظر فتح الباری (کتاب استتابة المرتدین…) باب (من ترک قتال الخوارج…) وانظر الشفا (۲/۲۷۶-۲۷۷).
وکذلک مرجئة الجهمیة فإنه یلزم من تعریفهم للإیمان بأنه المعرفة ؛ إیمان فرعون لقوله تعالى: (( وجحدوا بها واستیقنتها أنفسهم )) (۱۴- النمل ). ولقول موسى کما أخبر تعالى: (( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض)) (الإسراء: ۱۰۲).
وإیمان الیهود والنصارى. لقوله تعالى: (( الذین آتیناهم الکتاب یعرفونه کما یعرفون أبناءهم )) (البقرة: ۱۴۶).
وإیمان إبلیس لمعرفته الله ومعرفته بوحدانیته، فإنه لم یکذب خبراً ولم یجحد، إذ أن الله أمره بلا رسول، ولکن جمهورهم لا یلتزمون ذلک، ولو التزموه لکفروا به؛ لأن فیه تکذیب صریح لنصوص الکتاب المکفرة للمذکورین.
فلا یجوز والحال کذلک إلزامهم به وإن تناقضوا ، ما لم یصرحوا بالتزامه، وإن کان من السلف کوکیع بن الجراح وأحمد بن حنبل من أطلق کفر من قال أن الإیمان مجرد معرفة القلب ، وقد کفروا غلاتهم لأشیاء أخرى، لکن لمن جادلهم وناظرهم أن یستدل على فساد مذهبهم فی الإیمان، بإیراد مثل هذه اللوازم الفاسدة علیهم. فإن فساد اللازم یستدل به على فساد الملزوم.
فمن التزمها منهم کالاتحادیة والحلولیة من الجهمیة کفر بالتزامه لها، وإلا فلا یحل إلزامهم بها ماداموا یدفعونها ویردونها وإن تناقضوا ، أو کفروا من أبواب أخرى.
ومن أمثلة هذا الباب فی واقع الیوم بین بعض الشباب ؛ زعم بعضهم أن عدم تکفیر المشرکین أو الطواغیت وأنصارهم. یلزم منه موالاتهم،وعدم البراءة منهم ، ومن ثم فکل من لم یکفرهم. فهو کافر، لقوله تعالى: (( ومن یتولّهم منکم فإنه منهم )).. إذ عدم تکفیرهم وعدّهم من المسلمین یجعل لهم نصیباً من الموالاة الإیمانیة، ولا یخرجهم من دائرتها، لأن المسلم لا تجوز البراءة الکلیة منه، وهذا أحد تخریجاتهم لقاعدة ( من لم یکفر الکافر فهو کافر )..
وبعضهم یوجه ذلک توجیهاً آخر فیقول: مادام الکفر بالطاغوت شطر التوحید وشرطه ، فمن لم یُکفّر الطواغیت لم یَکفُر بالطاغوت ومن ثم فهو لم یحقق التوحید الذی هو حق الله على العبید، والذی جعله الله تعالى العروة الوثقى وعلق سبحانه النجاة بها. حیث قال: (( فمن یکفر بالطاغوت ویؤمن بالله فقد استمسک بالعروة الوثقى لا انفصام لها…)).
فمن لم یکفر بالطاغوت ویبرأ منه لم یحقق التوحید ولم یستمسک بعروة النجاة الوثقى ومن ثم فهو من الهالکین ، والتوجیهان فی حقیقتهما یرجعان إلى شیء واحد ؛ وهو إلزام المخالف بعدم البراءة من الطاغوت وبموالاته مادام عنده مسلماً.
وبالطبع فتکفیرهم بهذا اللازم جعلهم یخرجون من الإسلام جماعات وجماهیر عوام المسلمین فی هذا الزمان ؛ بل وکفّروا خواصهم من المجاهدین والدعاة وطلبة العلم والعلماء، بناء على عدم تکفیرهم لبعض المشایخ الذین لهم اتصال بالحکومات. وذلک تبعاً لتوسیعهم لمصطلح الطاغوت الواجب الکفر به کشرط لتحقیق التوحید.
فالشیخ الفلانی أو العلانی المتصل بالحکومة الطاغوتیة، ولا یُکفّرها، قد صنّفوه من الأحبار والرهبان فهو إذن طاغوت، ومن ثم فمن لم یکفّره لم یکفر بالطاغوت ولم یحقق التوحید!!
وذلک استدلالاً بقوله تعالى: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله…)). والصحیح أن الأحبار والرهبان والعلماء شأنهم شأن النواب المشرعین والأمراء والرؤساء والملوک. لا یعتبرون أرباباً لکل من لم یکفرهم… وإنما یصیرون أرباباً وطواغیت معبودین لمن تابعهم على کفرهم وأطاعهم فی تشریعاتهم… وهذا هو (اتخاذهم أرباباً) وعبادتهم کطواغیت کما جاء مفسراً فی حدیث عدی بن حاتم: ( ألیس یحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ویحلون ما حرّم الله فتحلونه؟)( )… ولذلک ذکره الشیخ محمد بن عبد الوهاب فی کتاب التوحید فی باب (من أطاع العلماء والأمراء فی تحریم ما أحل الله أو تحلیل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله).
فلا یکون اتخاذهم أرباباً وطواغیت معبودین بمجرد عدم تکفیرهم، دون اقتراف ذلک أو التزامه. ویتأکد ذلک إذا کان عدم تکفیرهم لشبهة قیام مانع من موانع التکفیر أو جهل نص أو عدم بلوغه ، أو خفاء دلالة النصوص أو تعارضها فی أذهان العوام الضعفاء فی العلم الشرعی.
ومجرد ضلال العالم أو إضلاله أو تلبیسه أو اتصاله بالحکومات الکافرة وإن صار به رأس ضلالة، أو أدى إلى کفره باقتحام أی سبب من أسباب الکفر، لا یلزم منه کونه طاغوتاً…
إذ کل طاغوت کافر، ولیس کل کافر طاغوتا.
والخلاصة أنه إنما یصیر طاغوتاً إذا انطبق علیه تعریف الطاغوت المستفاد من الشرع: وهو کل من عبد من دون الله بأی نوع من أنواع العبادة التی یکفر من صرفها لغیر الله ، وهو راضٍ بذلک.
کأن یشرّع من دون الله ما لم یأذن به الله ، أو یُتحاکم إلیه فی غیر ما أنزل الله ، أو نحو ذلک مما یندرج تحت هذا التعریف الشرعی – لا التعریفات اللغویة العامة التی قد یدخل تحتها العصاة والظلمة وغیرهم ، ولا اصطلاحات البعض المطاطة التی یدخلون تحتها ما یهوون ویشتهون.
فمن کان من الناس یتحاکم إلى عالم أو کاهن أو غیره بغیر ما أنزل الله أو یتابعه على تشریع ما لم یأذن به الله کتحریم الحلال أو تحلیل الحرام أو استبدال أحکام الله التی وضعها للخلق أو تغییر حدوده التی حدها للناس ، فهذا قد اتخذه ربّاً من دون الله وطاغوتاً.. وهذا هو الذی لا یصیر مسلماً وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم حتى یبرأ من طاغوته ویکفر به… سواء کان یکفّره أم لم یکن یکفره…
هذا من جهة…
ومن جهة أخرى، فإن ما ألزم به أصحاب هذا القول، من لا یکفّر الطواغیت وأنصارهم من لزوم موالاتهم وعدم البراءة منهم… لا یلتزمه أکثر الناس… وما یترتب علیه بعد ذلک مما رتبوه لا یلزم إلا من صرّح بالتزامه بقول أو عمل صریح. أی إذا أتى بمکفرٍ صریح ظاهر من الأقوال أو الأفعال المکفرة… التی هی أسباب الکفر، وما لم یأت بشیء من ذلک فلا یلزمه شیء من تلک اللوازم.
والأمثلة کثیرة من واقع الیوم على عدم التزام أکثر الناس بتلک اللوازم، وإن تناقضوا کتناقض المعتزلة المتقدم… ولکن التناقض والتخبط والجهل شیء غیر التکفیر الذی لا یکون إلا بسبب من أسباب الکفر الظاهرة..
وقد ناظرت فی أوقات مختلفة، أفراداً من جماعات إسلامیة مختلفة فی هذا الباب… وعندما کنت أورد علیهم شیئاً من هذه اللوازم التی تلزم من عدم تکفیر الطواغیت، کان أکثرهم لا یلتزموها… وکنت أحاججهم وأحرجهم بإظهار تناقضهم، ولکنهم، غالباً ما کانوا یرضون بهذا التناقض، على أن یلتزموا شیئاً من تلک اللوازم المکفرة… ومنها الإقرار بموالاة الطاغوت أو حکمه وشرعه –الذی یقر أکثرهم بأنه حکم وشرع کفری-.
وأذکر أنی ألزمت بعضهم بأنه لا یجوز له أن یبرأ من الطاغوت براءة کلیة لکونه مسلماً عنده. فالتزم ذلک.
فلما قلت له: إذن أنت تتولاه…؟ لم یلتزم ذلک، مع أن عدم البراءة منه وتولیه هما فی الحقیقة شیء واحد، لکن لما نصّ الله على کفر من تولى الکفار، صار ذلک أمراً محذوراً عند القوم لم یصرحوا بالتزامه فلا یصح إلزامهم به ما لم یلتزموه قولاً أو عملاً. کما لا یصح إلزامهم بلازم اللازم، وإن تخبطوا وتناقضوا ، فلیس شغلنا الشاغل التنقیب أو التنبیش عن أسباب کفرهم ما لم یظهروها ، ولیس همّنا تکفیرهم أو تکفیر غیرهم على أی حال ، فالتکفیر الذی یلزم له مقارفتهم لسبب من أسباب التکفیر الظاهرة شیء ، ومجرد تناقضهم دون مقارفة ذلک شیء آخر.
ثم تخبطهم لیس بموقوف على هذا الأمر، فترى کثیراً منهم فی المقابل یبرؤون من خصومهم من الموحدین، المنابذین للطواغیت براءة أشد من براءتهم من الکفار. بل ویعلن ذلک کثیر منهم على صفحات الصحف العلمانیة الکافرة… وکم شاهدناه.
فیعادونهم ویفترون علیهم وینتهکون حرماتهم، ویهدرون حقوقهم الإسلامیة، ویعاملونهم معاملة الکفار، وإذا ألزمتهم تکفیرهم أو بغضهم وعداوتهم لما یحملونه أو ینتهجونه من دین وتوحید وجهاد لم یلتزموا ذلک ، فهذا من تخبطهم وتناقضهم الکثیر( ).
بل إن بعض الناس یرى جواز قتال الحکام والخروج علیهم ومنازعتهم مع کونه لا یکفرهم، فکیف یمکن إلزام أمثال هؤلاء بتولی الحکام کلازم من لوازم عدم تکفیرهم؟
ومن الأمثلة العملیة الصارخة على هذا ؛ (جهیمان) رحمه الله ومن کانوا معه، فقد خالطت جماعته مدة وقرأت کتبهم کلها وعشت معهم وعرفتهم عن قرب، فجهیمان رحمه الله لم یکن یکفر حکام الیوم لقلة بصیرته فی واقع قوانینهم وکفریاتهم، وکذلک کان أمر الحکام السعودیین عنده… وقد صرّح بذلک فی کتاباته، کما فی (کشف الالتباس) و(الإمارة).
ولکنه کان بالفعل، سخطة علیهم وغصّة فی حلوقهم وأشد علیهم من کثیر ممن یکفرونهم… فکان یطعن فی بیعتهم ویبطلها، ولا یسکت عن شیء من منکراتهم التی یعرفها… حتى خرج فی آخر أمره علیهم وقاتلهم هو ومن کانوا معه فی فتنة الحرم عام (۱۴۰۰هـ).
ولا یعنینی هنا ما رافق تلک الفتنة وسبقها من تأویلات حول المهدی وبیعته، وظنهم أنه کان واحداً منهم.
وإنما الذی أرید قوله هنا، أن الرجل مع أنه لم یکن یکفرهم، فهو لم یکن یوالیهم أو یحبهم، بل کان یعادیهم ویبغضهم وینازعهم ویطعن فی بیعتهم ، ویعتزل هو وجماعته وظائفهم الحکومیة کلها () ، کما اعتزلوا مدارسهم وجامعاتهم، بل وتخلّصوا من وثائقهم وجوازاتهم، ثم قاتلوهم فی آخر الأمر، وکان قبل ذلک بمدة مطارداً مطلوباً لهم، یدعو ویتنقل خفیة، إلى أن ظفروا به فی الحرم وقتلوه بعدها.
فهذا مثال صریح من الواقع على فساد إطلاق تلک اللوازم المتقدمة على کل من لم یُکفّر الطواغیت.
وأیضاً فمعلوم أن التولی المکفر هو نصرة الکفار على الموحدین أو نصرة الکفر نفسه سواء باللسان أو السنان. أی بأن یظهره المرء کسبب من أسباب الکفر القولیة أو العملیة الظاهرة. فهذا هو الذی یمکن التکفیر به فی أحکام الدنیا. أما ما بطن وخفی من ذلک کدعوى أن من لا یکفرهم لابد وأنه یتولاهم، وإن لم یظهر منه شیء بلسانه أو فعاله، فهذا لا أثر له فی أحکام الدنیا، ولا یصلح التکفیر به، ولا بأمثاله من المغیبات والظنون والتخرصات، وما لم یلتزم المرء بشیء من تلک اللوازم قولاً أو عملاً، فلا یجوز إلزامه بها، ومن ثم تکفیره… وإن تناقض وتخبط فی مذهبه واختیاره.
وقد سئل شیخ الإسلام ابن تیمیة: (هل لازم المذهب مذهب أم لا؟).
فأجاب: (الصواب أن {لازم} مذهب الإنسان لیس بمذهب له إذا لم یلتزمه، فإنه إذا کان قد أنکره ونفاه کانت إضافته إلیه کذبا علیه، بل ذلک یدل على فساد قوله وتناقضه فی المقال، غیر التزامه اللوازم التی یظهر أنها من قبل الکفر والمحال مما هو أکثر، فالذین قالوا بأقوال یلزمها أقوال یعلم أنه لا یلتزمها لکن لم یعلم أنها تلزمه، ولو کان لازم المذهب مذهباً للزم تکفیر کل من قال عن الاستواء أو غیره من الصفات إنه مجاز لیس بحقیقة، فإن لازم هذا القول یقتضی ألا یکون شیء من أسمائه أو صفاته حقیقة.. ) إلى قوله: (لکن نعلم أن کثیراً ممن ینفی ذلک لا یعلم لوازم قوله، بل کثیر منهم یتوهم أن الحقیقة لیست إلا محض حقائق المخلوقین( ). وهؤلاء جهال بمسمى الحقیقة والمجاز، وقولهم افتراء على اللغة والشرع…) أهـ. مجموع الفتاوى (۲۰/۱۲۱) (ط. دار ابن حزم) وما بین المعکوفین زیادة یقتضیها السیاق، سقطت من المطبوع.
وقال فیها أیضاً (۲۹/۲۵-۲۶): ( فلازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق: فهذا مما یجب علیه أن یلتزمه، فإن لازم الحق حق ویجوز أن یضاف إلیه إذا علم من حاله أنه لا یمتنع من التزامه بعد ظهوره.
والثانی: لازم قوله الذی لیس ( )بحق، فهذا لا یجب التزامه، إذ أکثر ما فیه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من کل عالم غیر النبیین، ثم إن عرف من حاله أنه یلتزمه بعد ظهوره له، فقد یضاف إلیه، وإلا فلا یجوز أن یضاف إلیه قول لو ظهر له فساده لم یلتزمه؛ لکونه قد قال ما یلزمه، وهو لا یشعر بفساد ذلک القول ولا ( )یلزمه.
وهذا التفصیل فی اختلاف الناس فی لازم المذهب: هل هو مذهب أو لیس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما کان من اللوازم یرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا یرضاه فلیس قوله، وإن کان متناقضاً) أهـ.
وقال تلمیذه ابن القیم فی قصیدته النونیة الموسومة (بالکافیة الشافیة فی الانتصار للفرقة الناجیة):
من عارفٍ بلزومها الحقانِ
قصد الّوازم وهی ذات بیان
قد کان یعلمه بلا نکران
إذ کان ذا سهو وذا نسیان
العلماء مذهبهم بلا برهان (ولوازم المعنى تراد بذکره
وسواه لیس بلازم فی حقه
إذ قد یکون لزومها المجهول أو لکن عرته غفلة بلزومها
ولذاک لم یک لازماً لمذاهب
نقلاً عن شرح القصیدة لأحمد بن عیسى (۲/۳۹۴).
وخلاصة کلامه فی هذه الأبیات؛ أن لوازم المذهب لیست بمذهب، إلا أن یکون صاحب المذهب عارفاً عالماً بلزومها لمذهبه فیلتزمها… ومادام جاهلا بتلک اللوازم أو غافلاً عنها ناسیاً لا یشعر بها، فلا تلزمه، ولا یجوز إلزامه بها بلا برهان.
وقال الذهبی (۷۴۸هـ): (لا ریب أن بعض علماء النظر بالغوا فی النفی، والرد والتحریف والتنزیه بزعمهم، حتى وقعوا فی بدعة، أو نعت الباری بنعوت المعدوم.
کما أن جماعة من علماء الأثر، بالغوا فی الإثبات وقبول الضعیف والمنکر( )، ولهجوا بالسنة والاتباع. فحصل الشغب ووقعت البغضاء، وبدّع هذا هذا، وکفر هذا هذا، ونعوذ بالله من الهوى والمراء فی الدین، وأن نکفّر مسلماً موحداً بلازم قوله، وهو یفر من ذلک اللازم، وینزه ویعظم الرب) أهـ. (الرد الوافر لابن ناصر الدین) ص(۴۸).
وقال أبو إسحاق الشاطبی (۷۹۰هـ) فی الاعتصام (۲/۲۲۹): (الذی کنا نسمعه من الشیوخ أن مذهب المحققین من أهل الأصول؛ “أن الکفر بالمآل لیس بکفر فی الحال” کیف والکافر ینکر ذلک المآل أشد الإنکار، ویرمی مخالفة به [ولو]( ) تبین له وجه لزوم الکفر من مقالته لم یقل بها على حال) أهـ.
ویقول أیضاً فی الکتاب نفسه: (ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هی مسألة مختلف فیها بین أهل الأصول. والذی کان یقول به شیوخنا البجائیون والمغربیون، ویرون أنه رأی المحققین أیضاً، أن لازم المذهب لیس بمذهب، فلذلک إذا قرّر علیه، أنکره غایة الإنکار) أهـ.
وأورد السخاوی فی فتح المغیث (۱/۳۳۴) مقالة شیخه ابن حجر حیث قال: (والذی یظهر أن الذی یحکم علیه بالکفر من کان الکفر صریح قوله، وکذا من کان لازم قوله وعُرض علیه فالتزمه… أما من لم یلتزمه وناضل عنه فإنه لا یکون کافراً ولو کان اللازم کفراً) أهـ.
وقال الشیخ عبد الرحمن بن ناصر السعدی (۱۳۷۶هـ): (والتحقیق الذی یدل علیه الدلیل أن لازم المذهب الذی لم یصرح به صاحبه ولم یشر إلیه، ولم یلتزمه لیس مذهباً؛ لأن القائل غیر معصوم، وعلم المخلوق مهما بلغ فإنه قاصر، فبأی برهان نلزم القائل بما لم یلتزمه، ونقوّله ما لم یقله، ولکننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم فإن لوازم الأقوال من جملة الأدلة على صحتها وضعفها وعلى فسادها، فإن الحق لازمه حق، والباطل یکون له لوازم تناسبه، فیستدل بفساد اللازم –خصوصاً اللازم الذی یعترف القائل بفساده- على فساد الملزوم) أهـ ص (۱۱۳) (توضیح الکافیة الشافیة).
والخلاصة؛ أن التکفیر باللازم والمآل من المعوصات کما تقدم عن العلماء. وقال الشوکانی: (التکفیر بالإلزام، من أعظم مزالق الأقدام، فمن أراد المخاطرة بدینه، فعلى نفسه جنى) أهـ. من السیل الجرار (۴/۵۸۰).

(( ۱۳ ))
تکفیر من مات على شیء من الذنوب لم یتب منها
ومن الأخطاء الشنیعة فی التکفیر أیضا ؛ تکفیر من مات على شیء من الذنوب لم یتب منها ، فقد رأیت بعض غلاة المکفرة یقولون بهذا ، واستثنوا الصغائر ، ظانین بأنهم یرقعون بذلک مذهبهم الشاذ عن عقیدة أهل السنة والجماعة ، أو أنهم یمیزونه عن مذهب الخوارج ، ومعلوم أن من الخوارج من لا یکفر بالصغائر ، بل ومنهم من یعذر بالجهل ومنهم من لا یکفر بالکبائر کما سیأتی فی آخر هذا الکتاب..
ولقد کنت أوردت على بعضهم الأدلة الدالة على فساد مذهبهم هذا ، من الآیات التی فیها ذکر مغفرة الله للذنوب عموما صغیرها وکبیرها ما عدا الشرک أو الکفر لمن مات علیه..
نحو قوله تبارک وتعالى: (( إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء )) ، وأحادیث الشفاعة التی فیها خروج کثیر من أهل الذنوب من النار ، بعد أن یعذبوا بقدر ذنوبهم ، أو عدم دخولهم النار أصلا برحمة الله تعالى لهم..
فقیدوا ذلک بمن تاب فی الدنیا قبل أن یموت.. ومعلوم أن التوبة الصادقة فی الدنیا تجب ما قبلها ، فلا یبقى على المرء بعدها عذاب ، وبابها واسع یشمل الکفر والشرک وغیره ، ولیست هی خاصة بالکبائر ولا بالصغائر بل هی عامة..
أما آیة النساء السابقة ، فقد احتج بها أهل السنة ، کما قال شیخ الإسلام ، على أهل البدع الذین یقولون: لا یغفر لأهل الکبائر إذا لم یتوبوا.. کما فی مجموع الفتاوى ( ۷/۴۱۶).
وفصّل ذلک فی موضع آخر، فقال رحمه الله تعالى: (الله تعالى غافر الذنب قابل التوب شدید العقاب، والذنب وإن عظم، والکفر وإن غلظ وجسم، فإن التوبة تمحو ذلک کله، والله سبحانه لا یتعاظمه ذنب أن یغفره لمن تاب، بل یغفر الشرک وغیره للتائبین، کما قال تعالى: (( قل یا عبادی الذین أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله یغفر الذنوب جمیعاً إن الله هو الغفور الرحیم )) وهذه الآیة عامة مطلقة لأنها للتائبین.
وأما قوله: (( إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء )) فإنها مقیدة خاصة، لأنها فی حق غیر التائبین، لا یغفر لهم الشرک، وما دون الشرک معلق بمشیئة الله تعالى) أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (۲/۲۱۷).
وقد ذکر ابن حزم قوله تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا فأصلحوا بینهما…)) إلى قوله (( إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بین أخویکم)) وقوله تعالى فی القصاص فی القتلى: (( فمن عُفی له من أخیه شیء…)) الآیة، وبین أن الأخوة الإیمانیة تستلزم أنه لیس بکافر… ثم قال: ( ولیس لأحد أن یقول؛ إنه تعالى إنما جعلهم إخواننا إذا تابوا. لأن نص الآیة أنهم إخوان فی حال البغی وقبل الفیئة إلى الحق) أهـ. الفصل (۳/۲۳۶).
وتأمل هذا الذی قاله فی الذنوب غیر المکفرة، والفرق بینه وبین ما قاله الله تعالى فی الکفر حیث علق الأخوة فی الدین ورتبها على التوبة منه؛ فی سورة التوبة: (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزکاة فإخوانکم فی الدین ونفصل الآیات لقوم یعقلون)).
وقد روى البخاری ومسلم وغیرهما عن عبادة بن الصامت أن النبی صلى الله علیه وسلم قال لأصحابه: ( تعالوا بایعونی على أن لا تشرکوا بالله شیئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادکم…. ) الحدیث إلى قوله: (ومن أصاب من ذلک شیئا ثم ستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه). ففیه أن من أصاب من الذنوب شیئا ولم یقم علیه حده وستره الله إلى أن مات فهو فی المشیئة، إن شاء الله عذبه بقدر ذلک الذنب وإن شاء عفا عنه، ومن کان کذلک فلیس بکافر، وهذا عموم یدخل فیه غیر التائب… والتائب غیر المستکمل لشروط التوبة الحقیقیة المتقبلة عند الله، أما التائب توبة کاملة حقیقیة متقبلة، فلا عذاب علیه، ولا یعکر على ذلک ذکر الشرک؛ لأن (عموم هذا الحدیث –کما قال النووی- مخصوص بقوله تعالى (( إن الله لا یغفر أن یشرک به )) فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا یکون القتل له کفارة) أهـ.
وقال الحافظ فی (کتاب الإیمان)… فتح الباری: (وقد قیل: یحتمل أن یکون المراد ما ذکر بعد الشرک بقرینة أن المخاطب بذلک المسلمون، فلا یدخل حتى یحتاج إلى إخراجه، ویؤیده روایة مسلم من طریق أبی الأشعث عن عبادة فی هذا الحدیث؛ “ومن أتى منکم حداً ” إذ القتل على الشرک لا یسمى حداً) أهـ.
وفی صحیح مسلم من حدیث أبی ذر قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ( یقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزید ، ومن جاء بالسیئة فجزاء سیئة مثلها أو أغفر … إلى قوله: ومن لقینی بقراب الأرض خطیئة لا یشرک بی شیئا لقیته بمثلها مغفرة ). وفیه دلالتان على عدم تکفیر من مات على ذنوب دون الشرک ، أولهما قوله: ( ومن جاء بالسیئة فجزاء سیئة مثلها أو أغفر )
ففیه أن من جاء الله بالسیئة لم یتب منها فهو إلى الله إن شاء جازاه بمثلها ، وإن شاء غفر له. والثانیة قوله: ( ومن لقینی بقراب الأرض خطیئة لا یشرک بی شیئا لقیته بمثلها مغفرة ) ففیه أن من مات على ذنوب لم یتب منها ؛ فإن الله یغفرها له إن حقق التوحید واجتنب الشرک والتندید.
وعن ابن عمر رضی الله عنهما قال: (مازلنا نمسک عن الاستغفار لأهل الکبائر، حتى سمعنا من فی نبینا صلى الله علیه وسلم یقول: ( إن الله تبارک وتعالى لا یغفر أن یشرک به، ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء فإنی ادخرت شفاعتی لأهل الکبائر من أمتی یوم القیامة”، فأمسکنا عن کثیر مما کان فی أنفسنا) رواه ابن أبی عاصم فی السنة.
وروى مسلم فی صحیحه فی (کتاب الإیمان) (باب الدلیل على أن قاتل نفسه لا یکفر) حدیث الرجل الذی هاجر مع الطفیل بن عمرو فمرض فجزع فقطع براجمه بمشاقص( ) فشخبت حتى مات، فرآه الطفیل فی منامه، هیئته حسنة ورآه مغطیاً یدیه، فقال له: ما صنع بک ربک؟ فقال: غفر لی لهجرتی… فقال: مالی أراک مغطیاً یدیک؟ قال: قیل لی؛ لن نصلح ما أفسدت، فقصّها الطفیل على رسول الله صلى الله علیه وسلم، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: (اللهم! ولیدیه فاغفر).
قال النووی: (… فیه حُجّة لقاعدة عظیمة لأهل السنة، أن من قتل نفسه أو ارتکب معصیة غیرها، ومات من غیر توبة فلیس بکافر، ولا یقطع له بالنار، بل هو فی حکم المشیئة) أهـ.
وقال فی موضع آخر: ( مذهب أهل الحق أن المعاصی غیر الکفر لا یقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم یتب منها ، بل هو بمشیئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه خلافا للخوارج والمعتزلة. ) أهـ شرح مسلم (۴/۲۹۷).
هذا وإن مما یدل على فساد مذهب من کفّر بالذنوب عموماً تفاوت الحدود والعقوبات الشرعیة التی وضعها الله تعالى لعباده فی الدنیا، إذ لم یجعل سبحانه عقوبة الذنوب کلها القتل، کما هو شأن حد الردة الذی قال فیه النبی صلى الله علیه وسلم: (من بدّل دینه فاقتلوه)( ).
فلو کانت الکبائر أو غیرها من الذنوب، کفراً مخرجاً من الملّة، لاستوى حدّها کلها مع حد الردة، لکن لما تفاوتت عقوباتها دل ذلک على تفاوت حکم الله فیها وأنها لیست کفراً أکبر… ولذلک لا تقام الحدود التی هی دون القتل على من کان مریضاً ویخشى علیه، إلا بعد شفائه.
ومن کانت معصیته حدّها القتل کالزانی المحصن وقاتل المسلم، صُلّی علیه بعد قتله ودفن فی مقابر المسلمین وورث ماله لورثته، وهذه کلها أحکام تفارق أحکام المرتد.
والسارق تقطع یده لسرقته، ویعطى من بیت المال لحقه فیه کسائر المسلمین.
ولما لعن بعض الصحابة رجلاً أقیم علیه حد الخمر، نهاه النبی صلى الله علیه وسلم عن لعنه، وذکر أنه یحب الله ورسوله( ).
فهذا وغیره مما یدل على أنه قد تجتمع فی المرء السیئة مع الحسنة، وأنه لا یخرج من دائرة الإسلام مادامت السیئة دون الشرک.
وإمکان اجتماع المعصیة مع الإیمان، هو الأصل الذی فارق به أهل السنة والجماعة، جمیع الفرق الضالة کالخوارج والمعتزلة وغیرهم. ولذلک قالوا بأن الإیمان یتفاضل ویتبعّض.
وقد قال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادی (۴۲۹هـ) فی رده على الخوارج المکفرین لکل عاص وهو یسرد الأصول التی اجتمع علیها أهل السنة والجماعة: (ولو کان المذنبون کلهم کفرة لکانوا مرتدین عن الإسلام، ولو کانوا کذلک لکان الواجب قتلهم دون إقامة الحدود علیهم، ولم یکن لوجوب قطع ید السارق وجلد القاذف ورجم الزانی المحصن( ) فائدة، لأن المرتد لیس له حد إلا القتل) أهـ ص(۳۵۱-۳۵۲).
وقال شیخ الإسلام فی سیاق ذکره لمذهب الخوارج وأنهم قالوا: ( المؤمن من فعل جمیع الواجبات وترک جمیع المحرمات، فمن لم یکن کذلک فهو کافر، مخلد فی النار، ثم جعلوا کل من خالف قولهم کذلک، فقالوا: إن عثمان وعلیاً ونحوهما حکموا بغیر ما أنزل الله وظلموا فصاروا کفاراً ). قال: (ومذهب هؤلاء باطل بدلائل کثیرة من الکتاب والسنة، فإن الله سبحانه أمر بقطع ید السارق دون قتله، ولو کان کافراً مرتداً لوجب قتله؛ لأن النبی صلى الله علیه وسلم. قال: (من بدّل دینه فاقتلوه) وقال: (لا یحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: کفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان أو قتل نفس یقتل بها) وأمر سبحانه بأن یجلد الزانی والزانیة مائة جلدة ولو کانا کافرین لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه بأن یجلد قاذف المحصنة ثمانین جلدة، ولو کان کافراً لأمر بقتله…الخ). مجموع الفتاوى (۷/۲۹۶-۲۹۷) (ط دار ابن حزم).
قال الإمام أبو عثمان إسماعیل الصابونی (۴۴۹هـ): ( ویعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا کثیرة صغائر وکبائر فإنه لا یکفر وإن خرج من الدنیا غیر تائب منها ومات على التوحید والإخلاص فإن أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة یوم القیامة سالما غانما غیر مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتکبه واکتسبه ثم استصحبه إلى یوم القیامة من الآثام والأوزار ، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم یخلده فیها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعیم دار القرار. ) أهـ. (عقیدة السلف وأصحاب الحدیث ).

(( ۱۴ ))
الخلط وعدم التمییز فی التکفیر بین ما هو من أصل الإیمان أو نواقضه
وبین ما هو من الإیمان الواجب أو المستحب
ومن الأخطاء الشائعة فی التکفیر أیضاً؛ الخلط وعدم التمییز فی التکفیر بین ما کان من أصل الإیمان أو نواقضه وبین ما هو من الإیمان الواجب أو المستحب ،وهذا الخلط یوقع فی التخبط فی التکفیر… وبیان ذلک أن الإیمان ینقسم إلى: أصل، وواجب، ومستحب.
قال شیخ الإسلام ابن تیمیة فی کتاب الإیمان فی تعریفه: (وهو مرکب من أصل لا یتم بدونه( ). ومن واجب ینقص بفواته نقصا یستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب یفوت بفواته علو الدرجة) أهـ.
• فأصل الإیمان: هو ما لا یوجد الإیمان بدونه، ولا نجاة من الکفر إلا به، وهو الذی یسمى (مطلق الإیمان) وهو یشتمل على شعب لا یصح الإیمان إلا بها:
- فعلى القلب: معرفة ما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم إجمالاً، والتصدیق به. والانقیاد له مع الإتیان بأعمال القلب التی لا یصح الإیمان إلا بها کالمحبة لما جاء به النبی صلى الله علیه وسلم والرضا والتسلیم به ونحو ذلک من أعمال القلوب.
- وعلى اللسان: الإقرار بالشهادتین.
- وعلى الجوارح: الصلاة التی یکفر تارکها، وکذلک سائر المبانی عند بعض العلماء تبعاً للخلاف فی کفر تارکها.
* وضابط ما یدخل فی أصل الإیمان: أن کل قول أو عمل یکفر تارکه، ففعله من أصل الإیمان، وکل قول أو عمل یکفر فاعله فترکه من أصل الإیمان.
- ومن أتى بأصل الإیمان دخل الجنة، إما ابتداء وإما مآلاً، إذ هو من الموحدین، والجنة أعدت للموحدین وهی مصیرهم، وإن قصّروا فی الإیمان الواجب.
یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة فی (اقتضاء الصراط المستقیم): (لیس کل من قام به شعبة من شعب الإیمان یصیر مؤمناً حتى یقوم به أصل الإیمان) أهـ. ص (۸۲).
• والإیمان الواجب: وهو ما زاد عن أصل الإیمان من فعل الواجبات وترک المحرمات.
- وضابط ما یدخل فی الإیمان الواجب:
أن کل عمل ورد فی ترکه وعید ولم یکفر تارکه ففعله من الإیمان الواجب، کأداء الأمانة وبر الوالدین والجهاد الواجب وصلة الرحم ونحو ذلک.
وکل عمل ورد فی فعله وعید ولم یکفر فاعله فترکه من الإیمان الواجب، کالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والکذب.
- ومن قصّر فی الإیمان الواجب، فترک واجباً أو فعل محرماً، فإن کان عنده أصل الإیمان، فهو من أصحاب الکبائر، أو عصاة الموحدین، أو من یسمى (بالفاسق الملی) أی أنه مع فسقه لم یخرج من الملّة، فمن مات على هذا فهو من أهل الوعید، ولکنه فی المشیئة –عند أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة- إن شاء الله غفر له وأدخله الجنة ابتداء بلا عذاب، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم یکون مصیره إلى الجنة، مصیر الموحدین، بما معه من أصل الإیمان.
کما فی حدیث أبی هریرة عند البخاری أن النبی صلى الله علیه وسلم قال: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بین العباد وأراد أن یخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائکة أن یخرجوا من النار من کان لا یشرک بالله شیئا ممن أراد الله أن یرحمه ممن یشهد أن لا إله إلا الله، فیعرفونهم فی النار بأثر السجود).
- ومن أتى بالإیمان الواجب مع أصل الإیمان، ولم یقصر فیه، ولم یزد علیه فهذا هو المؤمن المستحق للوعد السالم من الوعید، أی أنه یستحق دخول الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب، وفی أمثال هؤلاء قیل حدیث (أفلح إن صدق) لما قال أحدهم للنبی صلى الله علیه وسلم: (والذی أکرمک بالحق لا أطوّع شیئاً، ولا أنقص مما فرض الله علی شیئا) رواه البخاری.
• أما الإیمان المستحب: فهو ما زاد عن الإیمان الواجب، من فعل المندوبات والمستحبات وترک المکروهات والمشتبهات، فمن أتى بهذا مع أصل الإیمان والإیمان الواجب فهو من السابقین المحسنین الذین یستحقون دخول الجنة ابتداء فی درجة السابقین بالخیرات بإذن الله، وفوات هذه الرتبة، یفوّت علو الدرجة ولا عقاب علیها ولا عذاب.
ومن هذا التفصیل یتلخص لدینا هذه القاعدة: (أن کل طاعة إیمان ولیس کل معصیة کفر أکبر).
فکما أن الطاعات تتفاوت مراتبها، فمنها ما یدخل فی أصل الإیمان وتعتبر شرطاً للإیمان، ومنها ما یدخل فی الإیمان الواجب، ومنها ما یدخل فی الإیمان المستحب.
کما فی حدیث: ( الإیمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطریق، والحیاء شعبة من الإیمان) متفق علیه.
فکذلک المعاصی منها ما یُخل بأصل الإیمان، وتسمى کفراً أو ناقضاً.
ومنها ما یُخل بالإیمان الواجب وتسمى فسقاً.
فلابد من معرفة کل درجة وما یتعلق بها، والتفریق بین ما یکفّر به وبین ما لا یکفّریه. قال تعالى: (ولکن الله حبّب إلیکم الإیمان وزینه فی قلوبکم، وکرّه إلیکم الکفر والفسوق والعصیان) فتأمل تفریق الله تعالى بین الکفر وبین الفسوق والعصیان، فلا تسلم قدم التسلیم للعبد حتى یفرّق بین ما فرّق الله بینه، ویجمع ویؤلف بین ما ألّف الله بینه.
فیفرق بین ما ینقض أصل الإیمان وهی المکفرات. وبین ما ینقص الإیمان الواجب أو المستحب، ولا ینقض أصله.
وبعض العلماء یطلقون مصطلح الإیمان الواجب أو واجبات الإیمان، ویجمعون فیه بین ما کان من أصل الإیمان ورتبة الإیمان الواجب، إذ ذلک کله من الواجبات، لکن الأول من شرط الإیمان الذی ینقض الإیمان بنقص شیء منه، والثانی من واجباته فقط ولیست من شروطه، وینقص بنقصها ولا ینتقض، والمسألة اصطلاحیة لا مشاحة فیها مادام المراد متسقاً مع أصول أهل السنة. ویفهم ذلک من السیاق کما فی المثال التالی:
فقد ضرب شیخ الإسلام ابن تیمیة لأقسام الإیمان مثلاً بالشجرة فقال:
( فإن الشجرة –مثلاً- اسم لمجموع الجذع والورق والأغصان( )، وهی بعد ذهاب الورق شجرة، وبعد ذهاب الأغصان شجرة، لکن غیر کاملة وناقصة( )، فیفعل مثل ذلک فی مسمى الإیمان والدین.
إن الإیمان ثلاث درجات:
- إیمان السابقین المقربین، وهو ما أتى فیه بالواجبات( ) والمستحبات من فعل وترک.
- وإیمان المقتصدین أصحاب الیمین وهو ما أتى فیه بالواجبات( ) من فعل وترک.
- وإیمان الظالمین وهو ما یترک فیه بعض الواجبات( ) أو یفعل فیه بعض المحظورات.
ولهذا قال علماء السنة فی وصفهم “اعتقاد أهل السنة والجماعة”: (إنهم لا یکفرون أحداً من أهل القبلة بذنب)، إشارة إلى بدعة الخوارج المکفرة بمطلق الذنوب، فأما أصل الإیمان الذی هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصدیقاً به وانقیاداً له، فهذا أصل الإیمان الذی من لم یأت به فلیس بمؤمن…) (۱۲/۲۵۴) (ط. دار ابن حزم).
ثم قال ص ۲۵۶: (وإذا عرف مسمى الإیمان، فعند ذکر استحقاق الجنة والنجاة من النار، وذم من ترک بعضه ونحو ذلک-یراد به الإیمان الواجب، کقوله تعالى: (( إنما المؤمنون الذین آمنوا بالله ورسوله ثم لم یرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فی سبیل الله أولئک هم الصادقون)) [ الحجرات: ۱۵].
وقوله صلى الله علیه وسلم: (لا یزنی الزانی حین یزنی وهو مؤمن ولا یسرق السارق حین یسرق وهو مؤمن، ولا یشرب الخمر حین یشربها وهو مؤمن)( ).
فنفى عنه الإیمان الواجب الذی یستحق به الجنة، ولا یستلزم ذلک نفی أصل الإیمان وسائر أجزائه وشعبه).
إلى قوله: (ومن هذا الباب: قوله صلى الله علیه وسلم: (من غشّنا فلیس منا)( )، لیس المراد به أنه کافر، کما تأولته الخوارج، ولا أنه لیس من خیارنا، کما تأولته المرجئة.
ولکن المضمر یطابق المظهر، والمظهر هم المؤمنون المستحقون للثواب، السالمون من العذاب. والغاش لیس منا لأنه متعرض لسخط الله وعذابه) أهـ مختصراً.
والخلاصة: أن الإیمان الذی یضاده الکفر هو فقط ما کان من (أصل الإیمان)
أما (الإیمان الواجب) فهو الذی یضاده الفسق، و(الإیمان المستحب) هو الذی یضاده الترک غیر المکفر ولا المفسق.
فلیحذر من الخلط بین نصوص هذه المراتب الثلاث فإن فی ذلک مزلّة الأقدام…
ولیتأمل فی الآیات والأحادیث، ولیتدبرها ولیرد المشکل منها إلى الواضح البیّن، فإنه لا یخرج من دائرة الإیمان والإسلام إلا من أتى بذنب مکفر یخل بأصل الإیمان، سواء کان:
- ترک واجب من واجبات أصل الإیمان؛ کترک الإقرار بالشهادتین، أو ترک الصلاة، أو انتفاء تصدیق القلب؛ وهو کفر التکذیب، أوانتفاء یقین القلب؛ وهو کفر الشک. ونحو ذلک من شعب وواجبات أصل الإیمان، سواء کانت من أعمال القلب أو اللسان أو الجوارح.
أو فعل محرم من المحرمات التی تضاد أصل الإیمان، سواء کانت من أعمال القلب أو اللسان أو الجوارح کالتحاکم إلى الطاغوت أو سب الله ورسوله ودعاء غیر الله أو الذبح والسجود لغیره سبحانه أو صرف التشریع والتحریم والتحلیل إلى غیره.
أما ما کان مخلاً بالإیمان الواجب فإنه ینقص الإیمان ولا ینقضه، فحذار من التکفیر به وحده.
* وقبل أن أختم هذا الموضع أنبه على خمس تنبیهات مهمة:
الأول: أن الکفر وإن کان قد یکون کما عرفت، بالإخلال بأی شیء من شعب أصل الإیمان، إلا أن التکفیر فی أحکام الدنیا إنما یکون بما یناقض أصل الإیمان باللسان والجوارح تحدیداً، أی بالأقوال والأعمال الظاهرة فقط.
ولا دخل لأعمال القلوب فی التکفیر فی أحکام الدنیا، لأنها أشیاء مغیبة لا یمکن الاطلاع علیها وضبطها ما لم یظهر ذلک الاعتقاد بقول أو عمل.
وقد عرفت أن الشارع قد وضع للأحکام الشرعیة فی أحکام الدنیا أسباباً وعللاً ظاهرة منضبطة، وما فی مُغیّب القلوب غیر ظاهر ولا یمکن ضبطه، ولذلک فهو لیس إلینا وإنما أمره إلى الله.
الثانی: أن کثیراً من صیغ الوعید –کما تقدم- تحتل نقضاً لأصل الإیمان، أو نقصاً فی الإیمان الواجب، فیجب تمحیص الصیغ المحتملة، بردها إلى المحکم المفصل من مبیناتها لمعرفة مراد الشارع منها –حتى لا یقع الاشتباه والتعجل بالتکفیر بما هو لیس بکفر ناقل عن الملة.
الثالث: أن العلماء قد یطلقون لفظ (نفی کمال الإیمان) ویریدون بذلک نفی کماله الواجب. فحذار من حمله على نفی حقیقته أی (أصله) فتکفر بإطلاقاتهم تلک من لم یکفره الشرع. أو حمله على کماله المستحب، فتخطئ المراد؛ لأن الشارع لا یتوعّد على ترک شیء من شعب الإیمان المستحب، بل لا یرد الوعید، إلا فی ترک واجب من واجبات الإیمان؛ إما من رتبة أصل الإیمان أو رتبة الإیمان الواجب.
قال شیخ الإسلام (۱۲/۲۵۶): (معنى قولهم: “نفی کمال الإیمان لا حقیقته) أی: الکمال الواجب، لیس هو الکمال المستحب) أهـ.
وقال (۷/۱۴): (ثم إن نفی “الإیمان” عند عدمها [أی: شعب الإیمان] دل على أنها واجبة، وإن ذکر فضل إیمان صاحبها ولم ینف إیمانه دل على أنها مستحبة( ).
فإن الله ورسوله لا ینفی اسم مسمى أمرٍ –أَمَر الله به ورسوله، إلا إذا ترک بعض واجباته، کقوله: “لا صلاة إلا بأم القرآن”( )، وقوله: “لا إیمان لم لا أمانة له، ولا دین لمن لا عهد له”( ) ونحو ذلک، فأما إذا کان الفعل مستحباً فی العبادة لم ینفها لانتفاء المستحب…”. إلى قوله: (فلو کان من لم یأت بکمالها المستحب یجوز نفیها عنه، لجاز أن ینفى عن جمهور المسلمین من الأولین والآخرین، وهذا لا یقوله عاقل.
فمن قال: إن المنفی هو الکمال، فإن أراد أنه نفی الکمال الواجب الذی یذم تارکه، ویتعرض للعقوبة، فقد صدق، وإن أراد أنه نفی الکمال المستحب، فهذا لم یقع قط فی کلام الله ورسوله، ولا یجوز أن یقع. فإن من فعل الواجب کما وجب علیه، ولم ینقص من واجبه شیئاً لم یجز أن یقال: ما فعله لا حقیقة ولا مجازاً) أهـ.
وقال أیضاً (۷/۳۰): (وکذلک من لا یحب لأخیه المؤمن ما یحب لنفسه، لم یکن معه ما أوجبه الله علیه من الإیمان، فحیث نفى الله الإیمان عن شخص، فلا یکون إلا لنقص ما یجب علیه من الإیمان، ویکون من المعرضین للوعید، لیس من المستحقین للوعد المطلق.
وکذلک قوله صلى الله علیه وسلم: “من غشنا فلیس منا، ومن حمل علینا السلاح فلیس منا”( ). کله من هذا الباب، لا یقوله إلا لمن ترک ما أوجب الله علیه، أو فعل ما حرّمه الله ورسوله، فیکون قد ترک من الإیمان المفروض علیه ما ینفی عنه الاسم لأجله، فلا یکون من المؤمنین المستحقین للوعد، السالمین من الوعید) أهـ (ط. دار ابن حزم).
وعلى هذا فإن قول الحافظ ابن حجر أو غیره عند حدیث( لا یؤمن أحدکم حتى یحب لأخیه ما یحب لنفسه)، على سبیل المثال: ( المراد بالنفی کمال الإیمان)( )، یجب حمله على نفی کماله الواجب لا المستحب.
لأن نفی اسم الإیمان لا یکون لترک مستحب، بل لا یکون إلا لترک واجب إما من أصل الإیمان أو من مرتبة الإیمان الواجب. وقول الحافظ إنما هو للتنبیه على أن ذلک لیس نفیاً لأصل الإیمان کما تقوله الخوارج. ولذلک قال فی الموضع نفسه: (ضرورة أن من لم یتصف بهذه الصفة لا یکون کافراً) أهـ.
الرابع: أن قید الاستحلال الذی یذکر کشرط للتکفیر فی بعض الذنوب، إنما یصح اشتراطه فی الذنوب التی تؤثر فی مرتبة الإیمان الواجب، أما ما یناقض أصل الإیمان فلا مدخل لهذا الشرط فیه، إذ هو من المکفرات المجردة التی لا تفتقر إلى هذا الشرط. فإن قرن بها… فهو زیادة فی الکفر.
الخامس: یرد کثیراً فی کلام العلماء التفریق بین الإیمان المطلق ومطلق الإیمان.
فالإیمان المطلق هو الإیمان الکامل التام الذی جمع أصل الإیمان والإیمان الواجب والإیمان المستحب. وذلک لأن فی قولک (الإیمان المطلق) تدخل اللام على الإیمان وهی تفید العموم والشمول، ثم تصفه بالإطلاق بمعنى أنه لم یقید بقید یوجب تخصیصه فهو عام یشمل کل فرد من أفراده.
أما مطلق الإیمان: فیطلق على الإیمان الناقص والکامل.
فالإضافة فیه لیست للعموم بل للتمییز فهو قدر مشترک مطلق لا عام فیصدق بأی فرد من أفراده.
ولهذا نفى النبی صلى الله علیه وسلم (الإیمان المطلق) عن الزانی وشارب الخمر والسارق کما فی الحدیث المتقدم؛ لئلا یدخل فی قوله: (( والله ولی المؤمنین )) ولا فی قوله: (( قد أفلح المؤمنون )) ولا فی قوله (( إنما المؤمنون الذین إذا ذکر الله وجلت قلوبهم )) ونحوها من الآیات، ولم ینف عنه مطلق الإیمان لیبقى داخلاً فی قوله تبارک وتعالى: (( فتحریر رقبة مؤمنة )) وفی قوله (( وإن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا )) وفی قوله صلى الله علیه وسلم: (لا یقتل مؤمن بکافر) رواه البخاری وغیره.
ولهذا کان قوله تعالى: (( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا، ولکن قولوا أسلمنا )) نفیاً للإیمان المطلق لا لمطلق الإیمان( ).
• ومثل ذلک مطلق التوحید والتوحید المطلق:
فمطلق التوحید: یدخل فیه جمیع الموحدین خواصهم وعوامهم اتقیائهم وفساقهم، فکل من آمن بالله واجتنب عبادة الطاغوت ولم یرتکب شیئاً من نواقض التوحید یدخل فی مطلق التوحید، وإن قصّر فی لوازمه وواجباته التی لیست من أصله.
والتوحید المطلق: یطلق على کمال التوحید التام الذی یأتی المکلف مع أصله بواجباته ولوازمه ومکملاته، کجهاد الطواغیت وإظهار عداوتهم وإعلان البراءة منهم ومن أولیائهم، والسعی فی إبطال الشرک وإخراج الناس منه، ولا مشاحة فی الاصطلاح ولکن أکثر الناس لا یعرفون ذلک.
ولهذا فنحن وإن کنا نستعمل لفظة الموحد کثیراً ونعنی بها خواص أهل الدین وأنصاره، فنسمیهم بأهم مهمات الدین التی قصّر فی لوازمها وواجباتها أکثر الناس تأکیداً على أهمیة التوحید الذی هو أصل دعوة الرسل وأتباعهم.
لکننا نکره ونحذر من نفی التوحید عن المخالفین لنا فی تکفیر الطواغیت وجهادهم ؛ مادام أولئک المخالفون من المسلمین کما یفعله بعض الناس، فنحن وإن کنا نتساهل بالإثبات فی هذا الباب. لکننا نکره النفی فیه وننهى عنه؛ لأن الإثبات لا یوهم محذوراً إلا بالمفهوم وهو غیر لازم بخلاف النفی، فإنه بإطلاقه یخشى أن یوهم تکفیر کل من نفی عنه ذلک فلزم ترکه. خصوصاً وأن ضد التوحید الشرک فی عرف المسلمین. وأکثر الناس لا یذهب فهمهم إلى الاصطلاح حتى یقول القائل أنه یقصد بذلک نفی التوحید المطلق لا مطلق التوحید، فهم لا یفرقون بین هذا وذاک، فلزم اجتنابه والتحرز منه حتى لا یوهم تکفیر المخالف من المسلمین، وحتى لا یعطى أعداء الدعوة فرصة للصید فی الماء العکر.
* ومن جنس هذا استعمال کثیر من الدعاة المعاصرین لفظة (أخونا) أو (إخواننا) على تجمعاتهم وتنظیماتهم – وقد عایشته – دون مخالفیهم أو من هم لیسوا على طریقتهم ودعوتهم، وقد ینفونها عن هؤلاء فیقولون (لیسوا من إخواننا) أی: لیسوا من جماعتهم، وهذا لا یحل مع المسلمین إذ هو یوهم البراءة الکلیة منهم، وهو سیئ الأثر على الأتباع من الشباب، وأقل مساوئه ما یورث من الحزبیة البغیضة… هذا إن لم یورث معاملة من هم خارج لفظة (إخواننا) معاملة الکفار… أو الحکم بتکفیرهم.
والله تعالى قد أثبت الأخوة الإیمانیة بین المسلمین فی أشد حالات العداوة والبغی وهی القتل والاقتتال، فقال سبحانه: (( وإن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا…) الآیات إلى قوله: (( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بین أخویکم )). کما جمع بهذه الأخوة بین ولی المقتول والقاتل فقال: (( فمن عفی له من أخیه شیء… الآیة).

((۱۵))
عدم التمییز بین الإیمان الحقیقی والإیمان الحکمی
ومن الأخطاء الشائعة فی التکفیر أیضاً؛عدم التمییز بین الإیمان الحقیقی والإیمان الحکمی ، وبین التوبة الباطنة والتوبة الحکمیة.
فالإیمان الحقیقی: من أمور الغیب الباطنة التی حکمها إلى الله، وهو الذی تجری علیه أحکام الآخرة عند الله من الثواب والعقاب.
والإیمان الحکمی: هو الظاهر، الذی یفرق به بین المسلم والکافر، وهو المرادف للإسلام الحکمی الذی یعصم به الدم والمال، وهذا یثبت ابتداء بالإقرار بالشهادتین، أو ما یقوم مقامها من خصائص الإسلام. مع عدم التلبس بناقض من نواقض الإسلام الظاهرة.
قال شیخ الإسلام فی کتاب الإیمان: (الإیمان الظاهر الذی تجری علیه الأحکام فی الدنیا، لا یستلزم الإیمان الباطن الذی یکون صاحبه من أهل السعادة فی الآخرة) أهـ. الفتاوى (ط دار ابن حزم) (۷/۱۳۳).
وقال أیضاً (۷/۱۳۶): (والله تعالى لما أمر فی الکفارة بعتق رقبة مؤمنة، لم یکن على الناس ألا یعتقوا إلا من یعلموا أن الإیمان فی قلبه، فإن هذا کما لو قیل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإیمان فی قلبه: وهم لم یؤمروا أن ینقبوا عن قلوب الناس ولا یشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلاً یظهر الإیمان جاز لهم عتقه، وصاحب الجاریة لما سأل النبی صلى الله علیه وسلم: هل هی مؤمنة؟ إنما أراد الإیمان الظاهر الذی یفرق به بین المسلم والکافر).
وقال (۷/۱۳۷): (والمقصود أن النبی صلى الله علیه وسلم إنما أخبر عن تلک الأمة بالإیمان الظاهر الذی علقت به الأحکام الظاهرة، …).
إلى قوله: (فیجب أن یفرق بین أحکام المؤمنین الظاهرة التی یحکم فیها الناس فی الدنیا، وبین حکمهم فی الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن یکون مؤمناً فی الباطن باتفاق جمیع أهل القبلة) أهـ.
وقال (۷/۱۳۸): (والمقبرة التی کانت للمسلمین فی حیاته وحیاة خلفائه وأصحابه یدفن فیها کل من أظهر الإیمان، وإن کان منافقاً فی الباطن، ولم یکن للمنافقین مقبرة یتمیزون بها عن المسلمین فی شیء من دیار الإسلام، کما تکون للیهود والنصارى مقبرة یتمیزون بها، ومن دفن فی مقابر المسلمین صلى علیه المسلمون، والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن، فعلم أن ذلک بناء على الإیمان الظاهر، والله یتولى السرائر) أهـ (ط دار ابن حزم).
وقال أیضاً: (الإیمان الذی علقت به أحکام الدنیا هو الإیمان الظاهر وهو الإسلام. فالمسمى واحد فی الأحکام الظاهرة، ولهذا لما ذکر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبی صلى اله علیه وسلم (أعتقها فإنها مؤمنة) أجابه بأن المراد حکمها فی الدنیا حکم المؤمنة، لم یرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقیته بمجرد هذا الإقرار) أهـ.
وقال أیضاً عند ذکره لخلاف العلماء فی حکم ذراری الکفار: (ومنشأ الاشتباه فی هذه المسألة: اشتباه أحکام الکفر فی الدنیا، بأحکام الکفر فی الآخرة فإن أولاد الکفار لما کانوا یجری علیهم أحکام الکفر فی أمور الدنیا، مثل ثبوت الولایة علیهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم وتمکین آبائهم من تعلیمهم وتأدیبهم، والموارثة بینهم وبین آبائهم، واسترقاقهم إذا کان آباؤهم محاربین، وغیر ذلک، صار یظن من یظن أنهم کفار فی نفس الأمر، کالذی تکلم بالکفر وعمل به، فإذا عرف أن کونهم ولدوا على الفطرة، لا ینافی أن یکونوا تبعاً لآبائهم فی أحکام الدنیا زالت الشبهة.
وقد یکون فی بلاد الکفر من هو مؤمن فی الباطن یکتم إیمانه. من لا یعلم المسلمون حاله، إذا قاتلوا الکفار، فیقتلونه، ولا یُغسّل ولا یُصلّى علیه ویدفن مع المشرکین، وهو فی الآخرة من المؤمنین أهل الجنة، کما أن المنافقین تجری علیهم أحکام المسلمین، وهم فی الآخرة فی الدرک الأسفل من النار، فحکم الدار الآخرة غیر حکم الدار الدنیا) أهـ (درء تعارض العقل والنقل) (۸/۴۳۲-۴۳۳).
وقد فرق الله تعالى بین نوعی الإیمان هذین فی قوله تعالى: (( یا أیها الذین آمنوا إذا جاءکم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإیمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الکفار)) (الممتحنة: ۹).
فقوله تعالى: (( الله أعلم بإیمانهن))؛ أی: بحقیقة إیمانهن.
وقوله: (( فإن علمتموهن مؤمنات))؛ أی: بحسب ما یظهر لکم وهو الإیمان الحکمی. ولهذا کان سفیان الثوری وابن المبارک وغیرهم من السلف یقولون: (الناس عندنا مؤمنون فی المواریث والأحکام، ولا ندری کیف هم عند الله عز وجل)( ).
وعلى هذا فشروط (لا إله إلا الله) ونواقض الإسلام التی یعددها العلماء فی کتبهم؛ منها ما هو متعلق بالإیمان الحقیقی، وهی الشروط والنواقض المغیبة التی لا یعلمها إلا الله کالإخلاص أو ما ینقاضه من الشرک الباطن، والصدق وما یناقضه من التکذیب القلبی، والیقین وما ینقاضه من الشک… ونحو ذلک من الأمور المغیبة التی لا یطلع علیها إلا الله؛ لا یصح ولا یصلح التکفیر بها فی أحکام الدنیا لأنها أسباب غیر ظاهرة ولا منضبطة فکیف یناط حکم التکفیر بها؟ وإنما ینظر فی أحکام الدنیا إلى ما ظهر من تلک الشروط أو النواقض، فیثبت الإسلام الحکمی ویعامل الإنسان معاملة المسلمین فیعصم دمه وماله إن أتى بشروط الإسلام الحکمی ویوکل أمر سریرته إلى الله.
قال الشیخ حافظ الحکمی فی معارج القبول (۲/۶۰۸): (ثم أعلم یا أخی أرشدنا الله وإیاک، أن التزام الدین الذی یکون به النجاة من خزی الدنیا وعذاب الآخرة، وبه یفوز العبد بالجنة ویزحزح عن النار، إنما هو ما کان على الحقیقة فی کل ما ذکر من حدیث جبریل، وما فی معناه من الآیات والأحادیث.
وما لم یکن على الحقیقة ولم یظهر منه ما یناقضه، أجریت علیه أحکام المسلمین فی الدنیا، ووکلت سریرته إلى الله تعالى، قال الله عز وجل: (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزکاة فخلوا سبیلهم)) وفی الآیة الأخرى (( فإخوانکم فی الدین وغیرها من الآیات…)) أهـ.
فتأمل کیف علق الله تعالى عصمة الدم والمال، وعلق الأخوة فی الدین بالأحکام والشعائر والمبانی الظاهرة لا بما خفی وبطن.
وأیضاً لا یشترط للإسلام الحکمی بل ولا للحقیقی ما یظنه البعض من لزوم حفظ شروط (لا إله إلا الله) أو حفظ معناها ونواقضها، ومعرفة تفاصیلها کما شرحها العلماء فی کتبهم… فلا أحد یستطیع أن یزعم أن الأمة التی سألها النبی صلى الله علیه وسلم (أین الله) وحکم لها بالإیمان، أو غیرها من الأعراب والعوام الذین کان صلى الله علیه وسلم یعاملهم بالإسلام الظاهر… کانوا یعرفون تفاصیل ذلک کله أو أنهم هم أو غیرهم کانوا یلزمون بذلک ویشترط علیهم لیحکم لهم بالإسلام.
قال الشیخ حافظ الحکمی فی معارج القبول عند قوله:
بشروط سبعـة قـد قیـدت وفی نصوص الوحی حقا وردت
فـإنه لــم ینتفع قائلــها بالنطق إلا حیث یستکملـــها
( ومعنى استکمالها اجتماعها فی العبد والتزامه إیاها بدون مناقضة منه لشیء منها ولیس المراد من ذلک، عدّ ألفاظها وحفظها، فکم من عامی اجتمعت فیه والتزمها، ولو قیل له اعددها لم یحسن ذلک، وکم حافظ لألفاظها یجری فیها کالسهم وتراه یقع کثیراً فیما یناقضها والتوفیق بید الله والله المستعان) أهـ (۲/۴۱۸).
وهو یقصد هنا (الانتفاع الکامل فی الدنیا والآخرة) ولذلک اشترط استکمال جمیع شروطها ولم یفرق بین ما ظهر وما بطن من ذلک… لأنه قصد الإسلام الحقیقی.
أما الإسلام الحکمی الظاهر فی الدنیا فقد عرفت أن شأنه دون ذلک، وأنه إنما یشترط له أن یظهر المرء ما یصیر به مسلماً مما هو من أصل الإیمان والتوحید، أی أن یأتی بشروط الإسلام الظاهرة، وأن لا یقع بشیء من نواقضه الظاهرة.
وقد قدمنا لک أن الکفر وإن کان قد یکون بأحد أسباب أربعة: إما قول أو فعل أو شک أو اعتقاد. أو بأکثر من سبب منها. إلا أن التکفیر فی أحکام الدنیا إنما ینحصر فقط فی القول المکفر أو الفعل المکفر أو بهما معاً… قال شیخ الإسلام ابن تیمیة: (فالمرتد: کل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما یناقض الإسلام بحیث لا یجتمع معه) أهـ. الصارم المسلول (۴۵۹).
وقال أیضاً فیه ص (۳۷۰): (وإذا لم یکن علم الإیمان المفروض صفة لقلب الإنسان لازمة له لم ینفعه، فإنه یکون بمنزلة حدیث النفس وخواطر القلب، والنجاة لا تحصل إلا بیقین فی القلب، ولو أنه مثقال ذرة، هذا فیما بینه وبین الله.
وأما فی الظاهر فیجری الأحکام على ما یُظهره من القول أو الفعل ) أهـ.
أما الاعتقاد والشک فهو من أسباب الکفر الأخرویة الباطنیة التی أمرها إلى الله ولیس إلینا ؛ إذ لا سبیل فی أحکام الدنیا إلى ضبطها وإعمالها واعتبارها ، وقد علمت أن الشارع ربط الأحکام والمسبَّبات فی الدنیا بأسباب وأوصاف ظاهرة منضبطة غیر خفیة ولا مغیبة ، وذلک کی یتمکن المکلفون من التعامل معها ؛ولذلک یعامل من أبطن الکفر ولم یظهره بقول أو عمل – کما هو حال المنافقین – بمعاملة المسلمین فی أحکام الدنیا ، فیعصم إسلامهم الحکمی الظاهر دماءهم وأموالهم ثم مصیرهم فی الآخرة فی الدرک الأسفل من النار..
وقد قال الله تعالى: (( ولا تقف ما لیس لک به علم )).. ولم یجعل لنا سبحانه علما بالمغیبات والبواطن نعلق أحکام الدنیا بها.
وقال تعالى حکایة عن نبیه نوح علیه السلام: (( ولا أقول للذین تزدری أعینکم لن یؤتیهم الله خیرا. الله أعلم بما فی أنفسهم ، إنی إذا لمن الظالمین )) فرتب الحکم على ظاهر إیمانهم ، ورد علم ما فی أنفسهم إلى العالم بالسرائر سبحانه وتعالى..
قال الشافعی رحمه الله: ( فرض الله تعالى على خلقه طاعة نبیه ، ولم یجعل لهم من الأمر شیئا ،فأولى ألا یتعاطوا حکما على غیب أحد بدلالة ولا ظن.. )
وقال: ( فما جعل إلیهم الحکم فی الدنیا إلا بما ظهر من المحکوم علیه ، ففرض على نبیه أن یقاتل أهل الأوثان، حتى یسلموا فتحقن دماؤهم إذا أظهروا الإسلام، وأعلم أنه لا یعلم صدقهم بالإسلام إلا الله، ثم أطلع الله رسوله على قوم یظهرون الإسلام ویسرون غیره فلم یجعل له أن یحکم علیهم بخلاف حکم الإسلام، ولم یجعل له أن یقضی علیهم فی الدنیا بخلاف ما أظهروا)( ) أهـ.
وقال ابن القیم: (ولم یرتب –أی الشارع- الأحکام على مجرد ما فی النفوس من غیر دلالة فعل أو قول) أهـ. إعلام الموقعین (۳/۱۱۷) وهذا فی أحکام الدنیا کما هو ظاهر.
ومن الأدلة الصریحة على هذا قول النبی صلى الله علیه وسلم فی الحدیث الذی یرویه البخاری ومسلم وغیرهما: (إنکم تختصمون إلى… وإنما أقضی بنحو ما أسمع…) فأخبر صلى الله علیه وسلم أنه إنما یحکم بالظاهر، وفی صحیح مسلم: (إنی لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم).
وفی صحیح مسلم أیضاً قوله صلى الله علیه وسلم لأسامة منکراً علیه: (أفلا شققت عن قلبه)!!
قال أبو جعفر الطحاوی فی أهل القبلة: (ولا نشهد علیهم بکفر ولا نفاق، ما لم یظهر منهم شیء من ذلک، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى)أهـ.
وقال شارح الطحاویة: (لأنا قد أمرنا بالحکم بالظاهر، ونهینا عن الظن واتباع ما لیس لنا به علم)أهـ.
ویقول الحافظ ابن حجر فی فتح الباری (کتاب استتابة المرتدین…) (باب حکم المرتد والمرتدة واستتابتهم) فی کلامه على حدیث (من بدل دینه فاقتلوه) (۶۹۲۲): (وقوله “من” هو عام یخص منه من بدّله فی الباطن ولم یثبت علیه ذلک فی الظاهر. فإنه تجری علیه أحکام الظاهر…).
وقال بعد أن ذکر قوله تعالى “اتخذوا أیمانهم جنة” (المنافقون: ۲): (فدل على أن إظهار الإیمان یحصن من القتل، وکلهم أجمعوا على أن أحکام الدنیا على الظاهر والله یتولى السرائر، وقد قال صلى الله علیه وسلم لأسامة “هلا شققت عن قلبه” وقال للذی ساره فی قتل رجل “ألیس یصلی؟ قال: نعم، قال: أولئک الذین نهیت عن قتلهم”. وذکر حدیث (خالد بن الولید لما استأذن فی قتل الذی أنکر القسمة، وقال: کم من مصل یقول بلسانه ما لیس فی قلبه. فقال صلى الله علیه وسلم: “إنی لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس” أخرجه مسلم والأحادیث فی ذلک کثیرة) أهـ.
• ومثل ذلک یقال فی التوبة الباطنة الحقیقیة المنجیة فی الآخرة ، والتوبة الحکمیة التی تکفی فی الدنیا لعصمة الدم والمال والحکم بالإسلام.
فالتوبة الحقیقیة: هی المتقبلة عند الله، وهی المستوفیة لشروط التوبة الباطنة والظاهرة، من الندم والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إلیه، والاستغفار باللسان، وأداء حقوق العباد إن تعلق الذنب بها.
فهذه هی التوبة المقبولة المنجیة عند الله تعالى.
أما فی الدنیا فلا یصح ما یشترطه البعض فی عصمة دم الإنسان أو الحکم بتوبة المرتد من تبین هذا النوع من التوبة، فإن بعض شروطها من الغیب الذی لا یعلمه إلا الله. ولا یمکن للخلق ضبطه.
وإنما یکفی فی ذلک ظهور التوبة الحکمیة، وهی إظهار المذنب توبته عند الناس بالإقلاع عن ذنبه فی الظاهر أو الرجوع والبراءة من السبب المکفر من قول أو عمل ظاهر، أو بالتزام ما کفر بالامتناع عنه مما هو من أصل الإیمان الظاهر.
• تنبیه: استثنى البعض من ذلک الزندیق( ): وهو من تکررت ردته واشتهر تلاعبه وطعنه فی الدین، وعوده واستتابته، وکثرت منه المحتملات والمعاریض واشتهرت مصاحبته لأهل الریب والزندقة.
فمذهب مالک رحمه الله عدم قبول توبته وکذا أحمد فی أشهر الروایتین عنه.
ومذهب الشافعی قبولها.
قال شیخ الإسلام ابن تیمیة: (ولهذا تنازع الفقهاء فی استتابة الزندیق، فقیل یستتاب واستدل من قال ذلک بالمنافقین الذین کان النبی صلى الله علیه وسلم یقبل علانیتهم ویکل أمرهم إلى الله.
فیقال له: هذا کان فی أول الأمر، وبعد هذا أنزل الله: (ملعونین أینما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتیلاً) فعلموا أنهم إن أظهروه کما کانوا یظهرونه قتلوا، فکتموه.
والزندیق: هو المنافق، وإنما یقتله من یقتله إذا ظهر منه أنه یکتم النفاق.
قالوا: ولا تعلم توبته؛ لأن غایة ما عنده أنه یظهر ما کان یظهر، وقد کان یظهر الإیمان وهو منافق، ولو قبلت توبة لزندیق لم یکن سبیل إلى تقتیلهم، والقرآن قد توعدهم بالتقتیل) أهـ مجموع الفتاوى (۷/۱۳۷).
والمرجع فی هذا والله أعلم إلى الاجتهاد وتقدیر المصالح والمفاسد ومعرفة الواقع؛ من ازدیاد الشر والاستخفاف بالدین وتجرّؤ الناس علیه، فمتى وجد مثل هذا شدّد على المتلاعبین الزنادقة وشرّد بهم من خلفهم ، خصوصاً إن توفرت القدرة علیه، فقد علمت تنوّع هدی النبی صلى الله علیه وسلم وسیرته فی أمثالهم فی حال ضعف المسلمین، وعند قوة شوکتهم.

((۱۶))
عدم التفریق بین التولی المکفّر وبین معاملة الکافر بالمعروف
ومن الأخطاء الشائعة فی التکفیر أیضاً ؛ عدم التفریق بین التولی المکفر، وبین معاملة الکافر بالمعروف أو الإحسان إلیه وبِرّه لمصلحة دعوة أو نحوها.
فالمعاشرة والمصاحبة بالمعروف للوالدین الکافرین ثابتة بالکتاب والسنة؛ کما قال تعالى: (( وإن جاهداک على أن تشرک بی ما لیس لک به علم فلا تطعهما، وصاحبهما فی الدنیا معروفاً )) (لقمان: ۱۵).
ومحبة الخیر والهدایة لهما أو لغیرهما من الکفار، شیء غیر محبتهم ومودتهم وموالاتهم المنهی عنها. وقد فرّق الله تعالى بین الأمرین بقوله: (( لا ینهاکم الله عن الذین لم یقاتلوکم فی الدین ولم یخرجوکم من دیارکم أن تبروهم وتقسطوا إلیهم إن الله یحب المقسطین، إنما ینهاکم الله عن الذین قاتلوکم فی الدین، وأخرجوکم من دیارکم وظاهروا على إخراجکم أن تولوهم، ومن یتولهم فأولئک هم الظالمون)) (الممتحنة: ۸-۹).
ففرق الله تعالى بین البر والإقساط والإحسان، وبین التولی المکفر. ولم ینه عن الأولى، ونهى عن الثانی هنا وفی مواضع أخرى من کتابه.
ومعلوم أن للمسلم أن یتزوج الکتابیة الکافرة، وإذا جاز له ذلک، جازت دون شک مجالستها ومؤاکلتها ومصافحتها وملاعبتها وغیر ذلک من المعاشرة بالمعروف التی أمر الله بها الأزواج أمراً عاماً، وجعل بینهم أیضاً رحمة ومودة طبیعیة ، فللزوجة الکافرة من ذلک مودة خاصة مستثناة من عموم النهی عن موادة الکفار.
وهذا کله ینبه إلى عدم انضباط إطلاقات بعض المتهورین فی التکفیر فی هذه الأبواب. والذی یهمنی التنبیه إلیه فی هذا الموضع؛ أن مقام الدعوة وتألیف القلوب، وبیان الدین بالحکمة والموعظة الحسنة ؛ یشرع فیه من اللین فی الخطاب والجدال بالتی هی أحسن والمعاملة بالحسنى والطلاقة، ویتأکد ذلک فی المقبلین على سماع الدعوة، ما لا یتعارض بحال مع الغلظة والشدة والمراغمة التی أمر الله تعالى بها فی مقامها فی الجهاد والقتال؛ فقال سبحانه وتعالى: (( یا أیها النبی جاهد الکفار والمنافقین واغلظ علیهم)) وقال تعالى: (( یا أیها الذین آمنوا قاتلوا الذین یلونکم من الکفار ولیجدوا فیکم غلظة)).
فمجال القتال ومراغمة أعداء الله وردع الشانئین ومجاهدة الزنادقة والطاعنین والمستهزئین ونحوهم… غیر مجال الدعوة والبلاغ الذی قال الله تعالى فیه: (( وإن أحد من المشرکین استجارک فأجره حتى یسمع کلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلک بأنهم قوم لا یعلمون))… فأمر الله تعالى بإجارة المشرک وحمایته وتأمینه، وإن کان حربیاً مادام قد أظهر الرغبة فی سماع الدعوة، وهذا مستلزم ویدل بدلالة الإشارة على جواز إکرامه، بمعنى إطعامه وإیوائه ومعاملته ومعاشرته بالمعروف حتى یسمع الدعوة کاملة واضحة، ثم وإن لم یؤمن فقد أمر الله تعالى بإیصاله بعدها إلى بلده آمناً مطمئناً من غیر أذى أو ترویع.
ففی هذا کله وجوب التفریق بین المقبل على سماع الدعوة أو من یدعى إلیها ابتداء، سواء کان من الحربیین أم غیرهم، وبین المعرض أو المستکبر.
ولقد رأیت کثیراً من المتعنتین على غیر بینة، یشددون ویضیقون على من أحسن إلى بعض الکفار أو خالطهم أو عاملهم أو خاطبهم بلین لأجل إیصال دعوته إلیهم بأحسن طریق، دون أی مداهنة أو رکون، خصوصاً والحال حال استضعاف والمقام لیس مقام قتال.
ومع هذا فإذا کانت الحقائق أراهم وأسمعهم من الشدة والغلظة ما تغص به حلوقهم وتضیق معه صدورهم… ومع ذلک ینکر أولئک المتعنتون هذا اللین ویجعلونه عین المداهنة، بل منهم من یدرجه فی التولی نسأل الله السلامة والعافیة.
وربما احتج بعضهم بآیات الممتحنة المذکورة وهی حجة علیهم لا لهم، فالله جل ثناؤه لم ینه فیها قط عن البر والإقساط. خصوصاً فی مجال الدعوة والبلاغ، وإنما نهى عن التولی نهیاً عاماً فی غیر آیة من کتابه سبحانه.
ثم زعموا أن المحاربین عموماً لیس لهم إلا الشدة والإغلاظ… وربما أدخل بعضهم فی ذلک وعدّه من الإغلاظ المشروع؛ الفحش والشتم المجرد الذی نهى الله تعالى عنه المؤمنین. فشوّهوا بذلک وجه الدعوة المشرق ، وتجنّوا بأفهامهم السقیمة على الدین.
وغفلوا عن أن لفظ المحاربة فی مصطلح الفقهاء یشمل کل من لیس بینه وبین المسلمین عهد أو ذمة أو أمان أو جوار… ولو کان من غیر المقاتلین، فیدخل فیه النساء غیر المقاتلات والصبیان والزمنی وأمثالهم ممن لیسوا من أهل القتال، ولا یقدرون على إخراجنا من دیارنا، ولا یظاهرون على إخراجنا، فإنهم جمیعاً یدخلون فی مصطلح الحربیین من أهل دار الحرب، وإن لم یکونوا من أهل القتال، فالمقاتل أخص من المحارب… ولذلک یذکر المفسرون فی أسباب نزول الآیات المذکورة حدیث قدوم أم أسماء بنت أبی بکر من مکة بهدایا وثیاب وسمن وإقط لزیارتها وأذن الرسول صلى الله علیه وسلم لأسماء بإدخالها منزلها وقبول هدایاها.
والخلاصة أن مقام الدعوة وما یسوغ فیها مع الحربیین أوغیرهم، هو غیر مقام القتال ومراغمة أئمة الکفر وأطر الشانئین والمستکبرین من المعرضین عن الدعوة أو المستهزئین بها.
أما دعوتهم ابتداء، فقد بعث الله نبیه موسى إلى طاغوت زمانه ورأس المحاربین والمقاتلین له ولقومه؛ فأمره وأخاه أن یبدءا دعوته بالقول اللین مع وصفه سبحانه له بالطغیان، فقال: (( إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً لیّناً لعله یتذکر أو یخشى))… فابتدءاه بذلک کما أمرهم الله تعالى، فلما أعرض وأبى وأصر واستکبر وهدد وتوعد وأرعد، وقال لموسى: (( إنی لأظنک یا موسى مسحوراً ))؛ قال له موسى: (( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإنی لأظنک یا فرعون مثبوراً )).
وکذلک خلیل الرحمن إبراهیم علیه السلام یخاطب قومه فی مقام الدعوة بالحکمة والموعظة الحسنة ویناظرهم بالحجة، ویظهر حرصه على هدایة أبیه. فتراه یقول: (( یا أبت إنی قد جاءنی من العلم ما لم یأتک فاتبعنی أهدک صراطاً سویاً)).. (( یا أبت لا تعبد الشیطان إن الشیطان کان للرحمن عصیاً )) (( یا أبت إنی أخاف أن یمسک عذاب من الرحمن فتکون للشیطان ولیاً ))… ونحو ذلک.
وفی مقام إعراضهم وحیدتهم وجدالهم بالباطل مع وضوح الحجة، یقول لهم ولأبیه فی جملتهم: (( أفٍّ لکم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون)) ویقول: ((… کفرنا بکم وبدا بیننا وبینکم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده…)) وقال تعالى عنه فی شأن أبیه ((…. فلما تبیّن له أنه عدو لله تبرأ منه…)).
وکذلک خاتم الأنبیاء والمرسلین صلى الله علیه وسلم کان أحرص الناس على هدایة قومه وعشیرته الأقربین، ینذرهم النار ویدعوهم إلى إنقاذ أنفسهم منها.
ولا زال یدعو عمه أبا طالب ویتمنى هدایته إلى آخر نفس من أنفاسه.
وفی مقام استهزائهم وغمزهم له واستکبارهم، تراه یقول لهم: ( تسمعون یا معشر قریش، أما والذی نفس محمد بیده لقد جئتکم بالذبح)( ).
فلا بد من التفریق فی الحوار والخطاب بین من یستمع للدعوة وینصت ویرغب فی التعرف إلیها. وبین من یتخذها هزواً ولعباً أو یعرض ویستکبر.
وبین من یُدعى ابتداء، وبین من طال علیه الأمد ولج فی الإعراض والاستکبار رغم الدعوة له والبلاغ، وهذا کله من الحکمة والموعظة الحسنة، والسیاسة الشرعیة التی أمر الله تعالى بها، وبیّنها رسوله صلى الله علیه وسلم فی سیرته وسنته وهدیه.
وقد فصّل الله تعالى ذلک فی کتابه، فذکر الغلظة والشدة فی مقام. وذکر اللین فی مقام، وذکر الحکمة والموعظة الحسنة فی مقام، وذکر القول البلیغ فی مقام، فمن جعل کُلاً فی مقامه المناسب نال رضا الله تعالى وأفلح فی دعوته کل الفلاح.
ومن ذلک قوله تعالى: (( ادع إلى سبیل ربک بالحکمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتی هی أحسن إن ربک هو أعلم بمن ضل عن سبیله وهو أعلم بالمهتدین )).
قال شیخ الإسلام ابن تیمیة عند هذه الآیة: (الناس ثلاثة أقسام:
- إما أن یعترف بالحق ویتبعه، فهذا صاحب الحکمة.
- وإما أن یعترف به، لکن لا یعمل به، فهذا یوعظ حتى یعمل.
- وإما ألا یعترف به، فهذا یجادل بالتی هی أحسن.
ولأن الجدال مظنة الإغضاب، فإذا کان بالتی هی أحسن حصلت منفعته بغایة الإمکان کدفع الصائل)أهـ مجموع الفتاوى (ط. دار ابن حزم) (۲/۳۳).
وقال فی موضع آخر من الفتاوى أیضاً (۳/۱۵۹): (والله تعالى یقول: (( ولا تجادلوا أهل الکتاب إلا بالتی هی أحسن إلا الذین ظلموا )) فمتى ظلم المخاطب لم نکن مأمورین أن نجیبه بالتی هی أحسن، بل قال أبو بکر الصدیق رضی الله عنه؛ لعروة بن مسعود بحضرة النبی صلى الله علیه وسلم لما قال: “إنی لأرى أوباشاً من الناس، خلیقاً أن یفروا ویدعوک”: “أمصص بظر اللات؛ أنحن نفر عنه وندعه؟!”( ). ومعلوم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنین من کانوا، وقد قال تعالى: (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن کنتم مؤمنین )) فمن کان مؤمناً فهو الأعلى کائناً من کان، ومن حادّ الله رسوله فقد قال تعالى: (( إن الذین یحادون الله ورسوله أولئک فی الأذلین)) )أهـ.
فتأمل کلامه هذا وکلامه ذاک، فإن لکل مقام مقال.. ومن خلّط اختلط علیه أمره والتبس، ولبّس على الناس.
ولقد ضرب رسول الله صلى الله علیه وسلم المثل الأعلى فی البر والإحسان إلى قومه الذین قاتلوه فی الدین وعذبوا أصحابه وأخرجوهم من دیارهم وظاهروا على إخراجهم، فکان باراً بهم أیما بر یوم دخل مکة فاتحاً، فأطلقهم وهم کفار، وقالوا یومها: (أخ کریم وابن أخ کریم) ثم دخلوا فی دین الله أفواجاً.
ومنّ على طائفة منهم قبل ذلک ببطن مکة، وکانوا قد هموا به وبأصحابه، فأظفره الله بثمانین منهم أسارى فمنّ علیهم، وأطلقهم بغیر فداء. وهل فوق هذا من إحسان؟
ولو ذهبنا نتتبع هدیه صلى الله علیه وسلم وسیرته فی هذا، لطال بنا المقام، ومعلوم آثار مثل هذا؛ على إقبال الناس على دین الله.
ومن ذلک قبوله هدیة الکفار أحیاناً، وإهدائه لهم، کما فی صحیح البخاری (کتاب الهبة) (باب قبول الهدیة من المشرکین) و(باب الهدیة للمشرکین) وفیه أیضاً فی (کتاب المرضى) (باب عیادة المشرک).
عن أنس أن النبی صلى الله علیه وسلم عاد غلاماً یهودیاً –کان یخدمه- ودعاه إلى الإسلام فأسلم قبل أن یموت، وفی صحیح مسلم عن أبی هریرة أن رسول الله صلى الله علیه وسلم أضافه ضیف کافر فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها ، ثم أخرى ثم أخرى حتى شرب حلاب سبع شیاه، ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له بشاة فشرب حلابها ثم بأخرى فلم یستتمها… الحدیث) وأصله فی البخاری.
وقد قال تعالى فی ثنائه على المؤمنین: (( ویطعمون الطعام على حبه مسکیناً ویتیماً وأسیراً )) والغالب على أسرى المسلمین أنهم من الکفار المحاربین المقاتلین…
وتتبع هذا یطول ویطول.. وهو نافع لکل طالب حق.
ونافع أیضاً لأولئک المتعنّتین؛ یوسعون به مدارکهم، ویزدادون بصیرة وحکمة ونضجاً. فلابد من التفریق فی التکفیر بین التولی المکفر الذی نصّ الله تعالى فی کتابه على أنه سبب من أسباب التکفیر البیّنة. وبین معاملة الکافر بالمعروف ، والإحسان إلیه واللین فی خطابه لأجل الدعوة إلى الله تعالى ونحوها، فلا یکفر بمثل هذا إلا متهوّر قد غامر بدینه… فعلى نفسه جنایته.

((۱۷))
الخلط بین التولی المکفر
وبین المداهنة المحرمة أو المداراة المشروعة

ومن الأخطاء الشائعة فی التکفیر أیضاً ؛ الخلط بین التولی المکفر وبین المداهنة المحرمة أو المداراة المشروعة ، فالمداهنة فضلاً عن المداراة لیستا من التولی المکفر، بل الأولى محرمة، والثانیة جائزة شرعاً. وبعض المتحمسین لا یفرق بینهما، ویضیّق ویشدّد فیما لم یشدد الله فیه، وینکر ما هو مندوب ولیس بمنکر.
بل قد رأیت من الغلاة من یکفر بمحض المداراة، وذلک شطط عن الحق وضلال. فلذلک لزم التنبیه على هذا فی أخطاء التکفیر، والتمییز بین کل نوع من هذه الأمور…
قال ابن حجر فی فتح الباری فی شرحه لکتاب الأدب من صحیح البخاری (باب المداراة مع الناس) فی کلامه على ما علقه البخاری من قول أبی الدرداء “إنا لنکشر فی وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم”: ( الکشر بالشین المعجمة وفتح أوله ظهور الأسنان، وأکثر ما یطلق عند الضحک…
قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنین، وهی خفض الجناح للناس ولین الکلمة وترک الإغلاظ لهم فی القول.
وذلک من أقوى أسباب الألفة.
وظن بعضهم أن المداراة هی المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إلیها، والمداهنة محرمة.
والفرق أن المداهنة: من الدهان وهو الذی یظهر على الشیء ویستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فیه من غیر إنکار علیه.
والمداراة: هی الرفق بالجاهل فی التعلیم وبالفاسق فی النهی عن فعله، وترک الإغلاظ علیه حتى لا یظهر ما هو فیه، والإنکار علیه بلطف القول والفعل، ولا سیما إذا احتیج إلى تألفه ونحو ذلک).
وقال أیضاً: (المداراة: بغیر همز، وأصله الهمز لأنه من المدافعة، والمراد به الدفع برفق…).
قال: ( ومما ورد فیه صریحاً حدیث لجابر عن النبی صلى الله علیه وسلم قال: (مداراة الناس صدقة) أخرجه ابن عدی والطبرانی فی الأوسط وفی سنده یوسف بن محمد بن المنکدر، ضعفوه، وقال ابن عدی: أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبی عاصم فی “آداب الحکماء”. بسند أحسن منه) أهـ. من الباب نفسه، ونقل فی (باب لم یکن النبی صلى الله علیه وسلم فاحشاً ولا متفاحشاً) قول القرطبی تبعاً لعیاض: (الفرق بین المداراة والمداهنة أن المداراة: بذل الدنیا لصلاح الدنیا أو الدین، أو هما معاً، وهی مباحة وربما استحبت، والمداهنة: ترک الدین لصلاح الدنیا) أهـ.
فظهر من هذا أن المداراة جائزة بل مستحبة أحیاناً.
أما المداهنة؛ فإنها وإن أطلق البعض فی تعریفها، بحیث قد تعنی عنده أموراً مکفرة، إلا أن أکثر من یستعمل هذه اللفظة من العلماء إنما یقصد بها ما هو دون الکفر من المحرمات. فهی کما قال الطبری فی تفسیر قوله تبارک وتعالى: (ودوا لو تدهن فیدهنون)؛ (مأخوذة من الدُّهن، شبه التلیین فی القول بتلیین الدُّهن) أهـ قال الحسن: (ودّوا لو تصانعهم فی دینک فیصانعونک)، فیتلخص من هذا أنها بذل ما کان بذله من الدین لصلاح الدنیا، محرماً لا کفراً. فإذا کان الأمر والمقصود بها کذلک، ولم یرد بها ما هو فوق ذلک من التولی ونحوه من الأمور المکفرة. فلا یحل والحال کذلک أن یکفر بعض المتعنتین مخالفیهم لمجرد مداهناتهم لأعداء الله التی هی من قبیل المصانعة والإکرام، أو السکوت عن إنکار منکراتهم وفسوقهم وباطلهم دون أن یقروهم على کفر أو طعن فی الدین. خصوصاً وأن أکثر أولئک المخالفین فی واقع الیوم یتعذرون لأکثر إدهاناتهم، إما بالخوف والاستضعاف، أو بالاستصلاح.
فإدهاناتهم تتراوح بزعمهم ما بین التقیة والتأویل… وسواء صح اعتذارهم أم لم یصح.. فما دام أقصى ما فی أفعالهم أن یکون من المحرمات أو الکبائر… فلا یحل التکفیر بها بحال.
بل التکفیر بها وحدها، أشد حرمة منها نفسها وأعظم ضلالاً… فقد عرفت فیما تقدم أن الوعید على التکفیر بغیر ما کفر الله تعالى به ورسوله صلى الله علیه وسلم من أشد أنواع الوعید، حتى شبهه النبی صلى الله علیه وسلم بقتل المسلم وسفک دمه الحرام.
وإن ذنباً سماه الشارع کفراً لیس هو کسائر الذنوب بل إما أن یکون کفراً على وجه من الوجوه أو أنه یؤدی إلى الکفر، فمن جازف بدینه وخاطر بنفسه وأقدم واقتحم مثل هذه المهالک، فإنما على نفسه ودینه جنایته.
أوما یکفیه ویکفی أمثاله من المتعنتین، الوقوف عند حدود الشرع، وعدم تعدیها؟.
فالشرع لیس بحاجة من أحد إلى تشدید فوق ما حدّد الله ورهّب فی وعیده.
ولا هو بحاجة إلى تفریط وإدهان من المتهاونین بعد ما جعل الله فیه من تیسیر رفع به الحرج عن الأمة. والحق وسط لا هو مع المشددین فی تشدیدهم ولا مع المفرطین فی تفریطهم.
وفی سنة المصطفى وطریقة دعوته غنیة وشفاء لکل من طلب دواء هذه الأدواء. فقد روى الإمام البخاری فی صحیحه فی کتاب الأدب فی الأبواب المشار إلیها آنفاً عن عائشة (أن رجلاً استأذن على النبی صلى الله علیه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشیرة، وفی الروایة الأخرى [فقال: ائذنوا له بئس أخو العشیرة، فلما دخل ألان له الکلام فلما جلس تطلّق النبی صلى الله علیه وسلم فی وجهه وانبسط إلیه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: یا رسول الله حین رأیت الرجل قلت له کذا وکذا، ثم تطلقت فی وجهه وانبسطت إلیه، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: یا عائشة متى عهدتنی فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة یوم القیامة من ترکه الناس اتقاء شره، وفی الروایة الأخرى [فحشه]) وقد نقل الحافظ فی الفتح عن ابن بطال وغیره أن الرجل هو عیینة بن حصن الفزاری وکان یقال له الأحمق المطاع، ورجا النبی صلى الله علیه وسلم بإقباله علیه تألفه لیسلم قومه لأنه کان رئیسهم ونقل عن عیاض قوله: (لم یکن عیینة والله أعلم حینئذ أسلم… أو کان أسلم ولم یکن إسلامه ناصحاً) أهـ.
وقال الحافظ: (والنبی صلى الله علیه وسلم إنما بذل له من دنیاه حسن عشرته والرفق فی مکالمته ومع ذلک فلم یمدحه بقول، فلم یناقض قوله فیه فعله، فإن قوله فیه قول حق، وفعله معه حسن عشرة…) أهـ.
فتأمل هذا الهدی الکامل الوسط.
الذی جمع بین الصدق فی التقییم والتعریف، والنصح للسامعین، وبین حسن العشرة والتألیف لمصلحة الدین والإسلام ؛ وسلم من المداهنة فلیس فیه أدنى تنازل أو تفریط فی الدین من جهة، کما سلم من الفحش والتفحّش والفظاظة المنفرة التی لیست فی مقامها … من جهة أخرى.
فأین المتعنتون المضیقون لما وسّعه الله تعالى – من هذا الفقه العظیم والخلق الکریم…؟
فلقد رأیت منهم أقواماً شنّعوا وبدّعوا بل وکفّروا مخالفیهم فی أشیاء لیست هی فی دین الله من الکفر، بل بعضها مشروع من جنس المداراة الممدوحة لم تستوعبه عقولهم الضعیفة، ولم یناسب فظاظتهم وتفحشهم. وبعضها لا یعدو کونه من المداهنة المحرمة غیر المکفرة.
فکفروا من جالس الکفار أو زاورهم ودخل علیهم أو بشّ فی وجوههم أو عاملهم بشیء من اللین والطلاقة. ومن باب أولى عندهم من صافحهم أو مازحهم وضاحکهم وداهنهم… والحق أنه لا یحل التسویة بین هذا کله… ولا یجوز التکفیر به وحده..
فمنه ما هو مشروع کالمجالسة والمزاورة والدخول على الکفار لأجل دعوتهم واللین فی خطابهم وجدالهم بالتی هی أحسن ودعوتهم بالحکمة والموعظة الحسنة وقد قدمنا لک من صحیح البخاری أن النبی صلى الله علیه وسلم عاد غلاماً یهودیاً مریضاً ودعاه إلى الإسلام فأسلم… فیجوز إذن للمسلم أن یعود الکافر فی مرضه وأن یحسن إلیه رجاء إسلامه.
وقد کان النبی صلى الله علیه وسلم یغشى الکفار فی مجالسهم یسمعهم دعوته ویصبر على أذاهم فی مکة وفی المدینة أیضاً، کما فی الحدیث المتفق علیه الذی أورده البخاری فی کتاب الأدب (باب کنیة المشرک) عن أسامة بن زید رضی الله عنهما أن رسول الله صلى الله علیه وسلم رکب على حمار علیه قطیفة فدکیة وأسامة وراءه یعود سعد بن عبادة فی بنی حارث بن الخزرج قبل وقعة بدر فسارا، حتى مرا بمجلس فیه عبد الله بن أُبی ابن سلول، وذلک قبل أن یسلم عبد الله بن أبی، فإذا فی المجلس أخلاط من المسلمین والمشرکین عبدة الأوثان والیهود، وفی المسلمین عبد الله بن رواحة، فلما غشیت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أُبی أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علینا، فسلم رسول الله صلى الله علیه وسلم، علیهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ علیهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبی ابن سلول: أیها المرء، لا أحسن مما تقول إن کان حقاً، فلا تؤذنا به فی مجالسنا فمن جاءک فاقصص علیه، قال عبد الله بن رواحة: بلى یا رسول الله، فاغشنا فی مجالسنا. فإنا نحب ذلک، فاستب المسلمون والمشرکون والیهود حتى کادوا یتساورون، فلم یزل رسول الله صلى الله علیه وسلم یخفضهم حتى سکنوا ثم رکب رسول الله صلى الله علیه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: (أی سعد ألم تسمع ما قال أبو حُباب ؟ یرید عبد الله بن أبی…الحدیث) وفیه کما نقل الحافظ عن ابن بطال؛ (جواز تکنیة المشرکین على وجه التألف إما رجاء إسلامهم أو لتحصیل منفعة منهم…) ؛ هذا مع أن النووی یقول فی التکنیة: ( الأدب أن یخاطب أهل الفضل ومن قاربهم بالکنیة )
ویقول: ( وقد کان الأُوَل أکثر ما یُعظّم بعضهم بعضا فی المخاطبات والمکاتبات ونحوها بالکنى ، ویرون ذلک فی غایة الرفعة ونهایة التعظیم ) أهـ. الأذکار.
وفیه جواز غشیان المشرکین فی مجالسهم ومجالستهم لأجل دعوتهم ومخاطبتهم بالحکمة واللین والموعظة الحسنة رجاء إسلامهم وقد قال تبارک تعالى: (ادع إلى سبیل ربک بالحکمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتی هی أحسن…) وقد قدمنا لک فی غیر هذا الموضع، ما هو من جنسه أشیاء أخرى.
والشاهد أن هذا کله جائز مشروع لا ینکره إلا غافل أو جاهل بسنة المصطفى صلوات الله وسلامه علیه وهدیه وسیرته.
ومن ثم فالتکفیر بأشیاء منه شرٌّ وأخبث من بدعة الخوارج المکفرین بالمعاصی والذنوب.
ومما ینکرونه وقد یکفر بعضهم به، مما تقدم أشیاء لا تصل إلى حد التحریم… ما لم یکن فی شیء منها إقرار على منکر أو حرام. کمصافحة الکفار والطلاقة لهم والبشاشة ونحوها… مما لا ینتهض الدلیل لتحریمه وإن کنا نکرهه لغیر حاجة دعوة أو تألف للدین ونحوه.. فلقد بلغ ببعض المتهورین أن کفروا بتعنتهم مخالفیهم ممن یصافحون عساکر الشرک والقانون أو غیرهم من الکفار، فشطوا بذلک عن جادة الحق وغلوا، ومنهم من اکتفى فی ذلک بالتبدیع أو الاتهام بالمداهنة والرکون… مع أنهم لا یعرفون دلیلاً واحداً یمنع من ذلک. ونحن وإن کنا نکره مصافحتهم، ولا نتعاطاها، إظهاراً لدعوتنا وإبداء لبراءتنا من الشرک وأنصاره، وقد سئل الإمام أحمد عن مصافحة أهل الذمة فکرهه( )، فغیرهم من الکفار المحاربین أولى على هذا عنده بالکراهة، ولکننا مع هذا لا نقول بتحریمها لعدم النص، بل نعدها فقط ذریعة قد توصل إلى الألفة، ومعلوم فی قواعد الفقه: (أن ما منع سداً للذریعة، أبیح للمصلحة) وقد تقدم… ولذلک فلا نمنع من المصافحة لمصلحة تألف أو دعوة أو لدرء مفسدة ونحوها بحسب ما یقدره المسلم فی مقامه… خصوصاً إن کانت المبادرة من غیر المسلم ممن لم یکشروا عن ناب العداوة للدین.
فشأن المصافحة لیس کشأن السلام الذی ورد النهی فیه صریحاً، بل جعله الشارع سبباً لمجلبة المحبة، کما فی حدیث “لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلکم على شیء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بینکم” رواه مسلم.
والمحبة إنما تستجلب ویحرص علیها بین المسلمین… وینهى عنها مع الکفار والمشرکین، ولذلک وردت النصوص صریحة تنهى عن بداءة المشرکین بالسلام.
کحدیث مسلم (لا تبدؤوا الیهود ولا النصارى بالسلام…).
وفی روایة (إذا لقیتم المشرکین فلا تبدؤوهم بالسلام… ) رواه مسلم وغیره.
هذا بخلاف المصافحة فإنه لم یصح عندنا فیها شیء ینهى عن مصافحة الکفار( ).
فلا یحل والحال کذلک تبدیع المخالفین فیها، والطعن فیهم فضلاً عن تکفیرهم!!
ومن تلک الأمور التی کفّروا بها ما قد یکون محرماً کالمداهنات التی فیها إقرار على المحرمات والمعاصی، أو فیها طاعة للکفار بمعصیة الله تعالى، ونحوه مما قد یصل إلى الکبائر ولا یصل إلى الکفر بحال.
والخلاصة؛ أنه لا تجوز التسویة بین ذلک کله، فإنه خلاف العدل والقسط الذی أنزل الله به الکتاب والمیزان.
والله جل ذکره قد بین فی کتابه أن المخالفات الشرعیة لا تستوی کلها… بل منها ما هو کفر، ومنها ما هو فسوق ومنها ما هو من العصیان.
فقال تعالى: (( وکرّه إلیکم الکفر والفسوق والعصیان…)).
والنبی صلى الله علیه وسلم بین أن الذنوب منها ما هو من جنس الصغائر، ومنها ما هو من الکبائر والموبقات.
وتقدم أیضاً أن الکفر درکات بعضه أغلظ من بعض، وبعضه زیادة فی الکفر. فلا یحل والحال کذلک ما یفعله کثیر من المتهورین من القفز مرة واحدة ومباشرة إلى التکفیر.. بما هو من المحرمات، فضلاً عما کان من المکروهات أو المباحات والمستحبات ، کما خلط بعضهم التولی المکفر، بالمداهنة المحرمة… والمداراة.
فالشرع لا یفتقر إلى الزواجر.. حتى یبتدع ویضع له الغلاة والمتعنتون من تشدیدهم وتعنتهم وتکفیرهم زاجراً.

((۱۸))
الخلط بین التولی المکفر وبین التقیة الجائزة
ومن الأخطاء الشائعة فی التکفیر أیضاً ، الخلط بین التولی المکفر وبین التقیة الجائزة.
فالتولی المکفر: هو نصرة الکفار ومظاهرتهم على الموحدین باللسان أو بالسنان، أو تولی کفرهم وشرکهم وإعانتهم علیه.. وقد قال تعالى فیه: ((ومن یتولهم منکم فإنه منهم)).
أما التقیة؛ فهی جائزة للمسلم إن خاف الکفار، کما قال تعالى: (( إلا أن تتقوا منهم تقاة ))، وهی الحذر من الکفار بإخفاء المعاداة، ومداراتهم حال الخوف منهم بشرط أن لا یعینهم على کفر أو یتولاهم أو یرتکب شیئاً من المکفرات.
فهی رخصة للمسلم المستضعف، لا یحل الطعن فی دینه أو رمیه بالنفاق لأجلها أو تکفیره بمجردها، وإلزامه بإظهار العداوة للکفار والمراغمة لأعداء الله کشرط لصحة إسلامه.
فإظهار العداوة وإن کان هو الأکمل والأفضل، وهو صفة الطائفة المنصورة القائمة بدین الله، لکن ذلک لا یلزم کل أحد، خصوصاً المستضعفین، وإنما یکفیهم منها وجود أصلها فی القلب، وما لم یناقضوه بعمل مکفر کالتولی أو نحوه، فلا یحل تکفیرهم بالتقیة وحدها، فهی شیء غیر الموالاة.
قال ابن القیم رحمه الله: (ومعلوم أن التقاة لیست بموالاة ولکن لما نهاهم الله عن موالاة الکفار، اقتضى ذلک معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعداوة فی کل حال، إلا إذا خافوا من شرهم، فأباح لهم التقیة، ولیست التقیة بموالاة) أهـ بدائع الفوائد (۲/۶۹).
ومما یدل على أن التقیة غیر الموالاة المکفرة… أن التقیة تجوز مع مجرد الخوف دونما إکراه.
بینما لا یجوز إظهار التولی إلا مع الإکراه الحقیقی، والخوف وحده لیس عذراً فی التولی، ولذلک أنکره الله تعالى على من تعذر به، بعد قوله (( ومن یتولهم منکم فإنه منهم )) فقال: (( فترى الذین فی قلوبهم مرض یسارعون فیهم یقولون نخشى أن تصیبنا دائرة…)) الآیات.
فوصفهم تعالى بأن فی قلوبهم مرض ثم أکد سبحانه کفرهم بحبوط أعمالهم فقال تبارک وتعالى: (( حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرین )) فلم یجعل الخشیة التی هی لیست إکراها، عذراً فی إظهار التولی… بخلاف التقیة.
قال الحافظ ابن حجر فی فتح الباری فی أول کتاب الإکراه، عند ما علقه البخاری من قول الحسن البصری. “التقیة إلى یوم القیامة”: (ومعنى التقیة الحذر من إظهار ما فی النفس من معتقد وغیره للغیر)أهـ.
وقد قدمنا لک أیضاً من صحیح البخاری عن أبی الدرداء: ( إنّا لنکشر فی وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم ) ، وفی هذا إشارة إلى وجوب بقاء عداوة الکفار فی القلب حال التقیة، لأن زوالها کلیة ووجود ضدها وهو المودة لهم أو لدینهم؛ من نواقض الإیمان.
فالذی یباح ترکه حال التقیة إنما هو إظهار العداوة وإبداؤها، لا ترک أصلها. قال الشیخ عبد اللطیف بن عبد الرحمن آل الشیخ: (ومسألة إظهار العداوة غیر مسألة وجود العداوة.
فالأول: یعذر به مع الخوف والعجز، لقوله تعالى: “إلا أن تتقوا منهم تقاة”.
والثانی: لابد منه، لأنه یدخل فی الکفر بالطاغوت، وبینه وبین حب الله ورسوله تلازم لا ینفک عن المؤمن) أهـ. الرسائل المفیدة.
وعلى هذا فلا یجوز إلزام المسلمین عموماً بإظهار العداوة للطواغیت وأنصارهم وإعلانها وإبدائها فی واقع الیوم وفی ظل الاستضعاف… وإلا کانوا غیر موحدین ولا مسلمین کما یطلق بعض المتهورین.
فکم من مؤمن کان یکتم إیمانه فی مکة فی زمن النبی صلى الله علیه وسلم؟ بل منهم من أمره النبی صلى الله علیه وسلم بذلک، کما فی قصة إسلام أبی ذر فی البخاری، ومحل الشاهد منها قوله صلى الله علیه وسلم: “یا أبا ذر أکتم هذا الأمر وارجع إلى بلدک، فإذا بلغک ظهورنا فأقبل…الحدیث”.
ومادامت قد قامت بإظهار الدین طائفة من الأمة وصدعت بالحق… فقد قامت بالواجب على الأمة ولا یجب ذلک على کل أحد فضلاً عن أن یجعل شرطاً لصحة الإسلام.
وإنما الشرط لذلک وجود عداوة الکفر والبراءة من المشرکین فی القلب وعدم زوالها. ولقد رأیت بعض الغلاة یتتبعون إطلاقات للشیخ محمد بن عبد الوهاب وغیره من علماء الدعوة النجدیة فی أبواب المعاداة ووجوب إظهارها للکفار وأن ذلک من ملة إبراهیم ودعوة الأنبیاء والمرسلین. لیکفروا بذلک عوام المسلمین المستضعفین ممن لا یجاهرون الکفار بالعداوة، بل ربما عاملوهم بالمداراة أو التقیة.
فمن ذلک قول الشیخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فی سیاق ذکره لدعوة النبی صلى الله علیه وسلم قریشاً إلى التوحید، وما جرى منهم عند ذکر آلهتهم، بأنها لا تنفع ولا تضر… وأنهم جعلوا ذلک شتماً.
حیث قال: (فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا یستقیم له إسلام ولو وحّد الله وترک الشرک إلا بعداوة المشرکین والتصریح لهم بالعداوة والبغضاء، کما قال تعالى: “لا تجد قوماً یؤمنون بالله والیوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله… الآیة) أهـ الدرر السنیة (جزء الجهاد) ص(۹۳). ومثله قول الشیخ محمد بن عبد اللطیف آل الشیخ: (إعلم وفقنا الله وإیاک لما یحب ویرضى أنه لا یستقیم للعبد إسلام ولا دین إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله…الخ) أهـ الدرر (جزء الجهاد)ص (۲۰۸).
فهذا وأمثاله، مع أنه لیس بدلیل شرعی، لأن کلام العلماء وفهمهم یستعان به ویستأنس به، لکن لا یستدل به بل یستدل له. ومع هذا فإنه لا حجة لهم فیه على ما ذهبوا إلیه من تکفیر العوام غیر المصرّحین بالعداوة للکفار دون أن یرتکبوا شیئاً من النواقض والمکفّرات… وذلک لأن کلامهم صریح فی عدم استقامة دین العبد وإسلامه –إن ترک ذلک – لا فی انتقاضه وکفره.
هذا ولقد کنت سقت کلام هؤلاء المشایخ وغیرهم فی کتابی (ملّة إبراهیم) تأکیداً لأهمیة إظهار العداوة والبغضاء لأعداء الله وإبداء البراءة منهم ومن شرکیاتهم.. وذلک قبل ما یزید عن أربع عشرة سنة، ویومها علقت علیه بهامش طبع مع الکتاب منذ طبعته الأولى ملخصه: (إن أرید بذلک أصل العداوة فالکلام على إطلاقه، وإن أرید عموم العداوة، إظهارها وتفاصیلها والصدع بها، فالکلام فی استقامة الإسلام، لا فی زوال أصله، وللشیخ عبد اللطیف فی کتابه (مصباح الظلام) تفصیل حول هذا الموضوع، فلیراجعه من شاء، وفیه قوله: (فالذی یفهم تکفیر من لم یُصرّح بالعداوة من کلام الشیخ، فهمه باطل ورأیه ضال…) أهـ… ونحن إنما أوردنا مقولاتهم فی هذا الفصل لبیان أهمیة هذا الأصل الذی طمست معالمه عند أکثر دعاة هذا الزمان، ثم ألحقنا هذه التوضیحات –رغم وضوح الکلام- لنسد الطریق على من یحاولون الصید بالماء العکر، فیبحثون عن عمومات وأشیاء ترقع لهم رمینا بعقیدة الخوارج)أهـ( ).
فالحمد لله على منّه وکرمه وفضله وهدایته أولاً وآخراً، فلیس ما نکتبه الیوم فی الضراء والقید والحبس؛ إلا عین ما کتبناه بالأمس فی السعة والسراء.
ولسنا ممن یتبنّون عقیدتهم من ردود الفعل العکسیة، أو الضغوط السجونیة أو غیرها…
اللهم یا ولی الإسلام وأهله ثبتنا علیه ومسکنا به حتى نلقاک.

((۱۹))
التکفیر بدعوى أن السکوت عن الحکام یستلزم الرضى بکفرهم
وعدم اعتبار حال الاستضعاف

ومن الأخطاء الشنیعة فی التکفیر أیضاً ؛ عدم اعتبار حال الاستضعاف،والتکفیر بدعوى أن السکوت عن الحکام الکفرة ،وعدم السعی فی تغییرهم وجهادهم یستلزم الرضى بکفرهم.
فأهل السنة “یتبعون الحق، ویرحمون الخلق” .. هکذا وصفهم علماؤنا فی عقائدهم، تمییزاً لهم عن أهل البدع المشدّدین على المسلمین ، الذین لا یرحمون ضعیفاً، ولا یقیلون عثرة، ولا یعذرون أحداً.
فلقد رأیت بعض الغلاة من أهل الحماس الأجوف لا یرحمون عوام المسلمین ولا یعتبرون حال الاستضعاف الذی عم المسلمین فی دیارهم الیوم. بتسلط کفرة الحکام. ویحملونهم ما لا یطیقون، فیلزمونهم العمل والجهاد لتغییر کفر الأنظمة الحاکمة؛ وإلا اعتبروهم راضین بالکفر لسکوتهم عنه وعدم سعیهم فی تغییره… وقد رموا بذلک کل من قعد عن جهاد الطواغیت، ولم یعتبروا الاستطاعة ولا فرقوا بین حال القوة وحال الاستضعاف.
وربما استدلوا ببعض آیات الوعید التی یتوعد الله فیها القاعدین عن الجهاد والمتخلفین عن النفیر عند وجوبه، کقوله تعالى: (( إلا تنفروا یعذبکم عذاباً ألیماً ویستبدل قوماً غیرکم ولا تضروه شیئاً )) ولو فقه هؤلاء کلام الله تعالى، وأوجه دلالاته، لما وجدوا فی هذه الآیة ومثیلاتها ما یدل على التکفیر بذلک.. فعذاب الدنیا بل والعذاب الألیم فی الآخرة لا یلزم منه التکفیر، کما قد قدمنا لک فی الأدلة المحتملة، وقد علمت أن من الموحدین من قد یعذب ویدخل النار لذنوبه، سواء کانت محرمات ارتکبها، أو واجبات قصّر فیها وترکها. ثم یخرج منها برحمة الله وفضله، فیکون مصیره مصیر الموحدین (الجنة)… وقدمنا لک أن نصوص الوعید کثیر منها محتمل الدلالة، لا یجوز الجزم فیه بالتکفیر دون فهمه على ضوء النصوص المبینة الأخرى.
فلاشک أن جهاد الکفار المتسلّطین المستولین على أزمة الأمور فی بلاد المسلمین وقتالهم لدحر شرکهم ، وإخراج العباد من عبادتهم إلى عبادة الله وحده، ومن ظلمات تشریعاتهم إلى عدل ونور الإسلام ، هو من إقامة التوحید فی الأرض ومن أوجب الواجبات التی افترضها الله على عباده( ).
لکن ومع هذا فإن تارک الجهاد الواجب لم یناقض بمجرد ترک الجهاد أصل الإیمان لیحکم بتکفیره…
وإنما قصّر فی الإیمان الواجب، ولذلک فالوعید فی حقه هو الوعید الذی یطلق فی حق عصاة الموحدین، لا الوعید الذی توعد الله به الکافرین.
والنار التی قد یدخلها إن لم یغفر الله له، هی النار المؤقتة التی یدخلها الموحدون… لا النار المؤبدة التی أعدت للکافرین وهی مصیرهم ومثواهم ودارهم ، إذ النار درکات وطبقات ، فالمنافقین فی الدرک الأسفل منها ، والطبقة التی یعذب فیها عصاة أهل التوحید عذابها مؤقت زائل فان ، بخلاف عذاب الکفار المقیم الخالد …
قال شیخ الإسلام ابن تیمیة فی الصارم المسلول ص (۵۳-۵۴): (ومما یبین الفرق أیضاً أنه سبحانه وتعالى قال: (( وأعد لهم عذاباً مهینا)) (الأحزاب: ۵۳)، والعذاب إنما أعد للکافرین، فإن جهنم لهم خلقت، لأنهم لابد أن یدخلوها، وما هم منها بمخرجین، وأهل الکبائر من المؤمنین یجوز أن لا یدخلوها إذا غفر الله لهم، وإذا دخلوها فإنهم یخرجون منها ولو بعد حین. قال سبحانه: (( واتقوا النار التی أعدت للکافرین )) فأمر سبحانه المؤمنین أن لا یأکلوا الربا، وأن یتقوا الله، وأن یتقوا النار التی أعدت للکافرین، فعلم أنهم یخاف علیهم من دخول النار إذا أکلوا الربا وفعلوا المعاصی مع أنها معدة للکفار، لا لهم، وکذلک جاء فی الحدیث (أما أهل النار الذین هم أهلها، فإنهم لا یموتون فیها ولا یحیون)( ). وأما أقوام لهم ذنوب یصیبهم سفع من نارٍ ثم یخرجهم الله منها) أهـ.
فلابد من التمییز بین نوعی الوعید، کی لا یحصل الخلط، بین الأعمال المکفرة وغیرها..
ثم التکفیر کما قدمنا لک لابد أن یکون بأدلة الشرع الصریحة القطعیة الدلالة، … أما الاعتماد على نصوص الوعید المطلقة وحدها.. فإنها مزلة لمن لم ترسخ قدمه فی العلم والفهم. لأن الشارع کثیراً ما یطلق الوعید فی غیر المکفرات الناقلة عن الملة… تنفیراً وتحذیراً وترهیباً من بعض الذنوب الخطیرة وزجراً عنها.
وهذا أمر ظاهر بیّن معروف لمن تتبع أدلة الشرع، وتدبر خطاب الله تبارک وتعالى لعباده… ولذلک کره السلف تأویل نصوص الوعید سواء ما ورد فیه لفظ الکفر فی ذنوب معینة، أو غیر ذلک من التخویف بعذاب النار أو نحوه، حتى لا یتجاسر الناس على الذنوب التی توّعد الشارع بذلک علیها أو یستهینوا بشأنها، فإن معصیة سمّاها الله کفراً، أو غلظ الوعید فیها، لیست کغیرها.. إلا أن یخافوا على السامع سو ء الفهم الذی أُتی منه الخوارج ویفصلوا ویؤولوا له، کما قد فعلنا ها هنا.
قال الحافظ فی الفتح (کتاب الفتن) عند حدیث “من حمل علینا السلاح فلیس منا” بعد أن ذکر بعض تأویلات العلماء فی قوله؛ “لیس منا”: (والأولى عند کثیر من السلف إطلاق لفظ الخبر من غیر تعرّض لتأویله لیکون أبلغ فی الزجر، وکان سفیان بن عیینة ینکر على من یصرفه عن ظاهره، فیقول؛ معناه لیس على طریقتنا، ویرى أن الإمساک عن تأویله أولى لما ذکرناه)أهـ.
هذا وسیأتی أن الأزارقة من الخوارج کان من مقالاتهم: (أن القعدة عن القتال معهم مشرکون)، واستدلوا لذلک بقوله تعالى: (وقعد الذین کذبوا الله ورسوله) وبقوله (( فلما کتب علیهم القتال إذا فریق منهم یخشون الناس کخشیة الله أو أشد خشیة)) (النساء: ۷۷).
أما الآیة الأولى فإنها فی المنافقین الذین اطلع الله تعالى على تکذیبهم الباطن، وقد علمت أن أسباب التکفیر فی الدنیا لا تربط بهذا الأمر الذی لا یطلع علیه إلا الله، ولذلک لم یؤاخذهم النبی صلى الله علیه وسلم به، وهذه الآیة وردت فی شأن المتخلفین عن غزوة تبوک ومعلوم أنه لیس کل من تخلف عنها کان من المنافقین الذین کذبوا الله ورسوله، بل کان فیهم ثلاثة من خیار أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم.
ولیسوا هم قطعاً ممن کذب الله ورسوله، ولا کفروا بتخلفهم عنه، ویوضح هذا أن تمام الآیة (( سیصیب الذین کفروا منهم عذاب ألیم )) (التوبة: ۹۰).
فهی ظاهرة فی أن الذین قعدوا لیس جمیعهم ممن کذب الله ورسوله، بل منهم من کان کافراً، ومنهم من لم یکن کذلک، فظهر أن سبب کفرهم عند الله، لم یکن القعود والتخلف، بل التکذیب الباطن الذی لم یؤاخذهم به النبی صلى الله علیه وسلم فی الدنیا لأنهم لم یظهروه.
وأما الآیة الثانیة؛ فقد قیل أیضاً أنها فی المنافقین لما حکاه الله فیها عنهم (( وقالوا ربنا لم کتبت علینا القتال لولا أخرتنا … الآیة)) وقیل هی فی غیرهم، وعلى کل حال فإن مما یبین هذه الآیات ویفسرها هی وغیرها من الآیات التی تتوعد على ترک الجهاد قوله تعالى فی سورة النساء نفسها وبعد هذه الآیات بقلیل: (( لا یستوی القاعدون من المؤمنین غیر أولی الضرر والمجاهدون فی سبیل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدین بأموالهم وأنفسهم على القاعدین درجة وکلاً وعد الله الحسنى…))(۹۵). فتأمل کیف بین الله أن فی القاعدین عن الجهاد بغیر عذر، مؤمنین وأنه وعد کلاً من القاعدین والمجاهدین الحسنى لإیمانهم، وإن کان المجاهدون أعظم درجة.
والشاهد من هذا کله أن التوعد على ترک الجهاد الواجب بالعذاب الألیم أو الوعید لمن لم یغز أو یحدث نفسه بالغزو بأنه یموت على شعبة من نفاق( ) أو نحو ذلک مما توعدت به الشریعة المقصرین فی الواجبات، کل ذلک ونحوه من الآیات التی استدل بها الخوارج على تکفیر القعدة لا یصلح ولا یکفی وحده للدلالة على التکفیر. ومن ثم فلا یجوز تکفیر عوام المسلمین بسبب قعودهم أو تقصیرهم فی تغیر واقع الأنظمة المرتدة أو بدعوى سکوتهم عن الحکام الکفرة.
فقد دلت أدلة الشرع المبینة لهذا أنه مقید بالاستطاعة.
حیث قال تبارک وتعالى: (( وأنزلنا إلیک الذکر لتبین للناس ما نُزّل إلیهم ولعلهم یتفکرون )) (النحل: ۴۴).
فنظرنا فی بیان النبی صلى الله علیه وسلم لذلک، فوجدناه قد قال فی الحدیث الذی یرویه مسلم عن أبی سعید الخدری: (من رأى منکم منکراً فلیغیره بیده فإن لم یستطع فبلسانه فإن لم یستطع فبقلبه وذلک أضعف الإیمان).
فدل هذا البیان على أمرین فی هذا الباب، الأول؛ أن وجوب السعی فی التغییر منوط بالاستطاعة، والثانی؛ أن الساکت لا یجوز تقویله ما لم یقله أو الحکم علیه بالرضا عن المنکر الذی لم یستطع تغییره، ما لم یظهر ذلک الرضا بقول أو عمل، إذ الحدیث یبین أن الساکت قد یکون منکراً بقلبه، فیبقى بذلک من أهل الإیمان وإن کان إیمانه ضعیفاً. فضعف الإیمان شیء غیر الکفر.
ولاشک أن ضعف الإیمان ووهنه قد دب وفشا فی کثیر من المسلمین، وهذا من أسباب تسلط الطواغیت والمرتدین علیهم. ولکن للتکفیر أسبابه الظاهرة المنضبطة وأدلته الصریحة الواضحة.
ثم وجدناه صلى الله علیه وسلم قد زاد الأمر بیاناً وإیضاحاً فی حدیث آخر لمسلم عن عبد الله بن مسعود؛ فقال: “ما من نبی بعثه الله فی أمةٍ قبلی ؛ إلا کان له من أمته حواریون وأصحاب، یأخذون بسنته ویقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف یقولون ما لا یفعلون، ویفعلون ما لا یؤمرون، فمن جاهدهم بیده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ولیس وراء ذلک من الإیمان حبة خردل”.
فدل هذا على أن المنکر بقلبه إن اجتنب باطلهم مجاهد لا یجوز نسبته إلى الرضا عنهم ما لم یظهر ذلک بقول أو عمل وهو مؤمن لا یحل تکفیره بالظن والخرص والاحتمالات.
ثم زاده صلى الله علیه وسلم بیاناً وبیاناً بما رواه مسلم أیضاً عن أم سلمة: (إنه یستعمل علیکم أمراء، فتعرفون وتنکرون، فمن کره فقد برئ، ومن أنکر فقد سلم، ولکن من رضی وتابع).
قال النووی فی شرح کتاب الإمارة من صحیح مسلم: (“فمن کره فقد برئ” معناه من کره ذلک المنکر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا فی حق من لا یستطیع إنکاره بیده ولا لسانه فلیکرهه بقلبه ولیبرأ…) إلى قوله: (“ولکن من رضی وتابع” معناه ولکن الإثم والعقوبة على من رضی وتابع، وفیه دلیل على أن من عجز عن إزالة المنکر لا یأثم بمجرد السکوت، بل إنما یأثم بالرضى به أو بأن لا یکرهه بقلبه أو بالمتابعة علیه) أهـ.
ففی هذا البیان أن إنکار المسلم وکراهته بالقلب براءة له من الکفر والظلم، مادام مجتنباً لباطلهم غیر متلطخ بکفرهم ولا معین أو متابع لهم…
وفیه أن المذموم الهالک إنما هو من تابع ورضی أو ناصر وأعان… والرضى القلبی وإن کان من أسباب الکفر، لکنه لما امتنع علینا ضبطه واعتباره لم ینط به التکفیر فی أحکام الدنیا، إلا أن یظهر بقول أو عمل، کالمتابعة التی قرنها رسول الله صلى الله علیه وسلم فیه بالحدیث ، ومن ذلک الانحیاز إلى طائفتهم وحدّهم المحاد لله ،أو الانضمام إلى عدوتهم المعادیة لأولیائه، أوالامتناع بشوکتهم وشقهم المشاق لشرعه ، فمن أظهر مثل هذا فإنه منهم وحکمه حکمهم ، ویحق أن ینسب إلى الرضى عنهم وعن کفرهم ولو لم یصرح بذلک بلسان المقال ، فإن لسان الحال أبلغ فی کثیر من الأحیان ، ولذلک نص العلماء على أن حکم الردء فی الطائفة الممتنعة المحاربة حکم المباشر ، وعلیه جرى العمل وجهاد المسلمین وقتالهم للطوائف فی القرن الأول ؛ ولا یقال أن الردء ساکت فکیف ینسب إلیه الرضى ؛ بل الردء متابع مناصر متحیز إلى حدهم وشقهم وعدوتهم وطائفتهم المحاربة لدین الله وهذا عمل مکفر..
فمن تابعهم على کفرهم بقول أو عمل بغیرما إکراه فقد رضی وقد شرح بالکفر صدراً. کما قال شیخ الإسلام فی قوله تبارک وتعالى: (( إلا من أکره وقلبه مطمئن بالإیمان ولکن من شرح بالکفر صدراً فعلیهم غضب من الله ولهم عذاب عظیم)) (النحل: ۱۶). قال: (فإنه من کفر من غیر إکراه فقد شرح بالکفر صدراً…) (وإذا تکلم بکلمة الکفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهی کفر…)أهـ (ط دار ابن حزم) (۷/۱۴۰).
أما من لم یظهر منه قول أو عمل یدل على الرضا، فلا یحل نسبة الرضى إلیه بمجرد سکوته. ولذلک نص الفقهاء فی قواعدهم الفقهیة أنه (لا ینسب إلى ساکت قول)( ).
وأخیراً فلقد قال تعالى: (( ولقد بعثنا فی کل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت علیه الضلالة.. )) فمن أتى بما ظهر من أصل الإیمان ، وکان مجتنباً للکفر غیر متابع ولا مناصر له، فهو ممن هدى الله تعالى فی أحکام الدنیا الظاهرة عندنا ، فإن صدّق باطنه ظاهره ؛ فَکَرِه الکفر وأنکره بقلبه؛ فقد برئ من الکفر على الحقیقة –عند الله أیضاً- وإن لم یسع فی تغییره وجهاده لعجز أو تقصیر.
فکیف إذا أضیف إلى هذا واعتبر معه واقع الاستضعاف الذی یعیشه المسلمون الیوم، والذی یجوز للمسلم المستضعف فیه أن یأخذ بالتقیة فیکتم عداوته للکفار ، أو یعمل بنصوص العفو والصفح والصبر…؟
قال شیخ الإسلام ابن تیمیة فی الصارم المسلول ص(۲۲۱): (وصارت تلک الآیات [أی: آیات الصفح والصبر والإعراض عن الکفار والمنافقین] فی حق کل مسلم مستضعف لا یمکنه نصر الله ورسوله بیده ولا بلسانه، فینتصر بما یقدر علیه من القلب ونحوه، وصارت آیة الصغار على المعاهدین فی حق کل مؤمن قوی یقدر على نصر الله ورسوله بیده أو لسانه، وبهذه الآیة ونحوها کان المسلمون یعملون فی آخر عمر رسول الله صلى الله علیه وسلم وعلى عهد خلفائه الراشدین، وکذلک هو إلى قیام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمین على الحق ینصرون الله ورسوله النصر التام، فمن کان من المؤمنین بأرض هو فیها مستضعف أو فی وقت هو فیه مستضعف فلیعمل بآیة الصبر والصفح والعفو عمن یؤذی الله ورسوله من الذین أوتوا الکتاب والمشرکین، وأما أهل القوة فإنما یعملون بآیة قتال أئمة الکفر الذین یطعنون فی الدین وبآیة قتال الذین أوتوا الکتاب حتى یعطوا الجزیة عن ید وهم صاغرون) أهـ.

((۲۰))
إطلاق حکم التکفیر ولوازمه على أزواج وأولاد عساکر الشرک والقوانین
أو نحوهم من المرتدین وعدم مراعاة حال الاستضعاف
ومن الأخطاء الشنیعة فی التکفیر أیضاً إطلاق حکم التکفیر ولوازمه على أزواج وأولاد عساکر الشرک والقوانین أو نحوهم من المرتدین وعدم مراعاة حال الاستضعاف ؛وهذا من الأخطاء الشنیعة التی خاض فیها بعض المتهورین والمتحمسین فی زماننا، مع أن تکفیر الطواغیت وأنصارهم من عساکر الشرک والقوانین أو غیرهم ممن ینتسبون للإسلام ویحسبون أنهم یحسنون صنعاً، لا یلزم منه فی هذا الواقع المریر الملتبس، تکفیر أولادهم أو زوجاتهم أو آباءهم المظهرین للإسلام، فما لم یظهر أحدهم سببا من أسباب الکفر الظاهرة، فبأی شیء یکفر؟؟ خصوصاً إن کانوا ممن لا یستطیعون حیلة ولا یهتدون سبیلاً؟
فقد قال تعالى: (( أم لم ینبأ بما فی صحف موسى وإبراهیم الذی وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى)). وقال سبحانه: (( ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا یحمل منه شیء ولو کان ذا قربى)).
وقال تبارک وتعالى: (( وضرب الله مثلا للذین آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لی عندک بیتاً فی الجنة ونجّنی من فرعون وعمله ونجنی من القوم الظالمین)) (التحریم: ۱۱).
فهذه امرأة صالحة، بل من خیر نساء العالمین، کانت تحت أخبث أهل الأرض وأکفرهم، وأشدهم حرباً للدین فی زمانه.
یقول شیخ الإسلام عند قوله تعالى (( احشروا الذین ظلموا وأزواجهم وما کانوا یعبدون)) (الصافات: ۲۲). بعد أن بین بأن المراد بأزواجهم؛ نظراؤهم وأشباههم وقرناؤهم وأتباعهم، قال رحمه الله: (ولیس المراد أنه یحشر معهم زوجاتهم مطلقاً؛ فإن المرأة الصالحة قد یکون زوجها فاجراً، بل کافراً، کامرأة فرعون) مجموع الفتاوى (۷/۴۵).
والسیرة النبویة المطهرة، وسیرة السلف الصالح وصدر هذه الأمة فیها من الأمثلة الکثیرة التی یؤخذ فیها الزوج الکافر أو المرتد وتترک زوجته، وتعامل معاملة المسلمین لإسلامها، ولعدم ثبوت الردة علیها..
* ومن أشهر الأمثلة على ذلک؛ زینب بنت رسول الله صلى الله علیه وسلم، زوّجها رسول الله صلى الله علیه وسلم لأبی العاص بن الربیع وهو على شرکه وهو ابن أخت خدیجة بنت خویلد، وذلک قبل أن ینزل الوحی علیه، ولما نزل علیه الوحی دعاه إلى الإسلام، فأبى وثبت على شرکه، وأسلمت زینب وأقامت على إسلامها وهو على شرکه حتى هاجر رسول الله صلى الله علیه وسلم، وبقیت ابنته تحت أبی العاص فی مکة، من جملة النساء والولدان والمستضعفین الذین لا یستطیعون حیلة ولا یهتدون سبیلا، وبقیت عنده على ذلک وهو مقیم على شرکه، إلى أن کان یوم بدر وخرج أبو العاص مقاتلاً مع کفار قریش وأصیب فی الأسارى، ولما بعث أهل مکة فی فداء أسراهم بعثت زینب بنت رسول الله صلى الله علیه وسلم فی فداء أبی العاص بمال وبعثت فیه بقلادة لها کانت خدیجة أدخلتها بها على أبی العاص حین بنى علیها، فلما رآها رسول الله صلى الله علیه وسلم رقَّ لها وقال: إن رأیتم أن تطلقوا لها أسیرها وتردوا علیها الذی لها فافعلوا، فأطلقوه، وأخذ رسول الله صلى الله علیه وسلم علیه وعداً بأن یخلی سبیل زینب، فلما خلى سبیل أبی العاص وخرج إلى مکة بعث رسول الله صلى الله علیه وسلم زید بن حارثة ورجلا من الأنصار لیکونا قرب مکة إلى أن تمر بهما زینب فیصحبانها حتى یأتیانه بها، فخرجا إلیها ، وذلک بعد بدر بشهر.. إلى آخر القصة وفیها أن کفار قریش اعترضوها بادئ الأمر ثم أذنوا لها، وفیها أن زوجها أبی العاص خرج تاجراً إلى الشام وأنه لما قفل اعترضته سریة رسول الله صلى الله علیه وسلم فأصابوا ما معه وهرب أبو العاص، ثم أقبل إلى المدینة حتى دخل على زینب فاستجار بها فأجارته فی طلب ماله، وذلک کله قبل أن یسلم..
والقصة مشهورة معروفة فی السیرة وکتب التاریخ وأجزاء منها رواها أصحاب السنن
فهذه ابنة رسول الله صلى الله علیه وسلم بقیت مستضعفة تحت رجل مشرک محارب مدة، ولم یقدر المسلمون على تخلیصها منه إلى أن أعز الله الإسلام فی بدر وأمکن الله من زوجها، ثم سعت فی فدائه، ولم یخدش ذلک کله فی إسلامها.. کونها کانت مستضعفة.
وکذلک کان حال غیرها من النساء المؤمنات ممن أسلمن فی مکة، ولم یتمکنّ من الهجرة، وکنّ ممن قال الله تعالى فیهم: (( ولولا رجالٌ مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصیبکم منهم معرّة بغیر علم لیدخل الله فی رحمته من یشاء لو تَـزَیلوا لعذبنا الذین کفروا منهم عذاباً ألیماً )) ( الفتح – ۲۵ ).
فسماهن الله مؤمنات رغم إقامتهن فی دار الکفر، ومنهنّ من کانت تحت کافر، ولم یخدش ذلک فی إسلامهن لاستضعافهنّ..
وقال تعالى أیضاً: (( إلا المستضعفین من الرجال والنساء والولدان لا یستطیعون حیلة ولا یهتدون سبیلا * فأولئک عسى الله أن یعفو عنهم وکان الله عفواً غفوراً )) ( النساء ۹۸-۹۹ ).
* ومثل ذلک ( آزاد ) زوجة ( شهر بن باذان ) عامل الرسول صلى الله علیه وسلم ووالی المسلمین فی الیمن، الذی قتله الأسود العنسی وتغلّب على صنعاء، وتزوّج زوجته المسلمة التی ثبتت على إسلامها، ولم تصدّق بنبوته المدعاة، ولکنها لم تظهر ذلک، بل بقیت مستضعفة تحته إلى أن قتله ابن عمها ( فیروز الدیلمی ) بتنسیق معها.
یقول ابن کثیر فی البدایة والنهایة ( ۶/۳۰۸ ) عن الأسود: ( وتزوج بامرأة شهر بن باذام وهی ابنة عم فیروز الدیلمی، واسمها أزاد، وکانت امرأة حسناء جمیلة، وهی مع ذلک، مؤمنة بالله ورسوله محمد صلى الله علیه وسلم ومن الصالحات) أهـ.
* والمختار بن أبی عبید الثقفی الکذاب أیضاً، کانت تحته امرأتان کلاهما ابنة صحابی ، الأولى أم ثابت بنت سمرة بن جندب، والثانیة عمرة بنت النعمان بن بشیر. فقد تزوجهما قبل أن یدعی النبوة ویرتد، ولما تمکن مصعب بن الزبیر ومن معه من المسلمین من المختار وقتلوه، لم یحکموا بکفر هاتین المرأتین مباشرة لمجرد کونهما زوجتا الکذاب المرتد، فقد کانتا بالأصل مسلمتین، ولذلک جاء مصعب بهما وسألهما عنه، فقالت الأولى: (ما عسى أن أقول فیه إلا ما تقولون أنتم فیه)( ) فترکها. واستدعى الثانیة فقالت: ( رحمه الله لقد کان عبداً من عباد الله الصالحین )، فسجنها وکتب إلى أخیه عبد الله بن الزبیر یسأله ما یفعل بها ، ویقول: (إنها تقول إنه نبی) فکتب إلیه؛ أن أخرجها فاقتلها، فقتلها…( ).
وهذا کان فی الصدر الأول … فکیف مع واقع الاستضعاف الذی یعیشه المسلمون الیوم، وفی ظل عدم وجود الدولة المسلمة التی ترعى بسلطانها وأحکامها شؤون المسلمین وأعراضهم ودماءهم وأنفسهم، ویکون السلطان فیها ولی من لا ولی لها، أو من کان أولیاؤها من المرتدین أو من المشرکین ؛ فیفرق بین المؤمنات والکفار، وبین الخبیثین والطیبات.. کما أمر الله تعالى فی کتابه: (( فإن علمتموهنّ مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الکفار لا هنّ حلٌ لهم ولا هم یحلون لهنّ )).
فکم فی أوضاع الیوم الجاهلیة ومجتمعات العصر الخبیثة من امرأة صالحة مستضعفة أکرهها أهلها على الزواج من المرتدین أو المشرکین ممن یرونهم ویحسبونهم من المسلمین..
ومعلوم أن عذر الإکراه لا یشدد فی شروطه بحق المرأة المستضعفة کما هو فی حق الرجال الأقویاء.. (( لا یکلف الله نفساً إلا وسعها )).. (( لا یکلف الله نفساً إلا ما آتاها )).
والقوانین الکفریة المسلطة على رقاب المسلمین، ومحاکمها التی تقضی وتفرض قراراتها بموجبها، – حتى تلک التی یسمونها شرعیة – لا تفرّق کما نص دستورهم الذی هو أبو القوانین عندهم، بین الناس فی الدین، فلا عقوبة فی قوانینهم على الردة ، ولا أثر لها فی التفریق بین الناس فی الولایة أو النکاح أو المواریث أو غیرها، بل یستوی فی ذلک وفی غیره عندهم المجرمون والمؤمنون، والخبیثون والطیبون، والکافرون والمسلمون..
بل تعدى الأمر ذلک إلى حمایة المرتدین ورفعهم فوق المسلمین، وإقرار ولایتهم فی الحکم والزوجیة والنکاح وغیره على المسلمین، معاندة لقوله تعالى وأمره: (( ولن یجعل الله للکافرین على المؤمنین سبیلا )) فلا تصح فی شرع المسلمین ولایة المرتد على المسلمة سواء کان والداً أم حاکما أم قاضیاً، أما فی شریعة القوانین الوضعیة، فقد اختلط الحابل بالنابل وعم فی ذلک البلاء.
ومما زاد الطین بلة استهتار المسلمین وتهاونهم بالأحکام الشرعیة، وجهلهم فی أصول دینهم وفروعه وعدم تمییزهم بین الکفر والإیمان، والتندید والتوحید، واغترارهم بصلاة وصیام کثیر من المرتدین ممن هم حرب على الدین وأهله، سلم للشرک والمشرکین، ثم یحسبون أنهم مهتدون وأنهم مسلمون مؤمنون، فناکحوهم ، وولوهم أمر کرائمهم من المؤمنات. وعم بذلک البلاء. خصوصاً فیما بین القرابات. فالتبصر بأحکام تکفیر الطواغیت وأنصارهم من حراس الشرک والتندید الیوم أمر أهمله وقلّل من شأنه وأعرض عن معرفته کثیر من الخواص فضلاً عن العوام، فأثمر هذه الثمرة الخبیثة، وقد قدمنا لک شیئا من أهمیة أحکام الکفر والإیمان، وما یتعلق بها من آثار، وأن هذا شیء من ذلک.
فمراعاة هذا کله والتنبه إلیه، یُعرّف المسلم بحقیقة وجود المسلمات المستضعفات اللاتی لا یملکن من أمرهن شیئا، ولا یجدن فی هذا الواقع المریر وفی ظل قوانین الکفر من یُخَلصهن، أو یفرق بینهن وبین الکفار بالعدل دون هضم حقوق أو ضیاع أولاد، فی ظل ظلم القوانین الوضعیة وجورها.. ویُعرفه بأنه لا یصح إطلاق أحکام التکفیر للمظهرین للإسلام من النساء والولدان لمجرد ولایة آبائهم أو أزواجهم المرتدین من عساکر الشرک أو غیرهم ممن یحسبون أنهم مسلمون. والحکم بالتبعیة للوالدین إنما یذکره الفقهاء، لمن لا یعقل أو لا یعرب عن نفسه من مجنون أو ولید أو نحوه، أما من أظهر الإسلام، فلا یحل أن یکفر بالتبعیة، بل لا یُکفّر إلا بسبب ظاهر من أسباب الکفر القولیة أو العملیة، فقد تقدم أن الحکم بالتبعیة معناه الحکم بالاستصحاب وهو من أضعف الأدلة بحیث یقدم علیه أدنى ظاهر من خصائص الإسلام.
وإذا کان النبی صلى الله علیه وسلم قد نهى عن قتل نساء وصبیان الکفار الأصلیین إلا أن یقاتلوا، أو یقتلوا دون قصد فی البیات حتى اتفق جمیع العلماء (کما نقل ابن بطال وغیره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الکفر)( ).
فکیف بمن کان مظهراً للإسلام من النساء والولدان أفیؤاخذوا بجریرة آبائهم وأزواجهم مع أنهم قد یکونون ممن لا یستطیعون حیلة ولا یهتدون سبیلا ، ولیس لهم من یخلّصهم وینصرهم ویتولاهم…؟
أضف إلى هذا أننا نعذر المخالفین لنا فی عدم تکفیرهم لعساکر الشرک وأنصار الطواغیت لشبهات ظنوها موانع شرعیة تمنع من تکفیرهم، ما لم یرتبوا على ذلک سبباً ظاهراً من أسباب التکفیر من موالاة لهم أو مناصرة على شرکهم وکفرهم أو مظاهرة لهم على الموحدین.. أما مجرّد نکاح المسلمة الجاهلة لبعض جند الطواغیت ممن تظن فیه الإسلام والإیمان لعبادته وصلاته، فلیس بسبب من أسباب التکفیر الظاهرة ، وإن کان من الضلال والجهل الذی عمّ بین المسلمین ویوجب على الدعاة مزیداً من الدعوة والبیان لتطهیر المسلمین من رجس هذه المنکرات.. ( )
وهذا یعرفک، إننا بفضل الله تعالى نستبریء لدیننا ونحتاط فی أبواب التکفیر، ولیس الأمر کما یدعی خصومنا ویفترون من أننا نکفر بالعموم دون تفصیل، فکم قد أنکرنا مثل هذا الخطأ ولوازمه على کثیر من الجهال… بل وأنکرنا مراراً وتکراراً طعن مخالفینا أنفسهم فی أعراض ونساء وبنات الطواغیت وأنصارهم من جند القوانین مع أنهم لا یکفرون الطواغیت ولا أنصارهم…
فطالما سمعناهم یقذفون الطواغیت وأنصارهم ویشتمونهم بفاحش الأقوال، إذا ما ظلموهم أو هضموا بعض حقوقهم، ویقذفون نساءهم وأخواتهم بأفحش القول وأقذع الألفاظ، ولقد کان بعضهم یعجبون من إنکارنا علیهم ذلک وأمثاله، وتشدیدنا فیه رغم تکفیرنا للطواغیت وأنصارهم، فنبیّن لهم بأننا نکفرهم بأدلة الشرع ولا نتعدى ذلک.
أما هم فیقذفونهم ویقذفون نساءهم بمحض الهوى، وردود الفعل غیر المنضبطة بضوابط الشرع، وبدافع الشهوة الغضبیة دونما دلیل، مع أنهم لا یکفرونهم، بل یعدونهم من المسلمین، ویخاصموننا فی تکفیرهم…!!
وحتى لو کان بعضهم یکفر الطواغیت، فهذا لا یبرر ذلک أو یسوّغه، فالخوض فی الأعراض یجب أن یترفع عنه الدعاة، وهو لا یلیق بأخلاق المؤمنین، ولقد أنکر العلماء قذف الکافرة، وجعل بعضهم فی قذف الذمیة التعزیر، وذلک حتى لا یتجرأ الناس على الأعراض، ویکون ذلک ذریعة إلى استساغة فحش القول وبذیئه، أو یصیر ذریعة إلى تقحم قذف المحصنات المؤمنات، ولاحتمال وجود ابن أو أخ أو قریب مسلم للکافرة، یؤذیه قذفها والطعن فی عرضها… ولذلک أفتى سعید بن المسیب وابن أبی لیلى بالحد على من قذف ذمیة لها ولد مسلم، مع أن من شروط حد القذف عند جماهیر العلماء ؛ الإسلام..
وذلک لأن الطعن فی الأعراض یعم شرره مَن حول المرأة من الأصول والفروع؛ ولا تخلو أحوال عساکر الشرک والطواغیت الیوم من وجود المسلم فی فروع أو أصول نسائهم، هذا إن لم تکن نساؤهم أنفسهن من المسلمات المستضعفات.
یقول شیخ الإسلام فی الصارم المسلول ص (۴۵-۴۶): (ولعل ما یلحق بعض الناس من العار والخزی بقذف أهله أعظم مما یلحقه لو کان هو المقذوف، ولهذا ذهب الإمام أحمد فی إحدى الروایتین المنصوصتین عنه إلى أن من قذف امرأة غیر محصنة کالأمة والذمیة، ولها زوج أو ولد محصن حُدّ لقذفها، لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنین، والروایة الأخرى عنه.. وهو قول الأکثرین إنه لا حد علیه؛ لأنه أذى لهما لا قذف لهما، والحد التام إنما یجب بالقذف) أهـ.
ولذلک کما قلنا رأى بعض العلماء التعزیر على مثله، وبعضهم رأى الحد.
فأین أولئک المتهورون من فقه العلماء وورعهم.. ؟؟
ولقد سمعت بعضهم مرة یقذف قاضیاً ظلمه، باللواط. ، ویسبه بألفاظ الفاحشة..
فأنکرت علیه ذلک، وقلت له: هذا قذف لإنسان تعتقد فیه الإسلام !! وذلک یحتاج إلى بینة ؛ ولا بینة عندک، وأنتم تشنعون علینا تکفیر أمثال هؤلاء، مع أننا نحشد لکم عشرات البینات والبراهین!!
فما کان جوابه إلا أن استدل بقوله تعالى: (( لا یحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم…)). وقال: وهل السوء إلا مثل هذا…!!
واحترت یومها من أی شیء أعجب، أمن ورعهم البارد فی تکفیر الطواغیت مع کثرة الأدلة وشهرتها، أم من جرأتهم على النصوص الشرعیة، وتلاعبهم فی تفسیرها على ما یشتهون بمحض الرأی والهوى.. ؟ إذ أن السوء الذی جوّز الله الجهر به هنا – کما ذکر العلماء- هو جواز غیبة المظلوم لظالمه فی ذکر مظلمته والتحذیر من الظالم وظلمه… ولیس المراد قطعاً الافتراء علیه وقذفه.
هذا وکثیرا ما کنت أنبه هؤلاء، إلى أن شأن الطعن فی الأعراض وقذف النساء على وجه الخصوص، قد شدّد فیه الشارع من حیث طرق الإثبات الشرعیة أکثر من التکفیر.
ففرض فی الزنا أربع شهود یعاینون الزنا الصریح، وفی التکفیر یکتفى بشاهدین سمعا القول المکفر، أو شاهدا الفعل المکفر الصریح الدلالة( ).
کما أوجب حد الفریة على من قذف غیره بالزنا دون من قذفه بالکفر، فلیس فی ذلک لمن صدر منه التکفیر لمسلم کمسبة لا تأویلا إلا التعزیر، کما روى البیهقی عن علی: (إنکم سألتمونی عن الرجل یقول للرجل: یا کافر! یا فاسق! یا حمار! ولیس فیه حد، وإنما فیه عقوبة السلطان، فلا تعودوا فتقولوا).
وقال ابن القیم: (وأما إیجاب حد الفریة على من قذف غیره بالزنا دون الکفر ففی غایة المناسبة، فإن القاذف غیره بالزنا لا سبیل للناس إلى العلم بکذبه، فجعل حد الفریة تکذیباً له، وتبرئة لعرض المقذوف، وتعظیماً لشأن هذه الفاحشة التی یجلد من رمى بها مسلماً، وأما من رمى غیره بالکفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمین علیها کافٍ فی تکذیبه، ولا یلحقه من العار بکذبه علیه فی ذلک ما یلحقه بکذبه علیه فی الرمی بالفاحشة، ولا سیما إن کان المقذوف امرأة، فإن العار والمعرّة التی تلحقها بقذفه بین أهلها وتشعب ظنون الناس وکونهم بین مصدق ومکذب لا یلحق مثله بالرمی بالکفر ) أهـ إعلام الموقعین (۲/۶۴).
فهذا هو شأن التکفیر الذی تعظوننا فیه لیل نهار، مع أن کفر القوم الذین تخالفوننا فی تکفیرهم، أوضح من الشمس فی رابعة النهار، فهو ظاهر معلوم مستفیض، أشهر من أن یحتاج إلى شاهدین، إذ هم یقرون به، ویشهدون على أنفسهم بالکفر لیل نهار، بل ویفاخرون بذلک جهاراً بإعلانهم الولاء والنصرة للقوانین الوضعیة الکفریة وأربابها، وبالقسم على احترامها، والسهر على حمایتها وحراستها أو المشارکة فی تشریعها، أو محاربة أعدائها من الموحدین المتبرئین منها ومظاهرة المشرکین علیهم فی کل مکان..
أما قذف نساءهم اللاتی لا یقطع بکفرهن فذلک هو شأنه؛ ومع هذا فإن کثیرا من خصومنا یتقحّمونه دوماً دون ورع أو تقوى، مع أنه یحتاج إلى أربعة شهود یرون الزنا عیاناً کما یرى المیل فی المکحلة، فإن نکص أحدهم عن الشهادة أو تلکأ ونکل؛ حدّ الثلاثة الباقون ثمانین جلدة حدّ الفریة، وأسقطت عدالتهم وکانوا من الفاسقین.
* هذا ولا یفوتنی أن أنبه أیضا هنا، إلى ما أنکره دوما على بعض المتحمسین الذین یتندرون ببعض لوازم الکفر الأصلی، فیخلطونها فی کفر الردة، ویتفاکهون بذکر سبی نساء الطواغیت أو نساء عساکرهم ونحوه.. وأن ذلک دلیل على جهل مفرط بأحکام الشرع، وتهور واستخفاف باقتحام المحرمات إذ قد عرفت مما مضى أن احتمال کون أولئک النساء من المسلمات الصالحات المستضعفات وارد جداً.
ثم هب أن التکفیر قد ثبت عند هؤلاء المتهورین ثبوتاً شرعیاً!! فإنّ کفرهن والحال کذلک کفر ردة لادعائهن الإسلام. وإذا کان الأمر کذلک، أفلم یعلموا أن الصحیح من أقوال العلماء هو عدم جواز سبی المرتدة؛ لأن فی سبیها إقرارها على الردة، والمرتد لا یقر بین المسلمین بحال ، لحدیث: (من بدل دینه فاقتلوه ) رواه الجماعة إلا مسلما، وجاء فی بعض روایات حدیث معاذ وحسّن إسنادها الحافظ ابن حجر فی الفتح أن النبی صلى الله علیه وسلم لما أرسله إلى الیمن قال له: ( أیما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه , وأیما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها , فإن عادت وإلا فاضرب عنقها ) ( ).
وأیضاً فإن التسری الذی یحلم به أولئک الکسالى البطالون؛ إنما یجوز بعد حصول ملک الیمین واستبراء الرحم، فقد ( حصر الشارع جواز التسری فی الملک الصحیح)(۷)، وما لم تملک الرقبة ملکا صحیحا؛ فلا یحل التسری بحال، وأنه لا سبیل الیوم إلى امتلاک الرقاب إلا فی شوکة وتمکین ودولة على منهاج النبوة لا تبالی بکفار الدنیا وعداوتهم خصوصاً فی ظل توقیع دول العالم الیوم، على اتفاقیة تحریم الرق، فی الوقت الذی تواطؤوا فیه على استرقاق الشعوب المستضعفة وإذلالها ونهب خیراتها.. !!.
والخلاصة: أننا لا نتعرض لموضوع السبی فی مثل هذه الأحوال، ولم نتعرض له قبل الیوم، وما ینسبه البعض إلى دعوتنا من هذا الباب فهو محض کذب وافتراء، یدل على اندحارهم أمامها وعجزهم عن ردها بالحجج والبراهین، وإفلاسهم عن مقارعتها بالأدلة والبینات. فحادوا إلى الکذب والافتراء لتشویهها ورد الناس عنها، لعلّهم أن یظفروا من طریق الکذب والبهتان بما عجزوا عنه من طریق الحجة والبرهان.
فنساء من نکفرهم من الطواغیت وأنصارهم عندنا ما بین حالین، کلاهما لا یحل فیها السبی:
- إما أن یکن مرتدات کأزواجهن، والمرتدة لا یحل سبیها؛ لأن فی ذلک إقرار لها على ردتها.
- أو یکن مسلمات جاهلات لهن علینا واجب النصح والبیان، أو مسلمات صالحات مستضعفات لهن علینا واجب النصرة والموالاة.
وإذا کان هذا هو قولنا فی نساء وأزواج وبنات الطواغیت وأنصارهم ؛ فمن باب أولى عموم النساء فی هذه المجتمعات التی کانت من عهد لیس ببعید دیار إسلام ، ولا یزال جمهور أهلها ینتسب إلى الإسلام …
فهل حان لأولئک المفترین أن ینزعوا عن کذبهم علینا وبهتانهم لنا ویتوبوا…؟
واضعین نصب أعینهم قول المصطفى صلى الله علیه وسلم: ( من قال فی مسلم ما لیس فیه أسکنه الله ردغة الخبال حتى یأتی بالمخرج مما قال. )
وردغة الخبال: عصارة قیح وصدید أهل النار.
وهل آن الأوان لأولئک المتخبطین فی هذه الأبواب أن یرعووا ؟ فقد صار تخبطهم وجهلهم ذرائع ومطاعن تشبث وطنطن بها أعداء الله، لیشوّهوا وجه هذه الدعوة المبارکة.