شهادة الثقات

(آل سعود فی میزان أهل السنة)

صالح بن سعد الحسن
المقدمة

بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله وکفى، والصلاة والسلام على النبی المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، أما بعد:
فإن حب الدنیا وکراهیة الموت تغلغل جذرهما فی قلوب الناس الیوم مصداقاً لما أخبر به النبی صلى الله علیه وسلم من حال أهل زمان الذل ” ولیقذفن الله فی قلوبکم الوهن قالوا وما الوهن یارسول الله ؟ قال: حب الدنیا وکراهیة الموت ” (رواه أحمد وأبو داود)، ولذا فإنه لا یستغرب خفاء کثیرٍ من الحقائق الشرعیة على الناس، وغیابها عن میدان الواقع لقلة الداعین إلیها حباً فی الدنیا وکراهیةً للموت ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وإن من تلک الحقائق تکفیر الحکام المرتدین عن الإسلام، الجاثمین على صدور المسلمین فی دیارهم، حیث تواطأ أکثر العلماء والدعاة وطلبة العلم المقتنعین بهذه الحقیقة على کتمها وإخفائها والإسرار بها لا سیما تکفیر حکام الجزیرة العربیة من آل سعود قاتلهم الله، على اختلافٍ بینهم فی الاعتذار عن هذا التقصیر فمنهم من یعتذر بضعفه وعجزه ویقر بذنبه ویستغفر ربه …
ومنهم من لبس علیه فظن أن فی إظهار هذا الحکم إثارة للفتنة بین المسلمین وسبیلا إلى الاقتتال بینهم ونسی أن الفتنة الشرعیة التی هی الکفر والشرک أکبر وأشد من القتل، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [ البقرة /۱۹۱ ] ونسی أن فتنته للناس بسکوته أشد مما یخشى حیث تتوالى الأجیال المسلمة على إحسان الظن بهؤلاء الطواغیت وتتولاهم دون أن تعرف حکم الله فیهم من وجوب البراءة منهم وبغضهم وعداوتهم وتکفیرهم …

ومنهم من رأى أن هذا هو الطریق الأسلم للدعوة الذی یحقق مکاسبها ویؤمّن لها الأرض الآمنة، وهو بهذا یخادع نفسه إذ لا یعرف هذا الصنف من الدعوة إلا کل شئٍ سوى الصدع بالتوحید وتحقیقه والکفر بالطاغوت فهو یشغل نفسه بالفروع وینسى الأصول، ویعالج المهم ویترک الأهم لا لشئٍ إلا لکونه داخلاً فی دائرة الممکن فهو یذکّر الناس بترک الدخان والغناء ویتغافل عن حکم من یبیحه ویحلّله من الحکام ، یقیم الدنیا ولا یقعدها حین تُدمج إدارة تعلیم الرجال مع تعلیم النساء، ویلوذ بالهرب حین یکفر بالله وتنطلق طائرات الصلیب من أرض الجزیرة لتقتل المسلمین فی أفغانستان والعراق، کل ذلک لأنه یعلم أن فی الصدع بتکفیر هؤلاء الحکام استقبالَ البلاء بباب عریض، وفیه حقیقة الامتحان الذی یمحص الله به الصادقین من المنافقین ، کما أنه یعلم أنّ لهذا التکفیر تبعاته الثقیلة من وجوب جهاد هؤلاء الطواغیت ومنابذتهم بالسیف امتثالاً لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَکُونَ فِتْنَةٌ وَیَکُونَ الدِّینُ کُلُّهُ لِلّه} [الأنفال/۳۹].
ولقد مرّت بالمسلمین أحوال شبیهة بما نحن علیه الیوم من حیث خفاء الحق وقلة الداعین إلیه کما هو معلومٌ من سیر الأئمة أحمد بن حنبل، وأحمد بن تیمیة، ومحمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى أجمعین، لذلک أیها الموحد لا تستوحش الطریق لقلة السالکین، ولا ترفع رأساً بحال علماء السوء المنافقین، ولا تبتئس بما کانوا یفعلون، وأبشر ببشرى النبی صلى الله علیه وسلم: ” لا تزال طائفة من أمتی قائمة بأمر الله لا یضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى یأتی أمر الله وهم ظاهرون على الناس ” فإن من رحمة الله تعالى لنا ولطفه بنا أن أقام فی هذا الزمان من یجدد للأمة أمر دینها، من الشهود الثقات الذین بینوا حکم الله فی هؤلاء الطغاة، وها أنذا أدلک على سبیل النجاة فأجمع لک ما بینه علماء أهل السنة والجماعة فی حکام بلاد الحرمین من آل سلول الذین هم آخر عروش الردة انکشافاً، وأسوأها أثراً ونتیجة، آملاً أن أضیف کل ما یستجدّ فی هذا الموضوع فی أجزاء متتالیة، ومن یهده الله فلا مضل له ومن یضلل فلن تجد له ولیاً مرشدا وصلى الله وسلم على نبینا محمد وعلى آله وصحبه أجمعین .

صالح بن سعد الحسن
۱۹/ ۱۰ / ۱۴۲۴هـ

الشیخ أسامة بن لادن
رسالة إلى ملک نجد والحجاز

(الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه .
إلى ملک نجد والحجاز فهد بن عبد العزیز، السلام على من اتبع الهدى، وبعـد..
فهذه رسالة مفتوحة نبعث بها إلیک بعیداً عن ألقاب المجاملات الملکیة وألقاب التفخیم، وهی مصارحةٌ لک ببعض ما یمکن التصریح به مما ارتکبته أنت ومن حولک من أمورٍ عظامٍ فی حق الله ودینه، وحق عباده وبلاده، وحقِّ حرمه وأمته، فإن وضوح ما سنکتبه لک من حق، وجلاء ما فی هذه الرسالة من الصواب، یدفعنا إلى الأمل بأن تخترق ما أحطت به نفسک من حجب عن سماع الحق، وجدر دون وصوله إلیک !!
أیها الملک ! مناسبة هذه الرسالة هی ما تقوم به أنت والأمراء المتنفّذون من خداعٍ للناس ومحاولة لِلّعب على عقولهم وامتصاصٍ لغضبهم علیکم ونقمتهم على حکمکم بما تقومون به من (إصلاحات) هامشیة خادعة تدخل فی باب المُسکِّناتٍ والمهدئات الآنیة لنقمتهم، ومن ذلک ما قمتم به من تأسیس مجلس الشورى الذی انتظرته الأمة طویلاً !! وخیّب آمالها بعد أن وُلد میتاً، وما قمتم به أخیراً من تعدیلٍ وزاریٍ هامشیٍ لم یمسّ رأسَ الداء وأساسَ البلاء الذی هو أنت ووزیر دفاعک ووزیر داخلیتک وأمیر الریاض ومن على شاکلتکم !!
ومناسبة هذه الرسالة المهمّة لن تدفعنا إلى تخطّی جوهر الخلاف معک، وأساس الصراع مع حکمک، وهذا الجوهر والأساس لیس هو ما یتبادر إلى ذهنک مما عملت على إشاعته فی عهدک , ومکّنت له من بعدک من ظلمٍ للعباد وٍهضم لحقوقهم، وخاصة العلماء منهم والدعاة والمصلحین والتجار وشیوخ القبائل !!
ولا هو ما عرّضت له الأمة عامة من إهانةٍ لکرامتها وتدنیسٍ لمقدساتها وسلبٍ لخیراتها ونهبٍ لثرواتها، ولا هو أیضاً ما شاع فی عهدک من الرشاوی والعمولات وانتشر من المحسوبیة والفساد الإداری و الأخلاقی !! ولا هو کذلک ما قَدَّمْتَ إلیه البلاد من انهیارٍ اقتصادی مذهل وصل بها إلى درجة الإفلاس !!
فهذه الأمور المهمّة سنعرض لبعضها لاحقاً بعد أن نعرض أولاً لجوهر الخلاف معک وأساسه الذی هو خروج نظام حکمک عن مقتضیات لا إله إلا الله ولوازمها التی هی أساس التوحید الفارق بین الکفر والإیمان لأن کلَّ تلک الأمور ناجمةٌ عن خروجک ونظام حکمک عن مقتضیات التوحید , ولوازمه !! وبما أننا سنصدر ـ إن شاء الله ـ قریباً بحثاً یتناول أوجه هذا الخروج بشکلٍ أکثر تفصیلاً فإننا سنقتصر فی هذه الرسالة الموجزة على بیان وجهین من وجوه هذا الخروج وهما:
أولاً: حکمک بغیر ما أنزل الله وتشریعک له:
لقد تواترت نصوص القرآن والسنة وأقوال علماء الأمة على أنّ کل من سوغ لنفسه أو لغیره اتباع تشریعٍ وضعیٍ أو قانونٍ بشری مخالفٍ لحکم الله، فهو کافرٌ خارجٌ عن الملة.
یقول الله تبارک وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِینَ یَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَیْکَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِکَ یُرِیدُونَ أَن یَتَحَاکَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن یَکْفُرُواْ بِهِ وَیُرِیدُ الشَّیْطَانُ أَن یُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِیدًا} [النساء/۶۰] یقول الشیخ عبد الرحمن بن حسن آل الشیخ رحمه الله فی تفسیر هذه الآیة (من دعا إلى تحکیم غیر الله ورسوله فقد ترک ما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم ورغب عنه وجعل لله شریکاً فی الطاعة وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله علیه وسلم فیما أمره الله تعالى به فی قوله: {وَأَنِ احْکُم بَیْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن یَفْتِنُوکَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَیْک}.
وقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّکَ لاَ یُؤْمِنُونَ حَتَّىَ یُحَکِّمُوکَ فِیمَا شَجَرَ بَیْنَهُمْ ثُمَّ لاَ یَجِدُواْ فِی أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَیْتَ وَیُسَلِّمُواْ تَسْلِیمًا} [ النساء/۶۵] فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله علیه وسلم بأن حَکَمَ بین الناس بغیر ما أنزل الله أو طلب ذلک اتباعاً لما یهواه ویریده فـقـد خلع ربقة الإسلام والإیمان من عنقه , وإن زعم أنه مؤمن فإن الله تعالى أنکر على من أراد ذلک وکذّبهم فی زعمهم الإیمان لما فی ضمن قوله (یزعمون) من نفی إیمانهم فإن (یزعمون) إنما یُقال غالباً لمن ادعى دعوى هو فیها کاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ینافیها، یحقق هذا قوله (وقد أمروا أن یکفروا به) لأن الکفر بالطاغوت رکن التوحید، کما فی آیة البقرة، فإذا لم یحصل هذا الرکن لم یکن موحّداً، والتوحید هو أساس الإیمان الذی تصلح به جمیع الأعمال وتفسد بعدمه , کما أن ذلک بیّن فی قوله تعالى: {فَمَنْ یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَیُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة/۲۵۶] وذلک أن التحاکم إلى الطاغوت إیمان به) ویقول الشیخ محمد بن إبراهیم آل الشیخ رحمه الله فی تفسیر هذه الآیة: (وقد نفى الله الإیمان عمن أراد التحاکم إلى غیر ما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم من المنافقین کما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِینَ یَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَیْکَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِکَ یُرِیدُونَ أَن یَتَحَاکَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن یَکْفُرُواْ بِهِ وَیُرِیدُ الشَّیْطَانُ أَن یُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِیدًا} [النساء/۶۰] فإن قـوله عز وجل (یزعمون) تکذیبٌ لهم فیما ادعوه من الإیمان فإنه لا یجتمع التحاکم إلى غیر ما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم مع الإیمان فی قلب عبدٍ أصلاً بل أحدهما ینافی الآخر.
والطاغوت مشتق من الطغیان وهـو تجاوز الحدّ فکل مَنْ حَکَم بغیر ما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم أو حاکم إلى غیر ما جاء به الرسول صلى الله علیه وسلم فقد حکم بالطاغوت وحاکم إلیه أ.هـ (من رسالة تحکیم القوانین للشیخ محمد بن إبراهیم آل الشیخ) ویقول الله عز وجل: {أَفَحُکْمَ الْجَاهِلِیَّةِ یَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُکْمًا لِّقَوْمٍ یُوقِنُونَ} [ المائدة/۵۰] یقول ابن کثیر فی تفسیر هذه الآیة: ینکر الله تعالى على من خرج عن حکم الله المحکم المشتمل على کل خیر الناهی عن کل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التی وضعها الرجال بلا مستند من شریعة الله، کما کان أهل الجاهلیة یحکمون به من الضلالات والجهالات مما یضعونها بأرآئهم وأهوائهم، وکما یحکم به التتار من السیاسات الملکیة المأخوذة من ملکهم جنکیز خان الذی وضع لهم الیاسق وهو عبارة عن أحکام اقتبسها من الیهودیة والنصرانیة والملة الإسلامیة وغیرها. وفیها کثیر من الأحکام أخذها من مجرد هواه فسارت فی بنیه شرعا متبعاً یقدمونها على الحکم بکتاب الله وسنة رسوله صلى الله علیه وسلم فمن فعل ذلک فهو کافرٌ یجب قتله حتى یرجع إلى حکم الله ورسوله صلى الله علیه وسلم فلا یحکم سواه فی قلیل ولا کثیر) أ. هـ
وهل الیاسق هذا إلا مثالٌ متقدمٌ للقوانین التی تحکمها أنت ونظام حکمک ومن على شاکلته من الأنظمة الیوم ؟؟‍‍
إن تحکیم القوانین الوضعیة والتحاکم إلیها هو بلا شک عبادة ممن یفعل ذلک لواضع هذه القوانین , واستعبادٌ مِنْ مُشَرّعها لمن یتبعونه ویطیعونه فی تشریعاته تلک من دون الله.
وهذا المعنى بیّنه رسول الله صلى الله علیه وسلم لعدی بن حاتم فی الحدیث الذی أخرجه الترمذی وغیره وحسنه أن عدی ابن حاتم رضی الله عنه- وکان نصرانیاً- سمع النبی صلى الله علیه وسلم وهو یقرأ هذه الآیة {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِیحَ ابْنَ مَرْیَمَ} [ التوبة/۳۱] فقال یا رسول الله إنّا لسنا نعبدهم فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم ألیس یحرمون ما أحل الله فتحرمونه , ویحلون ما حرم الله فتحلونه ؟! قال بلى قال فتلک عبادتهم) !
إن عدیّ بن حاتم رضی الله عنه کان یظن أن العبادة مقتصرة على تقدیم الشعائر التعبدیة کالصلاة ونحوها ولما کان النصارى لا یصلّون لأحبارهم ورهبانهم ظن أنهم لا یتخذونهم أرباباً لکن رسول الله صلى الله علیه وسلم أزال عنه هذا اللبس وبیّن له أنهم بطاعتهم إیاهم فی التحلیل والتحریم على وجهٍ مخالف للشرع , فقد اتخذوهم أرباباً من دون الله .
وهذا المعنى للعبادة الذی بیّنه الرسول صلى الله علیه وسلم لعدی بن حاتم رضی الله عنه هو الذی أجمعت علیه الأمة وتواتر عن العلماء الأئمة الذین سنذکر بعض أقوالهم فیما یلی باختصار:
یقول ابن حزم عن قوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهَِ} [ التوبة/۳۱] لمّا کان الیهود والنصارى یحرمون ما حرّم أحبارهم ورهبانهم ویحلّون ما أحلّوا کانت هذه ربوبیةً صحیحةً وعبادةً صحیحةً قد دانوا بها , وسمّى الله تعالى هذا العمل – اتخاذ أرباب من دون الله – عبادة وهذا هو الشرک من دون الله بلا خلاف) وقال شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله بعد أن أورد حدیث عدی بن حاتم السابق (وکذلک قال أبو البختری أما إنهم لم یصلوا لهم ولو أمروهم أن یعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولکن أمروهم فجعلوا الحلال حراما والحرام حلالا فأطاعوهم فکانت تلک الربوبیة…فقد بین النبی صلى الله علیه وسلم أن عبادتهم إیاهم کانت فی تحلیل الحرام وتحریم الحلال لا أنهم صلّوا لهم وصاموا ودعوهم من دون الله , فهذه عبادة الرجال , وقد ذکر الله أن ذلک شرک بقوله: {لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا یُشْرِکُونَ} [ التوبة/۳۱]) ویقول الشیخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مبوباً حدیث عدی السابق (من أطاع العلماء والأمراء فی تحریم ما أحل الله أو تحلیل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً) أ.هـ .
ویقول شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله: (ومن المعلوم بالاضطرار من دین الإسلام، وباتفاق جمیع المسلمین أن من سوّغ اتباع غیر دین الإسلام واتباع شریعةٍ غیرِ شریعة محمدٍ صلى الله علیه وسلم فهو کافر) أ.هـ ویقول رحمه الله: (فالإسلام یتضمن الاستسلام لله وحده, فمن استسلم له ولغیره کان مشرکاً, ومن لم یستسلم له کان مستکبراً عن عبادته والمشرک به والمستکبر عن عبادته کافرٌ والاستسلام له وحده یتضمن عبادته وحده وطاعته دونه) .
ویقول الشیخ محمد بن إبراهیم آل الشیخ (مفتی المملکة سابقاً) رحمه الله (إن من الکفر الأکبر المستبین تنـزیل القانون اللعین منزلة ما نزل به الروح الأمین على قلب محمد صلى الله علیه وسلم لیکون من المنذرین بلسان عربی مبین فی الحکم به بین العالمین والرد إلیه عند تنازع المتنازعین).
ویقول فی رسالة وجهها إلى أمیر الریاض (فی وقته) بشأن القوانین الوضعیة التی یتحاکم إلیها فی الغرفة التجاریة بالریاض وبیان أنها کفرٌ ناقل عن الملة (واعتبار ُشیء من القوانین للحکم بها ولو فی أقل القلیل لا شک أنه عدم رضا بحکم الله ورسوله ونسبة حکم الله ورسوله إلى النقص وعدم القیام بالکفایة فی حل النزاع وإیصال الحقوق إلى أربابها وحکم القوانین إلى الکمال وکفایة الناس فی حل مشاکلهم, واعتقاد هذا کفرٌ ناقل عن الملة والأمر کبیر مهم ولیس من الأمور الاجتهادیة…وتحکیم شرع الله وحده دون کل ما سواه شقیق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتین أن الله هو المعبود وحده لا شریک له وأن یکون رسوله هو المتبع المحکَّمُ ما جاء به فقط، ولا جردّت سیوف الجهاد إلا من أجل ذلک والقیام به فعلاً وترکاً وتحکیماً عند النزاع
و یقول العلامة الشیخ محمد الأمین الشنقیطی فی (أضواء البیان) (تحکیم النظام المخالف لتشریع خالق السموات والأرض فی أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم کفرٌ بخالق السموات الأرض وتمرد على نظام السماء الذی وضعه مع خلق الخلائق کلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى أن یکون معه مشرِّعٌ آخرُ علواً کبیراً {أَمْ لَهُمْ شُرَکَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّینِ مَا لَمْ یَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [ الشورى/۲۱] {قُلْ أَرَأَیْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَکُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَکُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} [ یونس/۵۹] .
ویقول الشیخ محمد حامد الفقی رحمه الله فی تعلیقاته على کتاب التوحید، فی شأن مُحکِّم القوانین الوضعیة، (فهو بلا شک کافرٌ مرتدّ إذا أصرّ علیها ولم یرجع إلى الحکم بما أنزل الله، ولا ینفعه أی اسم تسمّى به ولا أی عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصیام والحج ونحوها) أ.هـ .
ویقول الشیخ أحمد محمد شاکر رحمه الله فی تحکیم القوانین الوضعیة:(فهذا الفعل إعراض عن حکم الله ورغبةٌ عن دینه وإیثارٌ لأحکام الکفار على حکم الله سبحانه، وهذا کفرٌ لا یشک أحدٌ من أهل القبلة على اختلافهم فی تکفیر القائل به والداعی إلیه) أ.هـ .
هذه أدلةٌ من الوحی صحیحةٌ ونقولٌ عن العلماء صریحة فی محل النـزاع تقطع الخلاف وتسکت الجدل وتخرس المکابرة ولولا مخافة التطویل لاسترسلنا فی هذه الأدلة والنقول، فهذا الموضوع یشکل الموضوع الرئیسی فی القرآن الکریم کله ولکن نظن أن فیما ذکرنا کفایة لمن کان له قلب أو ألقى السمع وهو شهید.
بقی أن نذکرک بما تمارسه أنت ونظام حکمک من تحکیم لهذه القوانین الکفریة وتعطیل لأحکام الله الشرعیة . إن الإنسان العادی ـ فضلاً عن الباحث المدقق ـ لا یجد عناءً فی إثبات أنک ونظام حکمک مشرعون ومحکِّمون للقوانین الوضعیة وملزمون الناس بالتحاکم إلیها، فنظرةٌ خاطفةٌ على لوائح المحاکم التجاریة والقوانین التی تشّرع وتبیح المعاملات الربوبیة فی البنوک وغیرها، وقانون العمل والعمال وقانون الجیش العربی السعودی، وغیر ذلک من القوانین الکفریة التی تؤکد المدى الذی وصل إلیه تحکیم هذه القوانین الکفریة من التوسع والنفوذ داخل البلاد. وقد ذکرت مذکرة النصیحة وجود عشرات الهیئات القانونیة التی تحکم بین الناس بالقوانین الوضعیة التی تسوسون بها البلاد والعباد فی الداخل، ناهیک عما یحکم البلاد فی علاقتها الخارجیة من تلک القوانین التی نأخذ مثالاً لها التزامکم بالتحاکم إلى هیئة تسویة المنازعات بین دول مجلس التعاون الخلیجی، فهذه الهیئة التی تتحاکم إلیها الدول المتنازعة الأعضاء فی المجلس وفی مقدمتها دولة المقر (السعودیة) هَیْئةٌ قانونیّةٌ کفریّةٌ وضعیةٌ مما لا یدع مجالاً للشک، فقد نَصَحَتْ مُبَیِّنةً مصادرَ أحکامها وقوانینها فی المادة التاسعة من نظامها الأساسی قائلة (تصدر الهیئة توصیاتها وفتاویها وفقاً لـ:
۱ـ أحکام النظام الأساسی لمجلس التعاون.
۲ـ والقانون الدولی.
۳ـ والعرف الدولی.
۴ـ ومبادئ الشریعة الإسلامیة، على أن ترفع تقاریرها بشأن الحالة المطروحة علیها إلى المجلس الأعلى لاتخاذ ما یراه مناسباً).
أیُّ استهزاءٍ هذا بدین الله وأیُّ احتقارٍ لشریعـته؟؟؟‍‍‍‍‍‍‍‍
أما اکتفیتم من الکفر والضلال بأن جعلتم شریعة الله السماویة وأحکامه القرآنیة فی آخر قائمة مصادر أحکامکم وقوانینکم مقدماً علیها حثالة أفکار البشر الوضعیة وعادات وأعراف الأمم الجاهلیة وأحکام النظم القانونیة الکفریة حتى جعلتموها تحت رحمة مجلسکم الأعلى لیتخذ منها ما یراه مناسباً لهواه ؟؟؟
ماذا یقول حماة الدین وحراس العقیدة ودعاة التوحید فی التحاکم إلى مثل هذه الهیئات والمحاکم یا ” خادم الحرمین ” ؟!
إن الإجابة واضحة وضوح الشمس فی رابعة النهار لا تقبل التلکؤ ولا التلعثم ولا المراوغة ولا المداهنة، کما بینّا فیما سبق،إنه کفر بواح مخرج من الملة بدلیل الکتاب والسنة وإجماع الأمة.وهذه بعض فتاوى العلماء الأعلام، تبین وجود هذه القوانین من جهة وحکمها الشرعی من جهة أخرى.
یقول الشیخ محمد بن إبراهیم رحمه الله عن قوانین المحاکم التجاریة فی رسالة وجّهها إلى أمیر الریاض فی وقته (وقد انتهى إلینا نسخة عنوانها نظام المحکمة التجاریة بالمملکة العربیة السعودیة ودرسنا قریباً نصفها فوجدنا ما فیها نظماٌ وضعیة قانونیة لا شرعیة…. اعتبارُ شیءٍ من القوانین للحکم بها ولو فی أقل القلیل لاشک أنه عدم رضا بحکم الله ورسوله… واعتقاد هذا کفرٌ ناقلٌ عن الملة) أ.هـ .
ویقول رحمه الله فی رسالة وجهها إلى رئیس المحکمة العلیا بالریاض فی شأن قانون (نظام العمل والعمال) الذی یحکمه مکتب العمل والعمال وما یجب على المحاکم الشرعیة تجاهه (من محمد بن إبراهیم إلى حضرة فضیلة رئیس المحکمة العلیا بالریاض، السلام علیکم ورحمة الله وبرکاته وبعد، فقد اطلعنا على خطابکم حول المعاملات التی ترد من مکتب العمل والعمال.والذی یتعّین اتباعه فی مثل هذا أنّ ما أحیل للمحکمة للبتّ فیه وإنهائه فعلى المحکمة النظر فیه لأنه من صمیم عملها أما إذا أحیلت المعاملة لإنفاذ توجیه من مکتب العمل ثم تعاد إلیه لینهیها بموجب تعلیمات ونظم ما أنزل الله بها من سلطان فلا یسوغ للمحکمة الالتفات لمثل هذا التوجیه لأن ذلک یعد من المحکمة موافقة بل مساعدة على التحاکم بغیر ما أنزل الله) أ.هـ رئیس القضاء۲۳/۱۰/۱۳۷۹هـ .
وفی نفس الموضوع (نظام العمل والعمال) کتب الشیخ العلامة عبد الله بن حمید رئیس القضاء رحمه الله رسالته المعروفة فی بیان أن التحاکم إلى قوانین هذا النظام کفرٌ ناقل ٌعن الملة.
هذه بعض الفتاوى التی تثبت وجود هذه القوانین من جهة وتبین الحکم الشرعی لها من جهة أخرى ولا داعی للاستطراد فالأمر واضح جلی.
ومما هو معروف أن هنالک فَرْقا جلیاً بین من یرتکب کبائر من قبیل أکل الربا مع اعتقاده بحرمتها، وبین من یشرّع قوانین تبیح تعاطی هذه الکبائر، فالذی یتعاطى الربا مثلاً وهو مقر بحرمته مرتکبٌ لکبیرة من أکبر الکبائر والعیاذ بالله لکن الذی یشرّع ویقنن القوانین التی تبیح الربا فهو کافرٌ مرتد !!
ولسنا بحاجة إلى تنبیه الناس إلى أبراج البنوک الربوبیة التی تزاحم مآذن الحرمین الشریفین وتعمل بقوانینکم الوضعیة.
إن قول الله تبارک وتعالى: {فَلاَ وَرَبِّکَ لاَ یُؤْمِنُونَ حَتَّىَ یُحَکِّمُوکَ فِیمَا شَجَرَ بَیْنَهُمْ ثُمَّ لاَ یَجِدُواْ فِی أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَیْتَ وَیُسَلِّمُواْ تَسْلِیمًا} [ النساء/۶۵]. حکمٌ منه تعالى بنفی الإیمان عمّن لم یحکّم شرعه مستسلماً منقاداً، وقد أکد سبحانه هذا الحکم بأدوات التأکید المختلفة وفی مقدمتها قسمٌ بنفسه سبحانه وتعالى، وهذه الآیة مع ما سبق من بیان النبی صلّى الله علیه وسلّم لعدی بن حاتم فی آیة {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} تدحض أیة شبهٍ وتقطع أی متعلق یمکن أن یتشبث به المخالف.
الوجه الثانی: موالاة الکفار ومعاداة المسلمین:
لیست هنالک سِمَةٌ للسیاسة الخارجیة فی نظام حکمکم أبرز من ربطکم إیاها بمصالح الدول الغربیة والصلیبیة والأنظمة الطاغوتیة فی البلاد الإسلامیة، ومُثْبِتُ هذه الحقیقة لا یحتاج إلى کثیر عناء فالقاصی قبل الدانی یعرف مدى هذا الارتباط، فنظام حکمکم الذی یتبجح بحمایة العقیدة وخدمة الحرمین هو الذی أعلن عن دفع أربعة ملیارات من الدولارات مساعدة للإتحاد السوفیتی السابق الذی لم یغسل بعد یدیه الملطخة بدماء الشعب المسلم فی أفغانستان، وذلک سنة ۱۹۹۱م !!
ونظام حکمکم حارس العقیدة السمحة هو الذی دفع قبل ذلک آلاف ملایین من الدولارات للنظام النصیری السوری سنة ۱۹۸۲م، مکافأة له على ذبح عشرات الآلاف من المسلمین فی مدینة حماة، وهو کان یدعم الموارنة النصارى من حزب الکتائب اللبنانی ضد المسلمین هناک، ونظام حکمکم الرشید !! هو الذی دفع ملیارات الدولارات للنظام الطاغوتی الذی یطحن الإسلام والمسلمین فی الجزائر، ونفس النظام هو الذی دعم بالمال والسلاح المتمردین النصارى فی جنوب السودان.
ومع کل هذه العظائم الجمّة فی حق الملة والأمة، فإن نظام حکمکم أفلح إلى حین فی مخادعة بعض الناس وتضلیلهم عن هذه الحقائق، إلا أن الله أبى إلا أن یکشف حقیقتکم بأحداث الیمن الأخیرة التی مزقت آخر الأقنعة التی کنتم تتموهون بها وتضللون الناس من ورائها، فقد کان دعمکم السیاسی والعسکری للشیوعیین الیمنیین القاصمة التی قصمت ظهرکم سیاسیاً الحالقة التی حلقت مصداقیتکم إسلامیاً…إن أحداث الیمن أوقعتکم فی تناقض فظیع، أظهر أن دعمکم للمجاهدین الأفغان لیس حباً فی الإسلام، ولکن حمایة للمصالح الغربیة التی کان یهددها کسب الروس للمعرکة هناک، وإلا فإن الشیوعی الأفغانی لا یختلف عن الشیوعی الیمنی والمسلم الیمنی لا یختلف عن المسلم الأفغانی أیضاً، فکیف نفسر دعمکم للمسلمین ضد الشیوعیین فی أفغانستان، ودعمکم للشیوعیین ضد المسلمین فی الیمن؟؟؟؟.
هذا التناقض لا یمکن أن یفهمه إلا من علم أن سیاستکم مملاة علیکم من الخارج من قبل الدول الغربیة الصلیبیة التی ربطتم مصیرکم بمصالحها، ولذا فما تقومون به أحیانا من دعم لبعض القضایا الإسلامیة لیس دافعه ـ کما بیّنا ـ حب القضـایا الإسلامیة ومناصرة أهلها، بل دافعه الحقیقی هو حمایة مصالح الدول الغربیة الکافرة التی قد تلتقی مع تلک القضایا الإسلامیة، کما حصل فی أفغانستان، والدلیل على ذلک أن القضایا الإسلامیة التی تتعارض مع المصالح الغربیة، وقفتم فیها لدعم تلک المصالح على حساب أصحاب القضایا المسلمین، فهذا شعب الصومال المسلم قد وقفتم ضد مصالحه مع السیاسة الأمریکیة وبذلتم فی ذلک مال الأمة المغصوب، ورجالها المکرهین، وقبل ذلک وبعده ها هی قضیة فلسطین أم القضایا الإسلامیة، قد بارکتم مسیرة التطبیع والترکیع والتضییع التی تسیّر فیها ومضیتم فی مسلسل السلام والاستسلام المفروض فیها، وتطوعتم بدفع جزء کبیر من تکالیف العملیة رغم الضائقة الاقتصادیة التی تمر بها البلاد، حیث تبرعتم بمائة ملیون دولار لسلطة یاسر عرفات العلمانیة التی جیء بها لتمارس ما عجزت عن تحقیقه سلطات الاحتلال الیهودی من قمع ضد الشعب الفلسطینی المسلم، ومحاربة لحرکاته الجهادیة وفی مقدمتها حرکة المقاومة الإسلامیة (حماس)، ولم یمنعکم من دعم سلطة عرفات واستقباله فی الریاض موقفه العدائی منکم إبان حرب الخلیج ودعمه الواضح لصدام حسین، فقد بلعتم منه تلک الإهانة مراعاةً لخاطر الراعی الأمریکی لمسیرة السلام المزعوم !!
ولا غرو فی ذلک، فحتى لو لم تکن على قناعةٍ شخصیةٍ بعملیة السلام المزعوم، فلیس أمامک إلا الاستجابة لأوامر ولی أمرک الأمریکی، أو لیس الرئیس الأمریکی کلینتون هو الذی لّما زار البلاد رفض أن یزورک فی الریاض،وأصر على أن تأتیه صاغراً ذلیلاً فی القواعد الأمریکیة فی حفر الباطن؟!
الرئیس الأمریکی بتصرفه ذلک أراد أمرین !!
أولهما: أن یؤکد أنّ زیارته أساساً هی لقواته المرابطة فی تلک القواعد!!.
وثانیهما: أن یلقنک درساً فی الذلة والمهانة حتى تعلم أنه ولی أمرک حقیقةً حتى داخل مملکتک المزعومة التی لیست فی الحقیقة أکثر من محمیة أمریکیة یسری علیها القانون الأمریکی!!
إن مما لاشک فیه ولا نزاع بین العلماء أن موالاة الکفار ومناصرتهم ضد المسلمین تعتبر ناقضاً قطعیاً من نواقض الإسلام، وقد ذکرها شیخ الإسلام ابن تیمیة والشیخ محمد بن عبد الوهاب فی نواقض الإسلام العشرة، والله تبارک وتعالى یقول: {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْیَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِیَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِیَاء بَعْضٍ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنکُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ} [ المائدة/۵۱ ] وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ یُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ کَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِیرَتَهُمْ}[ المجادلة/۲۲] وقد جعل تعالى اتخاذ الکافرین أولیاء من دون المؤمنین – ابتغاءً للعزة عندهم – من خصائص المنافقین، قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِینَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِیمًا * الَّذِینَ یَتَّخِذُونَ الْکَافِرِینَ أَوْلِیَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِینَ أَیَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِیعًا} [ النساء/۱۳۸-۱۳۹]
وموالاة الکفار کما قال أهل العلم هی إکرامُهم والثناءُ علیهم والنصرةُ والمعاونةُ لهم على المؤمنین والمعاشرةُ وعدمُ البراءة منهم ظاهراً، فهذه ردّةٌ مَنْ فَعَلَها یجب أن تجرى علیه أحکام المرتدین، کما یدل على ذلک الکتاب والسنة وأقوال علماء الأمة المقتدى بهم،ولله در القائل:
ومن یتول الکافرین فمثلهـم ولا شک فی تکفـیره عند من عـقل
وکل محب أو معین وناصــر ویُظْهر جهراً للوفـاق على العـمل
فهم مثلهم فی الکفر من غیر ریبةٍ وذا قول من یدری الصواب من الزلل

فماذا یقول أهل العقیدة النقیة والتوحید الخالص أیها الملک فی أفعالکم الکفریة ؟ وبماذا یجادل الذین یدافعون عنکم بالباطل ؟!
{هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِی الْحَیَاةِ الدُّنْیَا فَمَن یُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ أَم مَّن یَکُونُ عَلَیْهِمْ وَکِیلاً}[ النساء/۱۰۹].
والآن وبعد أن تبین خروج نظام حکمک عن مقتضیات کلمة التوحید وعقیدته السمحة التی تتشدق دائماً بدعوى حمایتها، تعال لنقوِّم بکل موضوعیة إنجازاتک فی المجال الدنیوی بعد أن کشفنا حقیقتکم بالمیزان الشرعی !!
وسنناقش معک ذلک فی النقاط التالیة:
أولاً: الوضع الإقتصادی:
لا شک أنک تدرک معنا أن البلاد ترقد على بحیرة من النفط تمثل ربع احتیاطی العالم من هذه المادة التی لا تخفى أهمیتها، وتدرک معنا أیضاً أن البلاد تنتج ثلث إنتاج منظمة الأوبک، وتدرک معنا کذلک أن متوسط الدخل الیومی للبلاد خلال الأعوام الماضیة کان یساوی مائة ملیون دولار یومیاً من عائدات النفط، فضلاً عن احتیاطی مالی کان یقدر مع بدایة تولیک الحکم بمائة وأربعین ملیار دولار، أی أکثر من احتیاطی الولایات المتحدة وبریطانیا وفرنسا مجتمعة فی ذلک الوقت !!
لقد کانت البلاد فی ظل المعطیات الاقتصادیة السابقة وقلة عدد السکان نسبیاً تشکل ظاهرةً اقتصادیةً مناهضةً للحس الاقتصادی السلیم عند بعض من ظنوا أنه لن یأتی الیوم الذی ینهار فیه اقتصاد البلاد لتصبح من أکثر الدول مدیونیة فی العالم.
لکن سیاستک الانتحاریة خیّبت آمال هؤلاء وغیرهم، فلم یکد یمضی عقد من الزمان على تولیک الحکم، حتى انقلبت کل الموازین وتبدل کل شیء، فأصبحت البلاد مدینة بما یناهز ثمانین بالمائة من مجمل دخلها، وتحول المواطن من صاحب أکبر احتیاطٍ مالی إلى أحد أکثر المواطنین دیناً فی العالم.
وألقى الوضع الاقتصادی المنهار بکل ثقله على حیاة المواطنین والمقیمین الذین أثقلت کواهلهم الضرائب والمکوس وخنق جیوبهم غلاء الماء والکهرباء والغذاء، حیث ارتفعت أسعار هذه المواد بشکلٍ جنونیٍ لم یسبق له مثیل !!
ولم یکن وضع التعلیم بمنأى عن الکارثة، حیث تعانی المدارس من اکتظاظ کبیر فی الفصول یعانی من نتیجته الطلاب والأساتذة وأولیاء الأمور، وزاد من سوء الوضع عجز الوزارة عن صیانة الفصول الموجودة بالفعل، فضلاً عن عجزها عن بناء فصول جدیدة !!
ولیس وضع المستشفیات بأحسن من وضع المدارس، حیث عجزت الدولة حتى عن صیانة المستشفیات التی تحوّل کثیر من أجنحتها إلى ما یشبه مسالخ بشریة فی ظل عدم توفر الدواء والعلاج والعنایة الطبیة المطلوبة، ناهیک عن عجز الوزارة عن بناء مستشفیات جدیدة، ومما زاد وضع البلاد سوءاً على سوء تفشی البطالة بین صفوف الشباب والخریجین من أصحاب الشهادات الجامعیة، حیث یقدر عدد العاطلین من هؤلاء ممن أعیاهم توفیر فرصة العمل بمائة وخمسین ألف یزداد عددهم کل عام وتتقلص سوق العمل وتنکمش أمامهم على الدوام بفعل الأزمة الاقتصادیة الحالیة التی تزداد سوءاً على سوء.
ومع اشتداد هذه الأزمة وتفاقم الأوضاع سوءاً، لا تستحی أنت ونظام حکمک أن تدعوا الناس إلى الاقتصاد فی الاستهلاک فی الطاقة وغیرها فی الوقت الذی کان سلوککم أسوأ قدوة للمواطنین تشجعهم على مزید من البذخ والتبذیر، فکیف تدعون الناس إلى الاقتصاد فی الطاقة، والکل یرى قصورکم الساحرة منارةً مکیّفة باللیل والنهار؟!.
إن حجم إنفاقکم من مال الأمة العام على تلک القصور والدور داخل البلاد وخارجها، حجمٌ مذهلٌ ومخیف، فهو یقّدر بآلاف الملایین من الدولارات،والحدیث عنه یطول، والمتحدث لا یدری من أین یبدأ، أیبدأ من مدینة جدة والجزر الصناعیة الساحرة التی أقمت علیها هناک أفخم القصور على أوسع الأراضی على الساحل؟؟ أم یبدأ بالریاض التی لم تکتف ببناء القصور على ظهر أرضها حتى بنیت تحتها ؟؟ أم یبدأ فی قصورک فی منى والطائف والهدا والشفا ومکة المکرمة والمدینة المنورة وبقیة مدن البلاد؟ أم یترک کل هذا ویبدأ بقصورک فی بقیة العواصم والمنتجعات الغربیة؟ تلک القصور التی لم تدخل کثیراً منها فیما مضى من عمرک ولن تدخلها على غالب الظن فیما تبقى منه !!
لو کان هذا الکلام من غیرنا لظننت أنه یمکن أن تکذِّبه، ولکنک تعرف محدثیک، وأنهم من أدرى الناس بهذه الحقائق التی لم تعد تخفى على العامة فضلاً عن الخاصة (ولا ینبئک مثل خبیر).
لقد کان مِن ولعِک ومَن حولک ببناء القصور وکنز المال والتنافس بینکم سبباً رئیساً وراء انصراف کثیر من جهدکم ووقتکم فی هذا السبیل، حیث مزق التنافس بینکم علاقاتکم الداخلیة بعد أن أثار حفیظة بعضکم وهیّج غضبه ما استأثرت به أنت والمقربون إلیک من الامتیازات المادیة، فصدق قوله صلى الله علیه وسلم (تعس عبد الدینار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطیفة تعس عبد الخمیلة، إن أعطی رضی وإن لم یعط سخط، تعس وانتکس وإذا شیک فلا انتقش) رواه البخاری.
إن هذا الإسراف والإنفاق من مال الأمة العام واهتمامکم بمصالحکم الشخصیة وتنافسکم فی ذلک کان أحد أبرز الأسباب التی قادت البلاد إلى هاویة الإفلاس التی وصلت إلیها بفضل سیاستکم (الرشیدة !){إِنَّ الْمُبَذِّرِینَ کَانُواْ إِخْوَانَ الشَّیَاطِینِ} [الإسراء/۲۷].
إن الأزمة الاقتصادیة الحالیة وما تنذر به من أخطار ویترتب علیها من آثار، لم تأت بدون مقدمات وأسباب بل کانت مُحَصَّلة جملةٍ من التصرفات والسیاسات القاتلة التی ارتکبتها أنت والمتنفذون من عائلتکم الحاکمة.
ومن أهم هذه الأسباب، فضلاً عما أشرنا إلیه من البذخ والإسراف الذی تمارسونه هو:
۱ـ دورکم فی تدهور أسعار النفط:
لقد بدأت أسعار النفط فی التدهور منذ عقد الثمانینات، غیر أن آثار هذا التدهور لم تظهر بشکل علنی على اقتصاد البلاد إلا فی عقد التسعینات، حیث کنتم دائماً تلجئون إلى احتیاطی البلاد المالی لتغطیة عجز المیزانیة المستمر فی سیاسةٍ حمقاء استنزفت احتیاط البلاد المالی ولم تقدم أیّ حل للأزمة التی تتفاقم یوماً بعد یوم !!
وللتذکیر فإنک تعلم أن التبعیة المطلقة من قِبلِکم لسیاسات الدول الغربیة وتوجیهاتهم لکم بدعم صدیقکم السابق صدام حسین بخمسة وعشرین ملیار دولار وبزیادة الإنتاج لتخفیض الأسعار، لإلحاق الضرر بإیران أثناء حربها معه، کان لها دور کبیر فی تدهور أسعار النفط إلى المستوى الحالی الذی یخدم المستهلکین الغربیین، ومع أن الغرب حریصٌ على عدم قتل الدجاجة السعودیة التی تبیض لهم الذهب الأسود، فإنهم أشد حرصاً على أن یبقى سعر هذا البیض متدنیاً إلى أدنى حد ممکن.
۲ـ عدم العمل الجاد على إیجاد مصادر دخل أخرى:
مع أنه من المعلوم أن النفط مصدر عائدات معرض للنضوب وتقلب الأسعار دائماً، ومع أن البلاد مؤهلة لتطویر مصادر دخل أخرى کثیرة ومتوفرة، إلا أن نظامکم فشل فی تطویر تلک المصادر، وظلت البلاد معتمدة بشکل شبه کلی على عائدات النفط فقط.
۳ـ الإنفاق الجنونی على قوات الحلفاء فی حرب الخلیج:
رغم الضائقة المالیة التی کانت تمر بها البلاد أثناء حرب الخلیج ورغم أن تدمیر قوات وشعب العراق المسلم کان هدفاً للدول الغربیة قبل غیرها، إلا أن دول التحالف وجدت فرصة سانحة لابتزازکم واستغلال مشاعر خوفکم وجبنکم، فأصرت على أن تسدّدوا فاتورة الحرب بشکل شبه کامل، حیث صرفتم على تلک الحرب حوالی ستین ملیار دولار ذهب منها حوالی ثلاثین ملیار فی الجیب الأمریکی وحوالی نصف ذلک المبلغ إلى بقیة الحلفاء، وصرف الباقی فی عمولات وصفقات ورشاوى محلیة.
ولم تقف تکالیف الحرب عند هذا الحد فقط، بل دفعکم ولاؤکم لدول الحلفاء إلى عقد صفقات أخرى کانت مکافأة لها بعد الحرب، حیث کلفت هذه الصفقات حوالی أربعین ملیار دولار ثمناً وهمیاً لصفقات عسکریة ومدنیة مع الأمریکان لوحدهم، فضلاً عن عقد شراء طائرات التورنیدو البریطانیة الذی جاء مجاملة لرئیس وزراء بریطانیا جون میجر دون أن تکون هناک طاقة بشریة فی جیش البلاد لاستخدام هذه الطائرات، کما ثبت أثناء حرب الخلیج، فضلاً عن عدم کفاءتها، کما شهدت بذلک اللجنة الفنیة فی الجیش، وسنفصل هذا الموضوع لاحقاً.
وبدلاً من وضع سیاسة ناجعة لتلافی الموقف وتدارک الوضع الاقتصادی المنهار، اتخذت ونظام حکمک سیاسات اقتصادیة انتحاریة زادت الطین بلة، ومن هذه السیاسات:
۱ـ القضاء على رصید الدولة المالی فی الخارج:
سبق أن ذکرنا أنّ أرصدة الدولة فی الخارج کانت تقدر بمائة وأربعین ملیار دولار مع بدایة تولیک للحکم، وکان دخلها السنوی فی ذلک الوقت یقدر بسبعة وتسعین ملیار دولار . ولک أن تتصور معنا درجة السفه فی الإنفاق إذا تذکرت أنّ هذا الاحتیاط قد قضی علیه تماماً بعد سبع سنوات فقط من ذلک التاریخ.
۲ـ الاقتراض الربوی من البنوک المحلیة والعالمیة:
رغم ما فی الربا من الوعید الشدید ومبارزة الله بالحرب {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [ البقرة/۲۷۹] ورغم ما أثبته الواقع من أنّ نظام القروض الربویة التی تقدمها البنوک لا تزید الفقیر إلاّ فقراً یوماً بعد یوم، رغم کل ذلک فإنک ونظام حکمک أغرقتم البلاد فی بحر من الدیون التی لیس فی الأفق مؤشر على إمکانیة التخلص حتى من فوائدها الربویة فی ظل عجز الدولة عن تسدید مجرد تلک الفوائد الربویة، وکمثال على حجم تلک الدیون، ففی سنة ۱۴۱۱هـ الموافق ۱۹۹۱ م لوحدها التجأتم إلى اقتراض عشرات ملیارات الدولارات من البنوک المحلیة والعالمیة، وقد حلّت هذه الدیون بفوائدها الربویة المرکبة سنة ۱۴۱۴ هـ الموافق ۱۹۹۴م دون أن تتمکن الدولة من الوفاء بالتزاماتها لأصحابها مما یعنی أنّ تسدید مجرد الفوائد الربویة سیبقى یثقل کاهل میزانیة الدولة، ناهیک عن تسدید أصل الدین، وترکتم بذلک مستقبل البلاد ومستقبل أجیالها القادمة مرهوناً بأیدی المؤسسات الدولیة التی لا تقف سیطرتها على المجال الاقتصادی للبلدان المدینة فقط، بل تتعداه إلى السیطرة على القرار السیاسی لهذه البلدان.
هذا فضلاً عن مائتی ملیار ریال دیون لأکثر من ثلاثة آلاف تاجرٍ ومقاولٍ على الحکومة لا زالت تماطلهم فی تسدیدها.
لقد حطّمتم بتصرفاتکم تلک کل الأرقام القیاسیة فی التبذیر والإسراف من المال العام ففتم بذلک من قبلکم وفتّم من بعدکم، فهنیئاً لکم على ذلک! وهذا غیر مستغرب منکم، فأمثالکم لا یهمهم مستقبل بلادهم وشعوبهم بقدر ما تهمهم تلبیة شهواتهم الذاتیة ونزواتهم الآنیة.
لقد غاب عنکم وأنتم تمارسون هذه التصرفات المصیر المرعب الذی صار إلیه شاه إیران ومارکوس الفلبین وتشاوسیسکو رومانیا وغیرهم من مصاصی دماء شعوبهم غیر المکترثین بمصیر بلادهم.
إن البلاد حقیقةً تمر بأخطر أزماتها الاقتصادیة التی مرت بها حتى الآن، فقد کانت الأزمة الأولى سنة ۸۴ /۱۳۸۵ هـ ۶۴/۱۹۶۵م بسبب فوضویة إدارة الملک سعود التی انتهت بعزله، وکانت الثانیة سنة ۱۴۰۶ هـ الموافق ۱۹۸۶م بسبب الانهیار المفاجىء فی أسعار النفط..
وإذا کانت الأزمة الأولى قد حُلت بعزل الملک سعود وحاشیته، والثانیة قد تجاوزتها البلاد بلُجوئها إلى احتیاطها المالی الضخم آنذاک، فإنّ الأزمة الحالیة وفی ضوء القضاء التام على رصید الدولة المالی من جهة، وفقد مصداقیتها المالیة فی الداخل والخارج من جهةٍ أخرى، تبدو غیر مبشرة بالانفراج فی المستقبل المنظور.
لقد کان عجزک عن معالجة الأزمة فی الوقت الذی کانت البلاد تملک احتیاطیاً یُقدر بمائة وأربعین ملیار دولار، ولیس علیها أیة دیون، أقوى دلیل على فشلک فی معالجتها بعد القضاء على ذلک الاحتیاطی وغرق البلاد فی بحر متلاطم من الدیون الربویة، قال الشاعر:
فمن خانه التدبیر والأمر طائعٌ فلن یحسن التدبیر والأمر جامحُ
ولم یعد یجدی هنا ما تقوم به وسائل إعلامک من تضلیل للناس وتلبیسٍ علیهم، وإیهامهم بأنّ الأزمة أوشکت على الانفراج، فکذبُ هذه الوسائل الإعلامیة وخداعها لم یعد ینطلی على الأمة التی وصل بها الوعی مرحلةً لم تعد تصدق معها مثل هذه الأکاذیب المفضوحة.
إنّکَ بإهدارک لأموال الأمة، وإسرافک فی تبذیرها، وکذبک علیها بعد ذلک، قد جمعت بین الخصال التی حکم الله على صاحبها بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا یَهْدِی مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ کَذَّابٌ}[غافر/۲۸] هذا إذا کان إنساناً عادیاً، أما إذا کان ملکاً، فالملک الکذّاب أشد عقوبةً عند الله من غیره من الناس، کما وردفی الحدیث الصحیح الذی رواه مسلم وجاء فیه (ثلاثةٌ لا یکلمهم الله یوم القیامة ولا یزکیهم ولا ینظر إلیهم ولهم عذاب ألیم، شیخٌ زانٍ، وملکٌ کذّاب، وعائلٌ مستکبر).
وفی ضوء المعطیات الواقعیة السابقة یبدو الحل الذی انتهت به أزمة الملک سعود، وهو خلعه من الملک أفضل الحلول الجذریة المطروحة.
وقبل ذلک تبقى الحلول الترقیعیة أمامکم مریرة وقاسیة من جهة، وغیر ناجعة ولا فعّالة من جهة أخرى، فهل ستعمدون إلى تخفیض الریال مثلاً ؟ قد یرجع علیکم هذا الإجراء بانفراج مؤقت، غیر أنّ هذه الخطوة لها آثار سیاسیة أخطر من آثارها الاقتصادیة، فهل ستجازفون بمکانتکم الطامحة إلى زعامة مجلس التعاون وتخفضون الریال مقابل عملات الدول الأخرى ؟!
طموحکم السیاسی وحبکم للزعامة یمنعکم من ذلک، خاصةً أن زعامة هذه الدول هی ما تبقى لدیکم من حلم زعامی عریض تبدد بعدم تحقیقکم أیة مکانة معتبرة فی العالم العربی والإسلامی الذی کانت البلاد یوماً من الأیام تتحدث باسمه وتتولى زعامته فی عهد الملک فیصل.
فهل ستزیدون من الضرائب والمکوس على المواطنین والمقیمین بتوفیر مزید من المال لخزانة الدولة المفلسة ؟! قد تنجح هذه الخطوة بتوفیر قدر من السیولة لا شک، لکنّ ذیولها السیاسیة قد تمنعکم من المضی فیها إلى النهایة، لأن المواطن قد یسکت مضطراً عن تبذیر مال الأمة العام من قِبلکم، ولکنه لن یسکت وهو یرى الضرائب والمکوس التی جُبیَت من عرق جبینه تُصرف فی لذات وشهوات المستهترین والمتنفذین من الأسرة الحاکمة !!
یبقى أمامک حل آخر وهو بیع مؤسسات الدولة للقطاع الخاص، ومع أنکم قطعتم خطوات فی هذا المجال، إلا أن هناک صعوبات تعترضکم ونحن نقدرها من جهتنا، فالإحراج والإهانة التی تلحقکم ببیع هذه المؤسسات التی تعتبرونها من أثاث بیتکم الخاص، وما یؤذن به بیع هذا الأثاث علانیة من مستوى إفلاسکم هی أمور مقدرة ومعتبرة من قبل من یعرفون حرصکم على الأبّهة والظهور والاستکبار والغرور !!
إنّ مشکلتکم أنّ هذه الحلول الجزئیة مع مرارتها وقسوتها هی أحلى الأمرّین بالنسبة لکم، لأن الحلول الجذریة تعنی أول ما تعنی القضاءَ على أسباب الأزمة وعلى رأس هذه الأسباب وجودکم فی الحکم، فالمعادلة الصعبة أن یکون بقاؤک سبب فنائک واستمرارک سبب انتهائک.
ثانیاً: الوضع العسکری:
لعلک تتفق معنا أن جیش البلاد ظل لعقود من الزمن یستحوذ على ثلث میزانیة الدولة، فی حین أن دولة نوویة مثل فرنسا تنفق على جیشها ۴ % فقط من میزانیتها، وتتفق معنا کذلک أن الجیش رغم الأرقام الفلکیة التی صُرفت علیه ما هو فی الحقیقة إلاّ أکوام من السلاح والعتاد الذی لیست له طاقة بشریة تستخدمه، ولا غرو فی ذلک، فما صُرف على هذا الجیش لم یصرف لتقویته وإعداده، بل صُرف لیشکل مصدر رزق للأمراء المتنفذین، ولیکون مضخة تعویضات لحماة عرشکم وأولیائکم الغربیین الذین عُقدت کثیر من الصفقات أداءً لضریبة الذل والتبعیة لهم، وکمثال على ذلک شراء سبعین طائرة من نوع إف ۱۵ من أمریکا دعماً لجورج بوش فی حملته الانتخابیة بعد حرب الخلیج، وکذلک جاءت صفقات أسطول طائرات الخطوط الجویة السعودیة وصفقات توسعة الهاتف جبراً لخاطر کلینتون الذی انکسر بدعمکم لمنافسه جورج بوش، وکذلک شراء ۴۸ طائرة تورنیدو من بریطانیا لنفس الأسباب .
وإذا أدرکنا ما وراء هذه الصفقات، أدرکنا سر أداء وزیر الدفاع المخزی أثناء حرب الخلیج. إنّ سلاح الجو الذی یملک خمسمائة طائرة مقاتلة لم یسجل طوال هذه الحرب أی عمل یُذکر باستثناء إسقاط طائرتین عراقیتین لیس لهما أی غطاء جوی.
أما البحریة التی تمتلک ثلاثین بارجة منها عشرین قاذفة صواریخ، فلم تطلق أیة طلقة طوال مدة الحرب، ولم یکن سلاح البر بأحسن حالاً من سابقیه، فلکی یجهز لواء مدرعات واحد، أُضطرت البلاد أن تحضر الفرق التقنیة اللازمة من الباکستانیین.
وهکذا ذهبت مئات الملیارات من الدولارات التی صُرفت على هذا الجیش أدراج الریاح !!
إن الإنسان لیصاب بالذهول والدهشة عندما یترک المجال للأرقام تتحدث عن إنفاقات وزارة الدفاع التی یجلس على عرشها أقدم وزیر دفاع فی العالم الأمیر سلطان الذی یتولاها منذ اثنین وثلاثین عاماً وکأنه لا زال یطالب بإتاحة الفرصة له لإثبات کفاءته بعد الفشل الذریع الذی مُنی به وکشفته حرب الخلیج.
ولکی نتصور جانباً من الصورة المذهلة لإنفاقات هذه الوزارة یکفی أن نعرف أن المواطن فی الجزیرة العربیة تحمّل من الإنفاق على الجیش أکثر مما تحمّله المواطن فی عشر دول أخرى هی الولایات المتحدة الأمریکیة، ألمانیا إیطالیا، مصر، رومانیا، بولندا، أسبانیا، الإکوادور، الأورجوای، وأیرلندا، فقد صرف المواطن فی الجزیرة سنة ۱۹۹۲م أکثر مما صرف المواطن فی هذه الدول مجتمعة، مع العلم أنّ من بینها دولاً نوویة وأعضاء فی حلف شمال الأطلسی، ویتضح جانب آخر من هذه الصورة المذهلة عندما نعلم أنّ الفرد فی القوات المسلحة فی الجزیرة العربیة أنفِقَ علیه أکثر مما أنفِقَ على الفرد العسکری فی تسع دول مجتمعة هی: الولایات المتحدة، ألمانیا بلجیکا، الأرجنتین، الصین، إیران، العدو الصهیونی، کوریا الجنوبیة، وتنزانیا.
ألیس من حقنا أیها الملک أن نسألک أین ذهبت کل هذه المبالغ ؟ لا علیک فی عدم الإجابة، فإذا عُلمت نسبة العمولات والرشاوی التی تَحصل علیها والأمراء المتنفذین وعلى رأسهم وزیر الدفاع سلطان مع شرکات الأسلحة ومقاولات بناء المدن والقواعد العسکریة، فلن نتعب أنفسنا فی السؤال عن مصیر باقی المبالغ المصروفة، فلم یعد خافیاً أنکم وتلک الشرذمة من الأمراء المتنفذین تستولون من کل صفقة على نسبة ما بین ۴۰ ـ ۶۰ % من قیمتها !! والنسبة الکبرى من الأموال المتبقیة تصرف فی بناء قواعد وتجهیزات لا یتناسب حجمها الضخم وتجهیزاتها العالیة مع عدد وکفاءة جیش البلاد، الشیء الذی ینبئ أنها بُــنیت لا لهذا الجیش، ولکن لتستخدم من قبل القوات الأمریکیة والغربیة التی ترابط فی کثیر منها الآن.
هل ما زال العراق بعد تدمیر قواته وتجویع شعبه المسلم یشکل خطراً فعلیاً على عرشکم ؟!
کل الحقائق تشهد بغیر ذلک وتؤکد أنّ الخطر الذی ترابط هذه القوات من أجل دفعه لیس خطراً وهمیاً من عراق مدمّر جائع !! بل هو الخطر الإسلامی فی الداخل کما یقوله الخبراء بناءً على ما تعیشه البلاد من صحوة إسلامیة مبارکة ومتصاعدة فی جمیع القطاعات المدنیة والعسکریة.
ومهما یکن فلیس هناک أی مسوغ لإبقاء جیش البلاد فی حالة العجز والقصور التی یعیشها، فی حین یفترض فیه حمایة بلاد المسلمین والدفاع عن قضایاهم فضلاً عن حمایة البلاد المقدسة، فمن غیر المعقول السکوت عن تحویل البلاد إلى محمیة أمریکیة یدنسها جنود الصلیب بأقدامهم النجسة حمایةً لعرشکم المتداعی وحفاظاً على منابع النفط فی المملکة.
وفی ضوء الواقع الحالی أیها الملک، ألیس من حق الأمة أن تتساءل عن الذی یتحمل زعزعة الأمن وإثارة الاضطراب ؟!
أهو النظام الذی أسلم البلاد لحالة العجز العسکری المزمن لیسوّغ استجلاب القوات الصلیبیة والیهودیة لتدنس الأماکن المقدسة ؟؟
أم هو الداعیة الذی یدعو لإعداد الأمة وتجییشها لتتولى بنفسها شرف حمایة دینها والدفاع عن مقدساتها والذب عن أرضها وعرضها ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
والحق أن اللوم فی هذا المجال کله یقع علیک أنت ووزیر دفاعک دون أفراد الجیش والحرس الذین یشهد لکثیر منهم بالصلاح والشهامة والشجاعة ولکن لیس لهم من الأمر شیء، فقد کان خوفکم من أی عمل إصلاحی یُحتمل أن یقوموا به دافعاً لکم إلى تهمیش کثیر من ضباطهم وجنودهم، وزرع الجواسیس بین صفوفهم، وکان خوفکم من أی تنسیق محتمل بین الأسلحة المختلفة (البریة والبحریة والجویة) للقیام ‍‍‍‍‍بأی عمل إصلاحی ضدکم سبباً وراء منعکم أی تنسیق أو حتى تعارفٍ کافٍ بینهم، مع ضرورة التنسیق لأی عملٍ عسکری ناجح، فکان ثمنُ محافظتکم على عرشکم ودفعکم لأوهام الخوف التی تلاحقکم هو ما لحق بالبلاد والعباد من عارٍ وشنارٍ بسبب حرب الخلیج !!
* الخلاصــة والاستنتاجات:
لقد ثبت لنا مما سبق أیها الملک، أن نظامکم قد ارتکب من نواقض الإسلام ما یبطل ولایته عند الله، ویثبت علیه من الفشل الذریع والفساد الشنیع ما یوجب عزله عند الناس، فهو بتشریعه للقوانین الوضعیة الکفریة وإلزامه الناس بالتحاکم إلیها، وبموالاته ومناصرته للکفار ضد المسلمین قد ارتکب من نواقض الإسلام ما یوجب عزله والقیام علیه !!
وبفساده الذریع وفشله الشنیع فی مجالات الدفاع والاقتصاد وغیرها، أثبت عملیاً عدم أهلیته لأن یتولى تسییر أمور البلاد حتى ولو لم یکن على ما هو علیه من انتقاض الإسلام والردة عن الدین.
لقد جمعت أیها الملک على الناس أعظم ما یستعاذُ منه – من الشر – وهو الکفر والفقر.
ومن جملة ما سبق یتضح: أنّ خلاف الأمة التی یتقدمها العلماء والدعاة المخلصون والتجار وشیوخ القبائل مع نظام حکمکم لیس خلافاً عارضاً ولا نزاعاً عابراً، بل هو صراع متأصل بین منهجین ونزاعٌ عمیق بین عقیدتین، صراع بین المنهج الربانی المتکامل الذی أسلم الأمر لله فی جمیع شأن منهجه (قل إنّ صلاتی ونُسکی ومحیای ومماتی لله رب العالمین لا شریک له وبذلک أمرت وأنا أول المسلمین) منهج لا إله إلا الله محمد رسول الله بکل دلالاتها ومقتضیاتها، وبین المنهج العلمانی الصارخ، منهج (أفتؤمنون ببعض الکتاب وتکفرون ببعض) منهج (الذین یخادعون الله والذین آمنوا وما یخدعون إلا أنفسهم وما یشعرون).
وبناءً على ما تقدم، فإنّ ما تقوم به الأمة وفی صدارتها العلماء والمصلحون والتجار وشیوخ القبائل ضد نظام حکمکم لن یدخل قطعاً فی باب الخروج المحظور على الحکّام، لأن نظام حکمکم فاقد للمشروعیة کما بینا والمعدوم شرعاً کالمعدوم حساً، کما قرر أهل العلم، والحاکم إذا ارتد وجب الخروج علیه بإجماع الأمّة !!
لکنّ هذا أیضاً لا یعنی أن کل تصرف من هذا القبیل یکون صواباً بالضرورة، فلکل مرحلة من مراحل التغییر مقومات عملها ووسائله وأهدافه.
وتحدید ذلک لا یمکن باجتهاد شخصی متعجل، أو قرار فردی مُستفَز، بل یتم من قِبل قیادات الأمة من العلماء الصادقین والدعاة المصلحین الذین أثبتت المحن والابتلاءات جدارتهم وأهلیتهم للتصدر لمثل هذه الأمور العظام .
ولا شک أنه فی مقـدمات واجبات المرحلة الحالیة الصدع بالحق والجهر به وبیان معانی ومقتضیات لا إله إلا الله وما یترتب على الخروج عنها حتى تکون الأمة على بصیرة من دینها ووعی من أمرها.
وبعیداً عن هذا وذاک، فإننا نرى أیها الملک أن من مصلحتک الشخصیة ومن مصلحة عائلتک ومن حولک، وقد تقدمت بک السن ودب إلیک المرض وحاصرتک الأزمات الداخلیة والخارجیة، أن تجنب الأمة والبلاد والعباد، مزیداً من العناء والشقاء والأزمات والاضطرابات.وأن تقدم استقالتک فتریح وتستریح وتترک الأمة تمارس حقها بواسطة أهل الحل والعقد فی اختیار من ینقذها من هذه الهاویة التی قدتها إلیها، بعد أن انقطع الأمل فی أن تصلح من حالک بعد أن تقدمت بک السن وشخت، فـقـدیماً قال الشاعر:
فإنّ سِفَاهَ الشیخِ لا حِلمَ بعده وإنّ الفتى بعد السفاهة یحلمُ
ولعلک تـتـذکر فی هذا المقام أن الملک سعود عُزل فی ما هو دون ما أنت علی من الفساد بعشرات المرات، وقد کنتَ وقتها فی صدارة من سعوا فی عزله، وحسناً فعلتَ یومها، ولیتک تفعل الیوم، ولا تقتصر فی ذلک على مجرد الاستقالة الشخصیة، فلا بد من إقالة کل من کان له دور من وزرائک وحاشیتک فیما آلت إلیه الحال، فکما تحمّلت سیئة تسلیطهم على رقاب العباد ومصالح البلاد، فحاول أن تکون لک مزیّة تخلیصها من شرّک وشرهم، وخاصةً وزیر دفاعک الفاشل الذی لم یتولّ أمراً وأتى منه بخیر، سواءً کان أمراً سیاسیاً أو إداریاً، فقد فجر ملف الحدود مع قطر، وکاد أن یشعلها حرباً ضروساً مع الیمن، هذا زیادة على فشله فی إدارة وزارة الدفاع والطیران والخطوط الجویة التی أفلست على یدیه .
وغیر مجدیة فی هذا المقام التعدیلات الوزاریة الترقیعیة التی تأتی فی النهایة بوزراء مربوطین بفلک الفساد الکامن فی أساس ورأس النظام الحاکم ویدورون حوله لا یملکون من الأمر شیئاً، إذ على افتراض حسن نیتهم وسعیهم فی الإصلاح، فإن هامش صلاحیاتهم المحدود وسلطتک المطلقة فوقهم لا تتیح لهم فرصة أی إصلاح، فلا یستقیم الظل والعود أعوج.
وهذه المطالب بالاستقالة والإقالة لیست مطالب تعجیزیة، فهی نفس ما دعوت إلیه وقمت به وإخوانک بشأن الملک المخلوع سعود فی السابق.
وقبل أن نضع القلم نطلبُ منک أن تفکر ملیاّ وتراجع نفسک کثیراً أمام هذه الحقائق قبل أن تأخذک العزة بالرفض وتتخذ قرارک بمعاقبة کل من سعى فی إیصال هذه الرسالة إلیک، وعکر مزاجک بها، کما فعلت مع کثیر من عرائض ومذکرات النصح التی رُفعت إلیک، والتی کان من أشهرها مذکرة النصیحة التی جاءتک حافلة بأهم المطالب الإصلاحیة مبینة الداء واصفة الدواء بدقة العالم وحرارة الداعیة وإشفاق الناصح فی أدب جم ووقار عظیم، ولم یکن منک إلاّ أن تجاهلت النصح وتغافلت عن الناصحین بل وقررت عقاب صفوة الأمة من العلماء والدعاة والمصلحین الذین رفعوها إلیک، وأجلبت علیهم بخیلک ورجلک من سدنة نظام حکمک وزبانیته وهیئاته السلطانیة وحاشیته من المخدوعین والمتمالئین، فاستصدرت الفتاوى التی ترمی بکل إفکٍ وتقذف بکل بهتان تلک النخبة من أبناء الأمة والصفوة من علمائها التی لا زالت مرابطة بکل صبر وثبات فی زنازین سجونک ووراء قضبانها الحدیدیة، نسأل الله أن یفک أسرهم ویسهل أمرهم ویثبتنا وإیاهم على طریق دعوته وسبیل التمکین لدینه (حتى لا تکون فتنة ویکون الدین کله لله) ونسأله أن یعـیـنـنـا على الوفاء بما عاهدناه علیه من الثأر لدینه , والانتقام لأولیائه عامةً وللذین یتعرضون لأنواع التعذیب والبطش على أیدی جلادی سجونکم خاصة .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین.
أسامـة بـن محـمــد بن عـوض بـن لادن
التاریخ: ۵ / ۳ / ۱۴۱۶ هـ الموافق: ۳ / ۸ /۱۹۹۵م).

الشیخ أبو محمد المقدسی

مقدمة الکواشف الجلیة

الحمد لله منـزل الفرقان، والصّلاة والسّلام على من کانت بعثته ودعوته فرقاً بین أهل الحقّ والطّغیان، وعلى آله وصحبه الّذین کان الحب والبغض والولاء والبراء عندهم أوثق عرى الإیمان.
روى مسلم فی صحیحه عن عائشة رضی الله عنها أنّ النبیّ صلى الله علیه وسلم قال مخاطباً أصحابه:
” اهْجُوا قریشاً فإنّه أشدّ علیهم من رَشقٍ بالنّبل “.
وفیه قول حسّان:(والّذی بعثک بالحق لأفرینّهم بلسانی فَرْیَ الأدیم).
هذا إذا کانت المسألة مسألة هجاء وجواب سبٍّ للمشرکین فکیف إذا کان المقصود الأوّل من وراء ذلک هو تحقیق التّوحید بالکفر بالطّواغیت والبراءة منها بتعریتها للنّاس وبیان سفهها وکشف زیوفها، لاشکّ أنّ ذلک یکون ساعتئذٍ من أفضل القرب إلى الله تعالى… فیکون رشقاً بالنبل فی سبیل الله ممدوحاً، وفریاً باللّسن لأعداء الدّین محموداً.
وبعد،،
فهذه ورقات قد جمعتها فی عجالةٍ من الأمر وضیق فی الوقت لم أفرغ لها کبیرَ وقتٍ ولا کثیر جهدٍ.
اضطرنی إلى الإسراع فی إعدادها وإخراجها ما بَدَرَ واشتهر عن کثیرٍ من المنتسبین إلى الدّعوة والعلم بل والجهاد، من الدّفاع عن النّظام السعودی البریطانی الأمریکی الکافر، وممانعة کثیرٍ منهم من الکلام فیه، والصدّ عن ذلک والأخذ على ید الطّاعنین علیه، بحججٍ ومزاعمَ جوفاءَ ساقطةً… وهذا والله من أعظم الضّلال… فإنّ خبث هذه الدّولة وتلبیسها أمسى بمکان، بحیث أصبح الیوم من أهم المهمّات التّصدی لها وتعریتها قبل غیرها… خصوصاً وأنّ ما سواها فی الغالب واضحٌ مکشوف…
أماّ هذه الدّولة الخبیثة، فهی من أشدّ الدّول الیوم ممارسةً لسیاسة التّلبیس على العباد والاستخفاف بهم واللّعب بعقولهم مدّعیة تطبیق الشّریعة الإسلامیة ونبذ القوانین الوضعیة، ولقد أجادت هذه الدّولة الخبیثة أسالیب التّلبیس والتدلیس وأحکمتها حتّى انطلى هذا على کثیرٍ ممّن ینتسبون للعلم والدّعوة، فشارکوا فی التّلبیس والتّرقیع لها، فتجد کثیراً منهم یتکلّمون فی الدّول الأخرى وطغیانها ویهاجمون تحاکمها للقوانین الوضعیة ویصدرون الکتب والمؤلّفات فی هذا الکفر والشّرک المستبین، بل وتقوم هذه الدّولة بطباعة هذه الکتب وتوزیعها على الخلق مجّاناً، حتى یتوهم ویظن المتابع لحماسهم فی تلک الکتابات أن حکومتهم التی تطبع لهم تلک الکتب وتوزّعها حکومة تحارب القوانین وتنبذها وتأبى تطبیقها أو التّحاکم إلیها…، وقد أجادت هذه الدّولة هذا الدور التلبیسی وأتقنته، خصوصاً وأنّه لا یکلّفها إلا قلیلاً من الرّیالات کأجور طباعةٍ لتلک الکتب وأخرى کرواتب لأولئک المشایخ المأجورین…، وهکذا؛ تلبیس من الحکومة وتلبیس من المشایخ وتلبیس من الدّعاة، حتّى لبّسوا على النّاس دینهم، بل بلغ الأمر من بعض المنتسبین للجهاد أن ینهى عن العمل والجهاد ضدّها، بل والکلام، بحجّة التباس أمرها، وعدم اتّضاحه….
فیا قرّة عین طغاة آل سعود بأمثالکم ویا فرحتهم بأفهامکم وأفکارکم، فوالله لو اطّلعوا علیکم ووجدوا سبیلاً إلیکم لشروکم بالملایین…، هذا والله من أعجب العجب … خصوصاً إذا صدر ممّن أفنى عمره فی جهاد الطّواغیت، فکیف یتصدّى للجهاد من لا یعرف واقعه الذی یعیش فیه ؟ هذا والله من عجائب هذا الزّمان التی لا تنقضی…
إن کان قلبک حیّا غیر مفتون
لو جئته بصحیحات البراهین
إن عشت سوف ترى منها عجائبها
فمن یـَمُتْ قلبُه لا یهتدی أبداً

وهلاّ إذ جهلوا أو التبس علیهم حالها، بحثوا وسألوا بدلاً من الصدّ عنها والجدل… (فإنّما شفاء العیّ السّؤال). قال تعالى:  وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِینَ یَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ یُحِبُّ مَن کَانَ خَوَّانًا أَثِیمًا [ النساء/۱۰۷] وقال سبحانه وتعالى: (هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِی الْحَیَاةِ الدُّنْیَا فَمَن یُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ أَم مَّن یَکُونُ عَلَیْهِمْ وَکِیلاً}[ النساء/۱۰۹].
لأجل هذا ولکی لا یغترّ کثیرٌ من النّاس بما یلبّسه کثیر من الذین یرتدون مسوح العلماء ممّن باعوا دینهم وذممهم للسّلاطین، کذلک المدعو أبو بکر جابر الجزائری إذ یقول رجماً بالغیب وتقوّلاً على الله وتزکیة علیه سبحانه: (وهیهات هیهات أن یتنکر آل سعود لمبدأ الحق الذی أقاموا ملکهم علیه، ووقفوا حیاتهم على حمایته ونصرته ونصرة الدّاعین إلیه!! والهادین إلى مثله!! إنه لو لم یبق إلاّ عجوزٌ واحدة من آل سعود لم یکن لها أن تتنازل عن مبدأ الحقّ!!!) أهـ .
ویقول – نعوذ بالله من الضّلال -:(إنّه لا یوجد مسلم صحیح الإسلام، ولا مؤمن صادق الإیمان وفی أی بلد إسلامی کان، إلاّ ویتمنّى بکلّ قلبه أن یحکمه ابن السعود وإنّه لو یدعى إلى مبایعته مَلِکاً أو خلیفةً للمسلمین لما تردّد طرفة عین!! کان ذلک من أجل أنّ هذه الدّولة تمثّل الإسلام وتقوم به وتدعو إلیه…)أهـ ، ویقول (هذه الدّولة الّتی کانت معجزة القرن الرّابع عشر، هذه الدّولة التی لا یوالیها إلاّ مؤمن ولا یعادیها إلاّ منافق کافر مادامت قائمة بأمر الله!!..) .
أی قیام بأمر الله هذا یا جزائری… وأی افتراء وکذب وتلبیس هذا (لا یوالیها إلاّ مؤمن ولا یعادیها إلاّ منافق کافر…)، ألا تخاف الله سبحانه؟ عمّن تتحدّث أنت؟؟ لو کان کلامکم فی السّعودیة الدّولة الأولى مثلاً وعلى من نصر التّوحید فیها ونشره لأمکن التّرقیع لک ولقولک رغم خطورة إطلاقاتک فیه.
أین عقلک یا جزائری… أطار عقلکم مع (التابعیة) والرّیال؟؟.
إن أهل البلد الأصلیین ممّن ینتسبون للعلم لیستحیون أن یتلفّظوا بمثل ألفاظک وتملّقاتک وإطلاقاتک هذه… رحم الله جهیمان… لقد کان الرّجل والله فیک بصیراً، کان بصیراً یوم رفض استمرار التّعاون معک فی الدّعوة إلى الله وقال لمن سعى فی الصّلح بینکم: “نحن لا نثق به… هناک مجالس سریّة بیننا بلغت الحکومة… فمن بلّغها؟!”(*).
ألست القائل: “هذه الدّولة الإسلامیة تمثّل العدالة الإلهیة فی الأرض” … نعوذ بالله من عمى القلوب وطمس البصائر.
ثمّ أما بعد… فلأجل ألاّ یغترّ مُغْتَرٌ بکلام هذا وأمثاله من علماء السّلاطین والحکومات ولأجل ما تقدّم کلّه أحببنا أن نعری فی هذه الورقات هذا النّظام الخبیث … لیطّلع القارئ الموحّد على حقیقة هذه الدولة (التی تمثل العدالة الإلهیة فی الأرض!!!) کما یزعم ذلک الضّال، فنکشف شیئاً من باطلها وظلماتها الکثیرة المتشعبّة… فیتعرى بذلک کثیر من الملبّسین وتتساقط الأقنعة ویُعلم الصّادق من الکاذب ولیعلم الجزائری وأمثاله إذا انجلى الغبار أفرس تحته أم حِمار… وما دعانا والله إلى تصدّر مثل هذا المقام إلا إحجام الناس عنه وخلو الغابة من أسود تذود عن الحِمَى، حتّى وصلنا الیوم إلى حال انطلت فیه تلک الأوهام بل رسخت وللأسف الشّدید فی أذهان کثیر من أهل الإسلام ممّا اضطر أمثالی إلى سدّ هذا الفراغ الذی ترکته أسود العلم وحماة التّوحید.
فکم جمعتنی مجالس مع رؤوسٍ لدعوات وجماعات خضنا فیها حول کلّ حکومة وطاغوت فإذا ما تعرّض الحدیث أو تطرّق إلى هذه الدّولة… فتلک عندهم عقبة کؤود… تحجم دونها خیولهم ومطایاهم وتتردّد وتضطرب حولها سیوفهم ورماحهم ونبالهم… فلمّا رأى العبد الفقیر إلى توفیق ربّه وتسدیده هذه الحال من خلو السّاحة من الأسود والأعلام بادر على ضعفه وقلّة حیلتهِ إلى المساهمة فی إماطة اللّثام عن وجه هذه الدّولة الدّمیم… وقال معتزًّا بخالقه مستنصراً به متوکّلاً علیه: أنا لها… أنا لها فأخرج من کنانته بعض نبال التّوحید سدّدها فی أکباد أهل الشّرک والتندید، سهاماً لا تنکسر ولا تحید.
فی ظلم الأکباد سبلاً لا ترى
تُری المنون حین تقفوا إثرها

مقحماً جواده فی معترکٍ أحجم دونه الفرسان… ممتشقاً سیفه ورمحه یفری ویطعن زیوفاً وأکاذیب ساهم فی نشرها مشایخ ودعاة باعوا دینهم وتوحیدهم بثمن بخس دراهم معدودات، معرضین عن قول ربهم:  لَتُبیِّنُنَّه للناسِ ولا تکتمونه  [آل عمران/۱۸۷] فقام بکتابة هذه الورقات أداء لواجب البیان، مستلهماً الثّبات والسّداد من ربّ العباد، تذکرة للمؤمنین، وتنبیهاً للنّائمین الغافلین، وفضحاً للملبّسین والمنافقین، وتعریة للمجرمین وإقامة للحجّة على المعاندین ومعذرة لله ربّ العالمین عسى أن یظهر دینه وتوحیده الحق نقیًّا صافیاً بعیداً عن تکدیر المکدّرین، ولیتعرى الباطل ویزهق بعیداً عن ترقیع المرقّعین وتدلیس المدلّسین.
ولنخلص من هذا کلّه إلى بیان الموقف الواجب على الموحّد تجاه هذا النّظام الباطل وأمثاله من الأنظمة المضلّلة الّتی تتستّر بستار تطبیق بعض حدود الإسلام وشرائعه  لِّیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَن بَیِّنَةٍ وَیَحْیَى مَنْ حَیَّ عَن بَیِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِیعٌ عَلِیمٌ  [ الأنفال/۴۲]
ونختم هذه المقّدمة مذکرین القارئ الکریم بأن هذا العمل من سنّة النبیین ولیس هو وربّ الکعبة مضیعة للوقت کما یحلو لکثیر من الجهلة وصفه…!
فنحن نسلک بهذا طریق نبیّنا محمد صلى الله علیه وسلم فی الدّعوة إلى الله وطریق النبیین والمرسلین من قبله یوم کانوا یسفهون طواغیت أقوامهم ویبیّنون زیفها وعوارها لأجل دعوة الناس إلى البراءة منها والکفر بها…
وتتنوّع صور الطواغیت… وتختلف أشکالها فی کل زمان… ویبقى مطلب التوحید واحداً…
 وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِی کُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ  [ النحل/۳۶]…  فَمَنْ یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَیُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا} [البقرة/۲۵۶].
ونحن مطالبون لأجل تحقیق التوحید الذی هو حق الله على العبید أن نکفر بکل الطّواغیت ونتبرّأ منها جمیعاً على اختلاف صورها، سواء طواغیت القبور أم القصور والدّستور، طواغیت الحجر والشّجر أم طواغیت البشر.
 ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا .
وصلى الله على نبیّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.

الشیخ أبو قتادة الفلسطینی

مقالات بین منهجین
هذه مقتطفات من کلام الشیخ عمر بن محمود أبو عمر (أبو قتادة الفلسطینی) فی کتابه (مقالات بین منهجین):
“… إذا کان الإسلام فی وقت عزّته قد دخل فیه من أهل النّفاق والزندقة والبدع ما شوّه وجه حقیقته، – والإسلام اسمٌ رضیه الله لعباده المؤمنـین على مرّ الأزمان – فکیف باسم “السّلفیة” ؟! فهو شعارٌ ولا شکّ قد تلبّس به وتدثّر بدثاره قومٌ رأوا فیه تحقیقَ مکاسبهم الدّنیویة، وتحقیق أمراض أهوائهم وقلوبهم، وصاروا بهذا الشعار لهم الحقّ فی ممارسة کلّ قبیح، والتّلبّس بکلّ رذیلة، والولوج فی کلّ معصیة، ثمّ الرّافع لهذا الشّعار یحصل له برکةٌ أخرى وهی عظیمةٌ دونها تُقْطَع الأعناق، ألا وهی هذه الجنود المجنّدة من الغوغاء، أتباع شعار السّلفیة الّذین یدافعون عنه بحقّ أو بباطل تحت حجّة (هذا عقیدته صحیحة!!).
هذه الجنود، أصحاب النّوایا الطّیبة، والعقول الفارغة، عملهم دوما رفع متاریس الدفاع عن أیّ سلفی، مزعوم وغیر مزعوم، یصدّون عن کلّ من حَامَ حوله بنقدٍ أو تقویم، ویطعنون بکلِّ من لا یرضى إمامته بشتَّى التّهم وأشهر هذه التّهم: هذا رجل لا یحترم العلماء!!، هذا رجل من أهل الغلوّ!! هذا رجلٌ غیر سلفیٍّ!!، وغیرها الکثیر من القائمة السوداء التی اقتبسوها من إیحاء لمّة الشّیطان (عیاذاً بالله)، وهذه التّهم لم ینج منها فی زماننا هذا إلاّ القلیل، ممّن رضی أن یربط عقله برباط التّقلید، والتّسلیم لأصحاب صکوک الغفران، وقد یعجب بعض الشّباب من هذه الأقوال، ویروا فیها تهماً شنیعة، ولکن یکفی أن أذکّر القارئ المسلم بأمر یدلّه على ما وراءه، ممّا نذکره وممّا غاب عنّا، هذا الأمر هو:
فی بلادِ أتقنت استخدام شعار السّلفیة (العقیدة الصّحیحة)، وستر کفرها بهذا الشعار، هذه الدولة الکافرة هی “السعودیة”، ولا یجهل کفر هذه الدّولة وینکره إلاّ من طمس الله بصیرته وعقله، هذه الدّولة لمجرّد رفعها هذا الشِّعار، تجنِّد للدّفاع عنها، وتبریر أفعالها قطعاناً من البشر الجاهل، أکشف لک بعض أوصافهم أو أسمائهم:
۱ – فی إحدى العواصم الأوروبیّة (بریطانیا) جمعیّة تسمّى “جمعیّة منهاج إحیاء الکتاب والسّنة”، هذه جمعیة سلفیة!! فیما تزعم وتدّعی، وعامّة أفرادها من العجم، والکثیر من قادتها تخرّجوا من الجامعات السّعودیة، هذه الجماعة، لا یمکن أن تقبل حبیباً أو صدیقا، یوجّه کلمة نقدٍ لدولة (التوحید الوحیدة فی العالم)، وکلّ الذّنوب تغفر ولا یؤبه لها مقابل حبّ السعودیّة وملیکها (المحبوب)، نعم إنّها سلفیّة، لکنّها (سلفیة + رواتب)، ومثل هذه الجمعیة الکثیر من أخواتها المنتشرة فی العالم الإسلامی، وخاصّة بلاد العجم کـ “جمعیّة أهل الحدیث فی باکستان” وفروعها المتعددة. وهی بحق جمعیة أهل الحدیث، ولکنّه الحدیث الموضوع لا الحدیث الصحیح.
۲ – فی السّعودیة قوم مهاجرون لطلب العلم من لیبیا، وهم من تلامیذ السّلفی المزعوم الدّکتور ربیع المدخلی الّذی تقدّم ذکره فی مقال سابق، هؤلاء القوم أوفیاء لتلک الدّولة أکثر من آل سعود أنفسهم، حتّى وصل هذا الوفاء القبیح أن یذهب هؤلاء التّلامیذ (السلفیّون) إلى دائرة الشّرطة هناک لیکشفوا للدّولة بعض الشّباب الّذین دخلوا إلى دولة (التوحید) بطریق غیر قانونیّ، أو مکثوا فیها من غیر إقامة صدرت من دوائر (الإمام) المزعوم، فأخذ هؤلاء الشّباب وطردوا من (جنّة) السّلفیّین ودولتهم المزعومة، نعم إنها (سلفیة) فی خدمة السلفیة، أو بتسمیة صحیحة: سلفیّة + عمالة.
۳ – ألّف بعض الشّباب الموحّد کتاباً سمّاه “الکواشف الجلیّة فی کفر الدّولة السّعودیة”، وبجهود بعض الشّباب المجاهد دخل هذا الکتاب أرض الجزیرة، وتداوله النّاس، وحاول بعض الأذکیاء أن یقدمه هدیّة لبعض الشّیوخ – شیخ عِلم لا شیخ عشیرة – لیطّلع علیه، ویفید منه، وإذا کان له بعض الملاحظات لینتفع کاتبه بها فلیذکرها، قال الراوی: دخلت على الشّیخ فی مجلسه، وناولته الکتاب، نظر الشّیخ إلى طرّته (عنوانه)، انتفض الشّیخ، أرغى وأزبد، شتم وقذف، غضب غضبة لم تعهد منه، ثمّ رکض إلى التّلفون قائلاً: الآن سأتّصل بوزارة الدّاخلیة، وأخبر الوزیر بهذا الکتاب لیقضی علیه، قام الحضور وهدّؤوا الشّیخ، وخفّفوا من غضبه، ومارسوا کلّ أصناف المهدِّئات حتّى سکن غضب الشّیخ، جلس الشّیخ على المقعد الوثیر ثمَّ توجَّه إلى الحضور قائلاً: من کان منکم یعرف مؤلِّف الکتاب فلیخبره أنِّی أحکم علیه أنَّه کافر بالله العظیم، قولوا له: إنَّک بتألیف هذا الکتاب کفرت بالله العظیم، قال الرّاوی: وَجِم الحضور لهول المفاجأة، ودارت بهم رؤوسهم، لکنَّ ردَّهم لرشدهم شابٌّ جریء، هذا الشّابّ توجه لشیخ العلم، وعلَمَ الدّنیا سائلاً: شیخنا هل قرأت الکتاب من قبل؟ ردَّ الشَّیخ قائلاً: لا، لم أقرأه، ولا أرید قراءته!!! وانتهت الحکایة المرسلة. نعم إنَّها سلفیّة، ولکنَّها سلفیّة زادت إلى أرکان الإیمان رکناً جدیداً، هو الإیمان بکلِّ سلفیّ حتّى ولو کان کافرا، حتى لو کان هذا السَّلفیّ هو آل سعود، لأنَّ آل سعود من أصحاب: (العقیدة الصَّحیحة)، وتستطیع أن تنطقها: العکیدة الصّحیحة”.[ مقالات بین منهجین ۹ ].
” …للتّذکیر فإنّ بلد التّوحید المزعوم هو الّذی حارب دعاة التّوحید وقتلهم شرّ قتلة، حین توجّه (إخوان من أطاع الله) إلى الکویت لقتال أهلها الّذین فسقوا عن دین الله تعالى، وانتشرت فی قصور أمرائهم وخاصّة أمیرهم عمیل الإنجلیز یوم ذاک حاکم الکویت مبارک الصّباح، الفواحش والمنکرات، فإنّ مؤسّس الحکومة السّعودیة “عبد العزیز آل سعود” قد نشأ فی قصر الخبیث مبارک الصّباح عشر سنوات من (۱۳۰۹-۱۳۱۹)هـ، وتعلّم منه فنّ الفاحشة، فلمّا قامت حرکة الإخوان (وهی حرکة أهل التّوحید فی نجد) بشنّ معارک الجهاد ضدّ حاکم الکویت، تصدّى لها الخبیث السّعودی بل وقاتلهم حتّى أباد منهم الآلاف. فمبارک الصّباح جدّ هؤلاء الخبثاء من آل الصّباح ذکر عنه مؤرّخ الکویت عبد العزیز الرّشید: أنّه “جهر فی آخر أیّامه بترک الشّعائر الدّینیّة، والتّساهل بالصلاة والصّیام، ومال إلى اللهو والقصف والتّهتّک والخلاعة، فاستقدم الرّاقصات من مصر وسوریا، وأقام لهنّ المسارح فی قصوره الشّاهقة وانغمس فی هذا الأمر انغماساً عظیماً”. ا. هـ.
هذا هو أستاذ مؤسّس دولة التّوحید الصّافی والعقیدة الصّحیحة.
ولئلاّ ننسى فإنّ أهل العلم والدّین، وخاصّة آل الشّیخ محمّد بن عبد الوهاب قد وقفوا فی بدایة الأمر ضدّ الخبیث عبد العزیز آل سعود عندما توجّه لغزو الرّیاض سنة (۱۹۰۱)م، وکان سبب هذا العداء أنّه ربیب الخبیث مبارک الصّباح حاکم الکویت، لکنه استطاع بعد ذلک بالخداع والمکر (على الطّریقة الإنجلیزیّة) أن یدفعهم إلى صفّه وجیشه.[مقالات بین منهجین ۱۷ ]

“مرّت فتراتٌ متقطّعة من أعمال الجهاد واقعة یتقمّصها غیر أصحابها، ویتاجرُ بها غیرُ أبنائها، وسبب ذلک عائدٌ إلى عواملَ منها: رضا الجماهیر المسلمة عن هذا الجهاد، ومن أجل الرِّفعة والظّهور على أکتاف المجاهدین، فتسارع هذه التّنظیمات الطّفیلیّة إلى تقمّص دور البطولة، وإظهار نفسها فی موقع الرّیادة فی هذا الجهاد، فترتفع الأرصدة الإعلامیّة، وبالتّالی ترتفع الأرصدة المالیّة، وحینئذٍ یصبح الجهاد فی مأزق حقیقیّ، حیث یضرب المجاهدون ضرباً شرساً وذلک لیصبحوا تحت وطأة هؤلاء اللصوص وقطّاع الطّریق إلى الله تعالى، فتظهر الأمراض العجیبة، وتتکشّف النّفوس الخبیثة، ویقع الفِصام النّکد بین المجاهد الحقیقیّ والمموّل الخبیث (لص بغداد)، وأمثلة هذا کثیرة الوقوع وعدیدة فمِن أفغانستان إلى فلسطین إلى البوسنة والهرسک إلى سوریا .. إلى .. إلى ..، ومن هذه العوامل کذلک: إرضاء القواعد التّحتیّة المتململة، فالإنسان المسلم الفطری السویّ تتوق نفسه فطریّاً إلى الجهاد، وإلى المشارکة فی مواطن العبودیّة لله ضدّ الکفر بجمیع صنوفه وأشکاله، فمن أجل تفریغ هذا المِرجل من بخاره الغاضب، فلا بدّ من بعض المنفّسات للتّفریغ الذّکیّ الخبیث، فتسارع الجماعة إلى تبنّی أعمال جهادیّة لتقنع القیادة قواعدها أنّها لم تغیّر الطّریق، أو لتعریف قواعِدها أنّ هناک فرقاً بین ما هو معلن من أجل الغطاء السّیاسی، وبین ما هو مخفیّ حقیقیّ.
هناک جماعاتٌ طفیلیّة ووصولیّة فی هذا الباب معروفة لدى القاصی والدّانی، وهی تملک فی خطابها نوعین من المضمون، نوع یتعاملُ مع الأفکار والمفاهیم بکثیر من الشّرعیّة والأصولیّة، ونوع یتعامل مع الواقع بکثیر من المیکافیلیّة والثّعلبة.
فجماعةٌ ترى عدم شرعیّة الانتخابات الشّرکیّة مثلاً ولکنّها لا تفتأ بل لا تتوانى فی تأیید جماعات العمل البرلمانیّ، خاصّة إذا أخذت هذه الجماعات خطوات متقدّمة فی الحضور الإعلامیّ، والوجود الجماهیریّ الشّعبیّ.
هذه نقطة على الجماعات السّلفیّة المجاهدة أن تحسمها منذ البدایة، علیها أن تحسمها وجوداً وکوناً وذلک بقطع الأیدی والأرجل التی تحاول التّسلّق طفیلیّاً على أسوار الجهاد السّلفیّ الواضح، وعلیها أن تحسمه فکریّاً وذلک ببیان الفوارق الشّرعیّة بین هذه الجماعات الطّفیلیّة وبین المجاهدین الموحّدین.
نعم فی الجهاد السّلفیّ الواضح هناک قضایا لا یمکن أن یتحمّلها الطّفیلیّ الوصولیّ، وإنّه وإن حاول الالتفاف الخبیث حیناً من الدّهر، فإنّه لا یستطیع أن یواصل بالشّوط إلى نهایته.
فی الجهاد السّلفیّ میّزات وخصائص عن عموم الجهاد فی المفهوم العرفیّ لدى عوامّ النّاس ومن هؤلاء العوامّ قادة الحرکات البدعیّة، وقادة الحرکات الطّفیلیّة الوصولیّة، ومن أهمّ هذه الفوارق هی:
صفة الجهاد وطبیعته ونوعه: حرکات الجهاد السّلفیّ تقاتل فی بلاد الردّة تحت رایة واضحة، وکذلک تصف العدوّ وصفاً واضحاً، فهی تصف هذه الطّوائف المعادیة أنّها طوائفَ ردّةٍ وکفر، لأنّها اجتمعت بقوّة وشوکة على أمرٍ مکفّر، أجمعت على کفره ملّة الإسلام، فنوع قتال هؤلاء الخصوم، وجنس هذا القتال، أنّه قتال المرتدّین، وهذا القتالُ له أحکامه الخاصّة التی تجتمع وتفترق عن قتال الکفّارِ الأصلیین، وحین تقاتل هذه الطّوائف السّلفیّة المجاهدة تحت هذه الرّایة، فإنّها لا تفرّق فی هذا القتال بین مرتدٍّ «دکتاتور» متسلّط، وبین مرتدّ «دیمقراطیّ» سِلمیّ، فهی لا تفرّق بین قتال معمّر القذافی، المرتدّ الظّالم، وبین حسنی مبارک (هذا إذا اعتبرناه قائداً دیمقراطیّا) فکلاهما فی منهج هذه الجماعات السّلفیّة المجاهدة فی الحکم سواء، وأنّهما مرتدّان، ولیس لهما إلاّ السّیف، وبالتّالی لا حوار، ولا هدنة، ولا أمان، ولا عقود، لأنّ هذه هی الأحکام الشّرعیّة المستقرّة فی قتال المرتدّین.
الجماعات الأخرى قد تحمل السّلاح حیناً، وقد تشجّع على حمل السّلاح حیناً، وقد لا تستنکر من حمل السّلاح ضدّ المرتدّین، هذا إن وجدت أنّ الحوار مع المرتد مرفوض من قِبَله لا من قِبَلها هی، لکن إن فتح المرتدّ باب الحوار، وکفّ عن الملاحقة الظّالمة، أو تشرید أفراد هذه الجماعة فإنّها تنقلب بغیر علّة شرعیّة إلى موقف المؤیّد للنّظام والسّاکت عنه، والمانع القویّ لحصول الصّواعق الجهادیّة فی هذا البلد.
الجماعات السّلفیّة الجهادیّة الموحّدة لا تفرّق بین صدّام حسین العراقیّ البعثیّ الیمینیّ، وبین حافظ أسد السّوریّ البعثیّ الیساریّ، فکلاهما فی حکم الله سواء، ولیس أحدُهما أولى بالقتال من الآخر، ولکن جماعات البدعة والوصولیّة لها رأی آخر.
الجماعات السّلفیّة الجهادیّة الموحّدة لا ترى فرقاً بین حکومة السّعودیین (آل سعود) المرتدّین وبین حکومة نجیب الأفغانیّ فکلاهما فی حکم الله سواء، ولیس أحدهما أولى بالقتال من الآخر، لکنّ جماعات البدعة الوصولیّة لها رأی آخر.
الجماعات السّلفیّة المجاهدة الموحّدة لا ترى فرقاً بین زروال الجزائریّ المرتد وحکمه ونظامه وبین الحسن الثّانی المغربیّ المرتدّ، فکلاهما فی دین الله تعالى مرتدّ کافر، وأن حکمها فی القَتل والقتال سواء، لکنّ جماعات البدعة والوصولیّة لها رأی آخر.
الجماعات السّلفیّة المجاهدة الموحّدة لا ترى فرقاً بین معمّر القذّافی المرتد جباراً متسلّطاً، وغیر آبه بالحوار، ولا یفتح باب التّعدّدیّة الحزبیّة، ولا بنشر الحریّة السّیاسیّة، وبین معمّر القذّافی الذی یسمح بالتّعدّدیّة الحزبیّة، والحریّة الدیمقراطیّة، فکلاهما فی حکم الله سواء، لیس لهما إلاّ القَتل والقتال، ولکن جماعات البدعة والوصولیّة لها رأی آخر.
الجماعات السّلفیّة المجاهدة الموحّدة لا ترى فرقاً بین شرطة عرفات تحت رایة وقیادة عرفات وبین الجیش الیهودیّ، وشرطة الیهود إلاّ فرقاً واحداً وهو أنّ عرفات وحکومته وشرطته أشدّ کفراً فهم أشدّ حکماً من الیهود، لکنّ کلاهما له القتل والقتال، أمّا جماعات البدعة والوصولیّة لها رأی آخر.
الجماعات السّلفیّة المجاهدة لا ترى فرقاً بین المرتدّ الملک حسین حاکم الأردن وهو متسلّط دیکتاتور وبین الملک حسین وهو یأذن للإسلامیین!! بتشکیل أحزابٍ سیاسیّة والوصول إلى قبّة البرلمان الشّرکیّ، وأنّ الملک حسین مرتدّ فی الأولى ومرتدّ فی الثّانیة ولیس له إلاّ القتل والقتال هو وشرطته وجهاز مخابراته، أمّا جماعات البدعة الوصولیّة فلها رأی آخر.
فالرّایة والمقصد ونوع القتال یفرق بین جهاد الموحِّد، وجهاد الوطنیّ (الوثنیّ)، وجهاد المصلحة الموقوتة التی تتقلّب حسب السّیاسات الجاهلیّة، والنّظرات الذّاتیّة.
فی الجزائر تزعم جماعتان الجهاد (أو لنقل بتغییب بعض الحقائق کالشّمس: إعلامیّاً)، جماعة اسمها «الجماعة الإسلامیّة المسلّحة»، وجماعة أخرى اسمها «الجیش الإسلامیّ للإنقاذ»، فکیف یستطیع المرء أن یفرّق بین جهاد الموحّدین وجهاد المبتدعة والوصولیین؟.
الجماعة الإسلامیّة المسلّحة تقول: نحن نقاتل حتّى نعید الحقّ إلى نصابه، وأن نرجع الضّائع إلى أصحابه، والحقّ هو حکم الله تعالى وحکم المسلمین لأرض الجزائر وکلّ بلاد المسلمین، ولا نعترف فیما یقول النّاس ویدّعون: فنحن لا نعترف بالدّیمقراطیّة ولا بحکم الشّعب، ولا بدستوریّة القانون الوضعیّ، ونحن نقاتل قبل أن توجد الانتخابات ونقاتل أثناءها ونقاتل بعد إلغائها، فعلّة قتالنا لهؤلاء موجودة مع کلّ هذه الأحوال.
والجماعة الأخرى المزعومة إعلامیّاً تقول نحن نقاتل حتّى نعید خیار الشّعب، ونعید النّاس إلى المسار الانتخابیّ، فقتالُنا لمن سرق خیار الشّعب.
{فَأَیُّ الْفَرِیقَیْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن کُنتُمْ تَعْلَمُونَ  الَّذِینَ آمَنُواْ وَلَمْ یَلْبِسُواْ إِیمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِکَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [ الأنعام/۸۱-۸۲].
الجهاد الآن قد شرع فی لیبیا، وقامت به حرکة جهادیّة موحّدة سلفیّة، وصفّقت بعض الجماعات البدعیّة الوصولیّة لهذه الأعمال الجهادیّة، وسبب هذا التّصفیق أو المبارکة أنّ القذّافی دیکتاتور متسلّط، لکن تعالوا غداً إذا فتح القذّافی باب الدّیمقراطیّة، وسمح بتشکیل الأحزاب وبقی القانون هو القانون، فماذا ستعمل هذه الجماعات؟ هذه الجماعات ستفصل کل فرد یحاول أن یشیر إلى القذافی بکلمة فیها حُکمُه وأنّه مرتدّ وکافر.
ألم أقل لکم سابقاً: إنّ الإخوان المسلمون فی الأردن جمّدوا عضویة فرد من أفرادهم قدیماً لأنه توقّف فی تکفیر الملک حسین – مع أنّ حبل الودِّ والصداقة لم تنقطع بین الحزب والملک حسین – وهو نفس الشخص الآن مجمَّد من العضویة لأنه یرى کفر الملک حسین.
جماعة حماس فی فلسطین على المسلمین أن ینظروا إلیها من هذا الباب، فها هی تَسقط فی لعبة الدیموقراطیة الکافرة، وتتنازل شیئاً فشیئاً.
فهذا فارق مهم فی التّفریق بین جهاد الموحّدین السلفیین وبین جهاد المبتدعین الضالین، فلیس مجرّد رفع رایة الجهاد کافٍ لإدخال المرء فی طائفة التّوحید والجهاد، وهذا الأمر یوجب على الشباب السّلفی المجاهد أن یتوثّق لدینه وأن یتبیّن رایة جماعته، ولا یجوزُ له أن یقاتل تحت رایة عمیة لا یدری أین تسیر به، ففی یوم تسمّیه البطل المجاهد، وبعد حین تقذفه بأقبح الأوصاف وأشنعها.
وهذا الفارق الذی ذکرناه یعود إلى قضیّة رئیسیّة، بل هی أمّ القضایا فی دین الله تعالى، هذه القضیة هی فهم المرء للتوحید، وفهمه لمنهج السّلف فی الإیمان، فإن معرفة المرء للتوحید وتبیینه له بشکل واضح جلیّ یمنعه من الانزلاق فی متاهات الجاهلیة المظلمة، ویردعه من التنازل عن حق الله تعالى، فإنه یجوز للمرء أن یتنازل عن حقِّه، وهذا من باب الفضل، ولکن لا یجوز أن یتنازل عن حقّ الله تعالى، فالجماعة الموحدة المجاهدة تعفو عمّن ظلمها من المسلمین، وتتجاوز عن حقوقها، ولا توالی على أساس قرب الناس منها، ولا تعادی على أساس بعد الناس عنها، بل هی توالی النّاس على أساس محبّتهم لله، ومحبّة الله لهم، وتعادی على قواعد الملّة المحمّدیة فی البراء من أعداء الله تعالى، وهذا الأمر من أ شدّ الأمور وضوحاً فی دین الله تعالى، وعند أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم .
فقد نهى رسول الله صلى الله علیه وسلم عن الخروج على الحاکم إذا ظلم رعیته: ((أطع أمیرک وإن جلد ظهرک وأخذ مالک))، فحقُّ الإنسان المسلم یتنازل عنه مقابل مقاصد الوحدة وجمع الشمل، ودرءً للفرقة وذهاب الریح، وقد أوجبت الشریعة الخروج على الحاکم إذا کفر بالله ((إلا أن تروا کفراً بواحاً)).
هذا هو دین الله تعالى، فعلّة القتال فیه عدم إیمان المشرکین بالله، واجتماعهم بقوّة وشوکة على هذا الأمر {قَاتِلُواْ الَّذِینَ لاَ یُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْیَوْمِ الآخِرِ وَلاَ یُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ یَدِینُونَ دِینَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِینَ أُوتُواْ الْکِتَابَ حَتَّى یُعْطُواْ الْجِزْیَةَ عَن یَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[ التوبة/۲۹].
بهذا الأمر الجلیِّ الواضح تکتَشِف الفارق، وهو أهمّ هذه الفوارق، بین جهاد الموحد السلفی وبین المبتدع الأصولی.
وهذا الأمر – وهو عدم تبیّن الناس لحقیقة الجماعات المقاتلة – یُحسَم من خلال إعلان جماعات الجهاد السلفیّ براءتها من جماعات البِدعة، ویوجب علیها أن تؤَصِّل نظرتها من خلال الرّؤى السلفیّة لواقع الجماعة البِدعیّة، وعلیها أن تعلن ذلک ولا تُخفیه، ولیس هناک من مصالح شرعیّة تمنع إعلان الفارق بیننا وبینهم.
بقی أمرٌ یتعلق بهذه النقطة، وهو وجود أقوام تسَربلوا بأثواب مُستعارة من السّلفیة أو بشاراتٍ خادعةٍ لا حقیقة لها مثل أهل السنة والجماعة، وهؤلاء الأقوام قد یخفى أمرهم على المسلم العادیّ غیر المتبصّر بحقّ هؤلاء المبتدعة، وبقلیل من البحث ونور والبصیرة سیکتشف النّاس أنَّ عقول هؤلاء القوم ما زالت تعمل خارج الإطار السَّلفی، وأنها خرجت من البدعة مع بدعتها، ولکنَّ غلبةَ الأمّیة على أمّتِنا منَعت الکثیر من البشر من اکتشافهم.
نعم علینا أن ندرک ونفهم أنّه ما زال أبو الحسن الأشعری متکلماً.[ مقالات بین منهجین ۶۷ ]

” …الدّین إذاً عند هؤلاء هو أحد العوامل التی تستخدم لتحقیق الهدف الدّنیویّ، لا أنّ الدّین بنفسه هو الهدف، وهو شبیه برفع الدّولة السّعودیّة المرتدّة شعار لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، ورفع صدّام البعثیّ شعار «الله أکبر»، وغیرها من الأمثلة، فالدّین عندهم وسیلة لا غایة لتحقیق العبودیّة لربّ العباد وهی غایة الغایات بالنّسبة للمسلم الصّادق، ولذلک مصلحة الدّین تقدّم على أیّ مصلحة، وضرورة الدّین لا تعادلها ضرورة، فالنّفوس تموت من أجل الدّین، والأموال تنفق لرفعة الدّین، وکلّ المصالح تنهار فی سبیل تحقیق إقامة الدّین وإعلائه.”[مقالات بین منهجین ۷۵ ]

“.. ها قد وقع المحذور وصارت السّلفیّة عمالة لآل سعود الخبثاء، ومقدّمة هذه العمالة أنّ هؤلاء القوم السّلفیین اعتقدوا بصحّة إمامة آل سعود على جزیرة العرب، بل بعضهم ذهب فی ضلاله وغیّه حیث لم یعتقد بإمامتهم فقط بل صار الحدیث یدور حول معتقد الملک الملعون فهد بن عبد العزیز هل هو على عقیدة السّلف أم أنّه لیس سلفیّاً، بل صار الحدیث یقترب بل دخل فی تحدید من هی الطّائفة المنصورة وهل آل سعود هم الطّائفة المنصورة أم لا؟، بمثل هذه المقدّمات الغریبة والعجیبة وصل الأمر إلى أن دخلت هذه الطّائفة باسم السّلفیّة والتی تعتقد إمامة ومشیخة ربیع المدخلی إلى حیّز العمالة المکشوفة والمفضوحة لآل سعود الملاعین، الحاکمین بغیر شریعة الرحمن، الموالین لأعداء الملّة والدّین، المحاربین لله ولرسوله صلى الله علیه وسلّم وللمؤمنین.
من أین لنا هذا الحکم؟.
فی رسالة عنونها أصحابها باسم «التّنظیم السرِّی العالمی بین التّخطیط والتطبیق فی المملکة العربیّة السعودیّة حقائق ووثائق» قام مجموعة من السّلفیین الخبثاء أطلقوا على أنفسهم اسم «سلفیّوا أهل الولاء»، أی الولاء للنّظام السّعودی بتألیف رسالة أمنیّة فکریّة، وجّهوها إلى وزیر داخلیّة النّظام السّعودی نایف بن عبد العزیز، بذلوا فیها کما یقولون: وقتاً طویلاً، وجهداً کبیراً، وحمدوا الله تعالى أن ذلّل لهم الصّعاب، ویسّر لهم المحافظة على سرّیّتها حتّى صارت بین یدی وزیر الدّاخلیّة الکریمة وشکروا فیها شیوخهم الذین أمدّوهم بمعلومات قیّمة، وتوجیهات سدیدة کانوا فی أمسّ الحاجة إلیها، وصوّبوا لهم بعض ما کتبوا، “فجزاهم الله عنّی وعن المسلمین الذین انتفعوا به، وعن فهم السّلف الصّالح الذی ینشره أینما حلّ وولاءه القویّ ودفاعه عن هذه الحکومة السنیّة خیر الجزاء وأمدّ فی عمره، کما أشکر ولاة أمورنا حفظهم الله الذین یحبّون النّاصحین المخلصین ویشجّعونهم على التعاون المثمر البناء معهم، ویفتحون لهم صدورهم قبل أبوابهم، ویهتمّون بکلّ ما یصل إلیهم من نصائح اهتماماً شخصیاً، وهذا ممّا حفزنی ودفعنی على کتابة هذه المذکّرة وطرح هذا الموضوع بکلّ صراحة وواقعیّة، وآمل أن تکون قد حازت على رضاهم واستحسانهم، وأقول بیقین: إنّه لولا حلمکم یا ولاة أمرنا لما صارحتکم بهذه المذکّرة، ولولا خفض جناحکم للمؤمنین وترحیبکم بنصح النّاصحین لما تشجّعت فی إعدادها وجمعها، ولولا واجب النّصیحة لکم وما یفرضه ولائی الخالص لکم لما حرصت على إیصالها لکم مناولة وتخصیصکم بها، فاقبلوها غیر مأمورین، فأنتم أهل الأمر ممن أسدیتم له ولأسرته معروفاً لا یجازیکم علیه إلاّ الرحمن، وادرسوا مقترحاتها وأنتم أعرف ما تختارونه منها، ثمّ لی رجاء آخر – والرّجاء عند أهل الفضل والکرم مأمول التّحقق – أن لا تؤاخذوننی فی شططٍ أو خللٍ وقفتم علیه، فذلک من طبیعة البشر وهو فی نفسی أکثر. أدام الله عزّکم ومجدکم بخدمتکم للإسلام والمسلمین، وتحکیمکم لشرع الله المبین، رغم أنف الجاحدین والمغرضین والحاقدین والأعداء المتربّصین”.
بهذه الکلمات المفعمة عبودیّة لآل سعود اختتم سلفیّوا أهل الولاء مذکّرتهم المخابراتیّة. فماذا تقول المذکّرة:
المذکّرة تحذّر ولاة الأمر – آل سعود – من وجود تنظیم سرّی إسلامیّ یسعى لإقامة الدّولة الإسلامیّة. تقول المذکّرة: “وهذا التّنظیم له ظاهر وباطن، فظاهر هذا التّنظیم الذی یراه کلّ ناظر هو: الدّعوة إلى الله تحت شعار أهل السنّة والجماعة والأمر بالمعروف والنّهی عن المنکر… وباطن التّنظیم: تخطیطٌ رهیب، وإعداد دقیق، وتطبیق تدریجیّ مرحلیّ، واستقطاب یشمل جمیع طبقات المجتمع وتغلغل لجمیع المیادین وأنواع النّشاط، وتواجداً فی أجهزة الدّولة ومرافقها. واحتلال مراکز الثّقل فیها، کلّ ذلک بغیة الوصول إلى الحکم لإقامة الدّولة الإسلامیّة التی ینشدونها”.
ویتابع صاحب البحث الأمنیّ قوله: “إنّ ما ذکرته من مطابقة الواقع لکثیر ممّا خطّط له التّنظیم السرّی العالمی منذ أکثر من أربعة عشر سنة، هو غیض من فیض وقلیل من کثیر، وهو ما أدرکته بنفسی شخصیّا، أو ما سمعته من أهل الولاء فی المدینة النّبویّة أو من طلبة العلم السّلفیین أهل الولاء، وما أدرکه غیری – من المختصّین – مما أشرت إلیهم أکثر بکثیر”.
فالمذکّرة تقریر مخابراتیّ واضح، صحیح أنّ فیه بعض الأغلاط الفاحشة حیث خلط فیه مجموعة من الدّعاة والمفکّرین وجعلهم فی تنظیم واحد بصورة هزلیّة جعلت التّقریر أقرب إلى التّقاریر الصّحفیّة التی تقوم بها المجلاّت الخبیثة، لکن ما یهمّنا هو هذا النّفس الخطیر الذی بدأ یستحکم فی نفوس هؤلاء الشّباب السّلفیین حیث وصل بهم إلى هذا الأمر الخطیر، وهو الاشتغال عیوناً على المسلمین فی مصلحة الطّاغوت السّعودیّ الخبیث.
أمّا کیف یتصوّر صاحب المذکّرة (التقریر) التّنظیم ورجاله؟ فهو قد دارت به سکرته حیث جعل المقوّم الفکریّ لهذا التّنظیم قائماً على سلسلة إحیاء فقه الدّعوة لمحمّد أحمد راشد (اسمه الحقیقی عبد المنعم صالح العلی) وأنا لا أستبعد أن یکون اعتقال عبد المنعم صالح العلی فی الإمارات من نتائج هذا التّقریر. ومن الکتب کذلک کتاب «أولویّات الحرکة الإسلامیّة فی المرحلة القادمة» لیوسف القرضاوی، وکتاب «الإخوان المسلمون أحداث صنعت التّاریخ» لمحمود عبد الحلیم، ویجعل من رجال التّنظیم فی الجزیرة: الشیخ سفر الحوالی والشّیخ سلمان العودة وأحمد عبد المجید، والدّکتور علی جریشة، ومحمّد قطب ومحمّد سرور، وعلی القرنی، وبشر البشر، وعایض القرنی، وناصر العمر، ومانع بن حمّاد الجهنی، وسعد الفقیه، ومحمّد المسعری، وهو یحرّض الدولة فی تشدید الإجراءات ضدّ أعضاء التنظیم ویمدح بعض الأفاعیل المخزیة، یقول: “إنّ هذا التّخطیط فی غایة الخطورة، ولا بد من وضع حدٍّ لهذا الحیاد والاحتواء الذی أضعف مکانة العلماء، وأضرّ بعامّة النّاس والشّباب، ولو تکرر ذلک الموقف الإیجابی الذی صدر مؤخّراً من هیئة کبار العلماء نحو سلمان العودة وسفر الحوالی مع غیرهما ممن یسیرون على منهجهما الحزبیّ وبوضوح أکثر لکان فی ذلک خیر کبیر”، ویجعل التّقریر أساس فکرة التّنظیم هو فکر ومنهج سیّد قطب رحمه الله تعالى فیقول: “لذلک فإنّ أنفع وسائل المعالجة وأقواها هی نقد فکر ومنهج سیّد قطب الذی نشره فی کتبه المختلفة التی لا تزال للأسف تصدر فی بلادنا حتى الیوم، وبیان ضلالاته وانحرافاته وحیده عن العقیدة الصّحیحة والمنهج السّلفی، حیث یتنبّه إلى خطورتها کلّ من حملها وتبنّاها عن جهل منه أو غفلة أو إغراء، ولیعلم أن نقد فکر ومنهج سید قطب هو فی الحقیقة نقد لفکر ومنهج التّنظیم السرّی الذی تأسّس علیه، فینبغی أن یرکز على هذا الأمر غایة التّرکیز، تألیفاً وتسجیلاً ونشراً بکلّ الوسائل الممکنة، ومن هذا الباب تألیفات فضیلة الشیخ الأستاذ الدکتور: ربیع بن هادی المدخلی، التی خصّصها فی نقد فکر ومنهج سیّد قطب وأیّده علیها جمٌّ غفیر من العلماء الکبار وغیرهم وأثنوا على ما کتبه فی ذلک. وفی نشرها وتوزیعها نفعٌ عظیمٌ، لأنها ستساهم بإذن الله على الحفاظ على جیل هذه البلاد المستهدف من الحزبیین السّیاسیین لیصلوا عن طریقه إلى الحکم وستکون سبباً هامّاً بمشیئة الله لإعادة الکثیرین منهم المتأثّرین بهذا المنهج والفکر أو شیء منهم إلى المنهج الأصیل الذی علیه علماؤهم ودولتهم، فیجب دعمها مادّیاً، وتوزیعها على نطاق واسع وتذلیل کل ما یعترضها من معوّقات سواء فی نسخها أو طباعتها أو نشرها، لأنّها صارت تحارب من أتباع هذا التّنظیم بکافّة الوسائل، وقد نجحوا فی ذلک إلى حدٍّ ما”.
ویبدأ صاحب التّقریر بکشف وسائل الحزب السرّی الخطیر (حسب عقلیّته) فی الوصول إلى أهدافهم:
۱ – توظیف المحاریب والمنابر، ونصب المجالس فی المساجد، وعقد النّدوات والمحاضرات الأسبوعیّة والشّهریّة، “وفی المقابل (حسب قوله) لا یستدعون ولا یطلبون من أحد من المشایخ، خصوصاً مشایخ المدینة النّبویّة، وطلبة العلم السّلفیین أهل الولاء لإلقاء محاضرة أو المشارکة فی ندوة، بل إنّهم یمتنعون عن ذلک صراحة، أو یعتذرون عنه بکافّة الوسائل، وما یقوم به مرکز الدّعوة فی المدینة منذ عام ۱۴۱۲هـ من عدم تعاونه مع مشایخها أو إعلان محاضراتهم أوضح دلیل على ذلک، ومن ذلک أیضاً ما قام به مرکز الدّعوة فی الرّیاض من محاولته منع فضیلة الشّیخ فالح الحربی من إلقاء محاضرة «أما إنّها النّصیحة» فی أحد جوامع الریاض. والأخرى فی مدینة المجمعة، إلى أن تدخّل سماحة الشّیخ عبد العزیز بن باز فأمر المرکز بإعلان المحاضرة والموافقة على إعلان الثّانیة”.
۲ – إنشاء مراکز البحوث، والتّغلغل فی المؤسّسات العلمیّة والسّلک القضائی، یقول: “تمکّنت مجموعة من القضاة ممّن یحملون هذا المنهج الحزبیّ أو من المتأثّرین به من الوصول إلى مناصب مختلفة، ومنهم من استغل سلطة القضاء لتحقیق بعض الأهداف الحزبیّة، مثل ما فعله أحد القضاة فی المدینة النّبویة من تهدید صاحب تسجیلات طیبة بدعوى نشره أشرطة تسبب الخلاف وتدعوا الفرقة، وسمى له بعض الأشرطة التی منها ردود الشّیخ محمّد بن هادی المدخلی على الدّکتور سفر الحوالی أثناء أزمة الخلیج وهدّده بإغلاق المحل”.
۳ – استغلال مکتبات المساجد والأنشطة الشبابیّة من مراکز صیفیّة ومعسکرات وفرق الکشافة والجوالات والـدّخول فی هیئات الأمر بالمعروف والنّهی عن المنکر، یقول صاحب المفکّرة (التقریر): “وفی مجال هیئات الأمر بالأمر بالمعروف والنّهی عن المنکر:- تمکّنوا من الوصول إلى المناصب العلیا والحسّاسة، ولا یختارون لرئاسة الفروع والمراکز والأقسام المختلفة – غالباً – إلاّ من کان على وفق منهج الصّحوة ولا یخالفها ولا یتکلّم فی دعوتها وکلّ من ظهر منه خلاف ذلک أو ظهرت سلفیّته وولاءه للحکومة فإنّه سیزاح عن منصبه فی أقرب وقت، أو لا تتم ترقیته، والأمثلة على ذلک کثیرة، منها ما حصل مع رئیس مرکز الأرطاویة، حیث کان مرشّحاً لترقیته على مرتبة شاغرة فی المرکز نفسه، ولکن صرفوا النّظر عن ذلک بعد مناقشة حصلت بینه وبین نائب الرّئیس العام للشئون الإداریّة والمالیّة یستنکر علیه فیها ما نقل إلیه من کلامه فی قادة الصّحوة وأنّه یحذّرهم، بل وأشار إلیه عن طریق التّلمیح من استیائه عن إرکابه بعض المشایخ – وهو الشّیخ فالح الحربی – فی سیارة المرکز ولدى هذا الأوّل معلومات هامّة عن بعض ما یجری فی الرّئاسة ممّا یخدم الحزبیین”.
۴ – غزو السّاحة بتسجیلاتهم الإسلامیّة التی تجاوزت (۲۵۰) محلاًّ فی مختلف مناطق المملکة، یقول: “والتی لا تنشر إلاّ أشرطة الدّعاة الحزبیین من الذین منعوا أو من الذین ظهروا مؤخَّراً، ولا یقبلون نشر شریط واحد من أشرطة مشایخ المدینة… هذا غیر احتوائهم لبعض الموظّفین فی وزارة الإعلام وبعض فروعها ممّا سهّل فسوحات الأشرطة، مع أنّ بعضها یحتوی على أمور خطیرة تمسّ الدّین والدّولة مثل أشرطة سلمـان العودة الأخیرة کصانعوا الخیام وغیرها، وفی المقابل تمنع أو تتأخّر فسوحات الأشرطة التی تقدَّم من قبل بعض التّسجیلات السّلفیّة لأهل الولاء مثل تسجیلات طیبة الإسلامیّة فی المدینة النّبویّة عن طریق فرع الوزارة”. وهو یکشف عن تعاون سلفیی أهل الولاء على أشده فی کشف هذا التّنظیم یقول: “إنّ الحدیث عن الاستثمار الحزبی لهذه الأشرطة حدیث ذو شجون، وذلک لشدّة صلتی به ومعایشتی له، ولکن أحمد الله أن وفّقنی بمشارکة اثنین من أهل الولاء على وضع دراسة واقعیّة ومیدانیّة وموثّقة بالأدلّة عن استغلال الحزبیین لهذه الوسیلة الهامّة جداً (الشّریط) ثمّ اقتراح الحلول المناسبة لها والمؤیّدة بالواقع، وقد وفّقنا الله فی إیصالها إلى صاحب السمو الملکیّ نائب وزیر الدّاخلیّة حفظه الله منتصف عام ۱۴۱۴هـ لذلک فإنی أحیل معرفة مدى استغلال الحزبیین لهذه الوسیلة الهامّة إلى تلک المذکّرة”.
۵ – الاهتمام بالمرأة وتثقیفها: یقول التّقریر المخابراتی: “ولا یفوتنی أن أنبّه هنا إلى أمر خطیر، وهو أن مرکز الدّعوة والإرشاد فی المدینة النّبویّة بدأ منذ عام ۱۴۱۲هـ وإلى الیوم بإعلان محاضرات خاصّة بالنّساء، وعامّة من یلقیها الشّباب الحزبی، مقابل تحایله على مشایخ المدینة فی عدم قبول أو إعلان محاضراتهم وسلوک کافّة وسائل التّبریرات فی ذلک”.
ویتابع التّقریر کشفه للتنظیم المتخیّل فیربط عامة المراکز فی العالم بهذا التّنظیم فهو یرى أنّ المنتدى فی بریطانیا، وفرعه الملتقى فی أمریکا، والمعهد العالمی للفکر الإسلامیّ فی أمریکا برئاسة الدّکتور عبد الحمید أبو سلیمان والدّکتور طه جابر العلوانی، ومرکز بحوث تطبیق الشّریعة الإسلامیة فی باکستان برئاسة الدّکتور صلاح الصّاوی، والنّدوة العالمیّة للشباب الإسلامی، ولجنة الدّفاع عن الحقوق الشّرعیّة فی الجزیرة هی من فروع هذا التّنظیم، ویربط بالتّنظیم بعض مؤسّسات النّشر مثل دار المنطلق فی الإمارات ودار الأرقم فی الکویت ودار الشروق فی مصر ولبنان ومؤسسة الرسالة فی لبنان، فیجعلها کلّها تابعة لهذا التنظیم. وهو یشید ویمدح إجراءات بعض الدّول فی منعها النّشاطات الإسلامیّة، یقول: “وأحب أن أشیر هنا إلى الإجراء الذی اتخذته الحکومة المصریّة مؤخّراً بشأن حظر تداول الکتب التی ثبتت مخالفتها لتعالیم الإسلام الصّحیحة وتکوین لجنة بمشارکة الأزهر تتولّى دراسة الکتب المطروحة فی الأسواق المصریّة، وإصدار منع لکلِّ کتاب فیه محاولة لتشویه صورة الإسلام… فإنّ حکومتنا المبارکة هی أولى باتّخاذ مثل هذا القرار”.
ثمّ ینتهی التّقریر بنصائحه وإرشاداته فی طرق معالجة هذا التنظیم وأهمّها: انتقاد الکتب الحرکیّة واعتماد کتب المدخلیین، فی هذا الباب یقول: “وهذه الطریقة هی التی وفق الله إلیها فضیلة الشّیخ الدّکتور الأستاذ ربیع بن هادی المدخلی فی مجموعة من مؤلّفاته القدیمة والحدیثة، فمن القدیمة رده على محمّد الغزالی وعلى عبد الفتّاح أبو غدّة، ومن مؤلّفاته الجدیدة: ردوده المرکّزة على سیّد قطب: «أضواء إسلامیّة على عقیدة سیّد قطب وفکره» و «مطاعن سید قطب فی أصحاب رسول الله صلى الله علیه وسلّم» و «الحدّ الفاصل بین الحقّ والباطل» و« حوار مع الشّیخ بکر أبی زید» و «العواصم مما فی کتب سید قطب من القواصم»”.
ویدعو إلى الاهتمام بالأشرطة فی الردود على الحزبیین ویزعم فیقول مادحـًا المدخلی وأمان الجامی وجماعتهما: “وأشرطتهم المسجلة فی ذلک وما حققته من نفع عظیم کبیر للمجتمع لیس بخافیة علیکم، ومن أهم هذه المحاضرات المسجلة: «فاعتبروا یا أولی الأبصار» و«یا أهل هذا البلد إیّاکم وکفر المنعمین» وغیرها لفضیلة الشیخ فالح بن نافع الحربی، و«لسنا مغفّلین ولکن کنّا نتغافل»، و«البراءة إلى الله ممّا جاء فی شریط ففرّوا إلى الله»، و«لقاء مفتوح» و«کشف وثائق» وغیرها للشیخ محمد بن هادی المدخلی، و«رسالة إلى الأخ سفر الحوالی» وغیرها لفضیلة الشّیخ الدّکتور محمّد أمان الجامی، إلى غیر ذلک من الأشرطة والمحاضرات الرائعة والهامّة التی أبرزتها إلى الوجود بتسجیلها ونشرها تسجیلات طیبة بالمدینة النبویّة التی تستحقّ کلَّ دعم وتشجیع لهمّتها القویّة بمفردها أثناء أزمة الخـلیج وإلى الیوم، وکذلک من خلال الکتابة والتّألیف لمن یتیسر له ذلک منهم مثل کتاب الشیـخ ربیع المدخلی «منهج أهل السنّة والجماعة فی نقد الکتب والرّجال والطّوائف»، وکتابه الآخر «أهل الحدیث هم الطائفة المنصورة والفرقة النّاجیة»، «حوار مع سلمان بن فهد العودة»، والکتاب الجـامع فی هذا الباب الذی یقوم بإعداده وإخراجه فضیلة الشیخ فالح بن نافع الحربی بعنوان «لغة الحوار فی المنهج والأفکار مع سلمان العودة وسفر الحوالی» والذی یتضمّن جلّ أقوالهم المسجّلة والمکتوبة والمخالفة لمنهج السّلف الصّالح مع الردّ علیها وتقریر منهج السلف الصّالح فیها، کذلک کتاب: «حقیقة الدّعوة إلى الله تعالى وما اختصّت به جزیرة العرب وتقویم مناهج الدّعوات الإسلامیّة الوافدة إلیها» (تحقیق وإخراج الشّیـخ فالح الحربی)”، ویخلص إلى القول التالی: “أن یتمّ إشعار ولاة الأمر والمسئولین من أهل الولاء الخالص بضرورة مخاطبة وزارة الدّاخلیّة قبل ترشیح أو تعیین أو ترقیة أو توظیف أیّ أحد فی مراکز حسّاسة، وسؤاله عن حاله وحقیقة أمره وولائه ومدى نفعه وصلاحه” ویحثّ بقوّة على ربط الجهاز الأمنی فی الدّولة مع مشایخ أهل الولاء من السّلفیین الخلّص وعلى الخصوص منهم أهـل المدینة النبویة لما لهم من السّابقة التی لا تخفى على أحد” (حسب لفظه). بهذا ینتهی عرض التقریر السلفیّ المخابراتیّ لیسلّم بالید إلى وزیر الداخلیّة لأعظم دولة إسلامیّة فی التّاریخ البطل المغوار، الشّهم الأشمّ، والولیّ العارف والمحدّث النّاقد فضیلة الإمام الأکبر نایف بن عبد العزیز، وتحیا سلفیّة أهل الولاء، ولی إخوانی بعض النّقاط المهمّة على هذا التّقریر أوجزها لهم:
أولاً: إنّ ما یقوم به هؤلاء العملاء هو نتیجة سننیّة لمن یقول بإمامة آل سعود، أو بغیرهم من الأئمّة الکفرة المرتدّین، فهذا تقریر سعودیّ، وله أمثلة کثیرة لجزائریین ولیبیین وأردنیین ومصریین وسوریین، فإنّه لو اعتقد الرجل صحّة ولاء هؤلاء الحکّام فلن یستنکف أن یکون عیناً لهم على المسلمین، ولن یشعر بالإثم والنّدم، ولهذا ینبغی الحذر من هذا النّوع من الأفکار.
ثانیاً: لقد استطاعت الحکومة الطّاغوتیّة السّعودیّة أن تجنّد الکثیر من المشایخ السّلفیین فی العالم عملاء لها، یکتبون لها التّقاریر الأمنیّة عن نشاط الحرکات الإسلامیّة، وهذه کذلک نتیجة سننیّة، فإنّ السّلفیّ الذی یعتقد بإمامة عبد العزیز بن باز ومحمّد بن صالح العثیمین واللحیدان والفوزان وربیع المدخلی کائناً من کان هذا السّلفیّ ومن أیّ بلدٍ کان، فإنّه سیعتقد فی النّهایة بإمامة آل سعود، لأنّ مشایخه هؤلاء یدینون بالولاء والطّاعة لآل سعود، فإمام شیخی إمامی، وإمام ابن باز هو إمام السّلفیین، ولذلک ففهد بن عبد العزیز هو إمام السّلفیین فی العالم أجمع لأنّه هو الإمام الرّسمیّ والشّرعیّ لمشایخ السّلفیّة الجدیدة، ومن ثمّ علینا أن لا نستغرب من وجود طلبة علم سلفیّین من الجزائر ومن لیبیا ومن الأردن ومن مصر ومن سوریّا ومن الهند وباکستان وغیرها من الدول عملاء لآل سعود عملاً بالقاعدة المتقدّمة.
ثالثاً: إنّ هناک فارقاً بین طالب العلم المخالف وبین العمیل المرتزق، وقد أصبح هؤلاء السّلفیّون عملاء مرتزقة. على أساس هذه النّظرة علینا أن نناقشهم ونناظرهم لا على أساس الاختلاف فی وجهات النّظر، واختلاف المنهج، وعلینا أن نستحضر هذا الفارق فی النّقاش والمناظرة وهو مهمٌّ جدّاً، فهذا النّوع من السّلفیین علینا أن نضعهم فی صفّ العملاء المرتزقین لهم ما لهم وعلیهم ما علیهم من غیر جمجمة ولا تقیة.
رابعاً: إنّ ما نقوله هو حقیقة وواقع، فإنّ الکثیر من الأعمال والحرکات قد تمّ کشف أمرها وفضح سرّیتها عن طریق هؤلاء العملاء السلفییّن، والأمثلة فی الجراب کثیرة، ومنها هذا التّقریر مع وجود غیره، فإنّ بین یدیّ تقریر أمنیّ آخر للشیخ الدکتور أمان الجامی شیخ السّلفیین رفعه إلى سلطان بن عبد العزیز ومنه إلى ولیّ أمر السلفیین فهد بن عبد العزیز أکبر شهادة على هذا.
فالحذر الحذر من هذه السّلفیّة الخبیثة، ونحن لم نستطع فی هذه الورقات أن نکشف بالأسماء هؤلاء العملاء، سواء کانوا أشخاصاً أم جمعیّات، ولکن لن یعدم الأخ من وجود أمارات ودلائل لمعرفة هذه التّجمّعات والشّخصیّات.
فلقد کانت الدّولة السّعودیّة محطّة من محطّات إجهاض هذا الاسم، وتغییره وتزویره حتّى صار الانتساب لهذا الاسم سبّة فی وجه الرّجل وفی جبینه، فبمجرّد أن تقول أنا سلفیّ، حتّى یستقرّ فی ذهن المقابل أنّک رجل تابع للنّظام السّعودیّ المرتدّ، والحقّ أنّ هذا النّظام (أی السّعودیّ) هو من أکفر ما عرفت البشریّة من أنظمة، وسبب ذلک أنّه عاد على الحقّ بالتّزویر والإبطال، والنّاس لهم فی هذا الرّبط بین السّلفیّة والنّظام السّعودیّ، أدلّة وأدلّة فیها الکثیر من الحقّ، وما الوثیقة المخابراتیّة التی عرضتها فی الحصّة الفائتة إلاّ دلیل واحد من مئات الأدلّة الحاضرة فی الأذهان.
وسبب فتنة هذه الدّولة لیس بسبب حقٍّ فیها، أو نظافة اسمها، فالکلّ یعلم ما علیه هذه الدّولة من الکفر والعصیان، والکلّ یعلم ما علیه حکّامها من الدّناءة والفجور، ولکنّ سبب هذه الفتنة هو هذا الکمّ من المشایخ الذین دخلوا فی نصرتها وتأییدها، وطالب العلم الخارج من حمأة التّقلید، وضلال الصّوفیّة لا بدّ له أن یلتحق بالمنهج السّلفیّ، لما یرى من قوّة أدلّته ونصاعة منهجه، ولکن عندما یرید أن یبحث عن مشایخ هذا المنهج المعلنین، فإنّه سیصطدم بهذه الرّموز النّکرة، والخشب المسنّدة الذین صنعتهم الدّولة على عینها، ورفعت أسماءهم فی کلّ مکان لیصطدم بهم المرء أنّى توجّه، فیضطرب أمره وتبدأ الأسئلة تدور فی ذهنه عن حقیقة ما یرى ودعوى ما یسمع، فإمّا أن یلقی عقله ویقلّد هؤلاء المشایخ، وإمّا أن یبقى حائراً یقدّم رِجلاً ویؤخّر أخرى، وإمّا أن یهدی الله قلبه ویتوکّل على الله ویعلنها صریحة: کفرت بکلّ هذا الدّین المزوّر، وکفرت بهذه الخشب المسنّدة وآمنت بالله العظیم، والتحَق بالأمر الأوّل قبل تحریفه وتزویره والحمد لله ربّ العالمین.”[ مقالات بین منهجین۷۶ ]

“… وقومٌ آخرون زعموا التّمسّک بالسنّة وبفهم السّلف الصّالح، وأخرجوا النّاس من تقلید الأوائل ولکنّهم لم یبرؤوا من جرثومة التّقلید فأخرجوا النّاس من تقلید الشّافعیّ إلى تقلید ابن باز ومن تقلید مالک إلى تقلید ابن عثیمین ومن تقلید أحمد إلى تقلید الألبانیّ، تحاوِرُ الرّجل منهم السّاعة والسّاعتین وترمی بوجهه الدّلیل تلو الدّلیل فلا یجد فی قلبه من الشّرّ إلاّ أن یقول لک: ولکنّ الألبانیّ یقول بغیر ذلک!!، ولکنّ ابن باز لم یقل هذا!!، هل قال بهذا ابن عثیمین وابن باز والألبانیّ؟، من قال بهذا؟ ولو قلت له قال الأئمّة العظام لتعارض هذا القول فی نفسه فیما یقول هؤلاء الذین اتّخذهم آلهة من دون الله، لا یقول إلاّ ما یقولون، ولا یدین إلاّ بمذهبهم، وکأنّهم أنبیاءُ هذا الزّمان، وکان من مقت الله تعالى لهؤلاء القوم أن مسخ الله قلوبهم وعقولهم حیث جعلوا الإمامة (وهی أعلى المراتب وأشرفها فی هذه الدّنیا) من حقّ من مسخ الله قلبه وأتى المکفّرات العظیمة کآل سعود والملک حسین والقذّافی وصدّام وآل صباح، فانتسابهم للسّلف لم یعلّمهم التّوحید الذی یوجب علیهم البراءة من کلّ طواغیت الأرض، وإنّی لأعلم عالماً (سلفیّاً!!) اسمه یطرَّز على کتب الحدیث تحقیقاً وتخریجاً ومع ذلک هو فی حزب علمانیّ من أهل بلده، ولا یرى الحرج فی ذلک فأیّ قوم هؤلاء؟! وأیّ سنّة صحیحة ینتسبون إلیها؟!!.
هذا حال المتدینین فی هذا الزّمان، وأهل السنّة والحدیث کالملح فی الطّعام؟ غرباء بین أهل الإسلام، ولو لا أنّ الله برحمته یرطب قلوبهم بالإخلاص وذکر الآخرة لضاقت بهم الحیاة وانفطرت قلوبهم حزناً وغمّاً.
إن حدّثوا النّاس بالسنّة والعمل قال أهل النّفاق: هؤلاء أهل القشور.
وإن حدّثوا النّاس بکفر الحاکمین بغیر ما أنزل الله وطوائفهم قال أهل النّفاق: هؤلاء خوارج.
وإن حدّثوا النّاس بالجهاد فی سبیل الله ضدّ المرتدّین قال أهل النّفاق: هؤلاء متسرّعون لا یفقهون فی السّیاسة.
وإن حدثوا النّاس بکفر الدّیمقراطیّة وکفر العمل البرلمانیّ التّشریعیّ قال أهل النّفاق: هؤلاء غلاة.
وإن حدّثوا النّاس بوجوب تجرید الاتباع ونبذ الأغیار قالوا: هؤلاء متکلّسون.
فأیّ نصر یرجونه من الله؟!! وأیّ تأیید إلهیّ سیقع علیهم؟!!.
لقد جاءت الفرص الکثیرة والکبیرة جدّاً لتحقیق أمانی المسلمین بوجود دولة لهم ترعاهم، وبیضة تمنعهم وتحمیهم، وملاذاً یؤوبون إلیه، ولکن خیّب الله ظنونهم، وفلتت هذه الفرص من أیدیهم لأنّهم لا یستحقّونها، ولِعلم الله تعالى أنّهم أدنى من أن یقع علیهم المنُّ الإلهیّ بالفوز والظّفر. وإنّی لأعتقد أنّ الله قد خبأ هذا الخیر – دولة الإسلام – لمن یستحقّه من أهل التّوحید والسنّة والجهاد، وإن جاز لنا أن نحمد هؤلاء القوم على عدم توفیقهم لحمدناهم، ولکن لا یُحمد المرء على جهله، فإنّهم لو وُفّقوا لدولة لهم یحکمونها لساموا أهل السنّة والحدیث والجهاد سوء العذاب.
فلو أنّ الإخوان المسلمین حکموا دولة من الدّول، ثمّ جاء الخمینیّ بدولته الرّافضیّة اللعینة فماذا سیصنع هؤلاء المبتدعة؟.
لقد علمنا صنیعهم، ورأیناهم وهم یتراکضون علیه یؤممونه ویسیّدونه …، حتّى قال قائلهم وهو یخطب فی جمع من الغثاء بعد أن عاد من إیران الرّافضیّة وتنعّم بالسّلام على الید «المبارکة»، ید الإمام الشّیعیّ آیة الله الخمینی، قال: لقد رأیت فی وجهه صورة عمر بن الخطّاب رضی الله عنه، فلو أنّ مثل هؤلاء القوم حکموا بلاد المسلمین فماذا ستکون النّتیجة؟، النّتیجة أنّهم سیسلّمون رقابنا إلى إمامهم الأکبر وسیّدهم الأعظم الخمینیّ فیفعل بأهل السنّة الأعاجیب، کما صنع أستاذه وسیده ابن العـلقمیّ نصیر الدّین الطّوسی فی أهل بغداد عندما فتح بغداد لهولاکو فاستباح دماء النّاس وأعراضهم حتّى قَتل أکثر من ملیون شخص.
ولو أنّ سلفیّة أهل الولاء لآل سعود قبضوا على زمام الحکم فی بلد من البلاد لسارعوا إلى مبایعة آل سعود لاعتقادهم بإمامتهم، وحینها على الإسلام السّلام.
إنّنی أعتقد أنّ الفضل الإلهیّ بدولة الإسلام النّاصعة، القائمة على التّوحید الصّافی والاتّباع المجرّد لله لن یصیب – إن شاء الله تعالى – إلاّ أهله، ولکن بشرط (وشرط أکید) أن لا یضعفوا، ولا یتنازلوا عن شیء من السنّة والدّین مقابل مصالح موهومة، أو من أجل همّ التّجمیع والتّکثیر، أو بسبب طول الطّریق وکثرة المعوّقات.
نعم یا أهل التّوحید والجهاد لقد ضاقت بکم السّبل وقلّ النّاصر وکثر الخصوم فلا تغفلوا عن باب الله المفتوح لکم فی کلّ حین، وهو أوسع الأبواب وأرحمها وأرحبها.
نعم یا أهل الحقّ لم نصل بعد إلى أن نُنشَر بالمناشیر، ولم نصل إلى أن نقول بل نصرخ: متى نصر الله؟!!.
نعم یا أهل التّوحید والجهاد أئمّتنا یسجنون ویقتلون ویقتنصون لکنّها ضریبة الطّریق، وحتمیّة السنن.
نعم یا أهل التّوحید والجهاد شیخکم عمر عبد الرّحمن یسجن ویقیّد، وأصحاب العمائم النّخرة یلهون ویلعبون ویتحدّثون أمام الطّواغیت عن فضائلهم التی لم تکتشفها الشّعوب إلى الآن.
نعم یا أهل التّوحید والجهاد لقد رماکم النّاس عن قوس واحدة، وتکالبت علیکم قوى الشّرق والغرب، وتبرّأ منکم أهل البدعة والفرقة والشّقاق، لکنّها إرهاصات النّصر إن شاء الله تعالى.
فإیّاکم والوهن والتّبدیل والتّغییر، وإیّاکم ثمّ إیّاکم أن یأتیکم الموت وقد بدّلتم وغیّرتم.
ألیس من سننیّة النّصر أن یفترق النّاس إلى فریقین، وینقسم النّاس إلى معسکرین: معسکر إیمان لا نفاق فیه ومعسکر کفر لا إیمان فیه؟ فکیف یحصل هذا بدون محنة وبلاء وعذاب ومشقّة؟ لکن اعلموا أنّ أهل البدعة والضّلالة وإن ملکوا الأموال والمناصب، وإن سارت بأسمائهم الرّکبان، وإن فتحت لهم السّدود والحدود فإنّ ذلّ المعصیة والبدعة مضروب على جباههم، معلّق على صدورهم، فها هو الطّاغوت یتلعّب بهم، ویلهو الشّیطان لهم، ویدحرجهم کما تدحرج الکرة، فکفى بذلک لک عبرة، فإیّاک أن تمرّ بک الآیات دون نظرٍ وعبرة:
{إنّ فی خَلق السَّماوات والأَرض واخْتِلاف اللیْل والنَّهار لآیاتٍ لأولی الألباب * الذین یذکرون الله قِیاماً وقُعوداً وعَلى جُنوبِهم ویتفکَّرون فی خلق السَّماواتِ والأرْضِ، ربَّنا ما خَلقْتَ هَذَا باطِلاً سبحانَکَ فَقِنا عذَابَ النَّار}[ آل عمران/۱۹۱].
واحذروا من زمزمة القرّاء، وکثرة المتشدّقین، قال صلى الله علیه وسلم: ((أکثر منافقی أمّتی قراؤها))، وعلیک بالسنّة والأثر والرّجوع إلى فهم السّلف ومنهجهم فهُم أعلم النّاس بدین الله تعالى.
[ مقالات بین منهجین ۸۲ ]

الشیخ أبو بصیر الطرطوسی
سؤال وجواب
عن حکم النظام السعودی

السؤال: لا أظنه یخفى على مثلکم ما حصل ویحصل فی الجزیرة العربیة تحت الحکم السعودی .. لیتکم ـ یحفظکم الله ـ ترشدون الشباب إلى ما یجب علیهم فعله، خاصة وأن الحکومة بدأت تستهدف أهل الإیمان والجهاد إما بالسجن أو القتل وما حادث الشیخ یوسف العییری عنا ببعید .. فقد بدأت مجموعات من الشباب بالتعاهد فیما بینهم بالانتقام مما تفعله أو ستفعله الحکومة السعودیة، فبدأ بعضهم بشراء أسلحة، ومجموعات أخرى من الشباب یخشون أن یتکرر فی الجزیرة العربیة ما قد حصل فی الجزائر، ولکنهم فی نفس الوقت یرون أن هناک فتنة کبیرة ستحدث، خاصة إذا استمرت الحکومة السعودیة فی مضایقة أهل العلم والجهاد ..!
کان لهؤلاء الشباب ـ من یجیبهم على استفساراتهم، ویشارکهم همومهم ـ علماء یثقون بهم وبعلمهم ویسکنون الجزیرة ویشهدون الواقع ویرونه من حولهم، ولکن کما تعلمون بارک الله فیکم دهمت منازل هؤلاء العلماء واقتیدوا إلى السجون وسیبقون هنالک إلى أجل غیر مسمى، هذا إذا ما أصدروا حکم الحرابة فیهم ..حتى أن الحکومة خلقت الأکاذیب حول هؤلاء العلماء، فهم عند قبضهم على الشیخ الخضیر والشیخ الفهد والشیخ الخالدی، أذاعوا أنه کان بحوزة هؤلاء المشایخ أسلحة ومتفجرات! وقبل ذلک اتهموهم بأنهم أسسوا مجموعة تسمى بالموحدین لمحاربة الحکومة السعودیة، وأن لهم یداً فیما حدث فی الریاض من تفجیرات، وقد نفى المشایخ حفظهم الله التهمتین!
یا شیخ الشباب حائر وخائف فی نفس الوقت؛ فهم یخشون على أنفسهم حتى من السؤال مما یجب علیهم فعله، وإن سألوا أحداً، فالمسؤول فی العادة سیتهرب من السؤال وسیجمل ولا یفصل، وقد سقطت مصداقیة هیئة کبار العلماء عند عدد کبیر جداً من الشباب، فیتعاملون مع أی بیان عن هیئة کبار العلماء کأنه بیان من وزارة الداخلیة أو غیره من الوزارات .. لذا نرجو البیان والنصح؟
الجواب: الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام على خاتم الأنبیاء والمرسلین، وبعد.
هذا سؤال کبیر .. کنت أود من النظام السعودی أن لا یضطر الشباب المسلم لإرسال مثل هذا السؤال .. وقد أُرسل إلی نحوه الکثیر من الأسئلة .. کما کنت أودّ من النظام السعودی ـ مراعاة لحرمة الحرمین الشریفین .. ولعباد الله الآمنین ـ أن لا یجعل من نفسه طرفاً .. وأن یعتزلنا ما اعتزلناه .. ولکنه أبى إلا أن تُقشّر له العصا .. وأن یکون طرفاً شرساً .. وعدواً ظاهراً .. وأن یکون عوناً لطواغیت الکفر فی العالم على المسلمین الموحدین من أهل الجزیرة وخارجها .. بزعم ملاحقة الإرهاب .. وهم أرباب فی الإرهاب والإجرام.
وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من ذکر الحقائق التالیة:
۱- النظام السعودی خلط بین حق وباطل؛ فحقّه یغلب علیه الطابع الدعائی الکلامی: کرفعهم لشعار التوحید على عَلَمِهم .. وزعمهم أنهم دولةٌ إسلامیةٌ سلفیةٌ .. تحکم بالشریعة الإسلامیة .. وغیر ذلک من الإطلاقات الکبیرة التی کنا نود أن یکونوا صادقین فیها .. والتی کانت ولا تزال سبباً فی إضلال کثیر من الناس!
أما باطلهم فیغلب علیه الطابع العملی الواقعی الإجرائی الملموس .. وهو أصدق دلالةً فی التعبیر عن حقیقة نظامهم مما یزعمونه باللسان، ویتمثل هذا الباطل فی عدة أمور:
منها: أنه نظامٌ لا یحکم بما أنزل الله فی جمیع مجالات الحکم والحیاة الخاصة منها والعامة، بل هو نظام یحکم بما أنزل الله فی مجالات دون مجالات .. مثله فی ذلک مثل من یؤمن ببعض الکتاب ویکفر ببعض .. والله تعالى یقول: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْکِتَابِ وَتَکْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ یَفْعَلُ ذَلِکَ مِنْکُمْ إِلَّا خِزْیٌ فِی الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَیَوْمَ الْقِیَامَةِ یُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة/۸۵]. وملاحظة ذلک سهلة ویسیرة لکل من یرغب أن یتتبع النظام القانونی السعودی .. وبخاصة منه النظام الذی یحدد سیاسته الخارجیة، والاقتصادیة .. وهذا مناقض لعدید من النصوص الشرعیة التی تلزم بالتحاکم إلى الکتاب والسنة فی جمیع مجالات الحیاة، کما فی قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِی شَیْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ کُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ ذَلِکَ خَیْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِیلاً}[ النساء/۵۹] فقوله تعالى {فِی شَیْءٍ} من صیغ العموم التی تفید کل شیء وأی شیء یتم فیه النزاع.
ومنها: أنه نظام طفیلی عمیل .. مقتنع ـ منذ زمن ـ بأنه لا یستطیع أن یعتمد على نفسه وعلى شعبه .. فمن قبل مدّ آلُ سعود أیدیَهم إلى الإنکلیز لیتقووا بهم على تثبیت ملکهم وسلطانهم .. ضد الإخوان من أتباع الشیخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وغیرهم .. إلى درجة أن مؤسس الدولة السعودیة کان یتقاضى راتباً من الإنکلیز کما صرح بذلک أحد أحفاده .. والیوم ـ على ید أبناء عبد العزیز ـ یرمی النظام نفسه بکلیته فی أحضان أمریکا .. ماشیاً فی سیاستها .. وملبیاً لها کل رغباتها .. مقابل أن تحمیه وتدافع عنه .. وأن لا تتخلى عنه .. أو تعمل على تبدیله .. علماً أن النظام السعودی لو کان مخلصاً فی زعمه للإسلام .. وأنه حامی الحمى والدیار .. لاستطاع ـ بحکم شعبه المتدین .. وبحکم الثروة المادیة الضخمة التی یملکها ـ أن یعد جیشاً من أقوى جیوش العالم .. ترهبه أمریکا ذاتها .. جیش یملک القوة والعقیدة فمن له ؟ .. ولکن وللأسف لم یفعلوا شیئاً من ذلک .. شأنه فی ذلک شأنُ أیِّ نظامٍ عربیٍ آخر .. بیته من زجاج .. فهو نظام لم تتعدَّ اهتماماته أن یعد الجیش الذی یحمی النظام الحاکم .. وعرش حاکمه .. من شعبه عند حصول أی عملیة تغییر أو اعتراض. على مبدأ (أسدٌ علیَّ وفی الحروبِ نعامةٌ)!
ومنها: أنه نظامٌ عنصری وطنی یوالی ویُعادی على أساس الانتماء للوطن .. ویقسم الحقوق والواجبات بین العباد على أساس الانتماء للوطن السعودی وحدوده .. ولیس على أساس الانتماء للعقیدة والدین .. شأنه فی ذلک شأن أی نظام عربی علمانی آخر .. وهذا عین الکفر البواح کما یقول علماء اللجنة الدائمة السعودیة ذاتهم، حیث قالوا فی فتوى لهم رقم (۶۳۱۰)، ۱/۱۴۵:” أنّ من لم یفرِّق بین الیهود والنصارى وسائر الکفرة وبین المسلمین إلا بالوطن، وجعل أحکامَهم واحدةً فهو کافر ا- هـ. وقد أصابوا فی ذلک، ولکن سؤالنا لهؤلاء السادة: ألیس النظام السعودی هکذا .. هل یخرج فی شیءٍ عمّا ذکرتم .. ألیس الکافر الزندیق السعودی ـ بحکم المواطنة والانتماء لحدود الدولة السعودیة ـ له من الحقوق والإکرام والامتیازات .. ما لیس لشیخ الإسلام .. وأتقى أهل الأرض .. من خارج السعودیة؟!!
فالسعودیة ـ بحکم عنصریة النظام وإقلیمیته ـ للسعودیین .. ولیس للمسلمین .. علماً أنّ لهم فیها حقاً لا یجوز أن ینازعهم فیه أو یمنعهم عنه أحد؛ ألا وهو الحرمان الشریفان!
العنوسة بین النساء السعودیات بلغت ذروتها، ومع ذلک ـ بحکم القانون الجائر ـ لا یُسمح للمرأة السعودیة أن تتزوج ممن ترضى دینه وخلقه ممن لا ینتمی لحدود الوطن السعودی .. وکذلک الرجل السعودی لا یحق له أن یتزوج من خارج السعودیة إلا بعد أن یبلغ من العمر عتیاً ووفق شروط تعجیزیة، وبعد موافقات ملکیة خاصة ما أنزل الله بها من سلطان .. صدق رسول الله صلى الله علیه وسلم:” إلا تفعلوا تکن فتنة وفساد فی الأرض عریض “!!
ومنها: أنه نظام لا یُعرف عنه ولا عن جیشه الهش .. نصرةٌ فاعلةٌ ـ ولا غیرُ فاعلة ـ لأیة قضیة من قضایا الإسلام والمسلمین المعاصرة الهامة .. آتونی بحرکة جهادیة إسلامیة .. أرادت أن تستأنف حیاتها الإسلامیة فی الأقطار التی تعیش فیها .. وترفع ظلم الطواغیت عنها .. ثم تلقت من النظام السعودی وجیشه ـ ولیس الشعب السعودی المسلم ـ أیة نصرة أو تأیید ..!!
حصلت مئات المجازر للمسلمین فی أقطارهم .. اغتصبت بلاد وانتهکت حرمات عباد .. فماذا کان موقف النظام السعودی وجیشه من تلک الأحداث .. لا شیء! .. أکثر شیء یمکن أن یفعلوه أن یمنوا على المشایخ بالسماح لهم بالدعاء للمسلمین .. أو أن یجمعوا لهم بعض التبرعات النقدیة التی تنفس من حنق الشعوب .. والتی ترسل ـ هذا إذا أرسلت ـ للطرف المتمثل فی الدولة التی تذبح المسلمین، کما حصل عندما أرسلوا تبرعات الشعب السعودی للمسلمین فی الشیشان عن طریق الدولة الروسیة الذابحة لتتقوى بهذا المال على ما تفعله بحق المسلمین من مجازر وانتهاکات للحرمات ..!!
قولوا لی ولو مرة واحدة أن النظام السعودی وجیشه قد غضب لله وللعقیدة .. ولو لمرة واحدة .. الهندوس یذبحون المسلمین فی الهند وکشمیر منذ سنوات .. ومع ذلک النظام السعودی یقیم مع الهند کامل العلاقات الدبلوماسیة وغیر الدبلوماسیة!!
المسلمون فی الشیشان یذبحون على أیدی الصلیبیین الروس ومنذ سنوات .. ومع ذلک النظام السعودی یقیم مع روسیا کامل العلاقات الدبلوماسیة .. ویمده بحبل من القوة والحیاة!
المسلمون فی الفلبین یُذبحون منذ سنوات على أیدی صلیبیی الفلبین والنظام الحاکم فیها .. ومع ذلک النظام السعودی یقیم مع الفلبین کامل العلاقات الدبلوماسیة .. ویستقدم منها الید العاملة وغیرها .. ولا کأنه یوجد شیء!
أمریکا الطاغیة غزت أفغانستان .. والعراق غزواً مباشراً .. وهی وراء کل مجزرة ترتکب على أیدی الصهاینة الیهود فی فلسطین .. ومع ذلک النظام السعودی یُقیم کامل العلاقات الدبلوماسیة، والاقتصادیة، والعسکریة، والأخویة مع أمریکا .. ویضخ بتروله لها ولغیرها من الدول التی تدعم الاحتلال الصهیونی لفلسطین .. وهاهو الیوم یقود خونة العرب ـ بکل وقاحة وجرأة ـ فی عملیة التطبیع والاستسلام الکاملین مع دولة الصهاینة الیهود!!
حتى الصین الشیوعیة الملحدة .. التی تُحارب الإسلام والمسلمین جهاراً نهاراً .. للنظام السعودی علاقاته الدبلوماسیة والصدیقة معها!!
القائمة طویلة .. آتونی بدولة تحارب الإسلام والمسلمین ـ وما أکثر تلک الدول ـ ثم النظام السعودی قطع علاقته مع تلک الدولة اعتراضاً على حربها للإسلام والمسلمین .. لن تجدوا .. بل تجدوا العکس أنه یمدها بالقوة والحیاة والتأیید!!
لما هلک الطاغیة النصیری البعثی حافظ الأسد فی الشام .. استبشر المسلمون من هلاکه خیراً .. ولکن سرعان ما أرسل النظام السعودی وفداً عالی المستوى بقیادة ولی عهدهم ” عبد الله ” لیقدم للنظام الکافر البعثی السوری بالغ حزنه وألمه على هلاک الطاغوت .. ولیؤکدوا بالمقابل کذلک کامل دعمهم وتأییدهم للنظام الفاشی النصیری، وانتقال رئاسة الحکم إلى وریث أبیه والطائفة النصیریة ..!!
نعم لو أن دولة من تلک الدول طعنت بملک البلاد .. أو بأمیر من أمراء العائلة الحاکمة .. لقاموا الدنیا وما أقعدوها .. ولقطعوا العلاقات الدبلوماسیة والاقتصادیة .. واستدعوا سفیرهم من تلک الدولة .. بینما أن یُذبح الإسلام من الورید إلى الورید .. فالأمر لا یعنیهم .. وفیه نظر .. وهو لا یستدعی منهم أی إجراء أو اعتراض!!
نظام لا یغضب لله قط .. ولو لمرة واحدة .. ولا یوالی ویعادی فی الله .. ولو لمرة واحدة .. کیف یُسمى إسلامیاً .. کیف؟!!
کیف یمکن الجمع بین ذلک وبین زعمهم أنهم یحکمون بالکتاب والسنة ..؟!
ومنها: أنه نظام لا یخفی ولاءه الصریح لأعداء الأمة فی أی معرکة یخوضها العدو ضد الأمة .. وضد الإسلام والمسلمین .. فهاهی أمریکا تخوض حرباً ضروساً صریحة ضد الإسلام والمسلمین بزعم محاربة الإرهاب .. وتغزو بلاد المسلمین وتحتلها .. وتمارس جمیع أنواع الإرهاب باسم محاربة الإرهاب .. ومع ذلک فهی لا تلقى من النظام السعودی إلا کامل التسهیلات .. وکل دعم ونصرة .. حتى أنه یمنع المسلمین من مجرد الدعاء على طغیان أمریکا فی مساجدهم .. وما أخبار القواعد العسکریة الأمریکیة فی أرض الجزیرة العربیة عن مسامعنا ببعیدة .. وکذلک أخبار مطاردتهم للشباب المسلم واعتقالهم .. واعتقال علمائهم .. استجابة لرغبات أمریکا .. وإرضاءً لها بزعم محاربة الإرهاب .. کذلک عن مسامعنا ببعیدة!!
ومنها: أنه نظام عطل الجهاد فی سبیل الله .. بل وألغاه من قاموسه وتفکیره .. ووقع على المعاهدات الدولیة والإقلیمیة التی تمنع منه وتحرمه .. وحارب أهله وطاردهم .. وسجن علماءهم .. وأسس جیشاً لا وظیفة له سوى حمایة العرش السعودی .. والنظام السعودی .. والعائلة الفاسقة الحاکمة!
ومنها: دخول النظام السعودی فی المعاهدات والأحلاف والقوانین والأنظمة الصادرة عن الأمم المتحدة وغیرها .. التی تضاهی وتضاد شرع الله تعالى.
ومنها: أنه نظام یمول ویرعى کثیراً من القنوات الفضائیة التی تنشر الإباحیة والکفر، وکذلک فهو یمول ویرعى عدداً کبیراً من الجرائد والمجلات الدولیة والعالمیة والمحلیة التی تنشر الکفر، والإلحاد والعلمنة .. وهی معروفة للناس بأسمائها .. وبالتالی فهو مسؤول عنها ویناله وزرها ووزر کل ما یُنشر ویذاع فیها!

ومنها: أنه نظام إذا شُتم فیه الملک .. وانتُقص من قدره ـ أو قدر أی أمیر من أمراء العائلة الحاکمة ـ فی شیء .. عُرف الشاتم والمنتقص واستخرج من مخابئه .. وتعرض لأشد أنواع التنکیل والسجن والعقوبات، وربما القتل .. بینما الذی یشتم الله تعالى جهاراً نهاراً .. کما فی الروایة الساقطة ” الکرادیب ” للزندیق السعودی ” ترکی الحمد ” حیث یقول فیها:” فالله والشیطان وجهان لعملة واحدة “!! .. یُترک من غیر إنکار ولا محاسبة .. یسیح فی البلاد کیفما یشاء .. بل ویُسمح لکتبه ولروایاته الملیئة بالکفر والزندقة أن تنتشر بین أیدی الناس بکامل الحریة ..!
وکذلک کما فی کتابات العلمانی الإباحی والمقرب من العائلة الحاکمة ” غازی القصیبی “، وقد تعقبه .. وتعقب کفریاته وزندقته .. بعض أهل العلم فی کتاب مطبوع منشور بعنوان ” القصیبی والمشروع العلمانی .. فلیراجعه من شاء!
أترون لو قال:” فهد أو ولی عهده والشیطان وجهان لعملة واحدة ” کان سیُسمح له أن یبیت فی بیته لیلة واحدة .. أو کان سیُسمح لکتابه أن یُطبع ویُنشر؟!!
أهکذا تکون دولة التوحید ـ کما یزعمون ـ الملک الحاکم فیها أجل وأعظم قدراً من الله تعالى جل فی علاه؟!!
فإن قیل: لعل الملک أو ولی عهده لا یعلم بکل هذا ..؟!
أقول: فما بالهم یعلمون بکل من یتکلم على ملکهم وحاکمهم أو أمیر من أمرائهم ولو کان کلامه فی الخفاء عبر الهاتف .. ثم هم لا یعلمون ما یُکتب ویُطبع ویُنشر بین الناس ..؟!!
صدق قول الله تعالى فیهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ یَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً یُحِبُّونَهُمْ کَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِینَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ یَرَى الَّذِینَ ظَلَمُوا إِذْ یَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِیعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعَذَابِ}[البقرة/۱۶۵]. وقال تعالى: {مَا لَکُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً . وَقَدْ خَلَقَکُمْ أَطْوَاراً}. [نوح/۱۳-۱۴]
ومنها: أن النظام السعودی ـ ممثلاً بحکامه وأمرائه ـ ضلیع فی نهب ثروات الأمة وخیراتها .. فجزء منها یصب فی جیوب وبطون الحکام والأمراء الحاکمین .. لیُنفق على موائد الشهوات والأهواء کیفما شاءوا .. فهم فوق المساءلة والمحاسبة مهما بلغت درجة الإنفاق والإسراف عند أحدهم .. وفوق أن یُقال لأحدهم من أین لک هذا .. والجزء الأکبر منها یصب فی جیوب ومصالح أعداء الأمة .. أما الشعوب المقهورة المغلوب على أمرها فینالهم الفتات الذی یتساقط من على موائد المبذرین من الطواغیت الظالمین!
فهذه الأوجه مجتمعة ـ وغیرها من الأوجه مما لم نذکره ـ تلزمنا بالقول ولا بد: بأن النظام السعودی نظام کافر غیر إسلامی .. الإسلام فی وادٍ ونظام آل سعود فی وادٍ آخر .. وکذلک کل من یرعى ویحمی ویذود عن هذا النظام من الملوک والأمراء وغیرهم من العناصر المتنفذة فهم کفار مرتدون، لا ینبغی أن یشک فی ذلک من عرف دین الله تعالى وعرف حقیقة هذا النظام والقائمین علیه.
وإنی لأعجب أشد العجب من إخوانٍ لنا فی الجزیرة العربیة تراهم إلى ساعة لا یکفرون النظام السعودی ولا حکامه .. وبعضهم یتوسع فیجادل عنهم .. رغم ما یُعرف عنهم وعن نظامهم العمیل من کفر بواح صریح تقدم ذکر بعضه؟!!
وما قلناه فی النظام السعودی نقوله کذلک فی جیشه المهترئ؛ فهو جیش کغیره من الجیوش العربیة المعدة لنصرة الطواغیت وعروشهم ومصالحهم وحسب .. فهو جیش یدور مع هوى الطاغوت الحاکم حیث دار: یوالی فیه ویعادی فیه .. یُسالم من سالم الطاغوت وإن کان کافراً محارباً للإسلام والمسلمین، ویُحارب ما حارب الطاغوت وإن کان من خیار أهل الأرض وأتقاهم .. لا تُعرف له مرة أنه خاض جولة فی سبیل الله رغم سعة میادین القتال والجهاد .. فجیش هذا وصفه لا یمکن أن یُصنف على أنه جیش إسلامی .. وإن کان یغلب على أکثر أفراده وقادته إقامة الصلاة .. فهذا قد یتشفع لأحدهم کفرد .. ولکن لا یمکن أن یُضفی على الجیش بمجموعه ومجموع أنظمته وغایاته الصفة الإسلامیة والحکم الإسلامی .. أو أنه الجیش الذی یجاهد فی سبیل الله لکی تکون کلمة الله هی العلیا!
۲- حکم النظام الآنف الذکر حکم عام لا یلزم منه بالضرورة کفر کل من جادل عن هذا النظام بعینه، أو دخل فی حزبه؛ وذلک بحکم الشبهات الضخمة المنسوجة حول هذا النظام .. والتی یثیرها مشایخ السلطان وعملائه .. وبالتالی لإنزال هذا الحکم على أعیان الناس لا بد من مراعاة توفر شروط التکفیر وانتفاء موانعه.
فکثیر ممن یُجادلون عن هذا النظام لا یعرف ما ذکرناه عنه من حقائق .. ومن کان یعرفها منهم فهو لا یصدقها .. ومن کان یصدقها لا یعلم أنها مکفرة .. ومن کان یعلم أنها مکفرة یقول لک أنا أقلد مشایخنا الکبار فهم أعلم منی ومنک .. وقد أفتونی بخلاف ما أفتیت به وبینته .. وهذا لا بد من مراعاته واعتباره عند الحکم على أعیان الناس ممن یجادلون عن هذا النظام، والطواغیت الحاکمین لهذا النظام!
۳- حکم النظام الآنف الذکر لا یجوز أن یُحمل على المجتمع السعودی ولا على جمیع مؤسساته، فالمجتمع السعودی مجتمع مسلم، وأهله یغلب علیهم التدین وإقامة الصلاة، ولله الحمد.
۴- یعود خطأ بعض أهل العلم فی هذا النظام لأسباب عدة:
منها: أن من المشایخ والدعاة لا یرون من النظام السعودی إلا الجانب المشرق .. ولا یریدون أن یروا منه إلا هذا الجانب، ولا أن یسمعوا عنه ما یُخالف هذا الجانب .. لذا تجد أحدهم إذا تکلم قال: إن ولی الأمر أمر ـ حفظه الله! ـ ببناء المساجد .. وطباعة المصاحف .. وبناء المدارس لتحفیظ القرآن .. وأمر بطباعة کتاب کذا على نفقته الخاصة .. وهو أکثر من مرة یقول: نحن نحکم بالکتاب والسنة .. والحمد لله أن وهبنا مثل هذا الإمام والملک!
وفات هؤلاء المغفلین الذین ضلوا وأضلوا غیرهم أن النظام لا یمکن أن یُقیَّم من هذه الأمور الآنفة الذکر وحسب .. وأن ما ذکروه عن نظامهم کثیر من الأنظمة العلمانیة العربیة الکافرة تفعله وتدعیه، وتفعل ما هو أکثر منه!
ومنها: أن من المشایخ والدعاة السعودیین یقیس ویوازن بین حال الأنظمة العربیة الأخرى وما یعانی فیه أهله من اضطهاد فی الدین .. وبین نظام السعودیة .. فیخرج بنتیجة أن نظام دولته خیر بألف مرة من تلک الأنظمة .. فیحمله ذلک على الرضى به .. وربما یزداد به تعلقاً وتمسکاً .. فیضل ویُضل!
ونحن نعترف أن النظام السعودی ـ على علاّته الآنفة الذکر ـ لا یزال خیراً من کثیر من الأنظمة العربیة الأخرى .. ولکن هذا لا یجیز لنا أن نتعلق أو نرضى بنظام کافر وإن کان أقل کفراً من الأنظمة الأخرى .. فالقضیة فی میزان الحق بین کفرٍ وکفرٍ مغلّظ أو بین کفرٍ مغلظ وکفرٍ أشد غلظة .. فالمسألة ـ فی میزان الحق ـ لا تخرج عن هذا الإطار والتصور.
ومنها: أن من المشایخ والدعاة ممن یعیشون خارج الدولة السعودیة .. لحاجتهم إلى أداء فریضة الحج .. ولحنینهم إلى زیارة الحرمین الشریفین .. تراهم یؤثرون السکوت عن جرائم هذا النظام وکفریاته .. وربما یُداهنون ویُجاملون .. فیضلون ویُضلون .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
۵- فإن قیل: کفر النظام یستلزم الخروج علیه، أقول: نعم من الناحیة الشرعیة یجب الخروج علیه، بینما من الناحیة العملیة الواقعیة فإن الخروج له شروطه وترتیباته ومقدماته لا أرى استعجاله قبل استیفاء تلک الشروط والترتیبات والمقدمات، والتی منها أن یکون فکر الخروج على أنظمة الکفر هو فکر التیار الأعظم من المسلمین.
وإلى حین أن یتحقق ذلک لا مانع شرعاً ـ إن وجدت المقدرة وأمنت الفتنة الأکبر ـ من العمل على استئصال ـ بصورة فردیة ـ من تشتد فتنته على البلاد والعباد من طواغیت الحکم والکفر والجور، وإراحة العباد والبلاد منهم، فاستئصال طاغوت من طواغیت الحکم والکفر والجور وإزالته من طریق العباد .. أیسر وأسهل من عملیة الخروج على جمیع النـظام
ومؤسساته الخاصة به .. والله تعالى أعلم.
۶- فإن قیل فما بال المباحث وعناصر الأمن والمخابرات جلادی النظام .. وما الموقف منهم؟!
أقول: المباحث وعناصر المخابرات هم کلاب الطاغوت المسعورة التی تسهر على حمایة الطاغوت وحکمه وظلمه .. لا أرى الانشغال بهم ـ ولا بغیرهم من صعالیک الحکم إلا من اشتدت منهم فتنته على البلاد والعباد ـ وبخاصة فی بلاد کالجزیرة العربیة ـ خشیة توسع دائرة الصراع ووقوع المحظور، وترویع الآمنین ـ إلا ما کان على وجه الدفاع عن النفس .. فإن بادروک أیها الأخ المجاهد بالاعتداء وأرادوا قتلک أو سجنک لیفتنوک عن دینک .. فدونک وإیاهم .. فقاتلهم بنفس طیبة مقبلة غیر مدبرة .. فإن قتلوک ـ وأنت تدافع عن نفسک ودینک وعرضک ـ فأنت من أهل الجنة .. وإن قتلتهم ـ وهم ینفذون أمر الطاغوت فی قتلک واعتقالک لیفتنوک عن دینک ـ فهم فی النار کما ورد ذلک فی أحادیث صحیحة عدة.
بهذا أجیب عن سؤالک وعن سؤال کل من سأل نحو سؤالک من الإخوان .. والحمد لله رب العالمین.

وصلى الله على سیدنا ونبینا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

۴/۵/۱۴۲۴ هـ. عبد المنعم مصطفى حلیمة
۳/۷/۲۰۰۳ م. أبو بصیر الطرطوسی

الفهرس

المقدمة……………………………………………………………………..۱
لشیخ أسامة بن لادن: رسالة إلى ملک نجد والحجاز ۳
الشیخ أبو محمد المقدسی: مقدمة الکواشف الجلیة ۱۸
الشیخ أبو قتادة الفلسطینی: مقالات بین منهجین ۲۱
الشیخ أبو بصیر الطرطوسی: سؤال وجواب عن حکم النظام السعودی ۳۳