العمل الإسلامی بین دواعی الاجتماع ودعاة النزاع

الکاتب : أبو حفص الموریتانی

تقدیم الشیخ أسامة بن لادن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

وبعد..

فإن من أخطر الأمراض وأشد الآفات فتکاً بالمجتمعات والأمم داء الفرقة والاختلاف.

ولذلک فقد حذرنا الله عز وجل منه أشد التحذیر، ونهانا عنه أبلغ النهی، وبیّن لنا عواقبه الوخیمة وآثاره السیئة، فقال سبحانه وتعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ریحکم}، وقال: {ولا تکونوا کالذین تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البینات وأولئک لهم عذاب عظیم}.

ولکن ما یدعوا للدهشة ویصیب بالذهول هو ما یلحظه المسلم الیوم من حجم الخلافات والفرقة بین المسلمین عموماً، وبین العاملین للإسلام بصورة أخص، حتى أصبحت هذه الظاهرة الخطیرة تکاد تکون موضع الإجماع والاتفاق الوحید بین فصائل العمل الإسلامی المختلفة!!

وقد دفع الشعور بخطورة هذه الظاهرة العدید من الأقلام الإسلامیة لتناولها بالدراسة والتحلیل من جوانب مختلفة، سواء من حیث تشخیص الأسباب والمظاهر، أو من حیث بیان أدب الخلاف، وطریق الخروج من هذه الأزمة، لکن هذه الجهود المبذولة حتى الیوم لا زالت دون الحد المطلوب لعلاج ظاهرة بهذا الحجم من الخطورة والتعمق.

والرسالة التی نقدم لها الیوم تدخل ضمن هذه الجهود المشکورة التی تسد ثغرة مهمة فی هذا المجال.

وقد أوردت الرسالة أهم الأدلة من الکتاب والسنة وأقوال علماء الأمة على وجوب الوحدة والاجتماع، ونبذ الفرقة والنزاع، مبینة آثار وأضرار الخلاف.

ثم استعرضت حال الساحة الإسلامیة وما تعیشه من فصام وخصام وفرقة واختلاف، مبینة الأسباب الرئیسیة لذلک.

ولم تکتف الرسالة ببیان الأسباب والمظاهر فقط، بل بینت الدواء المتمثل فی الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة فی الحکم على الناس والآراء، وهو النهج القائم على العلم والعدل والإنصاف.

وقد لخصت الرسالة هذا النهج من خلال مجموعة من الضوابط الشرعیة التی یجب أن تحکم العلاقة بین المسلمین والعاملین للإسلام، حتى یحافظوا على أخوتهم الإسلامیة، وإن تعددت وجهات نظرهم العملیة واجتهاداتهم العلمیة.

وفوق ذلک وضعت الرسالة المعالم العامة التی تمثل مدخلا لا بد منه لوحدة العمل الإسلامی.

غیر أن أهمیة الرسالة لا تکمن فی محتواها فقط، وإنما تکمن أیضاً فی مصدرها، فالرسالة صادرة من عمق التیار الجهادی داخل الصحوة الإسلامیة المبارکة، وهی تعبیر عن رأی قطاع عریض من هذا التیار الذی کان – ولا زال – یوصف بأنه من أشد التیارات الإسلامیة اعتداداً برأیه فی المسائل الخلافیة.

فإذا کان الشعور بخطورة الفُرقة والخلاف، وضرورة الوحدة والائتلاف قد دفع بهذا الطرف المهم فی القضیة إلى طرحها فی هذا الإطار الجامع الموحد، فلأن یدفع بقیة الأطراف إلى التعامل الإیجابی مع هذا الطرح من باب أولى.

والله یقول الحق وهو یهدی السبیل.
أسامة بن محمد بن لادن

مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعینه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سیئات أعمالنا، من یهده الله فلا مضل له، ومن یضلل فلا هادی له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{یا أیها الذین آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}، {یا أیها الناس اتقوا ربکم الذی خلقکم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً کثیراً ونساء واتقوا الله الذی تساءلون به والأرحام إن الله کان علیکم رقیبا}، {یا أیها الذین آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سدیداً یصلح لکم أعمالکم ویغفر لکم ذنوبکم، ومن یطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظیماً}.

أما بعد:

فإنه لم یعد خافیاً على العدو ولا الصدیق ما وصلت إلیه الأمة الإسلامیة الیوم، من درک التخلف الذی هوت إلیه، ومستنقع الذل الذی ترقد فیه، وما غشی بصیرتها من العمى، وأصاب خط سیرها من الانحراف، واعتراها فی طریقها من التیه والضیاع، وما وصلت إلیه من التردی والانحطاط فی مختلف المجالات والأصعدة.

لقد أبُعد الوحی السماوی عن وظیفته فی کثیر من مجالات حیاة هذه الأمة، فلم یعد هو مصدر العقیدة والتشریع، ولا مرجع السلوک والآداب، ولا ملهم التفکیر والإبداع المهیمن على جمیع مجالات الحیاة.

ونتیجة لذلک أصاب الانحراف الأمة فی صمیم حیاتها، فالعقیدة أفقدت صفاءها ونقاءها، وقوتها وتأثیرها، فلم تعد تثمر فی قلوب کثیر من المسلمین الیوم قوة الإیمان ولا صدق التوکل والیقین، بل أصبحت عند کثیر من هؤلاء عبارات باردة لا تثمر یقیناً ولا تدفع إلى عمل.

وأصاب الانحراف کذلک العبادة ومفهومها ومعناها، ومدلولها ومغزاها، فلم تعد العبادة هی کل ما کان طاعة لله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، التی یدخل فیها – بداهة – القیام بالفروض الکفائیة والمصالح العامة من الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، والدعوة إلى الله تعالى، والجهاد فی سبیل الله، والصدع بالحق والجهر به، ومحاربة الباطل وأهله، لم تعد العبادة کذلک فی أذهان کثیر من الناس، نبل أصابها التشوه، فتقلص مدلولها، وانکمش معناها، فأصبحت لا تدل عند هؤلاء على أکثر من حرکات شکلیة تُمارس فی نطاق ضیق، دون استشعار لمعناها، ودون أن یکون لها أی أثر فی الحیاة.

وشاعت فی الأمة أمهات المنکرات الدائرة بین الکفر الصراح ومغلظات المعاصی، فحَّکمت القوانین الوضعیة فی الدماء والأموال والأعراض، وعطَّلت الأحکام الشرعیة الإلهیة!!

وأُصیبت الأمة بمسخٍ فکریٍ أصابها فی الصمیم، فأصبح الحکم بالقوانین الوضعیة فی أذهان کثیر من أبنائها حاجة وضرورة یُملیها منطق وواجب الاستفادة من تجارب الآخرین فی مجال التشریع وتنظیم الحیاة!!

وأصبحت موالاة الکفار من الیهود والنصارى وغیرهم من مقتضیات الحنکة السیاسیة، واللباقة الدبلوماسیة!! وصار تعطیل الجهاد وشرائعه وتجریم الداعین إلیه والمنادین به نوعاً من حسن السیرة والسلوک لا بد من إظهاره للتعبیر عن صدق النیة فی الالتزام بالقوانین الدولیة المتحضرة التی تدعو للعمل على توثیق وتطویر علاقات حسن الجوار وإقرار السلام بین الدول!!

وفی الجانب الاقتصادی؛ أصبح اقتصاد الأمة قائماً على النظام الربوی الذی یروج له ویتحکم فیه الیهود فی العالم، ویعملون من خلاله على نهب وسلب ثروات المسلمین ووضعها تحت أیدی أعدائهم.

وفی مجال التعلیم؛ قامت المؤسسات التعلیمیة الحدیثة فی العالم الإسلامی – من خلال برامج التربیة الوطنیة – بتحقیق ما عجز الاستعمار عن تحقیقه من سلخ لأجیال المسلمین من عقیدتهم ودینهم، وزرع لروح الهزیمة فی نفوسهم، وروح التعلق بحضارة الغرب والإعجاب بها فی عقولهم، وبث الفکر القومی الضیق الذی یربط الفرد بجنسه ووطنه المحدود، بدلاً من ربطه بعقیدته ودینه وأمته.

وعلى المستوى الاجتماعی؛ شاعت الرذیلة وغابت الفضیلة وخربت البیوت وتمزقت الأسر، وکان من أعظم أسباب ذلک الحرب الإعلامیة الشرسة التی یخوضها أعداؤنا ضدنا من خلال الإذاعات والتلیفزیون والسینما والفیدیو والصحافة وغیرها من وسائل الإعلام التی هدفها مسخ عقیدتنا وهدم أخلاقنا وتفکیک مجتمعنا.

أما على المستوى السیاسی؛ فإن حجم المصیبة یفوق الوصف ویتجاوز الخیال، فقد ابتُلیت الأمة بزمرة من الحکام والطواغیت الذین صاغهم الاستعمار، واصطنعهم لنفسه، لتحقیق أهدافه، وتنفیذ مخططاته، التی عجز عن تحقیقها بصورة مباشرة، فصاروا یحکمون الأمة بالقوانین الکفریة، ویوالون أعداء الله، ویحاربون أولیاءه، من الدعاة إلى الله والعلماء، ویسومون الشعوب المسلمة سوء العذاب، ویستأثرون بثروات الأمة، ویصرفونها على شهواتهم الشخصیة ونزواتهم الذاتیة، دون رقابة من شرع، أو مساءلة من قانون، أو محاسبة من عقل، فی هیام بالسلطة وغرام بالحکم واستبداد بالأمور.

وکان من نتائج هذا الوضع أن فقدت الأمة مکانتها التی أراد الله لها أن تحتلها خیر أمة أ خرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنکر لها السیادة والریادة، فهانت على أعدائها الذین استباحوا حرماتها، فسلبوا أرضها، وهتکوا عرضها، واحتلوا مقدساتها، ونهبوا خیراتها وثرواتها، بعد أن قضوا على خلافة المسلمین بزرع الفرقة والخلاف بینهم مُحققین شعارهم المعروف “فرق تسد” فتفرقت الأمة الواحدة إلى أمم مختلفة ودول شتى وأوطان متعددة، لکل منها حاکم وأمیر وعلم وسریر، فصدق علیهم وصف الشاعر:
وتفرقوا شیعاً فکل مدینة فیها أمیر المؤمنین ومنبر!!

وکان ذلک ثمرة لما أصاب الأمة من الخلافات والشقاقات، ولقد صدق القائل فی قوله:
فالخلافات بالخلافة أودت واقتسمنا وسادنا الدخلاء

هذه الحال المأساویة للأمة الإسلامیة یلقی واجب العمل على الخروج منها بمسؤلیات کثیرة على المسلمین عموماً، وعلى من اختارهم الله ووفقهم للعمل للإسلام خصوصاً، للخروج بالأمة منها.

وقد تحرکت للقیام بهذه الواجبات والمسؤولیات عناصر وجماعات عدیدة، وبذلت جهود مشکورة ومساعٍ حمیدة، وإن کانت لا زالت دون المستوى المطلوب بکثیر.

ولکن تلک الجهود والمساعی حالت الخلافات الداخلیة بین المسلمین دون أن تؤتی أکلها وتحقق المرجو منها.

ولذلک، ولأن نصوص الکتاب والسنة وإجماع علماء الأمة متضافرة متواترة على وجوب وضرورة الوحدة والائتلاف بین المسلمین، وحرمة وخطورة الفرقة والاختلاف بینهم.

ولأن مما یدخل فی الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر دخولاً أولیاً الأمر بالاجتماع والائتلاف والنهی عن النزاع والاختلاف بین المسلمین، والعاملین منهم للإسلام خاصة، کان لا بد من الوقوف عند هذا الموضوع بشیء من البیان وقدر من التفصیل حتى یأخذ حظه من البحث والعنایة ” لتتضح فی الأذهان والعقول أهمیته والطریق إلیه، تمهیداً لأن یأخذ بُعده الحقیقی فی الواقع العملی فی الساحة الإسلامیة.

وقد رأینا عند تناولنا لهذا الموضوع أن نبین فی الفصل الأول الأدلة النقلیة والعقلیة فی حکمه وأهمیته، وأن نبین فی الفصل الثانی واقع الساحة الإسلامیة وما تعیشه من أسباب ومظاهر الفرقة والخصام، والفتنة والفصام، على أن نبین فی الفصل الثالث معالم المنهج الصحیح الذی یجنبنا الأخذ به ما نحن فیه من فرقة وخلاف، وفی الفصل الرابع سنضع المعالم العامة للإطار الجامع الذی نرى أنه من خلاله یتم تحقیق الخطوات الأولیة من التعاون والتنسیق والتناصر والتآزر بین مختلف العاملین للإسلام من الأفراد والجماعات تمهیداً للوحدة الکبرى المنشودة بإذن الله تعالى.

وفیما یلی سنتناول هذه النقاط بالترتیب، وفی اختصار نرجو أن لا یکون مخلاً…

الفصل الأول؛ الأدلة فی الموضوع
على الرغم من أن نصوص الکتاب والسنة وإجماع علماء الأمة من السلف والخلف کلها متضافرة متواترة فی الدلالة على وجوب وحدة المسلمین وحرمة فرقتهم، إلا أن الغیاب المذهل لهذا الموضوع من الواقع العملی للمسلمین یدفعنا إلى إعادة الطرق على أدلته من جدید، فمن المؤسف والمحزن أن الخلاف والفرقة بین المسلمین لم تعد شیئاً موروثاً من الترکة السلبیة الثقیلة التی ورثها المسلمون من العصور الماضیة، وعهود الاحتلال المباشر، بل إن هذه الخلافات أصبحت تؤصل وتعمق فی واقع الصحوة الإسلامیة من قبل بعض العاملین للإسلام، الذین یربون الأجیال على هذه الخلافات، ویرسخون فی أذهانهم بصورة عملیة أن العمل بمقتضاها داخل فی أصول الولاء والبراء، حتى أننا لطول ما ألفنا هذه الخلافات التی ولدنا ونشأنا فیها تبلد إحساسنا تجاهها، بل أصبح المعروف الذی هو الاجتماع والائتلاف منکراً، وأصبح المنکر الذی هو الفرقة والخلاف معروفاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

إن المسلم لیصاب بالدهشة والحیرة أمام هذه الحال وهو یطالع ذلک الحشد الهائل من الآیات القرآنیة والأحادیث النبویة، وأقوال علماء الأمة، فضلاً عن الأدلة العقلیة والواقعیة التی تتضافر وتتآزر فی الدلالة على هذا الموضوع.

یقول الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جمیعاً ولا تفرقوا واذکروا نعمة الله علیکم إذ کنتم أعداء فألف بین قلوبکم فأصبحتم بنعمته إخواناً وکنتم على شفا حفرة من النار فأنقذکم منها کذلک یبین الله لکم آیاته لعلکم تهتدون}، فهذه الآیة یبین الله تبارک وتعالى فیها أن العمل على الوحدة بین المسلمین فریضة شرعیة عظیمة، وأن تحقق تلک الوحدة نعمة إلهیة کبیرة، وأن الفرقة معصیة کبرى ونقمة جلى.

روى ابن جریر الطبری رحمه الله عند تفسیر هذه الآیة بسنده عن قتادة أنه قال: (إن الله عز وجل قد کره لکم الفرقة وقدم إلیکم فیها، وحذرکموها ونهاکم عنها، ورضی لکم السمع والطاعة، والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسکم ما رضی الله لکم).

وروى بسنده عن عبدالله بن مسعود رضی الله عنه أنه قال: ( یا أیها الناس علیکم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذی أمر به، وإن ما تکرهون فی الجماعة والطاعة هو خیر مما تستحبون فی الفرقة).

ویقول ابن کثیر رحمه الله عند تفسیر هذه الآیة: ( وقوله تعالى: {ولا تفرقوا} أمرهم بالجماعة ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحادیث المتعددة فی النهی عن التفرق والأمر بالاجتماع).

ویقول القرطبی رحمه الله عند تفسیر الآیة السابقة: (فإن الله تعالى یأمر بالألفة وینهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلکة، والجماعة نجاة، ورحم الله ابن المبارک حیث یقول:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا).

وقال عند تفسیر قوله تعالى {ولا تفرقوا}: (… ولا تفرقوا متابعین للهوى والأغراض المختلفة، وکونوا عباد الله إخوانا، فیکون ذلک منعا لهم من التقاطع والتدابر).

ونُقِلَ عن ابن عباس أنه قال لسماک الحنفی: (یا حنفی، الجماعة الجماعة، فإنما هلکت الأمة الخالیة لتفرقها، أما سمعت الله یقول: {واعتصموا بحبل الله جمیعا ولا تفرقوا}).

ویقول عز وجل: {إن الذین فرقوا دینهم وکانوا شیعاً لست منهم فی شیء إنما أمرهم إلى الله ثم ینبؤهم بما کانوا یفعلون}، فقد ذم الله تبارک وتعالى المفرقین لدینهم المتفرقین فیه ممن کانوا شیعاً وأحزاباً وطوائف متفرقة على غیر هدى من الله تبارک وتعالى، وبرأ رسوله صلى الله علیه وسلم منهم.

وحذرنا سبحانه وتعالى من أن نکون من هؤلاء الذین فرقوا دینهم وکانوا شیعاً کل حزب بما لدیهم فرحون بقوله تعالى: {… ولا تکونوا من المشرکین، من الذین فرقوا دینهم وکانوا شیعاً، کل حزب بما لدیهم فرحون}.

وفضلاً عن کون التفرق والاختلاف معصیة لله تبارک وتعالى، فإنه سبب للخذلان والهزیمة والفشل، فقد أخبرنا الله تبارک وتعالى أن سبب هزیمة المسلمین یوم أحد هو ما کان من المعصیة والتنازع بین بعض المسلمین قال تعالى: {ولقد صدقکم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فی الأمر وعصیتم من بعد ما أراکم ما تحبون منکم من یرید الدنیا ومنکم من یرید الآخرة ثم صرفکم عنهم لیبتلیکم ولقد عفا عنکم والله ذو فضلٍ على المؤمنین}.

ولیس هذا خاصاً بالمسلمین فی أحد، بل إن النزاع والخلاف مدعاة للفشل وذهاب الریح فی کل زمان ومکان کما أخبر تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ریحکم واصبروا إن الله مع الصابرین}.

ومن الأحادیث التی وردت فی هذا الموضوع قوله صلى الله علیه وسلم محذراً هذه الأمة من الخلاف الذی أهلک الله بسببه الأمم السابقة: (إنما هلک من کان قبلکم باختلافهم فی الکتاب).

وقوله صلى الله علیه وسلم: (علیکم بالجماعة، وإیاکم والفرقة، فإن الشیطان مع الواحد، وهو من الاثنین أبعد، ومن أراد منکم بحبوحة الجنة فلیلزم الجماعة).

وقوله صلى الله علیه وسلم: (ید الله مع الجماعة).

والجماعة التی یأمر بها النبی صلى الله علیه وسلم ویأمر بالتزامها، لها عدة معانٍ تدور حول الحق وأهله المجتمعین علیه.

وقول الرسول صلى الله علیه وسلم: (إن الله یرضى لکم ثلاثاً ویسخط لکم ثلاثاً: یرضى لکم أن تعبدوه ولا تشرکوا به شیئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جمیعاً ولا تفرقوا…).

ومن أقوال علماء الأمة فی موضوع الاجتماع وأهمیته والتفرق وخطورته، ما کتبه شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله قائلاً: (إن من القواعد العظیمة التی هی جماع الدین تألیفَ القلوب واجتماعَ الکلمة وصلاحَ ذات البین، فإن الله یقول {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بینکم} ویقول {واعتصموا بحبل الله جمیعاً ولا تفرقوا…} وأمثال ذلک من النصوص التی تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، کما أن الخارجین عنه هم أهل الفرقة).

ویقول أیضا ً: (من الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهی عن الاختلاف والفرقة).

ویقول أیضاً فی أسباب الفرقة وأسباب الاجتماع ونتائج کل منهما: (إن سبب الاجتماع والألفة جمع الدین والعمل به کله… وسبب الفرقة ترک حظ مما أُمر العبد به والبغی بینهم).

(ونتیجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنیا والآخرة وبیاض الوجوه… ونتیجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم).

ویقول أیضاً فی نفس الموضوع: (فمتى ترک الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بینهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلکوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملکوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب).

ومع أن الخلاف کله شر کما قال ابن مسعود رضی الله عنه ، إلا أن الخلاف الذی یحصل من العلماء والکبراء أکبر خطراً، وأعظم أثراً من أی خلاف یقع من بقیة فئات الأمة.

یقول ابن تیمیة رحمه الله مبیناً الأثر الخطیر لهذا النوع من الخلاف: (وهذا التفریق الذی حصل من الأمة علمائها ومشائخها وأمرائها وکبرائها هو الذی أوجب تسلط الأعداء علیها، وذلک بترکهم العمل بطاعة الله ورسوله).

تلک کانت بعضٌ من النصوص والنقول التی تتضافر فی الدلالة النقلیة والعقلیة على وجوب الوحدة والائتلاف بین المسلمین، وحرمة التفرق والاختلاف بینهم، وتؤکد أن الوحدة سبیلُ القوة والنصر والتمکین، وأن الفرقة سبیلُ الفشل وذهاب الریح فی الدنیا، والعذاب والخزی یوم القیامة.

والسؤال الذی یطرح نفسه بعد هذا هو: أین المسلمون الیوم من مقتضیات هذه الأدلة؟

والإجابة على هذا السؤال هی موضوع الفصل التالی…

الفصل الثانی؛ واقع الساحة الإسلامیة وما تعیشه من خلافات
إن المطلَّع على واقع الساحة الإسلامیة الیوم یدرک للأسف الشدید أنه رغم کل الأدلة وجمیع البراهین النقلیة والعقلیة التی تؤکد أن الوحدة بین المسلمین فریضة شرعیة وضرورة واقعیة.

ورغم اتحاد الأعداء والخصوم الداخلیین والخارجیین ضد الإسلام والعاملین له.

ورغم ما یعانیه الإسلام وأهله على أیدی أعدائه من الحرکات العلمانیة والحکومات الطاغوتیة والأمم الکافرة.

ورغم المصائب التی تعانی منها الأمة وفی مقدمتها تدنیس واحتلال مقدساتها فی بلاد الحرمین وفلسطین وغیرها وما تتعرض له الأمة من انتهاک العرض، واحتلال الارض، على أیدی التحالف الیهودی الصلیبی العالمی.

ورغم الدروس والعبر التی یحفل بها تاریخ المسلمین، والتی تؤکد أن أعداءهم القدماء والجدد لم یظفروا منهم بما ظفروا به إلا بتفرق المسلمین واختلافهم، ولم ینتصر علیهم المسلمون إلا بتوحد کلمتهم واجتماعهم تحت رایة التوحید.

رغم کل هذا وذاک لا یزال المسلمون غارقین فی خلافات محتدمة وخصومات مشتعلة حول مسائل وقضایا وأمور لا تعتبر من أصول الدین وکلیاته ولا من مواطن الإجماع التی لا یجوز فیها النزاع، بل کثیر منها من المسائل التی لیس لها تأثیر لا فی حاضرٍ ولا مستقبل.

ومن مظاهر وأسباب هذا الخلاف فی نفس الوقت تراشقٌ مستمرٌ بالتهم، دون بینة من شرع، أو دلیل من عقلٍ، أو أثارة من علم، وتعصب مقیت للآراء والشعارات، والأشخاص والجماعات، والأقوام والأوطان، وتحکیمٌ للهوى ومصادرة لأی رأیٍ مخالف.

وفی هذا الجو انبرت مجموعات وأفراد ممن یظهرون أنهم یحسنون صنعاً – وهم یسیئون عن قصد أو غیر قصد – إلى العمل على تفریق الصف المسلم وتشتیت جمعه وإشعال نار الفتنة والخلافات فیه، لا یتورعون عن انتهاک أعراض إخوانهم، واستباحة حرماتهم، وإیغار صدور المسلمین علیهم، مستدلین بأدلة ناقصة، ونصوص مبتورة ومفصولة من الأدلة الأخرى فی الموضوع، ومستغلین أحیاناً عبارات مجملة صادرة عن هؤلاء، محتملة لمحامل حسنة هی اللائقة بحالهم، ومحتملة لغیرها، فیحملونها على المحامل السیئة، مخالفین منهج علماء أهل السنة والجماعة فی هذا المقام هذا المنهج الذی یقضی بحمل الکلام المحتمل لأکثر من وجه، على الوجه اللائق بحال قائله.

یقول الإمام ابن القیم رحمه الله: (والکلمة الواحدة یقولها اثنان، یرید بها أحدهما اعظم الباطل، ویرید بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطریقة القائل وسیرته ومذهبه، وما یدعو إلیه ویناظر عنه).

کل هذا فی وقتٍ سَلِمَ من ألسنة هؤلاء وأیدیهم کل أصناف الأعداء من المشرکین والملحدین والطواغیت وغیرهم، بل إن الألسنة التی کثیراً ما تمتد بالسوء إلى الدعاة والعلماء وطلبة العلم الذین رفعوا رؤوسهم بالحق شامخة فی وقت انحنت فیه رؤوس المترخصین لعاصفة الباطل، وبِیعَتْ أمانة بیان الحق والصدع به فی سوق الترغیب والترهیب، کثیراً ما تکون الألسنة التی تمتد إلى هؤلاء بالسوء هی نفسها التی تُثنی على تصرفات أعداء الإسلام والمسلمین من الطواغیت وغیرهم ممن بارزوا الله بالحرب، وکاشفوه بالعداء، وحاربوا أولیاءه، ووالوا أعداءه، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

ونحن عند التأمل فی الأسباب الرئیسیة لهذا الوضع الذی تعیشه ساحة العمل الإسلامی من التفرقِ والتمزق، فإننا نجد أغلبها یرجع إلى سببین رئیسیین:

الأول: ما یقوم به أعداء هذا الدین – وفی مقدمتهم طواغیت الحکام ومن حولهم من علماء السوء – من جهود فی تفریق کلمة العاملین للإسلام، والعمل على تضییع الجهود وتبدید الطاقات الإسلامیة، واسکات وسجن علماء الحق، وقد سخروا لذلک إمکانیات وطاقات بشریة ومادیة وإعلامیة ضخمة، منفذین بذلک الخطط الشیطانیة فی التحریش بین المسلمین، کما قال صلى الله علیه وسلم: (إن الشیطان قد یئس أن یعبده المصلون فی جزیرة العرب، ولکن فی التحریش بینهم)، والتحریش هو الإفساد وتغییر قلوب المسلمین على بعضهم، والعمل على تقاطعهم وتدابرهم.

وقد نجح هؤلاء للأسف الشدید فی استقطاب بعض الشخصیات التی لها بعض الأتباع من حیث تشعر أو لا تشعر.

الثانی: غیاب منهج أهل السنة والجماعة وضوابطه التی تحکم علاقات المسلمین فیما بینهم، وتضبط المواقف من جمیع فصائل العمل للإسلام المختلفة، واجتهاداتها وآرائها، والمواقف منها، بضوابط الشرع وتحکم علیها بالعلم والعدل والإنصاف.

وبما أن حدیثنا الآن موجه بالأساس إلى أبناء الأمة الإسلامیة من الصادقین والمخلصین الحریصین على مستقبل دینهم ودعوتهم وأمتهم، فإننا سنقتصر هنا على معالجة السبب الثانی، ونؤجل السبب الأول إلى حدیث آخر عندما نتحدث عن المواجهة بین الإسلام وأعدائه الداخلیین والخارجیین، ولا نرى بأساً فی هذا التأجیل، خاصة أن ما یقوم به هؤلاء من إثارة للفتنة والخلافات بین المسلمین أصبح مکشوفاً بفضل الله عند کثیر من أبناء الصحوة الإسلامیة.

الفصل الثالث؛ ضوابط المنهج المطلوب
هذا المنهج أساسه وقوامه العلم والعدل والقسط وذلک امتثالاً لقول الله تبارک وتعالى: {یا أیها الذین آمنوا کونوا قوامین لله شهداء بالقسط ولا یجرمنکم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى}، فالمتحدث فی مثل ما یصدر من المسلمین من أخطاء، ویقع بینهم من خلافات واجتهادات، وما یتعلق بأمور الدین، والحکم فی ذلک، وتحدید الموقف الشرعی منه، وتقدیر درجة الخطأ فیه، وما یترتب على ذلک، لا بد أن یکون متصفاً بالعلم والعدل والإنصاف بعیداً عن الجهل والظلم والبغی، لأنه فی هذا المقام یکون بمنزلة القاضی فی هذه الأمور الخطیرة الکبیرة، والرسول صلى الله علیه وسلم یقول: (القضاة ثلاثة: قاضیان فی النار وقاضٍ فی الجنة، رجلٌ علم الحق فقضى به فهو فی الجنة، ورجلٌ علمَ الحق فقضى بغیره فهو فی النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو فی النار).

یقول ابن تیمیة رحمه الله معلقاً على هذا الحدیث: (فإذا کان من یقضی بین الناس فی الأموال والدماء والأعراض إذا لم یکن عالماً عادلاً کان فی النار، فکیف بمن یحکم فی الملل والأدیان، وأصول الإیمان، والمعارف الإلهیة والمعالم الکلیة بلا علمٍ ولا عدل).

ومع ذلک فإننا نجدُ کثیراً من العاملین للإسلام من أیسر الأمور علیهم الحکم على الناس بالضلال والانحراف، أو الهدى والعصمة، دون بینة من علم أو عدل.

یقول ابن القیم رحمه الله مبیناً صفات من یحق له الکلام فی هذا المقام: (وعلى المتکلم فی هذا الباب وغیره أن یکون مصدر کلامه عن العلم بالحق، وغایته النصیحة لله ولکتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمین، وإن جعل الحق تبعاً للهوى فسد القلب والعمل والحال والطریق، قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فیهنّ}، وقال صلى الله علیه وسلم: (لا یؤمن أحدکم حتى یکون هواه تبعاً لما جُئت به).

وهذا المنهج الذی أساسه العلم والعدل والإنصاف، والذی هو منهج أهل السنة والجماعة یقابله منهج أهل الأهواء والبدع والتفرق الذی یقوم على نقیض ذلک من الجهل والظلم والتعصب.

یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله عن هؤلاء إن همهم: (أن ینتصر جاههم أو ریاستهم وما نُسِبَ إلیهم لا یقصدون أن تکون کلمة الله هی العلیا، وأن یکون الدین کله لله، بل یغضبون على من خالفهم وإن کان مجتهداً معذوراً لا یغضب الله علیه، ویرضون عمن یوافقهم وإن کان جاهلاً سیئ القصد لیس له علمٌ ولا حسن قصد، فیفضی هذا إلى أن یحمدوا من لم یحمده الله ورسوله، ویذموا من لم یذمه الله ورسوله، وتصیر موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دین الله ورسوله… ومن هنا تنشأ الفتن بین الناس).

وکأن شیخ الإسلام رحمه الله تعالى یصف بکلامه هذا حال العدید ممن ینتسبون إلى العمل الإسلامی الیوم، ولیس لهم میزان لمعرفة الحق إلا الهوى والظن والجهل، ولیس عندهم من وسائل الإقناع إلا التعصب الأعمى والبغی المقیت، ویشارک أهلَ الأهواء والبدع فی هذا المنهج من فتنوا بالسلاطین وما عندهم من مال، وما لدیهم من نفوذٍ وجاه.

یقول الإمام الشاطبی بعد أن بین منهج أهل الأهواء والبدع: (ویدخل فی غمارهم من کان منهم یخشى السلاطین لنیل ما عندهم أو طلبا للرئاسة).

وکأن الشاطبی رحمه الله أیضا یشیر بکلامه هذا إلى ما ابتلیت به الأمة الإسلامیة من علماء السوء والبلاط، حواشی السلاطین والطغاة، الذین لیس لهم هم إلا تفصیل الفتاوى ” الشرعیة!! ” على مقاسات أهواء الطواغیت فأصاب الدین والأمة نتیجة هذا الحلف البغیض بین علماء السوء وحکامه ما أصابهم، ورحم الله ابن المبارک حیث یقول:
وهل أفسد الدین إلا الملوک وأحبار سوء ورهبانها

ونظراً لما لمنهج أهل السنة والجماعة الذی هو منهج الحق والإنصاف من دورٍ فی القضاء على أسباب الفرقة والخلاف والعمل على تحقیق الاجتماع والائتلاف، فلا بد من بیان أهم الضوابط التی تمثل مجتمعة معالم هذا المنهج.

وفیما یلی ذکرٌ لأهم هذه الضوابط…

الضابط الأول: الحق یُعرف بنفسه لا بالرجال:

یعتبر کثیرٌ من الخلافات والنزاعات التی تعج بها الساحة الإسلامیة راجعاً إلى التعصب لحزب معین أو جماعة بذاتها أو شخصٍ بنفسه تعصباً أعمى دون بینة من علم أو معرفة بما یجب من اتباع الحق إذا تبین وجعله فوق الجمیع، وأن الحق أحق أن یتبع وأنه یُعرف بنفسه لا بمن یحمله.

والأضرار التی تترتب على التقلید الأعمى والتعصب المقیت تنبه إلیها سلفنا الصالح رضی الله عنهم مبکراً فحذروا منها ونفروا.

یقول ابن مسعود رضی الله عنه : (ألا لا یقلدن أحدکم دینه رجلاً إن آمن آمن وإن کفر کفر فإنه لا قدوة فی الشر).

ویقول الإمام أبو حنیفة رحمه الله: (لا یحل لمن یفتی من کتبی أن یفتی حتى یعلم من أین قلت).

ویقول الإمام مالک رحمه الله: (إنما أنا بشرٌ أخطیء وأُصیب فانظروا فی رأیی فکل ما وافق الکتاب والسنة فخذوا به، وکل ما لم یوافق الکتاب والسنة فاترکوه).

ویقول الإمام أحمد رحمه الله: (لا تقلد دینک الرجال فإنهم لن یسلموا من أن یغلطوا).

ورضی الله عن الإمام علی بن أبی طالب حیث یقول: (لا تعرف الحق بالرجال ولکن اعرف الحق تعرف أهله).

إننا إذا عملنا بمقتضى هذه القاعدة زالت کثیرٌ من أسباب الفرقة والخصام بیننا، وعرفنا فعلاً أن انتماءنا الحقیقی هو للحق الذی فوق الجمیع دون تعصب أعمى لطائفة أو مذهب أو شخص، بل نوافق کل شخص وطائفة على ما معهم من الحق، ونخالفهم فیما عندهم من الباطل.

وما أروع ما سطره الإمام ابن القیم رحمه الله بقوله: (عادتنا فی مسائل الدین کلها دقها وجلها أن نقول بموجبها ولا نضرب بعضها ببعض ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق کل طائفة على ما معها من الحق ونخالفها فیما معها من خلاف الحق، لا نستثنی من ذلک طائفة ولا مقالة).

والسبب فیما قاله ابن القیم رحمه الله هو أنه لا توجد طائفة تحتکر جمیع الحق وتخلو من جمیع الباطل، بل إن کل طائفة من هذه الطوائف معها حقٌ وباطلٌ وتتفاوت فی ذلک.

یقول ابن القیم رحمه الله: (فإن کل طائفة معها حقٌ وباطل وتتفاوت فی ذلک، فالواجب موافقتهم فیما قالوه من الحق ورد ما قالوه من الباطل، ومن فتح الله له بهذا الطریق فقد فتح له من العلم والدین کل باب، ویسّر علیه فهم الأسباب). ویقول ابن تیمیة رحمه الله فی شأن من یوالی طائفته أو زعیمه ولاءاً مطلقاً فی الحق والباطل، ومبیناً حکمه: (من مال مع صاحبه – سواء کان الحق له أو علیه – فقد حکم بحکم الجاهلیة وخرج من حکم لله ورسوله).

ویقول رحمه الله مبیناً المنهج الصواب فی هذا الموضوع: (والصواب أن یحمد من حال کل قوم ما حمده الله ورسوله، کما جاء به الکتاب والسنة، ویذم من حال کل قوم ما ذمه الله ورسوله کما جاء به الکتاب والسنة).

فأین هذا المنطق والإنصاف والعدل من الغارات التی یشنها بعض الناس على إخوانهم العاملین للإسلام بسبب التعصب والتحزب، إحیاء لمذهب الجاهلیة الاولى التی یقول لسان أصحابها {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}.

هذه الجاهلیة التی یقول رسول الله صلى الله علیه وسلم فی شأن مبتغی سنتها: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة، ملحد فی الحرم، ومبتغ فی الإسلام سنة الجاهلیة، ومطلب دم امرئ مسلم بغیر حق لیهریق دمه).

ویقول بشأن من دعا إلى عصبیتها: (لیس منا من دعا إلى عصبیة).

هذه العصبیة الجاهلیة فی هذه الأمة، هی مما اتبعت فیه أهل الکتاب قبلها الذین قال الله عنهم: {وإذا قیل لهم آمنوا بما أنزل الله، قالوا نؤمن بما أنزل علینا ویکفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم}.

یقول ابن تیمیة رحمه الله فی هذه الآیة: (فوصف الیهود بأنهم کانوا یعرفون الحق قبل ظهور النبی صلى الله علیه وسلم، فلما جاءهم من غیر طائفة یهوونها لم ینقادوا له، وهذا یبتلى به کثیر من المنتسبین إلى طائفة فی العلم أو الدین، أو إلى رئیس معظم عندهم، فإنهم لا یقبلون من الدین لا فقها ولا روایة إلا ما جاءت به طائفتهم).

وقد رأینا بعضاً من الطوائف الإسلامیة الیوم من هذه حاله ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

وهذا مصداقٌ لقوله صلى الله علیه وسلم: (لتتبعن سنن من کان قبلکم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا یا رسول الله: الیهود والنصارى؟ قال: فمن؟).

ورحم الله ابن تیمیة حیث یقول بعد أن فَنَدَ دعاوى المتعصبین الذین یمتحنون الناس بالولاءات العصبیة والمذهبیة: (فکیف یجوز مع هذا لأمة محمد صلى الله علیه وسلم أن تتفرق وتختلف حتى یوالی الرجل طائفة ویعادی أخرى بالظن والهوى… فهذا فعل أهل البدع کالخوارج الذین فارقوا جماعة المسلمین واستحلوا دماء من خالفهم، أما أهل السنة فهم معتصمون بحبل الله).

ولا یعنی ذم التعصب للجماعات والمذاهب والأشخاص عدمَ شرعیة الانتماء إلیها والانتساب، بالضوابط الشرعیة للتعاون على البر والتقوى، فهنالک فرقٌ بین الانتساب المشروع والتعصب الممنوع.

ومع وضوح هذا المنهج فإن مما یدعو للعجب غیابه المذهل من واقعنا حیث نرى بعضاً من الجماعات والأفراد یدعی کلٍ لنفسه أنه هو وحده الذی على الصواب والحق، ومن سواه على خطأ وباطل!! ویربی أتباعه على هذا المنهج المعوج الذی تفرقت به الساحة الإسلامیة إلى شیعٍ وطوائف، توالی وتعادی بالظن والهوى، شأن أهل الأهواء والبدع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الضابط الثانی: لا عصمة لغیر الأنبیاء:

الخلافات الموجودة بین العاملین للإسلام یرجع بعض أسبابها إلى أخطاء بعض هؤلاء وموقف البعض الآخر من تلک الأخطاء، حیث توجد مجموعات وأفراد من أولویة اهتماماتها تصید الأخطاء ورصدها وجمعها وتقدیمها شاهد إدانة ضد من صدرت منهم، عاملة بذلک على هدم مکانتهم ومنزلتهم فی قلوب المسلمین، بتوجیه مباشر أو غیر مباشر من أعداء الأمة الداخلیین والخارجیین.

وتخفیفاً من حدة هذا العامل فإن من المهم أن نبین أن الخطأ صفة ملازمة للبشر لا ینجو منها إلا الأنبیاء المسددون بالوحی وکلُ من سواهم لا بد أن تقع منهم أخطاء وزلات.

یقول صلى الله علیه وسلم: (کلُ ابن آدم خطاء وخیر الخطائین التوابون).

وهذا العموم الذی عبر عنه صلى الله علیه وسلم بلفظ “کل” یدخل فیه کلُ البشر غیر المعصومین بمن فیهم الصحابة والتابعون والصدیقون والشهداء والصالحون، فکلُ هؤلاء غیر معصومین لا من الذنوب ولا من الخطأ سواءً فی المسائل الخبریة القولیة، أو المسائل العملیة.

وستأتی معنا أمثلة لبعض ذلک، والمقصود هنا هو بیانُ أن الخطأ لا ینجو منه غیر المعصوم.

الضابط الثالث: لا تلازم بین الخطأ والإثم:

کثیرٌ من الجماعات والأفراد یغیب عن أذهانهم الفرق بین حصول الخطأ وترتب الإثم علیه، فیؤثمون کلَّ من صدر منه خطاٌ مخالفٌ للصواب، وشیوع هذا الفهم ساعد على زیادة الخلافات والنفرة بین المسلمین.

والحق أن الإثم محطوط عن المجتهد إذا ما استفرغ وسعه فی طلب الحق ولو لم یوفق إلیه، لقول رسول الله صلى الله علیه وسلم: (إذا حکم الحاکم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حکم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر).

وهدی الصحابة رضوان الله علیهم وموقفهم من اجتهادات بعضهم یشهد لذلک.

یقول الآمدی رحمه الله فی کتابه ” إحکام الأحکام “: (وحجة أهل الحق فی ذلک “عدم تأثیم المجتهد المخطئ” ما نُقِلَ نقلاً متواتراً لا یدخله ریبة ولا شک، وعُلِمَ علماً ضروریاً من اختلاف الصحابة فیما بینهم فی المسائل، مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم، ولم یصدر منهم نکیرٌ ولا تأثیمٌ لأحدٍ، لا على سبیل الإبهام ولا التعیین، مع علمنا أنه لو خالف أحدٌ فی وجوب العبادات الخمس وتحریم الزنا والقتل لبادروا إلى تخطئته وتأثیمه).

ویقول ابن أبی العز الحنفی رحمه الله مبیناً بعضَ ما یُعذَرُ به المجتهد المخطئ: (والقول قد یکون مخالفاً للنص وقائله معذور، فإن المخالفة بتأویلٍ لم یسلم منها أحدٌ من أهل العلم، وذلک التأویل وإن کان فاسداً فصاحبه مغفورٌ له لحصوله عن اجتهاده).

ویقول ابن تیمیة رحمه الله: (إن کثیراً من مجتهدی السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، إما لأحادیث ضعیفة ظنوها صحیحة، وإما لآیات فهموا منها ما لم یرد منها، وإما لرأی رأوه، وفی المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل فی قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسینا أو أخطأنا}، وفی الصحیح أن الله قال قد فعلت).

ویقول رحمه الله فی شأن المجتهدین من الصدیقین والشهداء والصالحین: (وأما ما اجتهدوا فیه فتارةً یصیبون وتارةً یخطئون، فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم وخطؤهم مغفورٌ لهم. وأهل الضلال یجعلون الخطأ والإثم متلازمین، فتارة یغلون فیهم ویقولون إنهم معصومون، وتارة یجفون عنهم ویقولون إنهم باغون بالخطإ، وأهل العلم والإیمان لا یعصمون ولا یؤثمون، ومن هذا الباب تولد کثیرً من فرق أهل البدع والضلال).

ویقول أیضاً: (ومن جعل کل مجتهد فی طاعة اخطأ فی بعض الأمور مذموما معیباً ممقوتاً، فهو مخطىء ضال مبتدع).

ویقول فی بیان أعذار بعض من خالف معتقد أهل السنة والجماعة بعد أن بین هذا المعتقد رحمه الله: (ولیس کلُ من خالف فی شیء من هذا الاعتقاد یجب أن یکون هالکاً، فإن المنازع قد یکون مجتهداً مخطئاً یغفر الله خطأه، وقد لا یکون بلغه فی ذلک من العلم ما تقوم به الحجة، وقد یکون له من الحسنات ما یمحو الله به سیئاته، وإذا کانت ألفاظ الوعید المتناولة له لا یجب أن یدخل فیها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحیة والمغفور له وغیر ذلک، فهذا أولى).

هذه مواقف علماء الأمة من أخطاء المخطئین فی مسائل مهمة یلتمسون الأعذار للمخطئین ویبینونها، فکیف لا یسعنا نحن الیوم أن نتغافر ونلتمس الأعذار لبعضنا فی مسائل فرعیة واجتهادیة أقل شأناً بکثیرٍ من تلک المسائل؟! خاصة أننا فی وقت طغى فیه الکفر الأکبر، وبغى العدو الأخطر، الأمر الذی یستدعی تبرید حرارة الخلافات المحتملة بیننا، وتوحید الجهود والکلمة.

الضابط الرابع: لا قدوة فی الخطإ ولو کان صاحبه معذورا:

هذا الضابط یعتبر بمثابة تقیید للضابط السابق، لأنه قد یظن بعض الناس أن المجتهد إذا کان مغفوراً له خطؤه جاز اتباعه فی ذلک الخطإ، وهذا خطأ، فاجتهاد المجتهد إذا تبینت مخالفته للصواب تعین طرحه والأخذ بما دل علیه الدلیل، ولیس فی هذا تنقیص للمجتهد ولا حط من مکانته، فالحق أحق أن یتبع.

یقول الإمام الذهبی رحمه الله: (إن الکبیر من أئمة العلم إذا کُثر صوابه وعُلِمً تحریه للحق واتسع علمه وظهر ذکاؤه وعُرِفَ صلاحه وورعه واتباعه یُغفَر زلله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدی به فی بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلک).

ویقول ابن تیمیة رحمه الله فی نفس المعنى: (ومما یتعلق بهذا المعنى أن یُعلَم أن الرجل العظیم فی العلم والدین من الصحابة والتابعین ومن بعدهم إلى یوم القیامة أهل البیت وغیرهم، قد یحصل منه نوعٌ من الاجتهاد مقروناً بالظن ونوعٍ من الهوى الخفی، فیحصل بذلک ما لا ینبغی اتباعه فیه وإن کان من أولیاء الله المتقین. ومثل هذا إذا وقع یصیر فتنة لطائفتین: طائفة تعظمه فترید تصویب ذلک الفعل واتباعه علیه، وطائفة تذمه فتجعل ذلک قادحاً فی ولایته وتقواه، بل فی بره وکونه من أهل الجنة، بل فی إیمانه حتى تخرجه من الإیمان، وکلا هذین الطرفین فاسد… ومن سلک طریق الاعتدال عظّم من یستحق التعظیم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه فیعظم الحق ویرحم الخلق ویعلم أن الرجل الواحد تکون له حسنات وسیئات، فیُحمدُ ویُذَمُ ویُثابُ ویُعاقبُ، ویحب من وجه ویُبغضُ من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم).

ویقول ابن القیم رحمه الله فی الرجل الجلیل من أهل الإسلام إنه: (قد تکون منه الهفوة والزلة هو فیها معذورٌ بل مأجور لاجتهاده، فلا یجوز أن یتبع فیها، ولا یجوز أن تُهدر مکانته وإمامته ومنزلته فی قلوب المسلمین).

ولیس من الخطإ الذی یعذر صاحبه ویؤجر خطأ الذین انحازوا لمعسکر الطواغیت والباطل وسخروا أنفسهم لخدمة ومحاربة الحق وأهله، فباعوا دینهم بدنیا غیرهم، فهؤلاء متبعون لأهوائهم، لا مخطئون فی اجتهادهم، وهنالک فرق بن الخطإ فی الاجتهاد واتباع الهوى، بعد أن قامت الحجة واتضح الصواب.

إذا عُلِمَ کل ما سبق أدرکنا حجم الخطإ الذی یقع فیه کثیرٌ من المسلمین الیوم، والعاملین للإسلام خصوصاً الذین ضیعوا هذه الضوابط فوقع بعضهم فی أخطاء ووقع بعضٌ فی الأخطاء المقابلة، وقَلَّ من سلک سبیل القصد الذی هو وسط بین الغلاة والجفاة.

وکما لا یجوز اتباع المخطیء فی خطئه المغفور له، فإن من المطلوب شرعاً کذلک بیان الخطإ بالضوابط الشرعیة للبیان، بحیث یکون الهدف هو بیان الحق والدعوة إلیه برفق والتماس العذر للمخالف فی حرصٍ على نصحه واستجابته، ولا یکون الهدف هو القدح والتجریح والتشنیع والتجدیع والتبدیع.

الضابط الخامس: لا تلازم بین الخلاف فی الرأی واختلاف القلوب:

إن تعدد وجهات النظر واختلاف الآراء، وتعدد الاجتهادات أمورٌ طبیعیة وهی نتیجة حتمیة لتفاوت المدارک والعقول وتعارض الأدلة وغیاب بعضها.

والخلاف بهذا المعنى أمرٌ لا بد منه وهو واقع لا محالة للأسباب السابقة وغیرها.

لکن هذا الخلاف لا یجوز أن یکون سبباً لتنافر القلوب وتفریق الجماعة والحکم على المخالف بلا علمٍ ولا عدل، فقد اختلف الصحابة رضوان الله علیهم فی الکثیر من الأمور فی المباحث المختلفة الفقهیة وغیرها.

یقول ابن تیمیة رحمه الله: (وقد کان العلماء من الصحابة والتابعین ومن بعدهم إذا تنازعوا فی الأمر اتبعوا أمر الله تعالى فی قوله: {فإن تنازعتم فی شیء فردوه إلى الله والرسول، إن کنتم تؤمنون بالله والیوم الآخر، ذلک خیرٌ وأحسنُ تأویلاً}، وکانوا یتناظرون فی المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم فی المسألة العلمیة والعملیة، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدین، نعم من خالف الکتاب المستبین، والسنة المستفیضة، أو ما أجمع علیه سلف الأمة خلافاً لا یعذر فیه، فهذا یعامل بما یعامل به أهل البدع).

وضرب رحمه الله أمثلة لما جرى فیه الخلاف بما جرى بین عائشة رضی الله عنها وغیرها من الصحابة، فقد أنکرت أن یکون الأموات یسمعون دعاء الحی لما قیل لها إن النبی صلى الله علیه وسلم قال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، فقالت: (إنما قال؛ إنهم لیعلمون الآن أن ما قلتُ لهم لحق). ومع هذا فلا ریب أن الموتى یسمعون خفق النعال کما ثبت عن رسول الله صلى الله علیه وسلم: (وما من رجل یمر بقبر الرجل کان یعرفه فی الدنیا فیسلم علیه إلا رد الله علیه روحه حتى یرد علیه السلام…)، وأم المؤمنین تأولت والله یرضى عنها. وکذلک معاویة قیل عنه فی أمر المعراج إنه قال إنما کان بروحه، والناس على خلاف معاویة رضی الله عنه، ومثل هذا کثیر.

(وأما الاختلاف فی الأحکام فأکثر من أن ینضبط، ولو کان کلما اختلف مسلمان فی شیء تهاجرا لم یبقَ بین المسلمین عصمة ولا أخوة، ولقد کان أبو بکر وعمر رضی الله عنهما، وهما سیدا المسلمین یتنازعان فی أشیاء لا یقصدان إلا الخیر، وقد قال النبی صلى الله علیه وسلم یوم بنی قریظة لا یصلین أحدٌ العصر إلا فی بنی قریظة، فأدرکتهم العصر فی الطریق فقال قومٌ لا نصلی إلا فی بنی قریظة ففاتهم العصر، وقال قومٌ لم یرد منا تأخیر الصلاة فصلوا فی الطریق، فلم یُعِبِ واحداً من الطائفتین. وهذا وإن کان فی الأحکام فما لم یکن فی الأصول المهمة فهو ملحقٌ بالأحکام).

ویضرب ابن تیمیة رحمه الله أمثلة أخرى للاختلاف فی الأحکام، فیقول ” وکذلک تنازع المسلمون فی الوضوء من خروج الدم بالفصاد والحجامة والجرح والرعاف والقیء… وکذلک تنازعوا فی کثیر من مسائل الفرائض… ومسائل الطلاق والإیلاء… وفی کثیر من مسائل العبادات فی الصلاة والصیام والحج وفی مسائل زیارات القبور… وتنازعوا فی السلام على النبی صلى الله علیه وسلم هل یسلم علیه فی المسجد وهو مستقبل القبلة؟ أو مستقبل الحجرة؟ وهل یقف بعد السلام یدعو له أم لا؟).

ومع کل هذا الخلاف فی هذه المسائل الکثیرة بین السلف، فإنه لم یبدع بعضهم بعضاً ولا کفَّره ول فَسَّقه.

یقول ابن تیمیة رحمه الله: (وما زال کثیرٌ من السلف یتنازعون فی کثیر من هذه المسائل ولم یشهد أحدً منهم على أحد لا بکفر ولا فسق ولا معصیة).

هکذا کان السلف رضوان الله علیهم فی خلافهم العلمی، فلم یکن هذا الخلاف فی الرأی یؤدی إلى اختلاف القلوب وفساد الجماعة وتفرق الکلمة واتهام بعضهم بعضاً، مع أن دولة الإسلام کانت قائمة، وشوکته ظاهرة، وبیضته محمیة، ورایته مرفوعة، فما أحرانا معشر العاملین للإسلام الیوم أن نقتدی بهم ونهتدی بمنهجهم! فحاجتنا إلى هذا المنهج – ونحن فیما نحن فیه من الاستضعاف – أکثر إلحاحاً حتى نستطیع توحید الکلمة تحت رایة التوحید دفعاً للکفر الأکبر.

الضابط السادس: الخطأ یُقدر بقدره:

لقد سبق معنا أن الإنسان بطبیعته معرض للخطأ والزلل، والعثور والخطل.

ولما کان الأمر کذلک، وکان کل الفضلاء والصلحاء عرضة لذلک، کان الواجب وضع ضابط یحفظ لهم کرامتهم من أن تهدم، ومکانتهم من أن تهدر، بسبب ما لا بد أن یقع من الخطأ منهم.

وهذا الضابط مؤداه أن العبرة بما غلب على الشخص من الحسنات والصلاح لا یهدر مکانته الخطأ العارض الذی لا یمکن أن ینجو منه أحد غیر معصوم.

قال سعید بن المسیب رحمه الله: (لیس من شریف ولا عالم إلا وفیه عیب، ولکن من الناس من لا ینبغی أن تذکر عیوبه، فمن کان فضله أکثر من نقصه وهب نقصه لفضله).

ویقول ابن الأثیر الجزری رحمه الله فی نفس المعنى: (إنما السید من عُدت سقطاته وأُخذت غلطاته فهی الدنیا لا یکمل فیها شیء).

ولو کان کل من أخطأ طرح وأُهملت حسناته لترتب على ذلک مفاسد عظیمة وأضرار جسیمة، یقول ابن القیم رحمه الله: (فلو کان کل من أخطأ أو غلط ترک جملة وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحکم، وتعطلت معالمها).

والنقول فی هذا الباب کثیرة، وقد سبق معنا کلام ابن القیم فی الرجل الجلیل من أهل الإسلام أنه: (قد تکون منه الهفوة والزلة هو فیها معذور بل مأجور لاجتهاده فلا یجوز أن ی تبع فیها، ولا یجوز أن تهدر مکانته وإمامته ومنزلته فی قلوب المسلمین).

وکلام الذهبی فی الکبیر من أئمة العلم أنه: (یغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه).

ویقول الذهبی أیضاً رحمه الله: (ونحب العالم على ما فیه من الصفات الحمیدة، ولا نحب ما ابتدع فیه بتأویلٍ سائغ، وإنما العبرة بکثرة المحاسن).

هذا منهج السلف رضوان الله علیهم، فأین هذا الأسلوب مما یمارسه بعض المنتسبین إلى العمل للإسلام من تصیدٍ لأخطاء الدعاة إلى الله والعاملین له وتضخیمها والنفخ فیها إن کانت موجودة واختلاقها أحیاناً إن لم توجد منفذین بألسنتهم وأقلامهم مخططات أعداء الأمة فی التشهیر بالعلماء الصادقین، وتحطیم مکانتهم فی القلوب ومنزلتهم فی النفوس؟!

ومما یدخل فی هذا الباب – باب تقدیر الخطأ بقدره وإنصاف صاحبه – الحکم على المخالفین البعیدین الذین کثر خطؤهم وخروجهم عن الصواب، فهؤلاء وإن کنّا نخالفهم فی أمورٍ کثیرة فی الأصول والفروع، فإن الله تبارک وتعالى أمرنا أن لا نحکم علیهم إلا بعلمٍ وعدل، لا بما تهوى الأنفس وتتبَع من الظن.

وقد رأینا علماء أهل السنة والجماعة – رغم حساسیة موضوع البدع وفرقها عندهم – لم یمنعهم ذلک من إنصاف هذه الفرق والحکم علیها بمقتضى منهج العدل والإنصاف الذی بینوه وحددوه.

یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة عن هذا المنهج: (ولما کان أتباع الأنبیاء هم أهل العلم والعدل، کان کلام أهل الإسلام والسنة مع الکفار وأهل البدع بالعلم والعدل لا بالظن وما تهوى الأنفس).

ویقابل هذا المنهج المنصف العادل الذی هو منهج أهل السنة والجماعة فی الحکم على مخالفیهم منهج أهل الأهواء والبدع الذین یقول عنهم شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله: (وأما أهل البدع فهم أهل أهواء وشبهات یتبعون أهواءهم فیما یحبونه ویبغضونه، ویحکمون بالظن والشبه، فهم یتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى).

وعندما طبق شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله هذا المنهج منهج العدل والإنصاف على الفرق البدعیة والکلامیة، فإنه أظهر إنصافاً کبیراً، ذکر من خلاله محاسن هذه الفرق مع مساوئها بمیزان منصف، فذکر من محاسنها أن کثیراً منها ذهب إلى بلاد الکفار فأسلم على یدیه خلقٌ کثیر وانتفعوا بذلک وصاروا مسلمین مبتدعین وهو خیرٌ من أن یکونوا کفاراً).

وذکر أن بعض المتکلمین وإن کانوا یردون باطلأً بباطل وبدعة ببدعة لکن قد یردون باطل الکفار من المشرکین وأهل الکتاب ونحوهم بباطل المسلمین، فیصیر الکافرُ مسلماً مبتدعاً، وبعض المتکلمین یرد البدع الظاهرة ببدعة أخف منها.

ویقول عند حدیثه عن الصوفیة مبیناً غلو بعض الغلاة فیهم، وجفاء بعض الجفاة عنهم، وموضحاً المنهج الوسط الذی هو الحق بشأنهم: (فطائفة ذمت الصوفیة والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة… وطائفة غلت فیهم وأدعو أنهم أفضل الخلق بعد الأنبیاء، وکلا طرفی هذه الأمور ذمیم، والصواب أنهم مجتهدون فی طاعة الله، ففیهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفیهم المقتصد الذی هو من أهل الیمین، وفی کل من الصنفین من قد یجتهد فیخطئ… ومن المنتسبین إلیهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وقد انتسب إلیهم طوائف من أهل البدع والزندقة…).

ومما ینبغی أخذه فی الاعتبار فی هذا الباب کذلک معرفة أن الطوائف المخالفة للسنة لیست بدرجة واحدة فی مخالفتها لها، بل هی على درجات متفاوتة، فمن هؤلاء من تکون مخالفته فی أمورٍ عظیمة، ومنهم من تکون مخالفته فیما دون ذلک، ومقتضى العدل والإنصاف أن یُحکم على کل طائفة ومخالف حسب مخالفته للسنة.

یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله عن درجات المخالفین للسنة وتفاوتهم فی المخالفة بأن: (منهم من یکون قد خالف السنة فی أصولٍ عظیمة، ومنهم من یکون إنما خالف السنة فی أمورٍ دقیقة… ومثل هؤلاء إذا لم یجعلوا ما ابتدعوه قولاً یفارقون به جماعة المسلمین یوالون علیه ویعادون کان من نوعاً الخطإ، والله سبحانه یغفر للمؤمنین خطأهم فی ذلک).

ویدخل فی هذا المعنى أیضاً أهمیة تقدیر ظروف کثیر من المسلمین الذین لم تتح لهم الفرصة للأخذ بالحق صافیاً لقلة القائمین به وتحکم الرواسب والشوائب المختلفة فی واقع المسلمین، مع غیاب الفهم الصحیح للکتاب والسنة وفقههما والقدرة على التمییز بین صحیح الأحادیث وسقیمها، وشیوع الأهواء وکثرة الآراء، فعوام المسلمین وأشباههم ممن نشأ فی هذه الظروف لا یجب علیهم من العلم ما یجب على من نشأ بدار علمٍ وإیمان فیها قائمون بالحق یبینونه للناس ویدعونهم إلیه، وبالتالی فلا یُحاسَبُ أولئک حساب هؤلاء.

وقد أشار إلى هذا المعنى شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله، فبعد أن ذکر ما کان من ظهور الحق وقیام الأدلة علیه فی عهد الإسلام الأول قال: (فلما طال الزمان خفی على کثیر من الناس ما کان ظاهراً لهم، ودق على کثیر من الناس ما کان جلیاً لهم، فکثر من المتأخرین مخالفة الکتاب والسنة، ما لم یکن مثل هذا فی السلف، وإن کانوا مع هذا مجتهدین معذورین یغفر الله لهم خطایاهم ویثیبهم على اجتهادهم، وقد یکون للعامل منهم أجر خمسین رجلاً یعملها فی ذلک الزمان، لأنهم کانوا یجدون من یعینهم على ذلک، وهؤلاء المتأخرون لم یجدوا من یعینهم على ذلک).

ومما یدخل فی هذا المعنى أیضاً التفصیل بشأن من اتبعوا بعض مقالات أهل الکلام یظنون أنها الحق لِما التبس علیهم من أمرها وأمر أصحابها، فهؤلاء لا بد من التفصیل فی الحکم بشأنهم، فمنهم الفاسق والعاصی، ومنهم المخطیء المغفور له المعذور فی خطئه لما التبس علیه من الأمر.

یقول ابن تیمیة رحمه الله عن الجهمیة إنهم: (قد خفی کثیر من مقالاتهم على کثیر من أهل الإیمان حتى یظن أن الحق معهم لما یوردونه من الشبهات، ویکونُ أولئک المؤمنون مؤمنین بالله والیوم الآخر باطناً وظاهراً، وإنما التبس علیهم واشتبه هذا کما التبس على غیرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء لیسوا کفاراً قطعاً، بل یکون منهم الفاسق والعاصی وقد یکون منهم المخطیء المغفور له، وقد یکون معهم من الإیمان والتقوى ما یکون معهم من ولایة الله بقدر إیمانه وتقواه).

هذا کلام شیخ الإسلام ابن تیمیة فی شأن من التبست علیه أقوال الجهمیة التی تعتبر کفراً فی بعضها، فکیف بمن التبس علیه الحق، وأخذ بأقوال بعض المنتسبین لأهل السنة والجماعة یعتقد أنها هی السنة والحق؟.

ومما یؤسف له کثیراً غیاب هذا الإنصاف وهذا العدل بهذا العلم عند الحدیث فی هذه المواضیع التی یخوض فیها کثیرٌ من الخائضین اتباعاً للظن وما تهوى الأنفس، بغیر بینة من علمٍ ولا بصیرة من هدى.

الضابط السابع: کلام الخصوم والأقران یُعبَأُ به یطوى ولا یروى:

کثیر من التهم التی یتراشق بها المتراشقون فی الساحة الإسلامیة الیوم ترجع دوافعها إلى ما یکون بین الأقران والخصوم من حسدٍ ونحوه، وهذا لیس جدیداً على تاریخ البشر بل هو قدیم لم یسلم منه عصر من العصور سوى الأنبیاء والصدیقین.

ومنهج أهل السنة والجماعة وعلماء الجرح والتعدیل هو عدم قبول هذا الکلام والاعتداد به إلا إذا قام دلیل قاطع على صحته.

یقول الإمام الذهبی رحمه الله: (کلام الأقران بعضهم فی بعض لا یُعبأُ به، لا سیما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ینجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلک سوى الأنبیاء والصدیقین، ولو شئت لسردت من ذلک کراریس).

ویقول عن تأثیر الشحناء ونحوها فی حکم أهل الجرح والتعدیل على أقرانهم: (… لسنا ندعی فی أئمة الجرح والتعدیل العصمة من الغلط النادر، ولا من الکلام بنفسٍ حاد فیمن بینهم وبینه شحناء وإحنةٌ، وقد عُلِمَ أن کلام کثیرٍ من الأقران بعضهم فی بعض مهدورٌ لا عبرة به، لا سیما إذا وثّق الرجل جماعةٌ یلوح على قولهم الإنصاف).

ویقول: (کلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى ولعصبیة لا یُلتفت إلیه، بل یُطوى ولا یُروى).

ویقول الإمام أحمد بن حنبل فیما شجر بین الإمام مالک وابن أبی ذئب: (وبکل حالٍ فکلام الأقران بعضهم فی بعض لا یعول على کثیر منه، فلا نقصت جلالة مالک بقول ابن أبی ذئب فیه، ولا ضعّف العلماء ابن أبی ذئب بمقالته هذه، بل هما إماما المدینة فی زمانهما).

ویقول ابن حجر: (ومما ینبغی أن یتوقف فی قبول قوله فی الجرح من کان بینه وبین من جرحه عداوةٌ سببها الاختلاف فی الاعتقاد… ویلتحق بذلک ما یکون سببه المنافسة فی المراتب، فکثیراً ما یقع بین العصریین الاختلاف والتباین لهذا وغیره، فکل هذا ینبغی أن یتأنى فیه ویُتأمل، وما أحسن ما قال القشیری… أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفیرها طائفتان: الحکام والمحدثون، هذا أو معناه).

ویقول ابن جریر الطبری رحمه الله: (لو کان کلُ من ادعی علیه مذهب من المذاهب الردیئة ثبت علیه ما ادعی به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلک، للزم ترک أکثر محدثی الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قومٌ إلى ما یُرغَبُ به عنه).

ویقول ابن عبدالبر رحمه الله: (هذا بابٌ غلط فیه کثیر من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدری ما علیها فی ذلک).

(والصحیح فی هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت فی العلم أمانته، وبانت ثقته وعنایته بالعلم لم یُلتفت فیه إلى قول أحد إلا أن یأتی فی جرحته ببینة عادلة… والدلیل على أنه لا یقبل فی من اتخذه جمهور من جماهیر المسلمین إماماً قول أحد من الطاعنین أن السلف رضوان الله علیهم قد سبق من بعضهم فی بعض کلامٌ کثیر فی حال الغضب، ومنه ما حمل علیه الحسد، کما قال ابن عباس ومالک بن دینار وأبو حازم، ومنه على جهة التأویل مما لا یلزم القول فیه ما قاله القائل فیه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسیف تأویلاً واجتهاداً لا یلزم تقلیدهم فی شیء منه دون برهان ولا حجة توجبه).

وقد ضرب العلماء أمثلة لکلام الأقران والخصوم بمثل ما جرى بین الإمام مالک وابن أبی ذئب، وبین الإمام أبی حنیفة رحمه الله والإمام النووی، وبین الإمام أحمد والمحاسبی.

یقول السبکی رحمه الله: (الحذر کل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم: الجرح یقدم على التعدیل على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته، وکثر مادحوه، وندر جارحوه، وکانت هنالک قرینة دالةٌ على سبب جرحه من تعصبٍ مذهبی أو غیره لم یلتفت إلى جرحه).

ویقول أیضاً: (قد عرّفناک أن الجارح لا یُقبل منه الجرح وإن فسّره فی حق من غلبت طاعته على معاصیه ومادحوه على ذامه ومزکوه على جارحیه، إذا کانت هناک منافسة دنیویة کما یکون بین النظراء أو غیر ذلک، فحینئذ لا یلتفت لکلام الثوری وغیره فی أبی حنیفة، وابن أبی ذئب وغیره فی مالک، وابن معین فی الشافعی، والنسائی فی أحمد بن صالح، ونحوه، ولو أطلقنا تقدیم الجرح لما سلم لنا أحدٌ من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فیه طاعنٌ وهلک فیه هالکون).

فإذا کان کلام هؤلاء الأئمة الأعلام لا یقبل فی أقرانهم، فکیف یقبل فی عصرنا الذی ضعف فیه التقوى واتبُّع الهوى، کلام بعض الجماعات والأفراد ضد أقرانهم على عواهنه، خاصة أن المطعون فیهم غالباً ما یکونون من العلماء الصادقین وممن عرف بالصلاح والورع، والصدق والتضحیة فی سبیل الحق، وغالب الطعانین اللعانین هم من علماء البلاط وحواشی السلاطین، أو ممن استدرجهم هؤلاء ولبّسوا لیهم.

الضابط الثامن: الظلم لا یسقط الأخوة الإیمانیة:

بعض المشاکل الخلافیة بین العاملین للإسلام تکون بدایته باتهام ظالمٍ من طرفٍ ضد طرفٍ آخر لسببٍ ما، فیقوم الطرف المتهم بالرد.

وغالباً ما یتجاوز الطرفان أو أحدهما الحدود الشرعیة فی حق الطرف الآخر إلى النیل من دعوته التی یحمل أو جماعته التی ینتمی إلیها أو مذهبه الذی یأخذ به، قاطعاً بذلک حبل الإخوة الإیمانیة وما یترتب علیها من موالاة.

ولا یخفى أن هذا خروج واضح على هدی الإسلام وتعالیمه، فالله یرشدنا فی کتابه العزیز إلى أن نقابل إساءة الآخرین بالإحسان إلیهم، فذلک أدعى لالتئام شرخ الصف ورأب صدع الجماعة. یقول تعالى: {أدفع بالتی هی أحسن فإذا الذی بینک وبینه عداوة کأنه ولیٌ حمیم}.

ولیس أجمل فی هذا المقام من الهروب والفرار من میدان معرکة الشتائم والتهم التی یعتبر المنتصر فیها شر الخصمین.

وإن کان ولا بد من أن یأخذ الإنسان حقه لنفسه، والانتصار من خصمه فلیکن ذلک بحقٍ وعدل، فلا یجوز أن ننسى أن ظلم إخواننا لنا لا یُسقط ما لهم علینا من حقوق الإخوة والموالاة وحرمة الظلم والمعاداة.

فی هذا المقام یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله: (فإن الظلم لا یقطع الموالاة الإیمانیة، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا فأصلحوا بینهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التی تبغی حتى تفیء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بینهما بالعدل وأقسطوا إن الله یحب المقسطین، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بین أخویکم} فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغی… ولیعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمک واعتدی علیک والکافر تجبُ معاداته وإن أعطاک وأحسن إلیک).

الضابط التاسع: الهجر لا بد أن یکون شرعیاً:

من المظاهر والأسباب فی الوقت نفسه للفرقة بین المسلمین الیوم ظاهرة التهاجر والتدابر بین العاملین للإسلام.

وفی غالب الأحیان یُلبَس هذا التهاجر والتدابر لبوساً شرعیاً، بینما فی الحقیقة تکون دوافعه شخصیة لا علاقة لها بالهجر الشرعی، فالهجر الشرعی لا بد أن یکون دافعه خالصاً لله تعالى أولاً وأن یکون بصورة مشروعة ثانیاً، وأن یغلب على الظن أنه یؤدی إلى تحقیق المقصود منه ثالثاً.

یقول ابن تیمیة رحمه الله: (فالهجرة الشرعیة هی من الأعمال التی أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لا بد أن تکون خالصة لله تعالى وأن تکون موافقة لأمره، فتکون خالصة لله صواباً، فمن هجر لهوى فی نفسه أو هجر هجراً غیر مأمور به کان خارجاً عن هذا، وما أکثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله… فینبغی أن یفرق بین الهجر لحق الله وبین الهجر لحق نفسه، فالأول مأمور به والثانی منهی عنه).

وکما أن الهجر لا بد أن یکون خالصاً لله ولا بد أن یکون بالصورة الشرعیة، فکذلک لا بد أن یکون مؤدیاً للمقصود الشرعی منه ؛ لأن الهجر لیس مقصوداً لذاته ولا للنکایة بالمهجور، بل الهدف منه إنزجار المهجور عن مخالفته من جهة وألا یقتدى به من جهة أخرى، فإذا لم یؤد إلى هذه النتیجة لم یکن مأموراً به، بل یکون تألیف القلوب أولى منه.

یقول ابن تیمیة رحمه الله: (فالهجران قد یکون مقصوده ترک سیئة البدعة… وقد یکون مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهی عن المنکر وعقوبة الظالمین… فإذا لم یکن فی هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحدٍ بل بطلان کثیر من الحسنات المأمور بها لم تکن هجرة مأموراً بها).

إن هذا الفقه فی الهجر وضوابطه وأهدافه غائبٌ عن کثیر من المتهاجرین الیوم الذین یتصیدون أخطاء بعضهم لیجعلوا منها مسوغاً لهجر أصحابها والنکایة بهم والتشفی فیهم، موهمین أنفسهم ومن حولهم أنهم بذلک یقومون بالهجر الشرعی المأمور به انتصاراً للسنة وردعاً للبدعة!

والحق أن هجر هؤلاء مع أن دوافعه مدخولة وصوره غیر مشروعه، فإنه لا یؤدی إلى الهدف المشروع من الهجر وهو انزجار المخالف، بل فی الغالب یدفع المخالف إلى مزیدٍ من العناد والإصرار.

ومن أسباب ذلک أن کثیراً من هؤلاء الذین یمارسون الهجر والهجر المضاد لیس لهم وزن ولا ثقل حتى یؤثر هجرهم فی المهجور، ومن هذه حاله فإن الهجر المشروع ساقطٌ عنه، فکیف بالهجر الممنوع؟!

یقول ابن تیمیة رحمه الله: (وهذا الهجر یختلف باختلاف الهاجرین فی قوتهم وضعفهم وقلتهم وکثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأدیبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن کانت المصلحة فی ذلک راجحة بحیث یُفضی هجره إلى ضعف الشر وخفیته کان مشروعاً وإن کان لا المهجور ولا غیره یرتدع بذلک بل یزید الشر والهاجر ضعیف بحیث تکون مفسدة ذلک راجحة على مصلحته لم یُشرع الهجر بل یکون التألیف لبعض الناس أنفع من الهجر والهجر لبعض الناس أنفع من التألیف ؛ ولهذا کان النبی صلى الله علیه وسلم یتألف قوماً ویهجر آخرین “فهجر الثلاثة الذین خُلفوا وتألف آخرین کانوا سادة مُطاعین فی عشائرهم” وجواب الأئمة کأحمد وغیره مبنیٌ على هذا الأصل… وإذا عُرِفَ مقصود الشریعة سُلِکَ فی حصوله أوصل الطرق إلیه).

هکذا تبین لنا أن الهجر بسبب ذنبٍ محقق ودوافع سلیمة وصورة مشروعة یسقط إذا لم یکن مؤدیاً إلى تغییر المنکر، ویکون التألیف أولى منه، فکیف بکثیر من صور الهجر التی یعج بها واقع المسلمین ولم یتوفر فیها أی من الضوابط السابقة؟! وکأن أصحابها لم یسمعوا قوله صلى الله علیه وسلم: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وکونوا عباد الله إخواناً، ولا یحل لمسلم أن یهجر أخاه فوق ثلاث).

کما أنه لا یکفی فی سبب الهجر أن یرتکب المهجور معصیة أو یعتقد بدعة، فلا بد مع ذلک من المهاجرة بتلک المعصیة، والدعوة إلى تلک البدعة.

یقول ابن تیمیة رحمه الله: (… فبهذا ونحوه رأى المسلمون أن یهجروا من ظهرت علیه علامات الزیغ من المظهرین للبدع الداعین إلیها، والمظهرین للکبائر، فأما من کان مستتراً بمعصیته أو مسراً لبدعة غیر مکفرة، فإن هذا لا یُهجر، وإنما یُهجر الداعی إلى البدعة، إذ الهجر نوع من العقوبة، وإنما یعاقب من أظهر المعصیة قولاً وعملاً).

ویقول رحمه الله: (وأما من أظهر لنا خیراً، فإننا نقبل علانیته ونکلُ سریرته إلى الله تعالى فإن غایته أن یکون بمنزلة المنافقین الذین کانت النبی صلى الله علیه وسلم یتقبل علانیتهم ویکل سرائرهم إلى الله تعالى. لما جاءوا إلیه عام تبوکٍ یحلفون ویعتذرون).

(ولهذا کان الإمام أحمد وأکثر من قبله وبعده من الأئمة کمالکٍ وغیره لا یقبلون روایة الداعی إلى بدعته، ولا یجالسونه بخلاف الساکت. وقد أخرج أصحاب الصحیح عن جماعات ممن رُمِیَ ببدعة من الساکتین، ولم یخرجوا عن الدعاة من البدع).

هذه بعض أهم الضوابط الشرعیة فی مذهب أهل الحق والإنصاف من أهل السنة والجماعة، وهذا المنهج فوق کونه فریضة شرعیة – لأنه منهج العلم والعدل – فهو ضرورة واقعیة تملیها کل العوامل والظروف المحیطة بالعاملین للإسلام الیوم، التی تفرض توحید الجهود وتعاون الطاقات الداخلیة لمواجهة الأعداء الخارجیین، بدلاً من صرفها فی مؤلفات وأشرطة الردود والردود المضادة والصراعات على المساجد ونحوها من الأمور التی استفرغ فیها کثیر من الجهد الإسلامی.

ومع وضوح هذه الحقائق فإننا لا زلنا نتساءل مع المتسائلین المشفقین على مستقبل هذه الدعوة ومستقبل هذا الدین وهذه الأمة: متى یفیق المسلمون من رقدتهم الطویلة ونومتهم العمیقة؟ ومتى ینهضون للقیام بعمل جاد لدینهم ودعوتهم؟ ومتى یمیزون بین صدیقهم وعدوهم؟ ومتى یوجهون سهامهم الداخلیة التی یتناحرون بها إلى عدوهم الخارجی الجاثم بکلکله على صدر أمتهم یدنس ویحتل مقدساتها ویذل ویهین کرامتها وینهب ویسلب ثرواتها وخیراتها؟!

والإجابة على هذه التساؤلات لا تتم إلا بالأخذ العملی الجاد بمنهج أهل السنة والجماعة الذی یدخل فیه بالضرورة منهج العلم والإنصاف والعدل السابق الذی یحکم علاقات المسلمین فیما بینهم وعلاقاتهم مع الآخرین.

ویوم أن یأخذ العاملون للإسلام من جماعات وأفراد بهذا المنهج فستکون تلک البدایة الصحیحة لتحقیق معانی الوحدة والائتلاف بین المسلمین والقضاء على أسباب الفرقة والاختلاف بینهم، وعند ذلک ستکون الحاجة ماسة إلى معرفة معالم الإطار العام الذی یمکن للجمیع التعاون والتناصر والتآزر من خلاله، تمهیداً للوحدة الکبرى التی ینبغی أن تکون مطلب الجمیع وهدفهم الکبیر.

وفی النقطة التالیة سنحاول ذکر أبرز معالم هذا الإطار…

الفصل الرابع؛ المعالم العامة لإطار التعاون بین العاملین للإسلام
کثیراً ما یطرح المثبطون والأعداء، بل وبعض المخلصین المشفقین أسئلة من قبیل: کیف یمکن أن یجتمع أو یتعاون العاملون للإسلام الیوم من جماعات وأفراد بعد أن بلغت الخلافات الفکریة والشخصیة منهم کل ما بلغت؟

وإجابة على هذه التساؤلات نضع هذه المعالم لنؤکد من خلالها أن أسباب ومظاهر الخلاف الموجودة بین المسلمین مهما بلغت فإنها أقل وأضعف من عوامل الوحدة والاجتماع الموجودة إذا ما صدقت النیات وتحرکت الإرادات والعزائم خاصة إذا علمنا أن الاختلاف الحاصل بین کثیر من الجماعات والدعاة والعاملین للإسلام هو من اختلاف التنوع المشروع، ولیس من اختلاف التضاد الممنوع.

یقول ابن تیمیة عن حقیقة هذا النوع من الاختلاف: (واختلاف التنوع على وجوه، منه ما یکون کل واحد من القولین أو الفعلین حقاً مشروعاً، کما فی القراءات التی اختلف فیها الصحابة، حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله صلى الله علیه وسلم، وقال: (کلاکما محسنٌ”. ومنه؛ اختلاف الأنواع فی صفة الأذان والإقامة والاستفتاح والتشهدات وصلاة الخوف وتکبیرات العید وتکبیرات الجنازة إلى غیر ذلک مما قد یُشرع فی جمیعه وإن کان یُقال أن بعض أنواعه أفضل، ثم نجد لکثیر من الأمة فی ذلک من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإیتارها، وهذا عین المحرم، ومن لم یبلغ هذا المبلغ فتجد کثیراً منهم فی قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر أو النهی عنه، ما دخل به فیما نهى عنه النبی صلى الله علیه وسلم).

(ومنه – أی اختلاف التنوع – ما یکون کلٌ من القولین هو فی معنى القول الآخر، لکن العبارتان مختلفتان، کما یختلف کثیرٌ من الناس فی ألفاظ الحدود وصیغ الأدلة والتعبیر عن المسمیات وتقسیم الأحکام وغیر ذلک، ثم الجهل والظلم یحمل على حمد إحدى المقالتین وذم الأخرى. ومنه؛ ما یکون المعنیان غیرین، لکن لا یتنافیان، فهذا قولٌ صحیحٌ وهذا قولٌ صحیحٌ، وإن لم یکن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا کثیرٌ فی المنازعات جداً).

(ومنه ما یکون طریقتان مشروعتان ورجلٌ أو قومٌ سلکوا هذا الطریق، وآخرون قد سلکوا الأخرى وکلاهما حسنٌ فی الدین، ثم الجهل أو الظلم یحمل على ذم إحداهما أو تفضیلها بلا قصدٍ صالح أو بلا علم أو بلا نیة ولا علم).

ثم یقول رحمه الله عن المختلفین هذا النوع من الاختلاف: (وهذا القسم الذی سمیناه اختلاف التنوع، کلُ واحدٌ من المختلفین یصیب فیه بلا تردد، لکن الذم واقعٌ على من بغى على الآخر فیه).

إذا علمنا ذلک سهل علینا الخطب وهان الأمر، وأدرکنا أن کثیراً من خلافاتنا من قبیل خلاف التنوع لا خلاف التضاد.

وفیما یلی سنحاول استعراض أهم معالم الإطار الجامع للعاملین للإسلام الیوم…

المَعْلَمُ الأول: الوحدة فی الأصول:

ونعنی بالوحدة فی الأصول وحدة أصول المعتقد عند معظم العاملین للإسلام وهی الأصول العامة لأهل السنة والجماعة فی أبواب المعتقد المختلفة.

وکذلک وحدة منهج التلقی عند أهل السنة والجماعة أیضاً وهو المنهج القائم على العمل بما دل علیه الکتاب والسنة وإجماع الأمة فی تقدیرٍ واحترامٍ لأئمة أهل السنة وعلمائهم بمن فیهم الأئمة الأربعة وغیرهم..

وکذلک الوحدة فی الهدف وهو إعلاء کلمة الله تعالى والعمل على التمکین لدینه وإقامة الدولة الإسلامیة التی تُحَکِّمُ شرع الله تبارک وتعالى.

وکذلک الوحدة فی ضبط الوسائل بالضوابط الشرعیة بحیث تکون هذه الوسائل مع اختلافها فی طبیعتها – من دعویة أو جهادیة مثلاً – مضبوطة بالضوابط الشرعیة فی جمیع الظروف والأحوال.

هذه من أهم الأصول المطلوب الاتفاق علیها، وأغلبُ الفصائل والحرکات الإسلامیة على امتداد العالم الإسلامی الیوم متفقة علیها ولله الحمد.

والحق أن هذه الأصول تمثل حداً مشترکاً یهیئ لمستوى کبیر من التعاون والتنسیق بین هذه الجماعات والفصائل، خاصة أن هنالک عوامل أخرى تعمِّقُ ما یملیه هذا الاتفاق فی هذه الأصول من معانی الوحدة والسعی إلیها.

ومن هذه العوامل الرشد المتزاید والمتنامی للصحوة الإسلامیة المبارکة، فهذه الصحوة بفضل الله تتقدم الآن على اتجاهین مهمین، الاتجاه الأول هو الاتجاه الأفقی، ونعنی به اتساع أفق هذه الصحوة الذی یظهر فی ازدیاد عدد الراجعین إلى الإسلام والالتزام به من جهة، واتساع المجالات التی بدأت تدخل فی اهتمامات هذه الصحوة من جهة ثانیة.

والاتجاه الثانی هو الاتجاه المرکزی الداخلی، وهو ما یمکن أن نسمیه بالصحوة داخل الصحوة، ومن أهم ممیزات هذا الاتجاه الشعور المتنامی بضرورة تجاوز أخطاء مراحل الصحوة الأولى، ومن أهم هذه الأخطاء التعددیة السلبیة والخلافات السائدة بین العاملین للإسلام.

ومن العوامل المشجعة على الوحدة والدافعة إلیها بقوة أیضاً الشعور المتنامی والقوی بین المسلمین بشدة وشراسة هجمة العدو واستهدافه لکل ما هو عمل إسلامی وکل من هو عامل للإسلام دون تمییزٍ أو تفصیل، فأمم الکفر وطواغیت الحکام والحرکات الهدامة قد تکالبت علینا من کل حدبٍ وصوب، وهی تعمل على تحطیم عقائد المسلمین وإفساد أخلاقهم وهتک أعراضهم واحتلال بلادهم وتدنیس مقدساتهم واحتلالها، ونهب ثرواتهم واستلابها، بعد أن غابت الدولة الإسلامیة وغاب الحکم بشرع الله تبارک وتعالى، فحورب المسلمون فی عقر دارهم، فالشعور بهذه الحقائق مع العلم بمستوى الجهد المطلوب لسد الثغرات وهو جهد لا یمکن أن یقوم به فرد أو جماعة واحدة، کل هذه الأمور تصب فی النهایة فی اتجاه العمل على توحید الجهود وتنسیق العمل بین العاملین للإسلام خصوصاً والمسلمین عموماً.

إن الوضع الذی یعیشه المسلمون الیوم یقتضی استنفار کل من له انتساب إلى هذا الدین، وتوظیف طاقاته وجهوده فی المعرکة التی یخوضها الإسلام ضد التحالف الصلیبی الصهیونی الذی کشّرَ عن أنیابه، وکشف عن أهدافه الحقیقیة فی محاربة الإسلام والمسلمین، ولم یعد مکتفیاً بما یقوم به وکلاؤه فی المنطقة من طواغیت الحکام ونحوهم، ولم یعد مقتصراً فی حربه تلک على أطراف العالم الإسلامی البعیدة، بل أصبح یخوض المعرکة بنفسه، وفی قلب العالم الإسلامی وعلى أرض أقدس مقدساته فی الجزیرة العربیة وفلسطین وغیرها، ففی مثل هذه الحال یتجاوز الخطاب بالوحدة والتنسیق الجماعات والأفراد الذین یتحدون فی الأصول السابقة، إلى غیرهم من عوام المسلمین الصالحین ومن دونهم من الفسّاق والعصاة وحتى بعض المبتدعة ونحوهم ممن لا یمکن القیام بدفع العدو الأکبر والضرر الأخطر إلا بالتعاون معهم.

وهذا بابٌ مهمٌ من فقه المصالح والمفاسد لا یجوز أن یغیب عنّا فی مثل هذه الظروف، فقد کان لغیابه عن بعض العاملین للإسلام نتائجُ خطیرةٌ، وسلبیات کثیرة ساهمت فی تضارب المصالح والأولویات على الساحة الإسلامیة.

یقول ابن تیمیة رحمه الله إعمالاً لهذا الفقه: (فإذا تعذر إقامة الواجب من العلم والجهاد وغیر ذلک إلا بمن فیه بدعة مضرتها دون مضرة ترک ذلک الواجب کان تحصیل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خیرٌ من العکس، ولهذا کان الکلام فی هذه المسائل فیه تفصیل، وکثیرٌ من أجوبة الإمام أحمد وغیره خرج على سؤال سائلٍ قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطاباً لمعینٍ قد عُلِمَ حاله، فیکون بمنزلة قضایا الأعیان الصادرة عن رسول الله صلى الله علیه وسلم إنما یثبت حکمها فی نظیرها).

المَعْلَمُ الثانی: التعدد فی تکاملٍ لا تعارض:

إن من المهم أن نعلم أن مختلف الجماعات الإسلامیة قد وُلِدَتْ فی ظروف خاصة تتمیز وتختلف عن ظروف غیرها، وأن هذه الجماعات تواجهها مشاکل وعقبات مختلفة عن تلک التی تواجه نظیراتها فی بلدانٍ أخرى، وبالتالی فإن أسلوبها وأولویاتها فی العمل أمورٌ تتحدد تبعاً لذلک، وتقدیر ذلک حق لهذه الجماعات فهی أدرى وأقدر على تصنیف الواقع المحیط بها وما یناسبه من تحرکٍ وعمل، على أن تکون هنالک موازنة دقیقة لا تطغى بموجبها الاولویات الجزئیة والمحلیة لهذه الجماعات على المصالح والأولویات الکلیة للأمة، فهذه الجماعات هی وسائل لتحقیق مصالح الأمة الکبرى وغایاتها العظمى، ولا یجوز أن تنسینا الأهداف المرحلیة، والوسائل المؤقتة أن الهدف الأکبر فی هذا الصدد هو إقامة دولة الإسلام الکبرى وخلافته العظمى التی تأخذ فیها وحدة المسلمین بعدها الحقیقی.

لکن قبل ذلک وفی سبیله یمکن القبول مؤقتاً بتعددیة تکون منطلقة من وحدة الأصول السابقة، ومضبوطة بالضوابط الشرعیة التی ذکرنا بعضها فیما سبق، بل قد تکون هذه التعددیة لها جوانب نافعة، لأن فروض الکفایة ومصالح الأمة الیوم لا یمکن أن یقوم بها فرد أو جماعة من الجماعات مهما أوتیت من القدرات والطاقات بعد أن عبثت بهذه الفروض والمصالح عوامل عدیدة منها عجز علماء الأمة، وجهل أبنائها، وتآمر حکامها، وتکالبُ أعدائها فی الداخل والخارج.

وفی سبیل القیام بهذه الفروض، والنهوض بهذه المصالح لا بد من توزیع المهام والأدوار، وقیام کلٍ بدوره وفق مجاله وتخصصه ضمن الإطار العام لأهل السنة والجماعة، فکما أن کل جماعة لها عناصرُ توزعها على العمل حسب اختصاصها وکفاءتها، فإن هذه الجماعات المتعددة هی بالنسبة إلى الجماعة الکبرى – جماعة أهل السنة والجماعة – بمثابة تلک العناصر فی جماعاتها الصغیرة.

إن الثغرات المطلوب سدها والفروض المتعین القیام بها عدیدة وکبیرة تتطلب جهد الجمیع وطاقات الکل، فلنحسن توظیف ما لدینا من طاقات وجهود وتوزیعها على تلک الثغرات والفروض، فلدینا جماعات ذاتُ باعٍ وتاریخ حسن فی نشر العقیدة الصحیحة ومحاربة البدع بین المسلمین، فلتقف هذه الجماعات على هذا الثغر الذی لا تخفى أهمیته وأولویته.

ولدینا جماعات ذات تجربة وکفاءة فی المجال الدعوی وانتشال العصاة من أوکار المعاصی إلى رحاب الطاعة والهدایة فلتواصل عملها وبذل جهودها فی هذا المجال.

ولدینا جماعات أخرى برعت فی الرد على الأفکار الهدامة وفضح مخططات وأسالیب الأعداء وتقدیم الإسلام فی صورته الشاملة الکاملة التی تضمن سعادة الدنیا والآخرة، فلتلتزم هذه الجماعات بما التزمت به فی هذا المجال.

ولدینا جماعاتٌ أخرى لها القدرة على العمل السیاسی والتخطیط وبث الوعی الحرکی بین المسلمین، وهذا مجالٌ مهم إذا ما ضُبِط بالضوابط الشرعیة، وتُجُنِبَت المفاسد المترتبة علیه، فلْتُواصل هذه الجماعات وقوفها على هذه الثغرة.

ولدینا جماعات أخرى تمارس الاعداد وتدعو إلى الجهاد لتحریر أراضی المسلمین واسترجاع مقدساتهم وإقامة شرع الله تبارک وتعالى، فلتقم هذه الجماعات بهذا الفرض العظیم ولتستنفر له الأمة، فإن الأمة لم یتجرأ علیها أعداؤها هذه الجرأة إلا بعد أن ترکت الجهاد فی سبیل الله.

وهنالک طوائف تملک المال، وثانیة تملک الرجال، وأخرى لها سبقٌ فی المجال العلمی، وأخرى تجمع بین أکثر من مجال.

والساحة الإسلامیة بحاجة إلى کل هؤلاء، فلیقف کلٌ على مجاله الذی یحسنه، ومیدانه الذی یتقن العمل فیه فی تناصحٍ مستمر واستعدادٍ دائم لتجاوز الأخطاء وفرحٍ بکل نقدٍ بنّاء یعمل على حفظ المسیرة الکبرى من الخلل والانحراف بعیداً عن التشهیر والاتهام والنقد الهدام، وتصید الأخطاء، والطعن واللعن، والتشنیع والتبدیع.

وتوزیع الاختصاصات هذا لیس جدیداً على ساحة العمل للإسلام، فقد کان السلف رضوان الله علیهم یقوم کلٌ منهم بما یحسن ویتقن، والصحابة رضوان الله علیهم کانوا کذلک، فمنهم من کان عطاؤه فی نشر العلم بالکتاب والسنة کابن عباسٍ، ومنهم من کان عطاؤه فی المجال الجهادی کخالد بن الولید وغیره، ومنهم من کان یجمع بین أکثر من مجال کالخلفاء الأربعة – رضی الله عن الجمیع – وکذلک کان من بعدهم من السلف والخلف کلٌ ینوب عن الأنبیاء فیما یتقنه، کما قال ابن تیمیة رحمه الله: (… کلٌ منهم یقوم مقام الأنبیاء فی القدر الذی ناب عنهم فیه، هذا فی العلم والمقال، وهذا فی العبادة والحال وهذا فی الأمرین جمیعاً).

ویقول عنهم فی موضعٍ آخر: (فیهم الصدیقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابیح الدجى… وفیهم الأبدال الأئمة الذین أجمع المسلمون على هدایتهم ودرایتهم).

وقد کان کلُ منهم یلزم الباب الذی فتح الله له فیه من أبواب الخیر، دون أن یذم من ألزموا أبواباً أخرى فتح الله لهم فیها، فهذا الإمام مالک رحمه الله لمّا بعث إلیه عبدالله العمری العابد یحضه على الانفراد والعزلة والعمل، کتب إلیه مالکٌ رحمه الله: (إن الله قسم الأعمال کما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتِحَ له فی الصلاة ولم یفتح له فی الصوم، وآخر فُتِحَ له فی الجهاد، فنشر العلم من أفضل أنواع البر، وقد رضیت بما فُتِحَ لی فیه وأرجو أن یکون کلانا على خیر وبر).

لکن مما یجب أن یراعى فی هذا المقام أن یکون هذا التوزع على المهام توزعاً عادلاً ومتناسباً مع أهمیة المجالات العمل، فی فرغ للجهاد – مثلاً – من الطاقات ما یتناسب مع أهمیته والحاجة إلیه، ویعطى للمجالات الأخرى بحسبها، فلیس من التوزع العادل انشغال عشرات الآلاف من طلاب العلم بالطلب فی بلد محتل من القوات الصلیبیة، فی الوقت الذی لا یکاد یوجد طالب علم واحد من هؤلاء یُفقه المجاهدین فی دینهم، ویحرض الأمة على الجهاد.

المَعْلَمُ الثالث: ضبط الخلاف بمنهج السلف:

لقد سبق معنا بیان أن الخلاف فی المسائل الاجتهادیة ونحوها أمرٌ لا بد منه، وسبق معنا أن هذا الخلاف لا یجوز أن یؤدی إلى تفرق الجماعة وتنافر القلوب، وسبق معنا کذلک بیانُ ما کان علیه الصحابة – رضوان الله علیهم – عندما یحصل بینهم نزاعٌ أو خلاف من الحرص على الألفة والعصمة وأخوة الدین، فقد کانوا کما قال شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله: (وقد کان العلماء من الصحابة والتابعین ومن بعدهم إذا تنازعوا فی الأمر اتبعوا ما أنزل الله تعالى فی قوله: {فإن تنازعتم فی شیء فردوه إلى الله والرسول}، وکانوا یتناظرون فی المسألة العلمیة والعملیة مع بقاء الأُلفة والعصمة وأخوة الدین).

وما کان أحدٌ منهم یحکم على مخالفة بکفرٍ ولا فسقٍ ولا معصیة، بل ولا ینکرون على بعضهم فی المسائل الاجتهادیة.

یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة رحمه الله عن حالهم: (وما زال کثیرٌ من السلف یتنازعون فی هذه المسائل ولم یشهد أحدٌ منهم على أحدٍ لا بکفرٍ ولا فسقٍ ولا معصیةٍ).

وما نرید أن نؤکده هنا – بالإضافة إلى ما سبق ذکره – هو ما یلی:

۱) أن الحَکَمَ عند التنازع والخلاف هو کتاب الله وسنة رسوله صلى الله علیه وسلم وفق فهم السلف الصالح وإجماع الأمة، وکل ما سوى ذلک فمنه مقبولٌ ومردود، فنحن مطالبون عند التنازع والخلاف بالتحاکم إلى الکتاب والسنة، قال تعالى: {فإن تنازعتم فی شیء فردوه إلى الله والرسول إن کنتم تؤمنون بالله والیوم الآخر ذلک خیرٌ وأحسن تأویلا} ویقول: {وما اختلفتم فیه من شیء فحکمه إلى الله}. ومع ذلک فإنه ستبقى خلافاتٌ مستقرة لا تُحسَمُ، إما لأنها لم یرد بشأنها دلیلٌ خاص یرفع النزاع، أو ورد دلیل واختلفت فیه الأفهام، أو لأنها تعارضت فیها الأدلة أو غاب بعضها عن بعضِ الأطراف واطلع علیه بعضٌ آخر، أو غیر ذلک من أسباب الخلاف.

وکثیرٌ من قضایا العمل الإسلامی المعاصر هی من هذا الباب الذی لا یضر الخلاف فیه، بل ینبغی فیه التغافر والتسامح مع النصح المستمر والاستعداد لقبول الرأی الراجح، وتجاوز الأخطاء والسلبیات.

۲) ضرورة التفریق بین الثوابت والقطعیات التی هی محل إجماع، والمسائل الاجتهادیة التی هی محل نزاع، فالأولى لا یُقْبَلُ فیه الخلاف ولا یسوغ، والثانیة تُقبَلُ فیها الاجتهادات وتعدد وجهات النظر، ولا یمکن إلزام المخالف فیها برأی لم یتبین له رجحانه.

یقول ابن تیمیة رحمه الله عن الأمور التی هی من موارد الاجتهاد التی تنازع فیها أهل العلم والإیمان: (فهذه الأمور قد تکون قطعیة عند بعض من بین الله له الحق فیها، لکنه لا یمکنه أن یلزم الناس بما بان له ولم یبن لهم… وقد تکون اجتهادیة عنده أیضاً، فهذه تسلم لکل مجتهد ومن قلده… بحیث لا ینکر ذلک علیهم).

لکن ینبغی أن نُذَکِرَ هنا بأن المجتهد فی مثل هذه المسائل لا بد أن یکون أهلاً للنظر فی الموضوع محل الخلاف، وإلا فهو آثمٌ ولو أصاب الحق.

۳) أنه لا بد من إحیاء روح النقد البنّاء والاستعداد لقبول هذا النقد فی جوٍ من رحابة الصدر، وأدب الخلاف، وروح العدل والإنصاف.

ونحن إذا کنّا قد رکزنا فیما سبق على إبراز أخطاء المنتقدین، فإننا لا نعفی بذلک العاملین للإسلام من المسؤولیة، فهنالک جوانب نقصٍ وأخطاءٌ کثیرةٌ عند کثیر من الحرکات والجماعات الإسلامیة، یجب على هذه الحرکات أن تتحلى برحابة الصدر لقبول النقد البنّاءِ بشأنها، مع الاستعداد لتجاوزها، فذلک مقتضى الصراحة مع الذات من جهة، وحقٌ لأبناء هذه الحرکات وغیرهم من المسلمین من جهة أخرى.

إن من حق هؤلاء على هذه الحرکات والجماعات أن یسألوها ماذا أنجزت خلال عشرات السنین؟ وماذا قدمت للإسلام والمسلمین ظ وکم خطوة قطعت فی سبیل إخراج الأمة من وضعها الراهن وتحریر مقدساتها ومدافعة أعدائها؟ وماذا بذلت فی سبیل وحدة المسلمین والعاملین للإسلام؟ وکم من التضحیات قدمت فی سبیل ذلک؟.

ولاشکَ أن الإجابات ستضم ذکر إنجازات فی مجالات عدیدة، ولکن هل کانت تلک الإنجازات هی کل الممکن والمقدور علیه؟ أم کان من الممکن مضاعفة تلک الإنجازات لو تُجُنِبَت کثیرٌ من الأخطاء التی ما زالت تتکرر مرة بعد أخرى؟.

هذه التساؤلات وغیرها مشروعة بلا شک، ولن تستطیع الحرکات الإسلامیة الإجابة علیها بشکلٍ مرضٍ إلا من خلال الالتزام بما سبق ذکره، والعمل على توحید جهود الأمة.

تلک کانت بعضُ أبرز الملامح والصفات التی نراها تشکل المعالم الأساسیة لإطار التنسیق والتعاون بین العاملین للإسلام من أهل السنة والجماعة.

وهذا التنسیق والتعاون والاجتماع الذی نسعى إلیه، وإن کان هدفاً مرحلیاً ومطلباً مهماً، فإنه لا یجوز أن ینسینا الهدف الأکبر فی هذا المجال وهو وحدة المسلمین جمیعاً وقیام دولة الإسلام الکبرى، تحت رایة التوحید وحکم شریعة القرآن، فالسعی لهذا الهدف فرض دل علیه الکتاب والسنة وإجماع علماء الأمة.

إن الحد السابق من التنسیق والتعاون والاجتماع، لا یسد إلا جزءاً محدوداً من الفراغ الکبیر الناتج عن غیاب دولة الإسلام وخلافته، فیجب ألا نقف عند هذا الحد، وان نستمر فی العمل علی رفع مستوى التنسیق والتعاون وتفعیله وتوسیع دائرته وتعمیق جذوره مع مراعاة الضوابط الشرعیة اللازمة، حتى نسد أکبر قدر من ذلک الفراغ، وحتى نبعثَ بذلک أمل الوحدة والاجتماع فی نفوسِ الأمة، بعد أن کاد یتوارى وراء سُحبِ الخلافات والفُرقةِ المخیمة علیها، ونمهد لتحققِ البشارات والوعود النبویة لنا بعودة الخلافة الإسلامیة الراشدة، وما یصاحبُها من عزٍ وتمکینٍ ونصرٍ للمسلمین على أعدائهم، وفی مقدمتهم الیهود.

یقول رسول الله صلى الله علیه وسلم مُبشراً بالخلافة الراشدة التی ستحکم هذه الأمة بعد المُلْک الجَبری العضود الذی حکمها فتراتٍ طویلةً من عمرها: (إنَّ أولَ دینکم نبوةٌ ورحمةٌ، تکون فیکم ما شاء الله أن تکون، ثم یرفعها الله جلَّ جلالهُ، ثم یکون مُلْکاً عضاً، فیکون ما شاء الله أن یکون، ثم یرفعه الله جلَّ جلالهُ، ثم تکونُ خلافةً على مِنهاجِ النبوةِ، تعملُ فی الناس بسنة النبی صلى الله علیه وسلم، ویُلقی الإسلامُ بجرانه فی الأرض، یرضى عنها ساکنُ السماء وساکنُ الأرض، لا تدعُ السماءُ من قطرٍ إلا صبته مدراراً، ولا تدعُ الأرضُ من نباتها وبرکاتها شیئاً إلا أخرجته).

ویقول صلى الله علیه وسلم مُبشراً بالمعرکة الفاصلة بین المسلمین والیهود: (لا تقوم الساعة حتى یقاتل المسلمون الیهود، فیقتلهم المسلمون، حتى یختبئ الیهودی من وراء الحجر والشجر، فیقول الحجر أو الشجر یا مسلم، یا عبدالله هذا یهودی خلفی، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر الیهود).

وفوقَ هذه الوعود الغیبیة الصادقة، والمُبِشرات النبویة المحقَقة، هنالک مُبشِراتٌ واقعیةٌ کثیرة تبعث الأمل، وتدفع إلى العمل.

ومن أبرز هذه المُبشِرات هذه الصحوة الإسلامیة المبارکة التی تعمُ أرجاء الأرض وقاراتها، هذه الصحوة التی أدرک الأعداءُ أنها الخطر الحقیقیُ علیهم، فرکزوا جهودهم على محاربتها.

یقول بن غوریون: (نحن لا نخشى الاشتراکیات، ولا القومیات، ولا الملکیات فی المنطقة..إنّما نخشى الإسلام..هذا المارد الذی نامَ طویلاً وبدأ یتململُ فی المنطقة..إنی أخشى أن یظهر محمدٌ جدیدٌ فی المنطقة).

هذه الصحوة تمتلک قدرة هائلة على التغییر، بما لدیها من طاقاتٍ وقُدراتٍ عظیمة، لکن تنقصها القیادة الفاعلة التی تنظم تلک الجهود والطاقات وتسیر بها فی الطریق الصحیح.

یقول المستشرق جب فی کتابه “وجهة الإسلام”: (إن الحرکات الإسلامیة تتطور عادة بسرعة مذهلة مدهشة، فهی تنفجر إنفجاراً مفاجئاً قبل أن یتبین المراقبون من أماراتها ما یدعوهم إلى الاسترابة فی أمرها، فالحرکات الإسلامیة لا ینقصها إلا الزعامة وظهور صلاح الدین).

لکن قبل تحقق تلک الوعود والبشارات، وقبل أن تبلغ الصحوة الإسلامیة مداها المطلوب، یجب أن ندرک أنه لابد من تقدیم تضحیات کبیرة، وبذل جهود عظیمة، وهذه التضحیات والجهود مطلوبة منّا الیومَ أکثرَ من أی وقتٍ مضى، فإذا نحن لم نقدم تلک التضحیات، ونبذل تلک الجهود، متنازلین عن حظوظ أنفسنا ومصالحنا الشخصیة، فی سبیل مصلحة الاجتماع والائتلاف، فی هذا الوقت الذی أصاب الأمة فیه ما أصابها من الذل والمهانة، وتعرضت لما تعرضت له من انتهاک العرض، واحتلال الأرض، وتدنیس المقدسات، ونهب وسلب الخیرات والثروات، فمتى یکون منا ذلک؟

ومما یدخل فی هذا المضمار العمل على إیجاد إطار أو کیانٍ إسلامیٍ عالمیٍ دائم – هیئة أو مؤتمر – تُمَثَلُ فیه الأمة من خلال العلماء والدعاة والمفکرین والعاملین للإسلام الذین عُرفوا بالصدق والإخلاص والاهتمام بأمور دینهم وأمتهم.

ویکون من أهداف هذا الإطار أو الکیان تحدید أولویات العمل الإسلامی، وتحدید منطلقاته، وضبط مسیرته، والدفاع عن قضایا المسلمین، والتحدث باسم الأمة المسلمة، فیکون بذلک استجابة حقیقیة لواجب المرحلة، وتعبیراً صادقاً عن ضمیر الأمة المسلمة، ورغبات شعوبها وبدیلاً عملیاً عن المؤتمرات والهیئات السلطانیة التی یخدر بها الطواغیت مشاعر الشعوب المسلمة، ویتأَمرون من خلالها على الإسلام والمسلمین.

إن إحیاء هذا المنهج منهج الوحدة والاجتماع، وترک الفرقة والنزاع، إحیاءه بالقول والعمل، والدعوة والممارسة، یجب أن یحتل مکانه فی الأولویات عند العاملین للإسلام بمختلف جماعاتهم وتنظیماتهم، هؤلاء العاملین الذین نرى أنهم یمثلون بمجموعهم عناصر الطائفة المنصورة فی هذا العصر، التی قال عنها صلى الله علیه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتی قائمة بأمر الله لا یضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى یأتی أمر الله وهم ظاهرون على الناس).

ولا یقدح فی انتساب هؤلاء لهذه الطائفة تنوع اهتماماتهم وتباعد بلدانهم ما داموا ملتزمین بالأصول السابقة التی التقى علیها أهل السنة والجماعة عبر التاریخ، فالطائفة المنصورة فسرها العلماء تفسیرات تصدق على حال العاملین للإسلام الیوم.

یقول النووی رحمه الله فی شأن هذه الطائفة: (یجوز أن تکون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنین ما بین شجاعٍ وبصیرٍ بالحرب وفقیه ومحدث ومفسرٍ وقائمٍ بالأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، وزاهد وعابد، ولا یلزم أن یکونوا مجتمعین فی بلدٍ واحد، بل یجوز اجتماعهم فی قطرٍ واحد وافتراقهم فی أقطار الأرض، ویجوز أن یجتمعوا فی البلد الواحد، وأن یکونوا فی بعضٍ منه دون بعض).

هذه الطائفة هی أمل الأمة الیوم فی هذا العصر الذی ادلهمت فیه الظلمات والخطوب، وتلاحقت المصائب والکروب، وتداعى الأعداء على أمة الإسلام تداعی الأکلة إلى قصعتها، فصارت الأمة الإسلامیة إلى الحال التی ذکرنا بعض ملامحها سابقاً، فالطائفة المنصورة هی الأمل فی هذا الوضع، فبعلم الکتاب والسنة الذی تبثه وتنشره تضیء للأمة طریق النجاة وسبیل الهدى، وبالدعوة إلى الله التی تقوم بها تخرج الناس من ظلمات الکفر والمعاصی إلى نور الهدایة والطاعة، وبالجهاد والإعداد الذی تمارسه تحمی العقیدة والدین وتدافع عن العرض والأرض وتمکن لدولة الإسلام على أرضه، وبما تنشره من الوعی والفهم بین الناس تستنفر طاقات الأمة ومشاعرها للنهوض بمسئولیتها التی هیّأها الله لها وجعلها بها خیر أمة أخرجت للناس.

وهذه الطائفة لیست حِکْراً على أحد فکل من اتصف بصفاتها کان منها، والمشارکة فی الواجبات والمسؤولیات التی تقوم بها هی فرض على جمیع المسلمین، على الرجل والمرأة، والشاب الصغیر والشیخ الکبیر، والثری الغنی والمعدم الفقیر، والظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخیرات، والعالم وغیره، وکل هؤلاء یستطیعون المشارکة فی النهوض بالمسؤولیات والواجبات السابقة بما تیسر، فالدعوة الصادقة، والنصیحة الخالصة، والاقتراح الهادف، والدفاع المنصف، والکلمة الطیبة، والدرس الخاص، والمحاضرة العامة، والکتیب والشریط، والمقالة والمشروع الخیری، والموقف المحمود… الخ، کل هذه الأعمال مطلوبة ومرغوبة ولها دور مهم فی النهوض بتلک الواجبات والمسؤولیات فالرسول صلى الله علیه وسلم قد علمنا ألا نحقر من المعروف شیئاً.

وعلى الرغم من تعدد الواجبات والمسؤولیات الملقاة على عاتق العاملین للإسلام الیوم، وتعدد وسائل النهوض والقیام بتلک الواجبات والمسؤولیات، فإن العمل على إصلاح ذات بین المسلمین والقضاء على أسباب ومظاهر الخلاف، وبیان منهج أهل السنة والجماعة فی ذلک تبقى له الأولیة فی تلک الواجبات، لأن أکثر تلک الواجبات إن لم نقل کلها لا یمکن القیام بها فی جو الفرقة والخلاف والتعصب والتحزب، فما أحرى القیادات الإسلامیة والعلماء والدعاة بإحیاء هذا المنهج فی الساحة الإسلامیة، قولاً فی خطبهم ودروسهم ولقاءاتهم وتوجیهاتهم، وعملاً بتجسیده فی علاقاتهم وسلوکهم مع إخوانهم، حتى تأتلف القلوب وتجتمع النفوس، وتتوحد الطاقات والجهود ضد العدو الخارجی، فیتحقق بذلک فینا ما وصف الله تعالى به الرسول صلى الله علیه وسلم وأصحابه رضی الله عنهم بقوله: {محمدٌ رسول الله والذین معه أشداءُ على الکفار رحماء بینهم}، فإن القوم إذا اجتمعوا صلحوا وملکوا، وإذا تفرقوا فسدوا وهلکوا.

وهل هنالک عمل – فی مثل ما نعیشه من خلافات الیوم – أفضل من إصلاح ذات بیننا؟ أم هنالک أخطر من فساد ذات البین هذه؟

إن الرسول صلى الله علیه وسلم یقول: (ألا أخبرکم بأفضل من درجة الصیام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى یا رسول الله قال: إصلاح ذات البین، فإن فساد ذات البین هی الحالقة لا أقول تحلق الشعر، ولکن تحلق الدین).

وصدق رسول الله صلى الله علیه وسلم فإن حال الأمة الیوم أوضح مصداق لهذا الحدیث.

الخاتمة
وفی الختام؛

فإننا نرجو من الله تبارک وتعالى أن یکون عملنا هذا قیاما بجزء من الواجب فی هذا الموضوع، واستجابة موفقة لقول الله تبارک وتعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بینکم}، وقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جمیعاً ولا تفرقوا}، وقوله تعالى:{شرع لکم من الدین ما وصى به نوحاً والذی أوحینا إلیک وما وصینا به إبراهیم وموسى وعیسى أن أقیموا الدین ولا تتفرقوا فیه} وأن یکون مساهمة نافعة فی التقریب بین مختلف عناصر الطائفة المنصورة، القائمة بخلافة النبوة فی مختلف المجالات، فی العلم والمقال، وفی السلوک والحال، وفی الدعوة والجهاد، وفی الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، وغیر ذلک من واجبات هذا الدین وفرائضه وسننه وآدابه وأحکامه وشرائعه، ونسأله أن یصلح ذات بیننا، ویؤلف بین قلوبنا، ویهدینا سُبل السلام، ویخرجنا من الظلمات إلى النور، ونسأله أن یبرم لهذه الأمة أمر رشد، یُعزُ فیه أهل طاعته، ویُذَلُ فیه أهل معصیته، ویؤمر فیه بالمعروف، ویُنهى فیه عن المنکر، وأن یجعلنا من الذین یستمعون القول فیتبعون أحسنه أولئک الذین هداهم الله وأولئک هم أولوا الألباب.

هذا ما أردتُ إبداءَهُ فی هذا الموضوع الشائک الکبیر الخطیر، فما کان فیه من توفیقٍ فمن الله، وما کان من خطإٍ ونقصٍ فمن النفس والشیطان، وإن أُرید إلا الإصلاح ما استطعت وما توفیقی إلا بالله علیه توکلت وإلیه أُنیب.
والله یقول الحق وهو یهدی السبیل